دول مجلس التعاون الخليجي وصراع الهويات
::cck::1815::/cck::
::introtext::
يشهد العام الجديد 2009 جملة من التحولات المهمة في النظام الدولي يتوقع أن تكون لها انعكاسات رئيسية على منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً النظام الإقليمي الخليجي. ومن أبرز هذه التحولات تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وحركة لافتة من الانسحابات العسكرية للقوات الأجنبية في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
يشهد العام الجديد 2009 جملة من التحولات المهمة في النظام الدولي يتوقع أن تكون لها انعكاسات رئيسية على منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً النظام الإقليمي الخليجي. ومن أبرز هذه التحولات تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وحركة لافتة من الانسحابات العسكرية للقوات الأجنبية في العراق.
إن مثل هذه التحولات تزيد من التحديات التي يواجهها الأمن الإقليمي الخليجي أكثر من أي وقت مضى، فرغم التوقعات بأن تغيّر السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد تولي الحزب الديمقراطي السلطة في واشنطن إثر غياب دام حوالي 8 سنوات، سيؤدي إلى إعادة بلورة الدور الأمريكي في منطقة الخليج، وتصحيح بعض الأدوار والمواقف والسياسات، إلا أن ثمة توقعات أخرى مغايرة ترى أن هذا التغيّر سيكون متعارضاً مع مصالح الأنظمة الخليجية لأنه يفتح المجال أمام تحديات جديدة ومختلفة عن سابقاتها.
ومن هنا تبرز ضرورة تحليل طبيعة المرحلة المقبلة التي سيشهدها مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية لها أدوار رئيسية في النظام الإقليمي الخليجي وإنجازاتها المتراكمة عبر أكثر من ربع قرن. مثل هذه القضية تستدعي تسليط الضوء على البعدين الأساسيين اللذين أثيرا منذ البداية، وهما تغيّر الإدارة الأمريكية الجديدة، والبعد الآخر حركة الانسحابات العسكرية المتوقعة للقوات الأجنبية من العراق.
فمن ناحية البعد الأول، نجد أن معظم التحليلات السياسية الشائعة ترى أن السياسة الخارجية لواشنطن ستكون أكثر اعتدالاً من تلك السياسة التي هيمن عليها الجمهوريون خلال الفترة الماضية، وقد تقوم هذه التحليلات على درجة عالية من الصحة والمصداقية، إلا أن ثمة جوانب مغفلة في السياق نفسه، وهي التي تتعلق بتأثير السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة في مجلس التعاون كمنظومة تشهد حالياً مرحلة حراك كبير وإصلاح سياسي لافت. وهذه الجوانب تتعلق بمعيار استمرارية الدعم الأمريكي للتوجهات الإصلاحية لدى حكومات دول مجلس التعاون من جهة، ودعم مجلس التعاون كمنظمة إقليمية نحو المزيد من التفعيل، وتولي الأدوار بهدف حماية المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.
إن هذه القضية الشائكة التي سببت حالات فتور في العلاقات الخليجية ـ الأمريكية لفترات متقطعة طوال حكم الجمهوريين في البيت الأبيض، يبدو أنها في الطريق نحو الزوال. فخلال المرحلة الماضية، وتحديداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عبّرت واشنطن عن حرصها والتزامها بدعم الإصلاحات السياسية في الأنظمة الخليجية، ودشنت جملة من المبادرات الدولية المشتركة لتحقيق هذا الهدف، فضلاً عن إنشاء مؤسسات ذات تمويل ضخم من أجل الإصلاح السياسي.
ولكن مع تفاقم الأزمة المالية العالمية، وتداعياتها على المجتمع الأمريكي، والوعود الانتخابية التي أطلقها الحزب الديمقراطي خلال فترة الانتخابات الرئاسية الماضية، فمن الواضح أن تركيز الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون على إصلاح الأوضاع في الداخل الأمريكي، وهذا سيكون على حساب الالتزامات الدولية المترتبة على واشنطن أثناء فترة حكم الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش، ومنها استمرار دعم الإصلاحات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وهذا سيترتب عليه إقفال أو تراجع أدوار العديد من المؤسسات التي أنشئت كنتاج للمبادرات الأمريكية في هذا المجال، مثل مبادرة (MEPI) التي تقود جهود واشنطن في ما يتعلق بدعم الإصلاحات. ومن المتوقع أيضاً تراجع الاهتمام الأمريكي بالدعوات المحلية نحو مزيد من الإصلاح، خصوصاً في ظل حاجة الإدارة الأمريكية الجديدة إلى دعم دول مجلس التعاون الخليجي لمشاريعها الدولية خلال الفترة المقبلة، وإعادة رسم العلاقات الأمريكية ـ الخليجية من جديد في مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية.
وبالانتقال إلى تأثير تغيير الإدارة الأمريكية في دور مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية، فإنه يتوقع أن تزيد وتيرة الاهتمام الأمريكي بتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع كافة دول المجلس بشكل انفرادي كما بدأتها مع المنامة قبل سنوات، لأن هذه الخطوة من شأنها زيادة مسؤولية دول مجلس التعاون بالمساهمة في معالجة الأزمة الخانقة التي تواجهها واشنطن حالياً، الأمر الذي سيسفر عن حالة إضعاف لمشروع التكامل الاقتصادي الخليجي الذي يمر آنياً بمرحلة السوق الخليجية المشتركة، ويسعى للوصول إلى الوحدة النقدية قريباً.
وعلى صعيد البعد الآخر، فإن دول مجلس التعاون أمام تحدٍّ كبير يرتبط بالإعلان عن سلسلة انسحابات للقوات الأجنبية من الأراضي العراقية بدأت قبل فترة، ويتوقع أن تستمر بشكل أكبر خلال العام 2009. وهنا تثار أسئلة عدة حول قدرات النظام الحاكم حالياً في بغداد على إدارة تفاعلات الأمن العراقي في ظل معطيات المرحلة المقبلة. ومع أفضل السيناريوهات الذي يقوم على إمكانية النظام الحالي في بغداد إدارة الأمن الوطني العراقي على أفضل وجه نجد تحديات جديدة ستظهر لدول مجلس التعاون، وأبرزها حالة انعدام جبهة القتال، والحاجة للبحث عن جبهات جديدة لتكون مناطق مستهدفة من قبل المقاتلين العرب، وخاصة أعضاء تنظيم القاعدة والتنظيمات الراديكالية الأخرى.
من الواضح أن تركيز الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون على إصلاح الأوضاع في الداخل الأمريكي
وتقدر بعض التقارير الغربية أعداد المقاتلين المنتسبين لدول مجلس التعاون الخليجي في الأراضي العراقية بحوالي 10 آلاف شخص. وبعيداً عن صحة هذه الأرقام والتقارير، فإن هناك مخاوف من أن تشكل دول المجلس الجبهة الجديدة للتنظيمات الراديكالية الناشطة في العراق أثناء مرحلة ما بعد الانسحابات العسكرية الدولية من بغداد، مما يفتح المجال أمام إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد، لا سيّما إذا ارتبطت هذه الخطوة بمصالح بعض القوى الفاعلة في النظام الإقليمي الخليجي مثل إيران التي قد تدعم أي توجهات لإعادة رسم خريطة الخليج مرة أخرى بما يتوافق مع زيادة مكتسبات النفوذ السياسي، إثر ما حققته من نجاحات على صعيد التجربة في العراق.
ومثل هذه التحديات لا تزال غائبة عن دوائر الاهتمام بالنسبة لحكومات دول مجلس التعاون أو حتى الرأي العام الخليجي. ولذلك تزداد الحاجة أكثر من أي وقت مضى لتحديد المسارات المستقبلية للمنطقة إثر التحولات الجديدة.
وانطلاقاً من ذلك كله، فإن المحصلة النهائية لهذه التحديات في ظل المعطيات الراهنة تشير إلى احتمال بروز حالة من صراع الهويات الإثنو ـ طائفية في المنطقة تظهر لسببين:
* السبب الأول: تراجع الاهتمام والدعم الأمريكي لمسائل الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة للسياسات المختلفة للإدارة الأمريكية الجديدة، وبالتالي المزيد من الاختلال للعلاقات الإثنو ـ طائفية.
* السبب الثاني: حالة الفراغ الأمني التي قد تظهر في الأراضي العراقية بسبب انسحاب القوات الأجنبية منها بشكل تدريجي، وتكون لها تداعياتها على صعيد الأمن القومي الخليجي.
إضافة إلى ذلك، فإن هناك عوامل أخرى مساعدة لحالة صراع الهويات الإثنو ـ طائفية المتوقعة خلال الفترة المقبلة، وهي ظهور حالة متقدمة من الوعي السياسي لدى شعوب دول مجلس التعاون، وإتاحة الإصلاحات القائمة المزيد من الفرص للعديد من الأقليات والطوائف والجاليات المختلفة المقيمة في هذه الدول للمطالبة بالحقوق السياسية والتمثيل السياسي، فضلاً عن اهتمام الدول المصدّرة للعمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي بتحسين أوضاع مواطنيها في المنطقة وفقاً لاعتبارات حقوق الإنسان، ودعوات المنظمات الدولية المتخصصة في هذا المجال. وقد شهدت مناطق عدة من دول مجلس التعاون الخليجي منذ العام 2001 العديد من حركات الاحتجاج السياسي، مثل الإضرابات والاعتصامات من قبل المقيمين الأجانب فيها للمطالبة بتحسين أوضاعهم وحقوقهم.
إن مثل هذه المعطيات في المشهد السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي تتطلب سياسة خارجية خليجية مشتركة تقوم على تحقيق التوازن في إدارة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض في واشنطن من ناحية، وبحث التحديات الأمنية الناجمة عن الانسحاب العسكري من الأراضي العراقية، وتحديد مساراتها المستقبلية، وبالتالي وضع الاستراتيجيات العملية لمعالجتها من ناحية أخرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1815::/cck::
::introtext::
يشهد العام الجديد 2009 جملة من التحولات المهمة في النظام الدولي يتوقع أن تكون لها انعكاسات رئيسية على منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً النظام الإقليمي الخليجي. ومن أبرز هذه التحولات تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وحركة لافتة من الانسحابات العسكرية للقوات الأجنبية في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
يشهد العام الجديد 2009 جملة من التحولات المهمة في النظام الدولي يتوقع أن تكون لها انعكاسات رئيسية على منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً النظام الإقليمي الخليجي. ومن أبرز هذه التحولات تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وحركة لافتة من الانسحابات العسكرية للقوات الأجنبية في العراق.
إن مثل هذه التحولات تزيد من التحديات التي يواجهها الأمن الإقليمي الخليجي أكثر من أي وقت مضى، فرغم التوقعات بأن تغيّر السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد تولي الحزب الديمقراطي السلطة في واشنطن إثر غياب دام حوالي 8 سنوات، سيؤدي إلى إعادة بلورة الدور الأمريكي في منطقة الخليج، وتصحيح بعض الأدوار والمواقف والسياسات، إلا أن ثمة توقعات أخرى مغايرة ترى أن هذا التغيّر سيكون متعارضاً مع مصالح الأنظمة الخليجية لأنه يفتح المجال أمام تحديات جديدة ومختلفة عن سابقاتها.
ومن هنا تبرز ضرورة تحليل طبيعة المرحلة المقبلة التي سيشهدها مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية لها أدوار رئيسية في النظام الإقليمي الخليجي وإنجازاتها المتراكمة عبر أكثر من ربع قرن. مثل هذه القضية تستدعي تسليط الضوء على البعدين الأساسيين اللذين أثيرا منذ البداية، وهما تغيّر الإدارة الأمريكية الجديدة، والبعد الآخر حركة الانسحابات العسكرية المتوقعة للقوات الأجنبية من العراق.
فمن ناحية البعد الأول، نجد أن معظم التحليلات السياسية الشائعة ترى أن السياسة الخارجية لواشنطن ستكون أكثر اعتدالاً من تلك السياسة التي هيمن عليها الجمهوريون خلال الفترة الماضية، وقد تقوم هذه التحليلات على درجة عالية من الصحة والمصداقية، إلا أن ثمة جوانب مغفلة في السياق نفسه، وهي التي تتعلق بتأثير السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة في مجلس التعاون كمنظومة تشهد حالياً مرحلة حراك كبير وإصلاح سياسي لافت. وهذه الجوانب تتعلق بمعيار استمرارية الدعم الأمريكي للتوجهات الإصلاحية لدى حكومات دول مجلس التعاون من جهة، ودعم مجلس التعاون كمنظمة إقليمية نحو المزيد من التفعيل، وتولي الأدوار بهدف حماية المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.
إن هذه القضية الشائكة التي سببت حالات فتور في العلاقات الخليجية ـ الأمريكية لفترات متقطعة طوال حكم الجمهوريين في البيت الأبيض، يبدو أنها في الطريق نحو الزوال. فخلال المرحلة الماضية، وتحديداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عبّرت واشنطن عن حرصها والتزامها بدعم الإصلاحات السياسية في الأنظمة الخليجية، ودشنت جملة من المبادرات الدولية المشتركة لتحقيق هذا الهدف، فضلاً عن إنشاء مؤسسات ذات تمويل ضخم من أجل الإصلاح السياسي.
ولكن مع تفاقم الأزمة المالية العالمية، وتداعياتها على المجتمع الأمريكي، والوعود الانتخابية التي أطلقها الحزب الديمقراطي خلال فترة الانتخابات الرئاسية الماضية، فمن الواضح أن تركيز الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون على إصلاح الأوضاع في الداخل الأمريكي، وهذا سيكون على حساب الالتزامات الدولية المترتبة على واشنطن أثناء فترة حكم الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته جورج بوش، ومنها استمرار دعم الإصلاحات السياسية في منطقة الشرق الأوسط.
وهذا سيترتب عليه إقفال أو تراجع أدوار العديد من المؤسسات التي أنشئت كنتاج للمبادرات الأمريكية في هذا المجال، مثل مبادرة (MEPI) التي تقود جهود واشنطن في ما يتعلق بدعم الإصلاحات. ومن المتوقع أيضاً تراجع الاهتمام الأمريكي بالدعوات المحلية نحو مزيد من الإصلاح، خصوصاً في ظل حاجة الإدارة الأمريكية الجديدة إلى دعم دول مجلس التعاون الخليجي لمشاريعها الدولية خلال الفترة المقبلة، وإعادة رسم العلاقات الأمريكية ـ الخليجية من جديد في مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية.
وبالانتقال إلى تأثير تغيير الإدارة الأمريكية في دور مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية، فإنه يتوقع أن تزيد وتيرة الاهتمام الأمريكي بتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع كافة دول المجلس بشكل انفرادي كما بدأتها مع المنامة قبل سنوات، لأن هذه الخطوة من شأنها زيادة مسؤولية دول مجلس التعاون بالمساهمة في معالجة الأزمة الخانقة التي تواجهها واشنطن حالياً، الأمر الذي سيسفر عن حالة إضعاف لمشروع التكامل الاقتصادي الخليجي الذي يمر آنياً بمرحلة السوق الخليجية المشتركة، ويسعى للوصول إلى الوحدة النقدية قريباً.
وعلى صعيد البعد الآخر، فإن دول مجلس التعاون أمام تحدٍّ كبير يرتبط بالإعلان عن سلسلة انسحابات للقوات الأجنبية من الأراضي العراقية بدأت قبل فترة، ويتوقع أن تستمر بشكل أكبر خلال العام 2009. وهنا تثار أسئلة عدة حول قدرات النظام الحاكم حالياً في بغداد على إدارة تفاعلات الأمن العراقي في ظل معطيات المرحلة المقبلة. ومع أفضل السيناريوهات الذي يقوم على إمكانية النظام الحالي في بغداد إدارة الأمن الوطني العراقي على أفضل وجه نجد تحديات جديدة ستظهر لدول مجلس التعاون، وأبرزها حالة انعدام جبهة القتال، والحاجة للبحث عن جبهات جديدة لتكون مناطق مستهدفة من قبل المقاتلين العرب، وخاصة أعضاء تنظيم القاعدة والتنظيمات الراديكالية الأخرى.
من الواضح أن تركيز الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون على إصلاح الأوضاع في الداخل الأمريكي
وتقدر بعض التقارير الغربية أعداد المقاتلين المنتسبين لدول مجلس التعاون الخليجي في الأراضي العراقية بحوالي 10 آلاف شخص. وبعيداً عن صحة هذه الأرقام والتقارير، فإن هناك مخاوف من أن تشكل دول المجلس الجبهة الجديدة للتنظيمات الراديكالية الناشطة في العراق أثناء مرحلة ما بعد الانسحابات العسكرية الدولية من بغداد، مما يفتح المجال أمام إعادة رسم خريطة المنطقة من جديد، لا سيّما إذا ارتبطت هذه الخطوة بمصالح بعض القوى الفاعلة في النظام الإقليمي الخليجي مثل إيران التي قد تدعم أي توجهات لإعادة رسم خريطة الخليج مرة أخرى بما يتوافق مع زيادة مكتسبات النفوذ السياسي، إثر ما حققته من نجاحات على صعيد التجربة في العراق.
ومثل هذه التحديات لا تزال غائبة عن دوائر الاهتمام بالنسبة لحكومات دول مجلس التعاون أو حتى الرأي العام الخليجي. ولذلك تزداد الحاجة أكثر من أي وقت مضى لتحديد المسارات المستقبلية للمنطقة إثر التحولات الجديدة.
وانطلاقاً من ذلك كله، فإن المحصلة النهائية لهذه التحديات في ظل المعطيات الراهنة تشير إلى احتمال بروز حالة من صراع الهويات الإثنو ـ طائفية في المنطقة تظهر لسببين:
* السبب الأول: تراجع الاهتمام والدعم الأمريكي لمسائل الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة للسياسات المختلفة للإدارة الأمريكية الجديدة، وبالتالي المزيد من الاختلال للعلاقات الإثنو ـ طائفية.
* السبب الثاني: حالة الفراغ الأمني التي قد تظهر في الأراضي العراقية بسبب انسحاب القوات الأجنبية منها بشكل تدريجي، وتكون لها تداعياتها على صعيد الأمن القومي الخليجي.
إضافة إلى ذلك، فإن هناك عوامل أخرى مساعدة لحالة صراع الهويات الإثنو ـ طائفية المتوقعة خلال الفترة المقبلة، وهي ظهور حالة متقدمة من الوعي السياسي لدى شعوب دول مجلس التعاون، وإتاحة الإصلاحات القائمة المزيد من الفرص للعديد من الأقليات والطوائف والجاليات المختلفة المقيمة في هذه الدول للمطالبة بالحقوق السياسية والتمثيل السياسي، فضلاً عن اهتمام الدول المصدّرة للعمالة الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي بتحسين أوضاع مواطنيها في المنطقة وفقاً لاعتبارات حقوق الإنسان، ودعوات المنظمات الدولية المتخصصة في هذا المجال. وقد شهدت مناطق عدة من دول مجلس التعاون الخليجي منذ العام 2001 العديد من حركات الاحتجاج السياسي، مثل الإضرابات والاعتصامات من قبل المقيمين الأجانب فيها للمطالبة بتحسين أوضاعهم وحقوقهم.
إن مثل هذه المعطيات في المشهد السياسي لدول مجلس التعاون الخليجي تتطلب سياسة خارجية خليجية مشتركة تقوم على تحقيق التوازن في إدارة العلاقات الخليجية ـ الأمريكية مع الإدارة الجديدة للبيت الأبيض في واشنطن من ناحية، وبحث التحديات الأمنية الناجمة عن الانسحاب العسكري من الأراضي العراقية، وتحديد مساراتها المستقبلية، وبالتالي وضع الاستراتيجيات العملية لمعالجتها من ناحية أخرى.
::/fulltext::
::cck::1815::/cck::
