التقارب الخليجي – الروسي ( المحفزات والمعوقات )
::cck::1773::/cck::
::introtext::
إن الاهتمام بمنطقة الخليج من الأولويات التي تشكل بنداً ثابتاً في أجندة السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية القرن التاسع عشر في ما عرف بـ (برنامج السياسة الجديدة) الذي وضعته الحكومة الروسية لتعزيز مكانتها على المستوى الدولي، وقامت بمقتضاه بتنظيم زيارات السفن الحربية وتنظيم التجارة مع دول الخليج العربية. واتخذ الاهتمام الروسي شكلاً رسمياً بداية من عام 1924 بافتتاح القنصلية السوفييتية في جدة عام 1924، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكويت عام 1963، وبحلول عام 1991 أقامت روسيا علاقات دبلوماسية مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي.
::/introtext::
::fulltext::
إن الاهتمام بمنطقة الخليج من الأولويات التي تشكل بنداً ثابتاً في أجندة السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية القرن التاسع عشر في ما عرف بـ (برنامج السياسة الجديدة) الذي وضعته الحكومة الروسية لتعزيز مكانتها على المستوى الدولي، وقامت بمقتضاه بتنظيم زيارات السفن الحربية وتنظيم التجارة مع دول الخليج العربية. واتخذ الاهتمام الروسي شكلاً رسمياً بداية من عام 1924 بافتتاح القنصلية السوفييتية في جدة عام 1924، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكويت عام 1963، وبحلول عام 1991 أقامت روسيا علاقات دبلوماسية مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد استطاع الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين منذ أن وصل إلى السلطة في عام 2000 أن يعطي دفعة قوية ويحدث تغييراً نوعياً في العلاقات مع دول الخليج، خاصة بعد الفتور الذي شهدته هذه العلاقات في ظل الأزمة الروسية الشيشانية التي أثرت سلباً في تلك العلاقات، وتجسد هذا التحول في زيارة تاريخية قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى روسيا في سبتمبر عام 2003 (عندما كان ولياً للعهد)، ثم عدة زيارات إلى المنطقة قام بها الرئيس الروسي بوتين في إبريل عام 2005 حين زار مصر ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي عام 2006 قام بزيارة الجزائر والمغرب. وفي العام الحالي قام الرئيس الروسي بجولة في المشرق العربي زار خلالها المملكة العربية السعودية وقطر والأردن، والإمارات العربية المتحدة،
وهذا يعني أن المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج بشكل خاص عادت لتحتل أولوية متقدمة ضمن أولويات السياسة الخارجية الروسية خلال رئاسة بوتين، وذلك بفعل عدد من العوامل سواء على الجانب الروسي أو الخليجي أو المشترك:
على الجانب الروسي، هناك رغبة لدى موسكو في استعادة مكانتها على المستوى الدولي كقوة عظمى والاستفادة من الفرصة التاريخية الراهنة والتي تتمثل في حالة التراجع الأمريكي والمأزق الذي تعيشه واشنطن في أكثر من مكان وخاصة في العراق وأفغانستان وتورطها في هذين المستنقعين وانشغالها بالتالي عن بعض القضايا الأخرى، الأمر الذي يعطي لروسيا حرية الحركة لاكتساب حلفاء جدد أو استعادة حلفاء قدماء فقدتهم حين انشغلت بالتطورات الداخلية الدراماتيكية التي شهدها الاتحاد السوفييتي السابق.
وتؤكد هذا المسعى الروسي الانتقادات التي شنها الرئيس بوتين ضد السياسات الأمريكية في خطابه أمام مؤتمر السياسة الأمنية في ميونيخ هذا العام، حيث وصف الولايات المتحدة بأنها تخطت حدودها بالانفراد دولياً بالقرارات، وتجاهلت روسيا ومراكز قوى اقتصادية جديدة في العالم يجب أن تؤخذ في الاعتبار ضمن نظرة جديدة لعالم متعدد الأقطاب.
وعاد الرئيس بوتين ليؤكد أن سباق التسلح لم ينتهِ، وأن الدول الغربية تحاول الضغط على روسيا وعزلها دولياً، مشدداً على رفضه نشر أنظمة صواريخ أمريكية مضادة للصواريخ الباليستية في عدد من دول أوروبا الشرقية، معتبراً أن مثل تلك الخطوة موجّهة ضد موسكو التي سترد بما يتناسب مع مواجهة هذا الخطر.
وكانت منطقة الخليج من تلك المناطق التي سعت روسيا إلى إثبات وجودها فيها من جديد، نظراً للموقع الاستراتيجي لمنطقة الخليج، حيث تحاذي الحدود الجنوبية لروسيا ومنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى المهمة من وجهة نظر أمن واقتصاد موسكو.
واعتمدت روسيا في التقارب مع دول الخليج على النهج البراغماتي الذي يعتمد على المصالح والتخلي عن الأفكار الأيديولوجية السابقة التي كانت تثير مخاوف من جانب بعض بلدان الخليج، وحالت دون حدوث تقارب في العلاقات بين الجانبين، وأيضاً اتباع سياسة خارجية معتدلة ومقبولة وأن تظهر كوسيط محايد ونزيه في الأزمات سواء في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي أو الحرب في العراق؛ ومن ذلك رفضها إقامة المستوطنات ورفضها بناء الجدار العازل، ومطالبتها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع كافة القوى الفلسطينية ومن بينها حركة حماس -التي تضعها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية – حتى إن الرئيس بوتين استقبل مسؤولي حماس وعلى رأسهم خالد مشعل في موسكو، وطالب بإنهاء الحصار عن الشعب الفلسطيني. أما في الأزمة العراقية فقد كانت روسيا من الدول الرافضة للغزو منذ البداية، وتطالب بالانسحاب الأمريكي من العراق، وأن يكون حل تلك الأزمة في إطار الأمم المتحدة.
وفي أزمة البرنامج النووي الإيراني، التي تشكل مصدر قلق لدول الخليج، تبنت روسيا أيضاً موقفاً وسطاً يتمثل في رفض تشديد العقوبات والمطالبة باستمرار الحوار بين إيران والمجتمع الدولي من ناحية والضغط على إيران وحثها على التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ناحية أخرى.
منطقة الخليج كانت من تلك المناطق التي سعت روسيا إلى إثبات وجودها فيها من جديد
وعلى الجانب الخليجي، هناك استياء على الصعيدين الشعبي والرسمي من سياسات واشنطن في المنطقة والتي أدت إلى العديد من المشكلات والأزمات سواء في العراق نتيجة لسياسات أمريكا الفاشلة والمتناقضة وعدم وجود رؤية استراتيجية لمرحلة ما بعد الغزو، أو في الأراضي الفلسطينية نتيجة للانحياز الأمريكي المطلق إلى إسرائيل، أو في المنطقة عموماً في ظل التهديدات الأمريكية بضرب إيران لوقف برنامجها النووي وما يحمله ذلك من مخاطر وكوارث على المنطقة.
وفي هذا الإطار، من مصلحة دول الخليج تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الاعتماد على حليف واحد ربما يتسبب بسياساته التي لا تراعي سوى مصالحه بدمار وهلاك المنطقة، ومعروف أنه كلما تعددت الأقطاب على المستوى الدولي زادت مساحة الحرية والحركة أمام الدول الصغيرة، فالتقارب مع روسيا يمكن أن يوفر لدول الخليج المزايا التالية:
* دعم الموقف التفاوضي وإعطاؤها هامش مناورة يمكن الضغط من خلاله على الولايات المتحدة من أجل مراعاة مصالح تلك الدول في أي اتفاقات أو تسويات في المنطقة وخاصة في ما يتعلق بالعراق أو إيران.
* الاستفادة من الخبرات الروسية في المجال النووي، خاصة أن هناك رغبة خليجية مبررة ومشروعة في امتلاك برنامج نووي سلمي، وربما تلجأ إلى روسيا في سبيل تحقيق هذا الهدف، في ظل شكوك واشنطن في هذا المسعى الخليجي، فقد تساءلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عن دوافع دولة نفطية بحجم السعودية لامتلاك برنامج نووي.
* الضغط على إيران من خلال روسيا، فهي لاعب فاعل في البرنامج النووي الإيراني سواء لدورها الرئيسي في بناء القدرات النووية الإيرانية أو لموقفها من تلك الأزمة بوصفها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهنا قد تلعب موسكو دوراً مزدوجاً يتمثل في إقناع الطرف الإيراني بخطورة الوضع الراهن على المنطقة بأسرها وضرورة تلبية مطالب المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية وخاصة فتح كافة منشآتها النووية للتفتيش الدولي، وإلا تخلت عن موقفها الداعم لإيران في مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه تقوم روسيا بطمأنة الجانب الخليجي من المخاوف البيئية المشروعة لديه سواء من المنشآت النووية الإيرانية أو من مخاطر احتمالات نشوب حرب جديدة ستكون لها عواقب كارثية على المنطقة، ويمكن أن تقوم روسيا بإطلاع دول الخليج على وسائل الأمان في المفاعلات النووية الإيرانية.
أما العوامل المشتركة بين الجانبين الروسي والخليجي والتي تدفع نحو التقارب بينهما، فإن هناك مجالات عدة للتعاون بين الجانبين تشكل أجندة مشتركة، من أبرزها مجالا الطاقة ومبيعات الأسلحة. وبالنسبة للطاقة فإن دول الخليج هي كبرى الدول المنتجة للنفط والغاز، أما روسيا فهي أكبر منتج للنفط خارج نطاق منظمة أوبك حيث تنتج ما يقارب من 10 ملايين برميل يومياً، وهي أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، ولها تأثير كبير في أسواق الطاقة العالمية، لذا فهناك ضرورة ملحّة سواء للتعاون والتنسيق والتخطيط في هذا المجال من أجل استقرار أسعار المحروقات والمحافظة على مستوى عادل لها، أو زيادة الاستثمارات المتبادلة لما تحققه من فوائد مالية واقتصادية كثيرة للجانبين معاً.
وفي ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، فهناك اتجاه خليجي لزيادة القدرات العسكرية والتسليحية في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط عموماً من سباق محموم في التسلح، ويزيد المشكلة تعقيداً أن منطقة الخليج تعاني من اختلال في توازن القدرات العسكرية والتسليحية لصالح كل من إيران وإسرائيل. ومن مصلحة دول الخليج تنويع مصادر الحصول على السلاح بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية فقط، خاصة أن واشنطن تراعي مصالحها ومصالح إسرائيل في صفقات السلاح التي تبرمها مع أية دولة، ولا تزود دول الخليج ببعض القدرات التسليحية وخاصة الصاروخية ضماناً لتفوق إسرائيل.
إن البديل الروسي يطرح نفسه بقوة خاصة أن روسيا هي المنافس الأول للولايات المتحدة في سوق السلاح وفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2006، وتتمتع بميزة انخفاض الأسعار مقارنة بالسلاح الأمريكي، إضافة إلى أن روسيا -كما يقول الرئيس بوتين- لا تبيع السلاح وفق توجهات أيديولوجية أو سياسية خاصة، وإنما تراعي الأمن والسلم العالمي والتوازن الأمني الإقليمي بين الدول ومبادئ القانون الدولي وحاجة الدول والشعوب للدفاع عن نفسها.
كما أن من مصلحة روسيا فتح أسواق جديدة والوجود كأحد موردي السلاح في المنطقة بعد أن فقدت أسواقاً تقليدية مهمة مثل العراق وليبيا، مما يتيح لروسيا إمكانية توظيف مبيعاتها التسليحية كأداة فعالة في سياستها الخارجية، والحصول على مكاسب مالية طائلة تضاف إلى مصادر الدخل القومي.
معوقات التقارب الخليجي- الروسي:
على الجانب الآخر، هناك بعض المعوقات التي تقف عائقاً أمام تطوير التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا من أهمها:
1- إن الولايات المتحدة ورغم تراجع دورها العالمي بصفة عامة وفي الشرق الأوسط بصفة خاصة إلا أنها لا تزال اللاعب الرئيسي في أحداث وتفاعلات المنطقة، كما أنها لا تزال الضامن الرئيسي لأمن دول الخليج، بل وتتواجد بقوات عسكرية مباشرة في الدول الخليجية للحفاظ على هذا الهدف، ولا يمكن لواشنطن أن تسمح بلاعب دولي آخر يهدد مصالحها في المنطقة أو حتى يمكن أن يقلل مكاسبها. وتدرك القيادة الروسية أن الولايات المتحدة هي الفاعل الأساسي في المنطقة، ولا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة في ذلك. وقد صرح الرئيس بوتين نفسه خلال زيارته إلى السعودية بأن روسيا لا تعتزم الدخول في منافسة مع أية دولة أخرى في الخليج العربي.
2- إن للدور الروسي في المنطقة حدوداً، فموسكو ورغم ما تبديه من مواقف أكثر تفهماً للمطالب العربية سواء في العراق أو في الصراع العربي – الإسرائيلي إلا أن تلك المواقف تقف عند حدود التصريحات والأقوال، وتبقى عاجزة عن التأثير في الوقائع والأحداث بما يغير السلوك والقرار الأمريكي أو الإسرائيلي.

3- إن روسيا ورغم رغبتها في العودة إلى سابق عهدها كقطب دولي منافس للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها لا تملك حتى الآن مقومات القطب الدولي التي تتمثل في القوة العسكرية والاقتصادية إضافة إلى الرغبة، فالاقتصاد الروسي ضعيف، بل يعتمد على المساعدات الخارجية، وقوتها العسكرية غير متجددة وتقف عند حدود ما ورثته عن الاتحاد السوفييتي السابق، وعلى هذا فهي لا تملك من مقومات القطب الدولي سوى الرغبة وهي بالطبع غير كافية.
والخلاصة أن هناك رغبة خليجية – روسية مشتركة في التقارب، كما أن هناك مجالات كثيرة تتلاقى فيها مصالح روسيا مع مصالح دول الخليج، الأمر الذي يفرض ضرورة استمرار تقارب الطرفين بهدف تحقيق التوازن والتنسيق في مجالي الطاقة والأمن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1773::/cck::
::introtext::
إن الاهتمام بمنطقة الخليج من الأولويات التي تشكل بنداً ثابتاً في أجندة السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية القرن التاسع عشر في ما عرف بـ (برنامج السياسة الجديدة) الذي وضعته الحكومة الروسية لتعزيز مكانتها على المستوى الدولي، وقامت بمقتضاه بتنظيم زيارات السفن الحربية وتنظيم التجارة مع دول الخليج العربية. واتخذ الاهتمام الروسي شكلاً رسمياً بداية من عام 1924 بافتتاح القنصلية السوفييتية في جدة عام 1924، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكويت عام 1963، وبحلول عام 1991 أقامت روسيا علاقات دبلوماسية مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي.
::/introtext::
::fulltext::
إن الاهتمام بمنطقة الخليج من الأولويات التي تشكل بنداً ثابتاً في أجندة السياسة الخارجية الروسية منذ نهاية القرن التاسع عشر في ما عرف بـ (برنامج السياسة الجديدة) الذي وضعته الحكومة الروسية لتعزيز مكانتها على المستوى الدولي، وقامت بمقتضاه بتنظيم زيارات السفن الحربية وتنظيم التجارة مع دول الخليج العربية. واتخذ الاهتمام الروسي شكلاً رسمياً بداية من عام 1924 بافتتاح القنصلية السوفييتية في جدة عام 1924، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الكويت عام 1963، وبحلول عام 1991 أقامت روسيا علاقات دبلوماسية مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد استطاع الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين منذ أن وصل إلى السلطة في عام 2000 أن يعطي دفعة قوية ويحدث تغييراً نوعياً في العلاقات مع دول الخليج، خاصة بعد الفتور الذي شهدته هذه العلاقات في ظل الأزمة الروسية الشيشانية التي أثرت سلباً في تلك العلاقات، وتجسد هذا التحول في زيارة تاريخية قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى روسيا في سبتمبر عام 2003 (عندما كان ولياً للعهد)، ثم عدة زيارات إلى المنطقة قام بها الرئيس الروسي بوتين في إبريل عام 2005 حين زار مصر ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي عام 2006 قام بزيارة الجزائر والمغرب. وفي العام الحالي قام الرئيس الروسي بجولة في المشرق العربي زار خلالها المملكة العربية السعودية وقطر والأردن، والإمارات العربية المتحدة،
وهذا يعني أن المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج بشكل خاص عادت لتحتل أولوية متقدمة ضمن أولويات السياسة الخارجية الروسية خلال رئاسة بوتين، وذلك بفعل عدد من العوامل سواء على الجانب الروسي أو الخليجي أو المشترك:
على الجانب الروسي، هناك رغبة لدى موسكو في استعادة مكانتها على المستوى الدولي كقوة عظمى والاستفادة من الفرصة التاريخية الراهنة والتي تتمثل في حالة التراجع الأمريكي والمأزق الذي تعيشه واشنطن في أكثر من مكان وخاصة في العراق وأفغانستان وتورطها في هذين المستنقعين وانشغالها بالتالي عن بعض القضايا الأخرى، الأمر الذي يعطي لروسيا حرية الحركة لاكتساب حلفاء جدد أو استعادة حلفاء قدماء فقدتهم حين انشغلت بالتطورات الداخلية الدراماتيكية التي شهدها الاتحاد السوفييتي السابق.
وتؤكد هذا المسعى الروسي الانتقادات التي شنها الرئيس بوتين ضد السياسات الأمريكية في خطابه أمام مؤتمر السياسة الأمنية في ميونيخ هذا العام، حيث وصف الولايات المتحدة بأنها تخطت حدودها بالانفراد دولياً بالقرارات، وتجاهلت روسيا ومراكز قوى اقتصادية جديدة في العالم يجب أن تؤخذ في الاعتبار ضمن نظرة جديدة لعالم متعدد الأقطاب.
وعاد الرئيس بوتين ليؤكد أن سباق التسلح لم ينتهِ، وأن الدول الغربية تحاول الضغط على روسيا وعزلها دولياً، مشدداً على رفضه نشر أنظمة صواريخ أمريكية مضادة للصواريخ الباليستية في عدد من دول أوروبا الشرقية، معتبراً أن مثل تلك الخطوة موجّهة ضد موسكو التي سترد بما يتناسب مع مواجهة هذا الخطر.
وكانت منطقة الخليج من تلك المناطق التي سعت روسيا إلى إثبات وجودها فيها من جديد، نظراً للموقع الاستراتيجي لمنطقة الخليج، حيث تحاذي الحدود الجنوبية لروسيا ومنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى المهمة من وجهة نظر أمن واقتصاد موسكو.
واعتمدت روسيا في التقارب مع دول الخليج على النهج البراغماتي الذي يعتمد على المصالح والتخلي عن الأفكار الأيديولوجية السابقة التي كانت تثير مخاوف من جانب بعض بلدان الخليج، وحالت دون حدوث تقارب في العلاقات بين الجانبين، وأيضاً اتباع سياسة خارجية معتدلة ومقبولة وأن تظهر كوسيط محايد ونزيه في الأزمات سواء في ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي أو الحرب في العراق؛ ومن ذلك رفضها إقامة المستوطنات ورفضها بناء الجدار العازل، ومطالبتها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع كافة القوى الفلسطينية ومن بينها حركة حماس -التي تضعها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية – حتى إن الرئيس بوتين استقبل مسؤولي حماس وعلى رأسهم خالد مشعل في موسكو، وطالب بإنهاء الحصار عن الشعب الفلسطيني. أما في الأزمة العراقية فقد كانت روسيا من الدول الرافضة للغزو منذ البداية، وتطالب بالانسحاب الأمريكي من العراق، وأن يكون حل تلك الأزمة في إطار الأمم المتحدة.
وفي أزمة البرنامج النووي الإيراني، التي تشكل مصدر قلق لدول الخليج، تبنت روسيا أيضاً موقفاً وسطاً يتمثل في رفض تشديد العقوبات والمطالبة باستمرار الحوار بين إيران والمجتمع الدولي من ناحية والضغط على إيران وحثها على التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ناحية أخرى.
منطقة الخليج كانت من تلك المناطق التي سعت روسيا إلى إثبات وجودها فيها من جديد
وعلى الجانب الخليجي، هناك استياء على الصعيدين الشعبي والرسمي من سياسات واشنطن في المنطقة والتي أدت إلى العديد من المشكلات والأزمات سواء في العراق نتيجة لسياسات أمريكا الفاشلة والمتناقضة وعدم وجود رؤية استراتيجية لمرحلة ما بعد الغزو، أو في الأراضي الفلسطينية نتيجة للانحياز الأمريكي المطلق إلى إسرائيل، أو في المنطقة عموماً في ظل التهديدات الأمريكية بضرب إيران لوقف برنامجها النووي وما يحمله ذلك من مخاطر وكوارث على المنطقة.
وفي هذا الإطار، من مصلحة دول الخليج تنويع علاقاتها الخارجية وعدم الاعتماد على حليف واحد ربما يتسبب بسياساته التي لا تراعي سوى مصالحه بدمار وهلاك المنطقة، ومعروف أنه كلما تعددت الأقطاب على المستوى الدولي زادت مساحة الحرية والحركة أمام الدول الصغيرة، فالتقارب مع روسيا يمكن أن يوفر لدول الخليج المزايا التالية:
* دعم الموقف التفاوضي وإعطاؤها هامش مناورة يمكن الضغط من خلاله على الولايات المتحدة من أجل مراعاة مصالح تلك الدول في أي اتفاقات أو تسويات في المنطقة وخاصة في ما يتعلق بالعراق أو إيران.
* الاستفادة من الخبرات الروسية في المجال النووي، خاصة أن هناك رغبة خليجية مبررة ومشروعة في امتلاك برنامج نووي سلمي، وربما تلجأ إلى روسيا في سبيل تحقيق هذا الهدف، في ظل شكوك واشنطن في هذا المسعى الخليجي، فقد تساءلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عن دوافع دولة نفطية بحجم السعودية لامتلاك برنامج نووي.
* الضغط على إيران من خلال روسيا، فهي لاعب فاعل في البرنامج النووي الإيراني سواء لدورها الرئيسي في بناء القدرات النووية الإيرانية أو لموقفها من تلك الأزمة بوصفها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وهنا قد تلعب موسكو دوراً مزدوجاً يتمثل في إقناع الطرف الإيراني بخطورة الوضع الراهن على المنطقة بأسرها وضرورة تلبية مطالب المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية وخاصة فتح كافة منشآتها النووية للتفتيش الدولي، وإلا تخلت عن موقفها الداعم لإيران في مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه تقوم روسيا بطمأنة الجانب الخليجي من المخاوف البيئية المشروعة لديه سواء من المنشآت النووية الإيرانية أو من مخاطر احتمالات نشوب حرب جديدة ستكون لها عواقب كارثية على المنطقة، ويمكن أن تقوم روسيا بإطلاع دول الخليج على وسائل الأمان في المفاعلات النووية الإيرانية.
أما العوامل المشتركة بين الجانبين الروسي والخليجي والتي تدفع نحو التقارب بينهما، فإن هناك مجالات عدة للتعاون بين الجانبين تشكل أجندة مشتركة، من أبرزها مجالا الطاقة ومبيعات الأسلحة. وبالنسبة للطاقة فإن دول الخليج هي كبرى الدول المنتجة للنفط والغاز، أما روسيا فهي أكبر منتج للنفط خارج نطاق منظمة أوبك حيث تنتج ما يقارب من 10 ملايين برميل يومياً، وهي أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، ولها تأثير كبير في أسواق الطاقة العالمية، لذا فهناك ضرورة ملحّة سواء للتعاون والتنسيق والتخطيط في هذا المجال من أجل استقرار أسعار المحروقات والمحافظة على مستوى عادل لها، أو زيادة الاستثمارات المتبادلة لما تحققه من فوائد مالية واقتصادية كثيرة للجانبين معاً.
وفي ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، فهناك اتجاه خليجي لزيادة القدرات العسكرية والتسليحية في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط عموماً من سباق محموم في التسلح، ويزيد المشكلة تعقيداً أن منطقة الخليج تعاني من اختلال في توازن القدرات العسكرية والتسليحية لصالح كل من إيران وإسرائيل. ومن مصلحة دول الخليج تنويع مصادر الحصول على السلاح بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية فقط، خاصة أن واشنطن تراعي مصالحها ومصالح إسرائيل في صفقات السلاح التي تبرمها مع أية دولة، ولا تزود دول الخليج ببعض القدرات التسليحية وخاصة الصاروخية ضماناً لتفوق إسرائيل.
إن البديل الروسي يطرح نفسه بقوة خاصة أن روسيا هي المنافس الأول للولايات المتحدة في سوق السلاح وفقاً لتقرير الأمم المتحدة لعام 2006، وتتمتع بميزة انخفاض الأسعار مقارنة بالسلاح الأمريكي، إضافة إلى أن روسيا -كما يقول الرئيس بوتين- لا تبيع السلاح وفق توجهات أيديولوجية أو سياسية خاصة، وإنما تراعي الأمن والسلم العالمي والتوازن الأمني الإقليمي بين الدول ومبادئ القانون الدولي وحاجة الدول والشعوب للدفاع عن نفسها.
كما أن من مصلحة روسيا فتح أسواق جديدة والوجود كأحد موردي السلاح في المنطقة بعد أن فقدت أسواقاً تقليدية مهمة مثل العراق وليبيا، مما يتيح لروسيا إمكانية توظيف مبيعاتها التسليحية كأداة فعالة في سياستها الخارجية، والحصول على مكاسب مالية طائلة تضاف إلى مصادر الدخل القومي.
معوقات التقارب الخليجي- الروسي:
على الجانب الآخر، هناك بعض المعوقات التي تقف عائقاً أمام تطوير التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا من أهمها:
1- إن الولايات المتحدة ورغم تراجع دورها العالمي بصفة عامة وفي الشرق الأوسط بصفة خاصة إلا أنها لا تزال اللاعب الرئيسي في أحداث وتفاعلات المنطقة، كما أنها لا تزال الضامن الرئيسي لأمن دول الخليج، بل وتتواجد بقوات عسكرية مباشرة في الدول الخليجية للحفاظ على هذا الهدف، ولا يمكن لواشنطن أن تسمح بلاعب دولي آخر يهدد مصالحها في المنطقة أو حتى يمكن أن يقلل مكاسبها. وتدرك القيادة الروسية أن الولايات المتحدة هي الفاعل الأساسي في المنطقة، ولا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة في ذلك. وقد صرح الرئيس بوتين نفسه خلال زيارته إلى السعودية بأن روسيا لا تعتزم الدخول في منافسة مع أية دولة أخرى في الخليج العربي.
2- إن للدور الروسي في المنطقة حدوداً، فموسكو ورغم ما تبديه من مواقف أكثر تفهماً للمطالب العربية سواء في العراق أو في الصراع العربي – الإسرائيلي إلا أن تلك المواقف تقف عند حدود التصريحات والأقوال، وتبقى عاجزة عن التأثير في الوقائع والأحداث بما يغير السلوك والقرار الأمريكي أو الإسرائيلي.

3- إن روسيا ورغم رغبتها في العودة إلى سابق عهدها كقطب دولي منافس للولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها لا تملك حتى الآن مقومات القطب الدولي التي تتمثل في القوة العسكرية والاقتصادية إضافة إلى الرغبة، فالاقتصاد الروسي ضعيف، بل يعتمد على المساعدات الخارجية، وقوتها العسكرية غير متجددة وتقف عند حدود ما ورثته عن الاتحاد السوفييتي السابق، وعلى هذا فهي لا تملك من مقومات القطب الدولي سوى الرغبة وهي بالطبع غير كافية.
والخلاصة أن هناك رغبة خليجية – روسية مشتركة في التقارب، كما أن هناك مجالات كثيرة تتلاقى فيها مصالح روسيا مع مصالح دول الخليج، الأمر الذي يفرض ضرورة استمرار تقارب الطرفين بهدف تحقيق التوازن والتنسيق في مجالي الطاقة والأمن.
::/fulltext::
::cck::1773::/cck::
