“همزات الوصل” الثقافية والدينية بين العرب والروس
::cck::1769::/cck::
::introtext::
حين نطالع قول الشاعر الروسي الشهير بوشكين (كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية)، ونردفه بقول نظيره ومواطنه ليرمونتوف (سماء الشرق قربتني بلا إرادة مني من تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، ندرك أن المساحة الدينية بين العرب والروس كانت محل تفكير وتدبر منذ أمد بعيد، دلت عليها دلالة مباشرة الرسائل التي تبادلها الإمام محمد عبده مع الروائي الروسي الكبير ليف تولستوي، والتي دفعت الأخير إلى أن يقول للأول في لحظة صدق مع النفس (يوجد دين واحد، الإيمان الصادق. وأعتقد أنني لا أخطىء حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه).
::/introtext::
::fulltext::
حين نطالع قول الشاعر الروسي الشهير بوشكين (كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية)، ونردفه بقول نظيره ومواطنه ليرمونتوف (سماء الشرق قربتني بلا إرادة مني من تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، ندرك أن المساحة الدينية بين العرب والروس كانت محل تفكير وتدبر منذ أمد بعيد، دلت عليها دلالة مباشرة الرسائل التي تبادلها الإمام محمد عبده مع الروائي الروسي الكبير ليف تولستوي، والتي دفعت الأخير إلى أن يقول للأول في لحظة صدق مع النفس (يوجد دين واحد، الإيمان الصادق. وأعتقد أنني لا أخطىء حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه).
لقد صاحب تفهم هؤلاء الروس العظام للدين الإسلامي تأثير قوي للثقافة العربية في الأدب والفكر الروسي عبر أربعة مسارات الأول هو حركة الاستشراق الروسي في القرن الثامن عشر على أيدي باير وكير، ثم في القرن التاسع عشر على أيدي بولديريف وسينكوفسكي والعالم المصري الشيخ محمد طنطاوي الذي سافر إلى روسيا لتدريس اللغة العربية فقوبل باحتفاء شديد. أما الثاني والأقدم فتم من خلال التجارة التي تعود إلى زمن العرب الزاهر، حيث تشير مصادر تاريخية عدة إلى وجود علاقات تجارية بين العرب والروس أيام الخلافتين الأموية والعباسية. والثالث هو جهود المترجمين من العربية إلى الروسية والتي تعود إلى القرن الحادي عشر، ثم حركة التأليف عن الحضارة العربية والتي بدأت في روسيا خلال القرن الخامس عشر الميلادي، لتنتهي بإنشاء أكاديمية في بطرسبرج عام 1724 كان لها فضل كبير في إصدار دوريات علمية للتعريف بالشرق، وبعدها تم تدريس العربية في عهد القيصرة كاترينا الثانية (1762 ـ 1796). والمسار الرابع والأقوى هو المناطق الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز التي كانت متاخمة لروسيا القيصرية ومنضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي المنهار، ثم المسلمون المتواجدون في روسيا الاتحادية نفسها منذ قرون طويلة.
وهنا تقول الدكتور مكارم الغمري المختصة في الأدب الروسي في مؤلفها المتميز (مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي) إن هذه المؤثرات (انسابت من خلال خطين متميزين، خط يستلهم التراث الروحي الإسلامي ممثلاً في القرآن الكريم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخط يستلهم مفردات الحضارة العربية. وانعكست هذه المؤثرات خاصة في إنتاج أدباء الحركة الرومانتيكية الروسية، وعلى رأسها بوشكين الذي قام باستلهام القيم القرآنية بحثاً عن المثال الأخلاقي الخاص والقومي، وللتعبير عن الأفكار البطولية والنضال المنكر للذات في فترة النهضة القومية الروسية. أما سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فصارت بالنسبة لصفوة المثقفين الروس، ومنهم الأدباء ورواد الحركة الوطنية نموذجاً للقدوة الحسنة الصابرة على تبليغ الرسالة والمكافحة في سبيلها. وقد لبت عناصر الحضارة العربية احتياجات التطور الإبداعي للرومانتيكيين الروس في سعيهم إلى التجديد والخروج على القوالب الكلاسيكية، وتأكيدهم حرية الإبداع، فأخذوا عن الأدب العربي رموزه وأخيلته، وتعدوا إلى محاولة اقتباس أسلوب الشعر العربي وبلاغته).
وكان هذا التأثير لافتاً، لا يخفى على سمع ولا بصر أي منصف عادل، وهي مسألة علق عليها الأديب العربي الكبير توفيق الحكيم، وهو ممن تأثروا بالأدب الروسي الكلاسيكي، تعليقاً جلياً حين عزا عبقرية هذا الأدب الذي خلب ألباب الأوروبيين فأقبلوا عليه يترجمونه وينهلون منه ما وسعهم إلى مزجه بين الشرق والغرب، مما أعطاه طعماً خاصاً وقوة متفجرة، عادت إلينا نحن العرب والمسلمين في صيغة روايات خالدة لتولستوي وغوركي ودستوفسكي وتورجينيف وغوغول، وأشعار بديعة لبوشكين وليرمونتوف وبونين، كان لها تأثير قوي في الأدب العربي الحديث برمته، سواء في الشكل أو في المضمون، مع حرص الروس على ترجمتها إلينا بعد قيام الثورة البلشفية، لاسيما من خلال (دار التقدم) التي كانت تقدم مثل هذه الكتب وغيرها بأسعار زهيدة، في سياق اهتمام السوفييت بنشر الماركسية ـ اللينينية.
وقد اتكأ كل هذا على صورة إيجابية للروس في كتب العرب التاريخية، التي دبجها المسعودي وابن الوردي والمقدسي وياقوت الحموي وأحمد بن فضلان، يلخصها الأخير بقوله (الروس حمر، جمل الله خلقهم، لهم نظافة في لباسهم، ويكرمون أضيافهم، ويؤوون الغريب، وينصرون المظلوم، ويحسنون إلى رقيقهم، ويتأنفون في ثيابهم لأنهم يتعاطون التجارة، ولهم رجولة وبسالة إذا نزلوا بساحة حرب، وإذا استنفروا خرجوا جميعاً ولم يتفرقوا، وكانوا يدا واحدة على عدوهم حتى يظفروا).
صورة العربي في الثقافة الروسية ناصعة قياساً إلى ما هي عليه في غرب أوروبا والولايات المتحدة
وفي المقابل فإن صورة العربي في الثقافة الروسية ناصعة قياساً إلى ما هي عليه في غرب أوروبا والولايات المتحدة. فالروس يبدون إعجابهم بكثير من السمات التي تميز الشخصية العربية ومنها الكرم والشهامة والإباء والتضحية بالنفس في سبيل الدين والوطن والمبدأ وتوقير الكبير ومساعدة العجائز، كما يروق لهم بعض الفضائل الاجتماعية الموجودة في الحياة العربية ومنها التماسك الأسري، والحرص على الصداقة، وقدسية العلاقة الزوجية. ولا تجرح بعض الرواسب القديمة النابعة أساساً من (ألف ليلة وليلة) ولا بعض الخدوش التي أحدثتها سلوكيات عرب محدثين هاجروا إلى روسيا للدراسة أو العمل أو اللجوء السياسي، هذه الصورة العامة للعربي في ذهن الروس، خاصة أن أغلبهم مؤمنون بالتنوع البشري الخلاق، وتتلبسهم روح صوفية، جعلت عالم النفس الاجتماعي أندريه سيغفريد يطلق عليهم في كتابه القيم (سيكولوجيا بعض الشعوب) وصف (الشعب المتصوف)، وهي مسألة ظاهرة للعيان في أدب تولستوي وأفكاره.
وفي صورته الأخيرة، انعكس احترام روسيا، التي تتمتع بعضوية مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، للعرب والمسلمين، عبر رد فعل الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته وكذلك مجلس النواب الروسي على قضية (الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم). فعلى العكس مما فعلت دوائر رسمية غربية عديدة تشدقت بحرية التعبير، لم يرق هذا الفعل الشائن للمسؤولين الروس، الذين دانوا جرح مشاعر المسلمين والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدوا احترامهم لقدسية الأديان وحرماتها.
ورغم أن تواجد الثقافة الروسية في الحياة العربية الراهنة أقل بكثير مما كانت عليه الحال أيام الاتحاد السوفييتي السابق، الذي قدم للعالم أيديولوجية استهوت مثقفين عرباً كثراً ولا يزال هناك من يخلص لها وهي (الشيوعية)، فإن الأفق لا يزال واعداً لتمتين العلاقات الثقافية بين الطرفين، خاصة أن المجال السياسي يسهل مثل هذا الاتجاه في ظل اتفاق المصالح العربية ـ الروسية في كثير من الجوانب، كما يسهل تواجد نحو 16 مليون مسلم في روسيا الاتحادية، يتوزعون في 14 جمهورية ومنطقة إدارية، إمكانية إفهام الروس طبيعة الدين الإسلامي الحنيف، وتحسين صورة المسلمين لديها، بعدما أتى المتطرفون والإرهابيون على جزء ناصع منها، وكذلك إمكانية مساعدة المسلمين هناك معرفياً وروحياً، نظراً لأنهم لا يعرفون تعاليم دينهم جيداً، بعد أن مورس عليهم حصار شديد وقمع منظم أيام الاتحاد السوفييتي. وباتت الفرصة الآن سانحة لمد يد العون لهم بعد رفع هذا الحصار، وفك تلك القيود، والسماح لهم بممارسة شعائر دينهم بحرية كبيرة، لا سيما عقب إعادة بناء المساجد، التي كانت في الحقبة الماضية قد هدمت أو تحولت إلى متاجر ونواد وحتى حظائر للماشية، وبعد انتشار ترجمات للقرآن الكريم في منافذ بيع الكتب في العديد من المدن الروسية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1769::/cck::
::introtext::
حين نطالع قول الشاعر الروسي الشهير بوشكين (كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية)، ونردفه بقول نظيره ومواطنه ليرمونتوف (سماء الشرق قربتني بلا إرادة مني من تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، ندرك أن المساحة الدينية بين العرب والروس كانت محل تفكير وتدبر منذ أمد بعيد، دلت عليها دلالة مباشرة الرسائل التي تبادلها الإمام محمد عبده مع الروائي الروسي الكبير ليف تولستوي، والتي دفعت الأخير إلى أن يقول للأول في لحظة صدق مع النفس (يوجد دين واحد، الإيمان الصادق. وأعتقد أنني لا أخطىء حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه).
::/introtext::
::fulltext::
حين نطالع قول الشاعر الروسي الشهير بوشكين (كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية)، ونردفه بقول نظيره ومواطنه ليرمونتوف (سماء الشرق قربتني بلا إرادة مني من تعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم)، ندرك أن المساحة الدينية بين العرب والروس كانت محل تفكير وتدبر منذ أمد بعيد، دلت عليها دلالة مباشرة الرسائل التي تبادلها الإمام محمد عبده مع الروائي الروسي الكبير ليف تولستوي، والتي دفعت الأخير إلى أن يقول للأول في لحظة صدق مع النفس (يوجد دين واحد، الإيمان الصادق. وأعتقد أنني لا أخطىء حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه).
لقد صاحب تفهم هؤلاء الروس العظام للدين الإسلامي تأثير قوي للثقافة العربية في الأدب والفكر الروسي عبر أربعة مسارات الأول هو حركة الاستشراق الروسي في القرن الثامن عشر على أيدي باير وكير، ثم في القرن التاسع عشر على أيدي بولديريف وسينكوفسكي والعالم المصري الشيخ محمد طنطاوي الذي سافر إلى روسيا لتدريس اللغة العربية فقوبل باحتفاء شديد. أما الثاني والأقدم فتم من خلال التجارة التي تعود إلى زمن العرب الزاهر، حيث تشير مصادر تاريخية عدة إلى وجود علاقات تجارية بين العرب والروس أيام الخلافتين الأموية والعباسية. والثالث هو جهود المترجمين من العربية إلى الروسية والتي تعود إلى القرن الحادي عشر، ثم حركة التأليف عن الحضارة العربية والتي بدأت في روسيا خلال القرن الخامس عشر الميلادي، لتنتهي بإنشاء أكاديمية في بطرسبرج عام 1724 كان لها فضل كبير في إصدار دوريات علمية للتعريف بالشرق، وبعدها تم تدريس العربية في عهد القيصرة كاترينا الثانية (1762 ـ 1796). والمسار الرابع والأقوى هو المناطق الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز التي كانت متاخمة لروسيا القيصرية ومنضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي المنهار، ثم المسلمون المتواجدون في روسيا الاتحادية نفسها منذ قرون طويلة.
وهنا تقول الدكتور مكارم الغمري المختصة في الأدب الروسي في مؤلفها المتميز (مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي) إن هذه المؤثرات (انسابت من خلال خطين متميزين، خط يستلهم التراث الروحي الإسلامي ممثلاً في القرآن الكريم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وخط يستلهم مفردات الحضارة العربية. وانعكست هذه المؤثرات خاصة في إنتاج أدباء الحركة الرومانتيكية الروسية، وعلى رأسها بوشكين الذي قام باستلهام القيم القرآنية بحثاً عن المثال الأخلاقي الخاص والقومي، وللتعبير عن الأفكار البطولية والنضال المنكر للذات في فترة النهضة القومية الروسية. أما سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فصارت بالنسبة لصفوة المثقفين الروس، ومنهم الأدباء ورواد الحركة الوطنية نموذجاً للقدوة الحسنة الصابرة على تبليغ الرسالة والمكافحة في سبيلها. وقد لبت عناصر الحضارة العربية احتياجات التطور الإبداعي للرومانتيكيين الروس في سعيهم إلى التجديد والخروج على القوالب الكلاسيكية، وتأكيدهم حرية الإبداع، فأخذوا عن الأدب العربي رموزه وأخيلته، وتعدوا إلى محاولة اقتباس أسلوب الشعر العربي وبلاغته).
وكان هذا التأثير لافتاً، لا يخفى على سمع ولا بصر أي منصف عادل، وهي مسألة علق عليها الأديب العربي الكبير توفيق الحكيم، وهو ممن تأثروا بالأدب الروسي الكلاسيكي، تعليقاً جلياً حين عزا عبقرية هذا الأدب الذي خلب ألباب الأوروبيين فأقبلوا عليه يترجمونه وينهلون منه ما وسعهم إلى مزجه بين الشرق والغرب، مما أعطاه طعماً خاصاً وقوة متفجرة، عادت إلينا نحن العرب والمسلمين في صيغة روايات خالدة لتولستوي وغوركي ودستوفسكي وتورجينيف وغوغول، وأشعار بديعة لبوشكين وليرمونتوف وبونين، كان لها تأثير قوي في الأدب العربي الحديث برمته، سواء في الشكل أو في المضمون، مع حرص الروس على ترجمتها إلينا بعد قيام الثورة البلشفية، لاسيما من خلال (دار التقدم) التي كانت تقدم مثل هذه الكتب وغيرها بأسعار زهيدة، في سياق اهتمام السوفييت بنشر الماركسية ـ اللينينية.
وقد اتكأ كل هذا على صورة إيجابية للروس في كتب العرب التاريخية، التي دبجها المسعودي وابن الوردي والمقدسي وياقوت الحموي وأحمد بن فضلان، يلخصها الأخير بقوله (الروس حمر، جمل الله خلقهم، لهم نظافة في لباسهم، ويكرمون أضيافهم، ويؤوون الغريب، وينصرون المظلوم، ويحسنون إلى رقيقهم، ويتأنفون في ثيابهم لأنهم يتعاطون التجارة، ولهم رجولة وبسالة إذا نزلوا بساحة حرب، وإذا استنفروا خرجوا جميعاً ولم يتفرقوا، وكانوا يدا واحدة على عدوهم حتى يظفروا).
صورة العربي في الثقافة الروسية ناصعة قياساً إلى ما هي عليه في غرب أوروبا والولايات المتحدة
وفي المقابل فإن صورة العربي في الثقافة الروسية ناصعة قياساً إلى ما هي عليه في غرب أوروبا والولايات المتحدة. فالروس يبدون إعجابهم بكثير من السمات التي تميز الشخصية العربية ومنها الكرم والشهامة والإباء والتضحية بالنفس في سبيل الدين والوطن والمبدأ وتوقير الكبير ومساعدة العجائز، كما يروق لهم بعض الفضائل الاجتماعية الموجودة في الحياة العربية ومنها التماسك الأسري، والحرص على الصداقة، وقدسية العلاقة الزوجية. ولا تجرح بعض الرواسب القديمة النابعة أساساً من (ألف ليلة وليلة) ولا بعض الخدوش التي أحدثتها سلوكيات عرب محدثين هاجروا إلى روسيا للدراسة أو العمل أو اللجوء السياسي، هذه الصورة العامة للعربي في ذهن الروس، خاصة أن أغلبهم مؤمنون بالتنوع البشري الخلاق، وتتلبسهم روح صوفية، جعلت عالم النفس الاجتماعي أندريه سيغفريد يطلق عليهم في كتابه القيم (سيكولوجيا بعض الشعوب) وصف (الشعب المتصوف)، وهي مسألة ظاهرة للعيان في أدب تولستوي وأفكاره.
وفي صورته الأخيرة، انعكس احترام روسيا، التي تتمتع بعضوية مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، للعرب والمسلمين، عبر رد فعل الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته وكذلك مجلس النواب الروسي على قضية (الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم). فعلى العكس مما فعلت دوائر رسمية غربية عديدة تشدقت بحرية التعبير، لم يرق هذا الفعل الشائن للمسؤولين الروس، الذين دانوا جرح مشاعر المسلمين والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدوا احترامهم لقدسية الأديان وحرماتها.
ورغم أن تواجد الثقافة الروسية في الحياة العربية الراهنة أقل بكثير مما كانت عليه الحال أيام الاتحاد السوفييتي السابق، الذي قدم للعالم أيديولوجية استهوت مثقفين عرباً كثراً ولا يزال هناك من يخلص لها وهي (الشيوعية)، فإن الأفق لا يزال واعداً لتمتين العلاقات الثقافية بين الطرفين، خاصة أن المجال السياسي يسهل مثل هذا الاتجاه في ظل اتفاق المصالح العربية ـ الروسية في كثير من الجوانب، كما يسهل تواجد نحو 16 مليون مسلم في روسيا الاتحادية، يتوزعون في 14 جمهورية ومنطقة إدارية، إمكانية إفهام الروس طبيعة الدين الإسلامي الحنيف، وتحسين صورة المسلمين لديها، بعدما أتى المتطرفون والإرهابيون على جزء ناصع منها، وكذلك إمكانية مساعدة المسلمين هناك معرفياً وروحياً، نظراً لأنهم لا يعرفون تعاليم دينهم جيداً، بعد أن مورس عليهم حصار شديد وقمع منظم أيام الاتحاد السوفييتي. وباتت الفرصة الآن سانحة لمد يد العون لهم بعد رفع هذا الحصار، وفك تلك القيود، والسماح لهم بممارسة شعائر دينهم بحرية كبيرة، لا سيما عقب إعادة بناء المساجد، التي كانت في الحقبة الماضية قد هدمت أو تحولت إلى متاجر ونواد وحتى حظائر للماشية، وبعد انتشار ترجمات للقرآن الكريم في منافذ بيع الكتب في العديد من المدن الروسية.
::/fulltext::
::cck::1769::/cck::
