مخرجات التعليم وحاجة أسواق العمل الخليجية
::cck::1801::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة، وإن كان بدرجات مختلفة، تحديات مرتبطة بتركيبة القوى العاملة فيها، حيث يشير واقع القوى العاملة إلى اختلال ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة، بما يحمله ذلك من إشكاليات تواجه البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لدول المجلس. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة من جانب دول المجلس للتعامل مع هذا التحدي سواء تم ذلك بمبادرات فردية أو جماعية، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الفجوة قائمة بين طموحات الدول الخليجية في هذا الشأن ومؤشرات واقع القوى العاملة.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة، وإن كان بدرجات مختلفة، تحديات مرتبطة بتركيبة القوى العاملة فيها، حيث يشير واقع القوى العاملة إلى اختلال ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة، بما يحمله ذلك من إشكاليات تواجه البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لدول المجلس. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة من جانب دول المجلس للتعامل مع هذا التحدي سواء تم ذلك بمبادرات فردية أو جماعية، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الفجوة قائمة بين طموحات الدول الخليجية في هذا الشأن ومؤشرات واقع القوى العاملة.
لا يخفى على أحد أن جملة الضغوط الدولية والتغيرات التي يشهدها المجتمع الدولي تعمل في اتجاه معاكس لمحاولات دول المجلس إحلال القوى المواطنة محل الوافدة أو على الأقل إيجاد التوازن بين الطرفين. ومن أهم هذه التحولات الدولية اتفاقيات (الجات) والتحول نحو اقتصاد المعرفة، والانفتاح على العالم الخارجي، وتلاشي المعنى التقليدي للحدود الجغرافية، والمهارات التي يتطلبها سوق العمل وغيرها من التحولات الجذرية المعاصرة. ونتيجة لذلك فإنه من المتوقع أن تواجه عمليات التوطين صعوبات جمة في دول المجلس.
ولعل مما يعمق من حدة هذا التحدي هو نمو حجم البطالة بين المتعلمين وخريجي الجامعات في دول مجلس التعاون، وعدم قدرتهم على تلبية احتياجات سوق العمل، الأمر الذي يؤكد وجود خلل في نظم التعليم العام، والفني والجامعي، فالتوسع في التعليم بكل مستوياته في دول المجلس لم يصاحبه نمو مناظر للقوى العاملة المحلية مقارنة بالقوى العاملة الوافدة، وهذا هو موطن الداء وأيضاً نقطة البداية الاستراتيجية في التعامل مع هذه القضية.
والواقع يشير في الوقت نفسه إلى المحاولات الدؤوبة من جانب مؤسسات التعليم العام والعالي في دول المجلس من أجل التطوير بل معظمها يتخذ من التطوير المستمر شعاراً له. ولذلك يبدو لي أن ثمة عدم تنسيق ـ وإن شئنا الدقة انفصالاً ـ بين سياسات التطوير في مجالات التعليم، واحتياجات أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، أو بالأحرى استراتيجيات تطوير التعليم واستراتيجيات التطوير الاقتصادي، وفي ضوء ذلك لا أجد بداً من الدعوة إلى الربط الوثيق بين نظم التعليم ومناهجه وآلياته من جانب، وبين الصناعات المختلفة ومؤسسات الأعمال والخدمات الجديدة التي يفرزها الاقتصاد الجديد القائم على صناعة المعلومات والمعارف التقنية وما يتطلبه ذلك من مهارات عقلية وإبداعية لا تزال نظمنا التعليمية بمنأى عنها.
تطوير النظم التعليمية لمواكبة الاقتصاد المبني على المعرفة
على الرغم من أن عملية التحول إلى اقتصاد مبني على المعرفة تعني المزيد من فرص التوظيف، فإن المشكلة الأساسية تتمثل في أن هذه الوظائف تحتاج إلى مهارات وخبرات عالية، وهو ما يجعل هناك حاجة إلى إعادة هيكلة نظم التعليم لكي تكون قادرة على إمدادنا بهذه النوعية المطلوبة من العمالة، ولكي لا تخرّج لنا خريجين ليست هناك حاجة حقيقية إليهم. ويتمثل التحدي الذي يواجه المؤسسات في الاقتصاد المبني على المعرفة في تحويل نفسها إلى منظمات تعمل على تحسين عملية تراكم وتنمية عمالة المعرفة. أما بالنسبة للعمالة فإن التحدي الذي يواجهها يتمثل في كيفية الارتقاء بمهاراتها وتوسيعها من خلال نظم التعليم الرسمية وكذلك من خلال التعليم في أماكن العمل وغيرها من المحيطات الأقل رسمية.

ومن المؤكد أن انخفاض تكاليف التكنولوجيا والمزيد من التقدم التكنولوجي الذي يتم إحرازه يساهمان في التحول الذي يحدث الآن في العالم. لهذا تستدعي مثل هذه التطورات العالمية بعض المتطلبات، منها ما يتضمن ضرورة اكتساب الأفراد والمؤسسات التعليمية مهارات القرن الحادي والعشرين وتعزيزها. وهذا يستند إلى كون المهارات التقليدية المتعلقة بجمع المعلومات وتقييمها وإيصالها لا تكفي في ما يتعلق بتأمين العمالة أو المحافظة عليها في العصر الحديث. فهدف التعليم في الوقت الراهن هو ضمان اكتساب المهارات اللازمة لعملية تعليم ذاتي مستمر، ومتفاعل يستمر مدى الحياة. مثل هذا الهدف كان قبل جيل يعتبر تحدياً ضخماً: إذ إن عملية التعليم المتواصل متاحة اليوم للعديد من الطلاب المعاصرين، كون أنه ليست لديهم دائماً الوسائل التي تجعلهم يستفيدون من هذه العملية إلى الحد الأقصى. وفي الواقع، فإنه يتعين على الطلاب الراغبين في الاستفادة مما تحقق من تقدم أن يحصلوا على المهارات اللازمة لذلك.
لقد أحرزت العولمة كثيراً من التغييرات في فترة قصيرة نسبياً من الزمن. وقد نجم عن ذلك تحول مثير في عملية اكتساب المعرفة. فعلى سبيل المثال، لم يعد حفظ المعلومات عن ظهر قلب وتخزينها جانباً أساسياً من أنظمة التعليم الحديثة، حيث يتعين في العصر الحديث تعليم الطلاب كيفية معالجة وتقييم المعلومات المتاحة بسهولة بمجرد النقر على (فأرة) الحاسوب. وفي الواقع، فإن هدف نظام التعليم الحديث يجب أن يتوجه إلى تطوير المهارات الإدراكية وشحذ الفضول الطبيعي الكامن لدى الطلاب.
كما يهدف التعليم، انطلاقاً من هذا السيناريو، إلى تحويل الطلاب من متلقين سلبيين للمعلومات إلى مشاركين أكثر فعالية وتفاعلاً في عملية التعلم. وفي الوقت نفسه يتعين على الطلاب اكتساب وتطوير المهارات التي تمكنهم من دخول سوق العمل التي تزداد فيها المنافسة يوماً بعد يوم والانضمام إلى جماعة عالمية آخذة في الاتساع. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، يتعين على المؤسسات التعليمية أن توفر للطلاب إمكان الوصول السهل وعلى قدم المساواة للأدوات والموارد المناسبة.
علاوة على ذلك، لقد أصبح مفهوم التعليم مدى الحياة يزداد صلة يوماً بعد يوم. فالذين يرغبون في مواكبة ما يتم إحرازه من تقدم في مجال التكنولوجيا يتعين عليهم تحديث معرفتهم ومهاراتهم. لذا، لم يعد بالإمكان اعتبار التعليم تجربة منعزلة تنتهي بعد مدة محددة من الزمن. بل يجب النظر إليها بوصفها عملية مستمرة طيلة الحياة تبدأ في الطفولة وتمتد إلى ما لا نهاية. ففرص التعليم يجب أن تمتد إلى ما بعد فصول الدراسة لتصل إلى البيت ومكان العمل وإلى مجموعة من المؤسسات التعليمية غير التقليدية. وفي هذا الصدد تعد تكنولوجيات المعلومات والاتصالات وسيلة لضمان قيام الأفراد بردم الهوة التي تفصل بين أنماط التعليم التقليدية وغير التقليدية. ولقد مكنت شبكة الإنترنت الناس من الوصول إلى المعلومات بصفة عامة، وبصفة خاصة، إلى قواعد بيانات عدد كبير من مختلف المؤسسات التعليمية، بصرف النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو الزمنية، حيث أحدثت تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، عبر الإنترنت، ثورة في الشكل السلبي التقليدي للتعليم ومكنت من وجود شكل جديد من التعليم المتفاعل.
وفي هذا الإطار فإن أي استراتيجية ناجحة لتنمية الموارد البشرية يجب أن تضع في حسبانها، كأولوية من أولوياتها، أن يقوم النظام التعليمي بدوره كاملاً إزاء احتياجات سوق العمل من أيد عاملة متعلمة واعية ومدربة، بمعنى وجوب الربط بين المنظومة التعليمية والتربوية والتكوينية من ناحية، وبين متطلبات الاقتصاد وعالم العمل في البلد المعني من ناحية أخرى، حتى لا تصبح المدرسة معملاً لإعداد وتخريج العاطلين عن العمل أو بتحويل التعليم إلى وسيلة لتخريج المهمشين والساعين لفرص العمل من دون جدوى. ذلك أن تقديم مناهج فكرية وتعليمية تجاوزها الزمن سيكون دون شك مدخلاً لبطالة المتخرج.
لذا فإن علينا، في دول الخليج العربية، أن ندرك أن ثروتنا الناشئة من امتلاكنا مورداً طبيعياً مثل النفط لن تمكننا من الاستمرار في العيش عند مستويات رفاهيتنا الحالية ما لم نطور من قدراتنا ومهاراتنا في المجالات الأخرى، ومن ثم فإن استثماراتنا في عمليات التعليم سواء في المدارس أو الجامعات أو في التعليم عن بعد تعد شرطاً أساسياً لتحولنا نحو الاقتصاد المبني على المعرفة. كما يجب علينا أن ننظر إلى استثمارنا في قوتنا البشرية على أنه نوع من الاستثمار القومي، والذي يجب أن يحتل أولوية أولى ضمن سلم أولوياتنا نحو المستقبل.

وقد يرى البعض أن هذه المسؤولية هي مسؤولية حكومات المنطقة وحدها، وهو اعتقاد خاطئ؛ إذ إن تلك المسؤولية هي في الواقع، بالإضافة إلى كونها مسؤولية للحكومة، مسؤولية قطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني بأكمله. وعلينا أن نسعى إلى توفير مقومات سوق ذات كفاءة للمعرفة، أي السوق التي توفر الحوافز نحو إنتاج المعرفة وتوزيعها على كل من يستطيع الاستفادة منها.
الربط بين مخرجات التعليم وسوق العمل
إن عدم التوافق بين مخرجات التعليم وحاجات سوق العمل، ليس مشكلة دول مجلس التعاون فحسب، بل هو مشكلة مشتركة مع العديد من بلدان العالم حتى بعض المتقدم منها إلا أنها في دول مجلس التعاون ترتدي أهمية خاصة نظراً لتوسع المنظومة التعليمية في أعلى هرمها وزيادة نصيب الإناث فيها (ومعدل إسهامهن في سوق العمل ضعيف) ولهيكل الجامعة الذي يميل باتجاه الدراسات الإنسانية والتربية على الخصوص. أما عن التوافق الكمي فإن فتوة السكان وازدياد إسهام المرأة في التعليم العالي وبالتالي في سوق العمل وقصور الطلب الاقتصادي عن استيعاب تلك الأعداد المتزايدة تطرح احتمال بطالة المتعلمين الصريحة أو المقنعة واحتمال الإفراط في التعليم (Overeducation).
خلال العقد المنصرم استثمرت دول المجلس كثيراً في مجال التعليم لكن ذلك لم يجد نفعاً
وخلال العقد المنصرم، استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي كثيراً في مجال التعليم، لكن ذلك لم يجد نفعاً. فقد ازدادت معدلات البطالة والعطالة، بدرجات متفاوتة، في كافة بلدان المنطقة. علاوة على ذلك، فإن الخريجين يجدون صعوبات متزايدة في العثور على عمل ملائم.
وتدل الدراسات التي أعدتها (الإسكوا) على أن المشاريع المتعلقة بالتعليم تهدف إلى تحقيق ما يلي:
* توسعة إمكان الوصول إلى التعليم.
* زيادة الالتحاق بالمدارس.
* الحد من معدلات التوقف عن الدراسة والرسوب.
* تحديث المناهج والكتب المدرسية.
* تعزيز مؤهلات المدرسين وتدريبهم.
* إدخال أنظمة معلومات الإدارة.
* تحسين عمليات التقييم.
غير أنه لم يتم التقييم الكافي لأثر هذه الاستراتيجيات المتعلقة بأهلية الخريجين للعمل، بل إن الأرقام المتعلقة بمنتصف التسعينات والخاصة بالمنطقة تظهر زيادة معدلات البطالة والعمالة الناقصة لدى القوى العاملة المتعلمة، كما تظهر ازدياد التباين الاجتماعي ـ الاقتصادي.
وتدل بعض الدراسات على أن نظام التعليم الرسمي في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي فشل في الاستجابة لاحتياجات الجيل الراهن. وفي الواقع فإن قلة من الطلاب هم الذين تتاح لهم الفرص لاكتساب المهارات اللازمة لتأمين الحصول على عمل مجز ومناسب. لذا فقد وقعت أعداد متزايدة من الخريجين في الدائرة المفرغة للبطالة والفقر. وذلك بسبب أن السلطات التعليمية في بلدان دول مجلس التعاون لم تقم سوى بمحاولة يسيرة لإدخال إصلاحات على المناهج المدرسية يكون بإمكانها الاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين، فقد ركزت الغالبية العظمى من الإصلاحات على زيادة حصص العلوم والرياضيات في المناهج، والقيام في الوقت نفسه بتقليص التأكيد على القضايا الاجتماعية للمجتمع المحلي والمهارات الحياتية. غير أنه يتعين على إصلاحات التعليم تشجيع الطلاب وتمكينهم من اكتساب المهارات التي تضمن العمالة في سياق العولمة.
جملة الضغوط الدولية وتغيرات المجتمع الدولي تعمل عكس محاولات دول المجلس على إحلال القوى المواطنة محل الوافدة
ويتبين لنا أن ترابط الأنظمة التعليمية واحتياجات أسواق العمل لا يمكن حله بسهولة عبر شكل واحد من الإجراءات. ففي الواقع، يتعين على البلدان المعنية صياغة برامج التنمية البشرية وتنفيذ سياسات محلية تتعلق بسوق العمل تأخذ في الاعتبار أن الميزات التنافسية في أسواق العمل العالمية تعتمد على اكتساب المهارات. لذا لابد من إنشاء شكل من أشكال تقييم العملية المتعلقة بالتعليم والبرامج المتصلة بها ضمن إطار خصوصية برامج إدارة العمل للبلدان المعنية. والهدف النهائي هو تقليص البطالة والعمالة الناقصة، حيث إن الربط بين مخرجات نظم التعليم العالي وسوق العمل لا يعدو في الحقيقة كونه ربطاً آخر بين مخرجات كافة النظم التعليمية والتدريبية وسوق العمل قيد الاستقصاء. بهذا المعنى فإن الربط بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل يتم بحثه ضمن نسق تخطيط القوى العاملة والذي يعنى بصفة أساسية بتأمين التوازن المطلوب بين ما هو متاح من هذه المخرجات (من قوى عاملة) وبين احتياجات سوق العمل منها.
وهناك دلائل (وخاصة في القطاع الخاص) في دول منطقة الخليج تشير إلى وجود خلل ما في العلاقة بين هذه المخرجات واحتياجات سوق العمل منها. ونورد فيما يلي بعض أوجه الخصوصية السائدة في هذه الدول في ما يتعلق بتوظيف هؤلاء الخريجين، وأثر ذلك في العلاقة بين مخرجات نظم التعليم العالي وسوق العمل.
وأبرز سمات هذه الخصوصية تشمل ما يلي:
* إن أغلب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ملتزمة سياسياً واجتماعياً بتوفير الفرص الوظيفية لكافة الخريجين الراغبين في العمل في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام. وكما يرى بعض المتخصصين فإن من سلبيات هذه السياسات أنها تفرغ العلاقة بين مخرجات النظم التعليمية وسوق العمل.
* معرفة متطلبات القطاعين الحكومي والخاص من القوى العاملة والعمل على تلبية هذه المتطلبات.
* تتبع الخريجين في مواقع العمل لتقييم مستواهم والوقوف على مدى الحاجة إلى تطوير المناهج والمقررات الدراسية.
* النظر في إمكانية الاستفادة من التجارب الدولية المماثلة في ما يتعلق بإيجاد التوازن المطلوب بين المستوى المهني/ المهاري لخريجي مؤسسات التعليم الجامعي والمستويات التي تتوقعها الجهات الموظفة (لاسيما القطاع الخاص) وذلك عن طريق:
– زيادة الجرعة التدريبية والتطبيقية أثناء سنوات الدراسة.
– استحداث برامج تدريبية توجيهية (Orientation Programmes)
– التفكير في استحداث نظام التعليم التعاوني (Co-Operative Education) في بعض التخصصات الملائمة (وهذا النظام معمول به في بعض جامعات دول المجلس (جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالمملكة العربية السعودية)).
العولمة والمواءمة وتنمية الموارد البشرية
يمكن القول إن هناك بعدين رئيسيين للبيئة السليمة اللازمة لتنفيذ برامج تنمية الموارد البشرية بشكل عام، والبرامج التعليمية والتدريبية بشكل خاص. أولهما البعد النوعي في التعليم، وهو البعد الذي يشمل كافة المدخلات والعمليات التعليمية ـ التعلمية، بما في ذلك المنهاج، والمعلم، والبناء المدرسي، والتقييم التربوي، وأساليب التدريس، والإدارة التربوية بمستوياتها المدرسية والوسطى والعليا. أما البعد الثاني فيعنى بالبعد المتعلق بالمواءمة والتوافق بين مخرجات نظم تنمية الموارد البشرية والحاجات التنموية ومتطلبات سوق العمل. وهكذا، فإن البعد الأول يتناول الكفاية الداخلية للنظام التعليمي، بينما يتناول البعد الثاني الكفاية الخارجية له.
ومن المتوقع أن يصبح التركيز على عنصر المواءمة بين مخرجات نظم وبرامج تنمية الموارد البشرية بأنواعها ومراحلها المختلفة من ناحية، وبين متطلبات التنمية وحاجات سوق العمل من ناحية ثانية، من النواتج الطبيعية لتأثيرات العولمة في هذه النظم والبرامج. كما يمكن القول إن مفهوم (التعليم للحياة) قد حل، أو سيحل، محل مفهومين آخرين مختلفين وتقليديين للتعليم: أولهما (التعليم للتعليم)، بمعنى أن التعليم هدف في حد ذاته، ويهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق التنمية الشخصية للمتعلم وتلبية احتياجاته وتطوير قدراته. وثانيهما (التعليم للعمل)، بمعنى أن مؤسسات علمية ومجموعات محلية من العلماء، تكون لها انعكاسات إيجابية في مجال إجراء نشاطات علمية مشتركة أو في مجال تنمية الموارد البشرية أو الاستثمارات.
ومن أجل تحقيق هذه المواءمة بين نظم التعليم واحتياجات سوق العمل في دول مجلس التعاون يقترح عبدالله مصلح، إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي وأهدافه وما يرتبط به من سياسات وخطط وذلك وفقاً لما يلي:
* إيجاد صيغة عملية وواقعية بين (الطلب الاجتماعي) على التعليم الجامعي السائد و(الطلب الاقتصادي) عليه، وذلك في ضوء المتغيرات التي شهدتها البنى الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول.
* إعادة النظر في التطور الكمي للتعليم العالي لجهة الحصر على تنوع مساراته بحيث يكون أيضاً تلبية لحاجة الاقتصاد للقوى العاملة ذات التأهيل الفني والتقني.
* إعادة النظر في التطور الكيفي للتعليم العالي بغية إيجاد التوازن المطلوب (اقتصادياً) بين التخصصات النظرية والتطبيقية، وأن يؤخذ في الاعتبار إيجاد التوافق المنشود بين التوسع في البرامج والتخصصات الأكاديمية واحتياجات سوق العمل.
* إعادة النظر في سياسات قبول الطلاب بالجامعات السائدة حالياً بما يخدم المواءمة المطلوبة بين الخريجين وأسواق العمل، والعمل على توظيف نظام الإعانات المعمول به لخدمة أغراض هذه المواءمة المطلوبة.
وأخيراً وكما هو الأمر بالنسبة للاستثمارات التقليدية، مثل العقارات والصناعات الأساسية والسلع الاستهلاكية، فإن الاستثمار في رأس المال البشري له عوائد مضمونة طويلة الأجل، وقد فاق في أدائه بدرجة كبيرة كل أنواع الأصول الأخرى على المدى الطويل. وقد دلت دراسات أجراها الحائزان على جائزة نوبل ميلتون فريدمان وسايمون كوزنتس مثلاً على أن معدل عوائد الاستثمار في التعليم على مدى فترة خمسين عاماً يزيد على 12 في المائة. ويساعد هذا النوع من عائد الاستثمار المنطقة على استقطاب الحجم نفسه تقريباً من الاستثمارات في رأس المال البشري الذي استقطبته في ما يتعلق بمواردها البشرية. وسوف يسهم الاستثمار في رأس المال البشري العربي في تنمية كميات من رأس المال المستقر طويل الأجل، وفي الوقت نفسه يلبي الاحتياجات الاجتماعية.
وتحتاج المنطقة أيضاً إلى تخفيض اعتمادها على العمالة الماهرة الأجنبية. ولكي يتحقق ذلك فإنه يتعين عليها تطوير أنظمة تربوية تنافسية مع الغرب، وتوفير التدريب المناسب للسكان المحليين الذين يتزايدون بسرعة. ويتطلب مثل هذه الخطوات التعليمية واسعة النطاق استثمارات كبيرة في رأس المال الذي تكون عوائده اقتصادية واجتماعية على حد سواء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1801::/cck::
::introtext::
تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة، وإن كان بدرجات مختلفة، تحديات مرتبطة بتركيبة القوى العاملة فيها، حيث يشير واقع القوى العاملة إلى اختلال ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة، بما يحمله ذلك من إشكاليات تواجه البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لدول المجلس. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة من جانب دول المجلس للتعامل مع هذا التحدي سواء تم ذلك بمبادرات فردية أو جماعية، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الفجوة قائمة بين طموحات الدول الخليجية في هذا الشأن ومؤشرات واقع القوى العاملة.
::/introtext::
::fulltext::
تواجه دول مجلس التعاون مجتمعة، وإن كان بدرجات مختلفة، تحديات مرتبطة بتركيبة القوى العاملة فيها، حيث يشير واقع القوى العاملة إلى اختلال ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة، بما يحمله ذلك من إشكاليات تواجه البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لدول المجلس. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة من جانب دول المجلس للتعامل مع هذا التحدي سواء تم ذلك بمبادرات فردية أو جماعية، إلا أن كل المؤشرات تدل على أن الفجوة قائمة بين طموحات الدول الخليجية في هذا الشأن ومؤشرات واقع القوى العاملة.
لا يخفى على أحد أن جملة الضغوط الدولية والتغيرات التي يشهدها المجتمع الدولي تعمل في اتجاه معاكس لمحاولات دول المجلس إحلال القوى المواطنة محل الوافدة أو على الأقل إيجاد التوازن بين الطرفين. ومن أهم هذه التحولات الدولية اتفاقيات (الجات) والتحول نحو اقتصاد المعرفة، والانفتاح على العالم الخارجي، وتلاشي المعنى التقليدي للحدود الجغرافية، والمهارات التي يتطلبها سوق العمل وغيرها من التحولات الجذرية المعاصرة. ونتيجة لذلك فإنه من المتوقع أن تواجه عمليات التوطين صعوبات جمة في دول المجلس.
ولعل مما يعمق من حدة هذا التحدي هو نمو حجم البطالة بين المتعلمين وخريجي الجامعات في دول مجلس التعاون، وعدم قدرتهم على تلبية احتياجات سوق العمل، الأمر الذي يؤكد وجود خلل في نظم التعليم العام، والفني والجامعي، فالتوسع في التعليم بكل مستوياته في دول المجلس لم يصاحبه نمو مناظر للقوى العاملة المحلية مقارنة بالقوى العاملة الوافدة، وهذا هو موطن الداء وأيضاً نقطة البداية الاستراتيجية في التعامل مع هذه القضية.
والواقع يشير في الوقت نفسه إلى المحاولات الدؤوبة من جانب مؤسسات التعليم العام والعالي في دول المجلس من أجل التطوير بل معظمها يتخذ من التطوير المستمر شعاراً له. ولذلك يبدو لي أن ثمة عدم تنسيق ـ وإن شئنا الدقة انفصالاً ـ بين سياسات التطوير في مجالات التعليم، واحتياجات أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، أو بالأحرى استراتيجيات تطوير التعليم واستراتيجيات التطوير الاقتصادي، وفي ضوء ذلك لا أجد بداً من الدعوة إلى الربط الوثيق بين نظم التعليم ومناهجه وآلياته من جانب، وبين الصناعات المختلفة ومؤسسات الأعمال والخدمات الجديدة التي يفرزها الاقتصاد الجديد القائم على صناعة المعلومات والمعارف التقنية وما يتطلبه ذلك من مهارات عقلية وإبداعية لا تزال نظمنا التعليمية بمنأى عنها.
تطوير النظم التعليمية لمواكبة الاقتصاد المبني على المعرفة
على الرغم من أن عملية التحول إلى اقتصاد مبني على المعرفة تعني المزيد من فرص التوظيف، فإن المشكلة الأساسية تتمثل في أن هذه الوظائف تحتاج إلى مهارات وخبرات عالية، وهو ما يجعل هناك حاجة إلى إعادة هيكلة نظم التعليم لكي تكون قادرة على إمدادنا بهذه النوعية المطلوبة من العمالة، ولكي لا تخرّج لنا خريجين ليست هناك حاجة حقيقية إليهم. ويتمثل التحدي الذي يواجه المؤسسات في الاقتصاد المبني على المعرفة في تحويل نفسها إلى منظمات تعمل على تحسين عملية تراكم وتنمية عمالة المعرفة. أما بالنسبة للعمالة فإن التحدي الذي يواجهها يتمثل في كيفية الارتقاء بمهاراتها وتوسيعها من خلال نظم التعليم الرسمية وكذلك من خلال التعليم في أماكن العمل وغيرها من المحيطات الأقل رسمية.

ومن المؤكد أن انخفاض تكاليف التكنولوجيا والمزيد من التقدم التكنولوجي الذي يتم إحرازه يساهمان في التحول الذي يحدث الآن في العالم. لهذا تستدعي مثل هذه التطورات العالمية بعض المتطلبات، منها ما يتضمن ضرورة اكتساب الأفراد والمؤسسات التعليمية مهارات القرن الحادي والعشرين وتعزيزها. وهذا يستند إلى كون المهارات التقليدية المتعلقة بجمع المعلومات وتقييمها وإيصالها لا تكفي في ما يتعلق بتأمين العمالة أو المحافظة عليها في العصر الحديث. فهدف التعليم في الوقت الراهن هو ضمان اكتساب المهارات اللازمة لعملية تعليم ذاتي مستمر، ومتفاعل يستمر مدى الحياة. مثل هذا الهدف كان قبل جيل يعتبر تحدياً ضخماً: إذ إن عملية التعليم المتواصل متاحة اليوم للعديد من الطلاب المعاصرين، كون أنه ليست لديهم دائماً الوسائل التي تجعلهم يستفيدون من هذه العملية إلى الحد الأقصى. وفي الواقع، فإنه يتعين على الطلاب الراغبين في الاستفادة مما تحقق من تقدم أن يحصلوا على المهارات اللازمة لذلك.
لقد أحرزت العولمة كثيراً من التغييرات في فترة قصيرة نسبياً من الزمن. وقد نجم عن ذلك تحول مثير في عملية اكتساب المعرفة. فعلى سبيل المثال، لم يعد حفظ المعلومات عن ظهر قلب وتخزينها جانباً أساسياً من أنظمة التعليم الحديثة، حيث يتعين في العصر الحديث تعليم الطلاب كيفية معالجة وتقييم المعلومات المتاحة بسهولة بمجرد النقر على (فأرة) الحاسوب. وفي الواقع، فإن هدف نظام التعليم الحديث يجب أن يتوجه إلى تطوير المهارات الإدراكية وشحذ الفضول الطبيعي الكامن لدى الطلاب.
كما يهدف التعليم، انطلاقاً من هذا السيناريو، إلى تحويل الطلاب من متلقين سلبيين للمعلومات إلى مشاركين أكثر فعالية وتفاعلاً في عملية التعلم. وفي الوقت نفسه يتعين على الطلاب اكتساب وتطوير المهارات التي تمكنهم من دخول سوق العمل التي تزداد فيها المنافسة يوماً بعد يوم والانضمام إلى جماعة عالمية آخذة في الاتساع. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، يتعين على المؤسسات التعليمية أن توفر للطلاب إمكان الوصول السهل وعلى قدم المساواة للأدوات والموارد المناسبة.
علاوة على ذلك، لقد أصبح مفهوم التعليم مدى الحياة يزداد صلة يوماً بعد يوم. فالذين يرغبون في مواكبة ما يتم إحرازه من تقدم في مجال التكنولوجيا يتعين عليهم تحديث معرفتهم ومهاراتهم. لذا، لم يعد بالإمكان اعتبار التعليم تجربة منعزلة تنتهي بعد مدة محددة من الزمن. بل يجب النظر إليها بوصفها عملية مستمرة طيلة الحياة تبدأ في الطفولة وتمتد إلى ما لا نهاية. ففرص التعليم يجب أن تمتد إلى ما بعد فصول الدراسة لتصل إلى البيت ومكان العمل وإلى مجموعة من المؤسسات التعليمية غير التقليدية. وفي هذا الصدد تعد تكنولوجيات المعلومات والاتصالات وسيلة لضمان قيام الأفراد بردم الهوة التي تفصل بين أنماط التعليم التقليدية وغير التقليدية. ولقد مكنت شبكة الإنترنت الناس من الوصول إلى المعلومات بصفة عامة، وبصفة خاصة، إلى قواعد بيانات عدد كبير من مختلف المؤسسات التعليمية، بصرف النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو الزمنية، حيث أحدثت تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، عبر الإنترنت، ثورة في الشكل السلبي التقليدي للتعليم ومكنت من وجود شكل جديد من التعليم المتفاعل.
وفي هذا الإطار فإن أي استراتيجية ناجحة لتنمية الموارد البشرية يجب أن تضع في حسبانها، كأولوية من أولوياتها، أن يقوم النظام التعليمي بدوره كاملاً إزاء احتياجات سوق العمل من أيد عاملة متعلمة واعية ومدربة، بمعنى وجوب الربط بين المنظومة التعليمية والتربوية والتكوينية من ناحية، وبين متطلبات الاقتصاد وعالم العمل في البلد المعني من ناحية أخرى، حتى لا تصبح المدرسة معملاً لإعداد وتخريج العاطلين عن العمل أو بتحويل التعليم إلى وسيلة لتخريج المهمشين والساعين لفرص العمل من دون جدوى. ذلك أن تقديم مناهج فكرية وتعليمية تجاوزها الزمن سيكون دون شك مدخلاً لبطالة المتخرج.
لذا فإن علينا، في دول الخليج العربية، أن ندرك أن ثروتنا الناشئة من امتلاكنا مورداً طبيعياً مثل النفط لن تمكننا من الاستمرار في العيش عند مستويات رفاهيتنا الحالية ما لم نطور من قدراتنا ومهاراتنا في المجالات الأخرى، ومن ثم فإن استثماراتنا في عمليات التعليم سواء في المدارس أو الجامعات أو في التعليم عن بعد تعد شرطاً أساسياً لتحولنا نحو الاقتصاد المبني على المعرفة. كما يجب علينا أن ننظر إلى استثمارنا في قوتنا البشرية على أنه نوع من الاستثمار القومي، والذي يجب أن يحتل أولوية أولى ضمن سلم أولوياتنا نحو المستقبل.

وقد يرى البعض أن هذه المسؤولية هي مسؤولية حكومات المنطقة وحدها، وهو اعتقاد خاطئ؛ إذ إن تلك المسؤولية هي في الواقع، بالإضافة إلى كونها مسؤولية للحكومة، مسؤولية قطاع الأعمال ومنظمات المجتمع المدني بأكمله. وعلينا أن نسعى إلى توفير مقومات سوق ذات كفاءة للمعرفة، أي السوق التي توفر الحوافز نحو إنتاج المعرفة وتوزيعها على كل من يستطيع الاستفادة منها.
الربط بين مخرجات التعليم وسوق العمل
إن عدم التوافق بين مخرجات التعليم وحاجات سوق العمل، ليس مشكلة دول مجلس التعاون فحسب، بل هو مشكلة مشتركة مع العديد من بلدان العالم حتى بعض المتقدم منها إلا أنها في دول مجلس التعاون ترتدي أهمية خاصة نظراً لتوسع المنظومة التعليمية في أعلى هرمها وزيادة نصيب الإناث فيها (ومعدل إسهامهن في سوق العمل ضعيف) ولهيكل الجامعة الذي يميل باتجاه الدراسات الإنسانية والتربية على الخصوص. أما عن التوافق الكمي فإن فتوة السكان وازدياد إسهام المرأة في التعليم العالي وبالتالي في سوق العمل وقصور الطلب الاقتصادي عن استيعاب تلك الأعداد المتزايدة تطرح احتمال بطالة المتعلمين الصريحة أو المقنعة واحتمال الإفراط في التعليم (Overeducation).
خلال العقد المنصرم استثمرت دول المجلس كثيراً في مجال التعليم لكن ذلك لم يجد نفعاً
وخلال العقد المنصرم، استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي كثيراً في مجال التعليم، لكن ذلك لم يجد نفعاً. فقد ازدادت معدلات البطالة والعطالة، بدرجات متفاوتة، في كافة بلدان المنطقة. علاوة على ذلك، فإن الخريجين يجدون صعوبات متزايدة في العثور على عمل ملائم.
وتدل الدراسات التي أعدتها (الإسكوا) على أن المشاريع المتعلقة بالتعليم تهدف إلى تحقيق ما يلي:
* توسعة إمكان الوصول إلى التعليم.
* زيادة الالتحاق بالمدارس.
* الحد من معدلات التوقف عن الدراسة والرسوب.
* تحديث المناهج والكتب المدرسية.
* تعزيز مؤهلات المدرسين وتدريبهم.
* إدخال أنظمة معلومات الإدارة.
* تحسين عمليات التقييم.
غير أنه لم يتم التقييم الكافي لأثر هذه الاستراتيجيات المتعلقة بأهلية الخريجين للعمل، بل إن الأرقام المتعلقة بمنتصف التسعينات والخاصة بالمنطقة تظهر زيادة معدلات البطالة والعمالة الناقصة لدى القوى العاملة المتعلمة، كما تظهر ازدياد التباين الاجتماعي ـ الاقتصادي.
وتدل بعض الدراسات على أن نظام التعليم الرسمي في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي فشل في الاستجابة لاحتياجات الجيل الراهن. وفي الواقع فإن قلة من الطلاب هم الذين تتاح لهم الفرص لاكتساب المهارات اللازمة لتأمين الحصول على عمل مجز ومناسب. لذا فقد وقعت أعداد متزايدة من الخريجين في الدائرة المفرغة للبطالة والفقر. وذلك بسبب أن السلطات التعليمية في بلدان دول مجلس التعاون لم تقم سوى بمحاولة يسيرة لإدخال إصلاحات على المناهج المدرسية يكون بإمكانها الاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين، فقد ركزت الغالبية العظمى من الإصلاحات على زيادة حصص العلوم والرياضيات في المناهج، والقيام في الوقت نفسه بتقليص التأكيد على القضايا الاجتماعية للمجتمع المحلي والمهارات الحياتية. غير أنه يتعين على إصلاحات التعليم تشجيع الطلاب وتمكينهم من اكتساب المهارات التي تضمن العمالة في سياق العولمة.
جملة الضغوط الدولية وتغيرات المجتمع الدولي تعمل عكس محاولات دول المجلس على إحلال القوى المواطنة محل الوافدة
ويتبين لنا أن ترابط الأنظمة التعليمية واحتياجات أسواق العمل لا يمكن حله بسهولة عبر شكل واحد من الإجراءات. ففي الواقع، يتعين على البلدان المعنية صياغة برامج التنمية البشرية وتنفيذ سياسات محلية تتعلق بسوق العمل تأخذ في الاعتبار أن الميزات التنافسية في أسواق العمل العالمية تعتمد على اكتساب المهارات. لذا لابد من إنشاء شكل من أشكال تقييم العملية المتعلقة بالتعليم والبرامج المتصلة بها ضمن إطار خصوصية برامج إدارة العمل للبلدان المعنية. والهدف النهائي هو تقليص البطالة والعمالة الناقصة، حيث إن الربط بين مخرجات نظم التعليم العالي وسوق العمل لا يعدو في الحقيقة كونه ربطاً آخر بين مخرجات كافة النظم التعليمية والتدريبية وسوق العمل قيد الاستقصاء. بهذا المعنى فإن الربط بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل يتم بحثه ضمن نسق تخطيط القوى العاملة والذي يعنى بصفة أساسية بتأمين التوازن المطلوب بين ما هو متاح من هذه المخرجات (من قوى عاملة) وبين احتياجات سوق العمل منها.
وهناك دلائل (وخاصة في القطاع الخاص) في دول منطقة الخليج تشير إلى وجود خلل ما في العلاقة بين هذه المخرجات واحتياجات سوق العمل منها. ونورد فيما يلي بعض أوجه الخصوصية السائدة في هذه الدول في ما يتعلق بتوظيف هؤلاء الخريجين، وأثر ذلك في العلاقة بين مخرجات نظم التعليم العالي وسوق العمل.
وأبرز سمات هذه الخصوصية تشمل ما يلي:
* إن أغلب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ملتزمة سياسياً واجتماعياً بتوفير الفرص الوظيفية لكافة الخريجين الراغبين في العمل في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام. وكما يرى بعض المتخصصين فإن من سلبيات هذه السياسات أنها تفرغ العلاقة بين مخرجات النظم التعليمية وسوق العمل.
* معرفة متطلبات القطاعين الحكومي والخاص من القوى العاملة والعمل على تلبية هذه المتطلبات.
* تتبع الخريجين في مواقع العمل لتقييم مستواهم والوقوف على مدى الحاجة إلى تطوير المناهج والمقررات الدراسية.
* النظر في إمكانية الاستفادة من التجارب الدولية المماثلة في ما يتعلق بإيجاد التوازن المطلوب بين المستوى المهني/ المهاري لخريجي مؤسسات التعليم الجامعي والمستويات التي تتوقعها الجهات الموظفة (لاسيما القطاع الخاص) وذلك عن طريق:
– زيادة الجرعة التدريبية والتطبيقية أثناء سنوات الدراسة.
– استحداث برامج تدريبية توجيهية (Orientation Programmes)
– التفكير في استحداث نظام التعليم التعاوني (Co-Operative Education) في بعض التخصصات الملائمة (وهذا النظام معمول به في بعض جامعات دول المجلس (جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالمملكة العربية السعودية)).
العولمة والمواءمة وتنمية الموارد البشرية
يمكن القول إن هناك بعدين رئيسيين للبيئة السليمة اللازمة لتنفيذ برامج تنمية الموارد البشرية بشكل عام، والبرامج التعليمية والتدريبية بشكل خاص. أولهما البعد النوعي في التعليم، وهو البعد الذي يشمل كافة المدخلات والعمليات التعليمية ـ التعلمية، بما في ذلك المنهاج، والمعلم، والبناء المدرسي، والتقييم التربوي، وأساليب التدريس، والإدارة التربوية بمستوياتها المدرسية والوسطى والعليا. أما البعد الثاني فيعنى بالبعد المتعلق بالمواءمة والتوافق بين مخرجات نظم تنمية الموارد البشرية والحاجات التنموية ومتطلبات سوق العمل. وهكذا، فإن البعد الأول يتناول الكفاية الداخلية للنظام التعليمي، بينما يتناول البعد الثاني الكفاية الخارجية له.
ومن المتوقع أن يصبح التركيز على عنصر المواءمة بين مخرجات نظم وبرامج تنمية الموارد البشرية بأنواعها ومراحلها المختلفة من ناحية، وبين متطلبات التنمية وحاجات سوق العمل من ناحية ثانية، من النواتج الطبيعية لتأثيرات العولمة في هذه النظم والبرامج. كما يمكن القول إن مفهوم (التعليم للحياة) قد حل، أو سيحل، محل مفهومين آخرين مختلفين وتقليديين للتعليم: أولهما (التعليم للتعليم)، بمعنى أن التعليم هدف في حد ذاته، ويهدف بشكل رئيسي إلى تحقيق التنمية الشخصية للمتعلم وتلبية احتياجاته وتطوير قدراته. وثانيهما (التعليم للعمل)، بمعنى أن مؤسسات علمية ومجموعات محلية من العلماء، تكون لها انعكاسات إيجابية في مجال إجراء نشاطات علمية مشتركة أو في مجال تنمية الموارد البشرية أو الاستثمارات.
ومن أجل تحقيق هذه المواءمة بين نظم التعليم واحتياجات سوق العمل في دول مجلس التعاون يقترح عبدالله مصلح، إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي وأهدافه وما يرتبط به من سياسات وخطط وذلك وفقاً لما يلي:
* إيجاد صيغة عملية وواقعية بين (الطلب الاجتماعي) على التعليم الجامعي السائد و(الطلب الاقتصادي) عليه، وذلك في ضوء المتغيرات التي شهدتها البنى الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول.
* إعادة النظر في التطور الكمي للتعليم العالي لجهة الحصر على تنوع مساراته بحيث يكون أيضاً تلبية لحاجة الاقتصاد للقوى العاملة ذات التأهيل الفني والتقني.
* إعادة النظر في التطور الكيفي للتعليم العالي بغية إيجاد التوازن المطلوب (اقتصادياً) بين التخصصات النظرية والتطبيقية، وأن يؤخذ في الاعتبار إيجاد التوافق المنشود بين التوسع في البرامج والتخصصات الأكاديمية واحتياجات سوق العمل.
* إعادة النظر في سياسات قبول الطلاب بالجامعات السائدة حالياً بما يخدم المواءمة المطلوبة بين الخريجين وأسواق العمل، والعمل على توظيف نظام الإعانات المعمول به لخدمة أغراض هذه المواءمة المطلوبة.
وأخيراً وكما هو الأمر بالنسبة للاستثمارات التقليدية، مثل العقارات والصناعات الأساسية والسلع الاستهلاكية، فإن الاستثمار في رأس المال البشري له عوائد مضمونة طويلة الأجل، وقد فاق في أدائه بدرجة كبيرة كل أنواع الأصول الأخرى على المدى الطويل. وقد دلت دراسات أجراها الحائزان على جائزة نوبل ميلتون فريدمان وسايمون كوزنتس مثلاً على أن معدل عوائد الاستثمار في التعليم على مدى فترة خمسين عاماً يزيد على 12 في المائة. ويساعد هذا النوع من عائد الاستثمار المنطقة على استقطاب الحجم نفسه تقريباً من الاستثمارات في رأس المال البشري الذي استقطبته في ما يتعلق بمواردها البشرية. وسوف يسهم الاستثمار في رأس المال البشري العربي في تنمية كميات من رأس المال المستقر طويل الأجل، وفي الوقت نفسه يلبي الاحتياجات الاجتماعية.
وتحتاج المنطقة أيضاً إلى تخفيض اعتمادها على العمالة الماهرة الأجنبية. ولكي يتحقق ذلك فإنه يتعين عليها تطوير أنظمة تربوية تنافسية مع الغرب، وتوفير التدريب المناسب للسكان المحليين الذين يتزايدون بسرعة. ويتطلب مثل هذه الخطوات التعليمية واسعة النطاق استثمارات كبيرة في رأس المال الذي تكون عوائده اقتصادية واجتماعية على حد سواء.
::/fulltext::
::cck::1801::/cck::
