هيمنة الاقتصاد والسياسة وتهميش الثقافة في بناء المواطنة الخليجية
::cck::1816::/cck::
::introtext::
عندما وقّع قادة دول مجلس التعاون الست على النظام الأساسي للمجلس في مدينة أبوظبي عام 1981م، كانت أحلامهم الكبيرة وطموحاتهم المتفائلة مثقلة بأعباء حرب تدور رحاها على واجهة الخليج الشرقية، وأطماع دولية في ثروات الخليج بعضها قريب جداً، وبعضها الآخر عابر للقارات، وصراع أيديولوجي وحرب باردة تتطور فصولها على نحو متسارع.
::/introtext::
::fulltext::
عندما وقّع قادة دول مجلس التعاون الست على النظام الأساسي للمجلس في مدينة أبوظبي عام 1981م، كانت أحلامهم الكبيرة وطموحاتهم المتفائلة مثقلة بأعباء حرب تدور رحاها على واجهة الخليج الشرقية، وأطماع دولية في ثروات الخليج بعضها قريب جداً، وبعضها الآخر عابر للقارات، وصراع أيديولوجي وحرب باردة تتطور فصولها على نحو متسارع.
يجوز لنا الزعم بأن فكرة التكتل قد برق وميضها تحت وطأة تهديدات تستهدف الوجود؛ على أمل أن يكون (مجلس التعاون) أكثر مناعة في وجه التحديات من دول متفرقة يسهل اقتيادها واحدة تلو الأخرى. ولأن التحديات كانت حقيقية فإنه عندما تأسس المجلس نص نظامه الأساسي على (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كافة الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات)، وفي ذلك ربط لمصائر دوله الست بعضها ببعض.
إن تشكيل كيان جديد للتعاون يتوجه مباشرة إلى تحقيق هذه الغايات ينم عن تفهم عميق لوشائج القربى، وتقارب الأصول والطباع، وتجانس العادات والتقاليد، كما يمثل حساًمسؤولاً بطبيعة التحديات وضرورة اجتماع الكلمة، وترابط المصالح، وصيرورة المصير. هذا الهدف الذي حدده المؤسسون لمستقبل تعاونهم يختلف عن التحالفات الجزئية التي تتم بين الدول، وتفضي إلى توسيع التعاون حتى يغدو وحدة حقيقية؛ الاتحاد الأوروبي مثلا بدأ باتفاقية باريس للحديد والصلب عام 1951م التي جاءت لمنع حرب أخرى قد يكون طرفاها فرنسا وألمانيا. ونشأ عن هذه الاتفاقية الأساسية اتفاقيات عدة منها اتفاقية روما 1958م، ماسترخت 1992م، أمستردام 1997م، نيس 2002، ولشبونة عام 2007م، التي مهّدت مجتمعة للشكل النهائي للاتحاد الأوروبي المعروف اليوم.
وإذ يبدو واضحاً أن منطلقات التحالفين الخليجي والأوروبي مختلفة في المنطلقات، فإن غاياتهما شديدة التشابه. فالتعاون الخليجي حدد منذ تأسيسه الوحدة هدفاً وغاية اعتماداً على أطر مشتركة بين الدول المؤسسة، وتجانس في أنظمة الحكم، وتماثل في العادات والتقاليد، وترابط عائلي وقبلي على امتداد دول المجلس الست، بينما هدفت المعاهدات التأسيسية للاتحاد الأوروبي إلى صنع السلام بين الدول الأوروبية المتجاورة، وتأسيس تعاون يقوم على المصالح، ويزيح شبح الحرب عن أوروبا لتكون الوحدة الأوروبية نتيجة حتمية. ورغم أن الاتحاد الأوروبي بدأ بمعاهدات جزئية فإنه وجد من الظروف المواتية ما ساعده على تطوير التحالفات باتجاه الوحدة، بينما واجه مجلس التعاون تهديدات وأزمات إقليمية، وتحديات حقيقية استهدفت دوله ومصالحه، وضغوطاً قريبة وبعيدة أصرت على تعطيل مسيرة التعاون أو على أقل تقدير تجريدها من الفاعلية، ومع ذلك واصل المجلس مسيرته أحياناً ببطء، وأحياناً أخرى بوتيرة معقولة نحو غاياته التي رُسمت ملامحها قبل 27 عاماً.
وقبل كل دورة للمجلس الأعلى في قمته السنوية ترتفع الأصوات في وسائل الإعلام متسائلة عما حققه المجلس من إنجازات للمواطن الخليجي؛ وفي كثير من الأحيان يوكل الأمر في المناقشات الساخنة إلى أطراف غير خليجية تحت دعوى الحياد، فتشبع بـ(موضوعيتها) مسيرة التعاون لسعاً ولكماً بالكلمات والعبارات حتى يخيل إليك أن المجلس ليس سوى نادٍ للقادة والنخب يلتقون في اجتماعات دورية لا هدف لها. وفي الوقت ذاته ينبري بعض المسؤولين في المجلس إلى الدفاع عما تحقق ويسمونه (إنجازات المجلس) إلى الدرجة التي تشعرك بأنك تعيش في وطن خليجي واحد.
وبعيداً عن نقد الشانئين والمشنعين، وإشادة المحبين والمسؤولين، علينا أن نتعامل مع الوقائع على الأرض فيما يتعلق بمسيرة مجلس التعاون. ويمكن أن نبدأ ذلك بعدة أسئلة حول حقيقة الإنجاز أو الإخفاق. فما الذي أنجزه المجلس للمواطن الخليجي فيما يتعلق بالعمل، والتنقل الحر، والعملة الموحدة، والتملك، والاستثمار؟ وما الذي حققه المجلس على صعيد تنسيق السياسات الخارجية والدفاعية؟ وما الذي حققه أيضاً على الصعيد الاقتصادي لنخب المال والأعمال؟ وما الذي حققه كذلك على صعيد الثقافة والهوية الخليجية؟
لست بكل تأكيد بصدد الإجابة عن هذه الأسئلة، ولكني في برقيات سريعة أشير إلى أن المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون قد أقرّ ما يتعلق بالسؤال الأول حول العمل والتنقل الحر بالبطاقة والتملك والاستثمار والسوق الخليجية المشتركة، والعملة الموحدة؛ وإن كانت هناك دول غير جاهزة لتطبيق تلك القرارات فإن بلداناً أخرى نفذت تلك الاتفاقيات على أساس ثنائي، وينتظر تحقق المزيد من التكامل قريباً. أما ما يتعلق بالتحرك كصوت وموقف واحد في السياسة الخارجية، فرغم أن هنالك تنسيقاً عالي المستوى في هذا الاتجاه إلا أنه من التواضع الاعتراف بأن هذا المسار يواجه صعوبات جمة تتطلب قرارات جريئة بخصوص تعيين منسق خليجي للسياسة الخارجية لدول مجلس التعاون، وقد يرى ذلك المطلب النور قريباً، وقد يتأخر ولا يأتي قبل تحقيق الوحدة إن كانت ستتحقق. أما على الصعيد الاقتصادي وخصوصاً لرجال وسيدات المال والأعمال فلا يخطئ المراقب ما تحقق في المجلس خلال مسيرته في هذا الجانب. ومع أهمية تهيئة البيئة الخليجية للاستثمارات البينية فإن القطاع الخاص في دول المجلس قطاع أناني ووجل؛ فهو يعمل إلى حد كبير في معزل عن السياق العام للوحدة الخليجية، ويقوم على أساس مصالح تجارية خاصة أو محدودة وربما يستفيد من الأنظمة والقوانين التي سنت للمستثمر الأجنبي أكثر من اهتمامه أو استفادته من القوانين التي وضعها المجلس لأبنائه. ونحن وإن رأينا في القرارات الاقتصادية معالجة واقعية لربط المصالح -حتى يشعر كل بلد بأهمية البلد الآخر له- فإنه ينبغي ألا نعول على ذلك كثيراً في جهودنا الحثيثة نحو تحقيق غاية الوحدة.
القطاع الخاص في دول المجلس يعمل في معزل عن السياق العام للوحدة الخليجية
وليس بخاف أن السياسيين والاقتصاديين تولوا شأن المجلس منذ تأسيسه؛ ومعلوم أن هذين الصنفين من الفاعلين على الساحة الخليجية تتسم تحركاتهم بالحذر والواقعية، وهو أمر مهم وضروري، ولو انزلق المجلس منذ بداياته في الشعارات الرنانة وأغرق في الخطاب العاطفي، واستسلم لفيض الخواطر من المشاعر فإنه ربما لن يصمد حتى يصل إلى هذه المرحلة التي نتحدث فيها عنه. لكن يؤخذ على السياسيين والاقتصاديين أنهم يعالجون موضوعات معقدة بتبسيط وسطحية تفقد الإنجازات نكهتها وتحرمها من عمقها اللائق بها؛ فالسياسة تبسط الأدوات والوسائل التي ينتظر منها أن تعالج أعقد أمورنا الحياتية، مما يجعلنا نؤكد في هذا المقام أن الوصول إلى وحدة الخليج، كما نص النظام الأساسي عليها، لن يتحقق بمعزل عن تدخل وتداخل الفكر والثقافة التي تضع الأسس الصلبة لوحدة الهدف والمشاعر والطموحات، وتكرس روح الوحدة معايشة حياتية تتغلغل في عروق مواطني الخليج، كما تكون سياجاً من المناعة يحمي الوحدة ويحافظ عليها وينقلها من جيل إلى آخر.
وبمعنى أكثر مباشرة فإن بعض السياسيين والاقتصاديين لن يستطيعوا التغلب على مخاوف تسكن بعض مواطني الخليج من الوحدة الخليجية، فهناك حساسيات ومخاوف، وهناك أيضاً ترقب وقلق وهي هواجس مشروعة أفرزتها تجارب ومشاهدات عربية أساءت إلى مفهوم الوحدة. كما أن حالة التشرذم والتعصب حول الهوية الوطنية الضيقة ضخمت حالة الأنا وألقت بظلال من الشك على نوايا الآخرين ومبادراتهم ومساعيهم نحو الوحدة. فغير بلد خليجي ربما يتصور أنه خاسر بإزالة حواجز الحدود السياسية، كما أن التضحية بجزء من سيادة البلد لصالح الوحدة الخليجية تقض مضاجع بعض النخب السياسية والاقتصادية التي ترى في مثل تلك الوحدة الموعودة تهديداً لاستحقاقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن القوى الخارجية تسهل عليها ممارسة الضغوط على السياسي والاقتصادي بما يخدم مصالح أطراف أخرى لا تخدمها وحدة الخليج. وعليه فإنه لابد من معالجة حالة الخوف والقلق من أجل إطلاق (دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء) من أجل استنهاض محفزات التكامل العاطفي والارتباط غير المشروط بانتماء للوطن الجديد الذي ينتظم ستة بلدان أسست مجلس التعاون.

دول المجلس بحاجة لقرارات جريئة فيما يتعلق بتعيين منسق خليجي للسياسة الخارجية
إن المتأمل في الكيان الخليجي الموعود يجد أن مستلزمات الوحدة الحضارية والثقافية التي يوصّفها صاحب كتاب الحضارة (ديورانت) متوفرة وبمستويات قياسية في بلدان الخليج؛ فالوحدة اللغوية التي تكون بين الناس وسيلة لتبادل الأفكار موجودة، والقانون الخُلقي الذي يربط بين مواطني دول المجلس سواء عن طريق المسجد أو الأسرة أو المدرسة أو غيرها موجود، والاتفاق بين الناس عقدياً وحتى مذهبياً موجود، والتربية كوسيلة تُتخذ لكي تنتقل الثقافة على مر الأجيال موجودة أيضاً. وما يعوز هذه المستلزمات هو طريقة تفعيلها والتعاطي معها في إطار وحدوي بدلاً من الأطر الوطنية المعزولة عن سياقها الخليجي.
وإذا كان أبناء دول مجلس التعاون يتحدثون لغة واحدة، وتتقارب لهجاتهم إلى درجة كبيرة، وينتمون إلى دين واحد مع تعددية مذهبية يجب أن ينظر إليها بإيجابية، وإذا كانت كثير من الأنظمة قد تم توحيدها سواء في مجال التربية والتعليم أو القضاء أو المعاملات المالية، فإن ذلك لا يعني التهوين من مسألة القلق والتوجس والريبة المشار إليها آنفاً وذلك لسببين: أولهما أنها فعلاً موجودة وبأقدار متفاوتة. وثانيهما أنها تلعب دوراً مهماً في نجاح أي توجه حقيقي للوحدة سواء بالسلب أو الإيجاب.
ولأي مراقب لما أسهم به المجلس في مجال الثقافة سيلاحظ أنها جهود موضعية لا تعمق العلاقة وإنما تنشط التواصل بين النخب المثقفة. ولأن القائمين على تلك المناشط الثقافية هم من الرسميين والسياسيين فإن الفعل الثقافي ومخرجات التواصل في هذا الشأن تسجل على أنها أرقام إحصائية تزين التقارير السنوية، فيما يتم التهاون في تكريس أو رصد آثار الممارسة الثقافية في الذاكرة الجمعية لأبناء الخليج بحيث يعول عليها في احتواء حالة القلق أو الخوف من الوحدة.
إن مضي ثلاثة عقود تقريباً على تأسيس المجلس تتطلب تحولاً نوعياً في تعامل الأمانة العامة لمجلس التعاون مع الثقافة التي يجب أن تكرس روح وحدتنا الخليجية، وأن ترفع شعار الخليج لأبنائه وبأبنائه بعيداً عن التعصب والإقصاء، وأن يشعر كل خليجي بانتمائه إلى كيان ثقافي واحد.وصحيح أن الجهود السياسية والاقتصادية، والأنظمة والقوانين والمؤسسات تعد بنى أساسية مهمة، لكن الوحدة تتحقق ثقافياً بإحساس الخليجي بالانتماء الكامل إلى الخليج. وأعرف أن هناك محاذير قد يرفعها البعض في وجه هذا الدمج الثقافي الذي يولد الحاجة للانتماء العاطفي والفكري إلى الخليج، لكن من المهم أن ندرك أن عدم بلورة هذا التوجه سوف يبقي منظومة مجلس التعاون مشرعة الأبواب للكثير من النقاش حول المواطَنة الخليجية. ولا أعتقد أنني سأُفهم على أنني أريد تمييع التنوع الثقافي الجميل في دول الخليج، بل ولا حتى في الدولة الواحدة من دوله، فأنا مع التعددية؛ لكنني مع تعددية تصب في نهاية المطاف في هدف واحد هو الإحساس الخليجي المشترك، والانتماء والولاء لهوية وطنية خليجية غير قابلة للتجزئة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1816::/cck::
::introtext::
عندما وقّع قادة دول مجلس التعاون الست على النظام الأساسي للمجلس في مدينة أبوظبي عام 1981م، كانت أحلامهم الكبيرة وطموحاتهم المتفائلة مثقلة بأعباء حرب تدور رحاها على واجهة الخليج الشرقية، وأطماع دولية في ثروات الخليج بعضها قريب جداً، وبعضها الآخر عابر للقارات، وصراع أيديولوجي وحرب باردة تتطور فصولها على نحو متسارع.
::/introtext::
::fulltext::
عندما وقّع قادة دول مجلس التعاون الست على النظام الأساسي للمجلس في مدينة أبوظبي عام 1981م، كانت أحلامهم الكبيرة وطموحاتهم المتفائلة مثقلة بأعباء حرب تدور رحاها على واجهة الخليج الشرقية، وأطماع دولية في ثروات الخليج بعضها قريب جداً، وبعضها الآخر عابر للقارات، وصراع أيديولوجي وحرب باردة تتطور فصولها على نحو متسارع.
يجوز لنا الزعم بأن فكرة التكتل قد برق وميضها تحت وطأة تهديدات تستهدف الوجود؛ على أمل أن يكون (مجلس التعاون) أكثر مناعة في وجه التحديات من دول متفرقة يسهل اقتيادها واحدة تلو الأخرى. ولأن التحديات كانت حقيقية فإنه عندما تأسس المجلس نص نظامه الأساسي على (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كافة الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات)، وفي ذلك ربط لمصائر دوله الست بعضها ببعض.
إن تشكيل كيان جديد للتعاون يتوجه مباشرة إلى تحقيق هذه الغايات ينم عن تفهم عميق لوشائج القربى، وتقارب الأصول والطباع، وتجانس العادات والتقاليد، كما يمثل حساًمسؤولاً بطبيعة التحديات وضرورة اجتماع الكلمة، وترابط المصالح، وصيرورة المصير. هذا الهدف الذي حدده المؤسسون لمستقبل تعاونهم يختلف عن التحالفات الجزئية التي تتم بين الدول، وتفضي إلى توسيع التعاون حتى يغدو وحدة حقيقية؛ الاتحاد الأوروبي مثلا بدأ باتفاقية باريس للحديد والصلب عام 1951م التي جاءت لمنع حرب أخرى قد يكون طرفاها فرنسا وألمانيا. ونشأ عن هذه الاتفاقية الأساسية اتفاقيات عدة منها اتفاقية روما 1958م، ماسترخت 1992م، أمستردام 1997م، نيس 2002، ولشبونة عام 2007م، التي مهّدت مجتمعة للشكل النهائي للاتحاد الأوروبي المعروف اليوم.
وإذ يبدو واضحاً أن منطلقات التحالفين الخليجي والأوروبي مختلفة في المنطلقات، فإن غاياتهما شديدة التشابه. فالتعاون الخليجي حدد منذ تأسيسه الوحدة هدفاً وغاية اعتماداً على أطر مشتركة بين الدول المؤسسة، وتجانس في أنظمة الحكم، وتماثل في العادات والتقاليد، وترابط عائلي وقبلي على امتداد دول المجلس الست، بينما هدفت المعاهدات التأسيسية للاتحاد الأوروبي إلى صنع السلام بين الدول الأوروبية المتجاورة، وتأسيس تعاون يقوم على المصالح، ويزيح شبح الحرب عن أوروبا لتكون الوحدة الأوروبية نتيجة حتمية. ورغم أن الاتحاد الأوروبي بدأ بمعاهدات جزئية فإنه وجد من الظروف المواتية ما ساعده على تطوير التحالفات باتجاه الوحدة، بينما واجه مجلس التعاون تهديدات وأزمات إقليمية، وتحديات حقيقية استهدفت دوله ومصالحه، وضغوطاً قريبة وبعيدة أصرت على تعطيل مسيرة التعاون أو على أقل تقدير تجريدها من الفاعلية، ومع ذلك واصل المجلس مسيرته أحياناً ببطء، وأحياناً أخرى بوتيرة معقولة نحو غاياته التي رُسمت ملامحها قبل 27 عاماً.
وقبل كل دورة للمجلس الأعلى في قمته السنوية ترتفع الأصوات في وسائل الإعلام متسائلة عما حققه المجلس من إنجازات للمواطن الخليجي؛ وفي كثير من الأحيان يوكل الأمر في المناقشات الساخنة إلى أطراف غير خليجية تحت دعوى الحياد، فتشبع بـ(موضوعيتها) مسيرة التعاون لسعاً ولكماً بالكلمات والعبارات حتى يخيل إليك أن المجلس ليس سوى نادٍ للقادة والنخب يلتقون في اجتماعات دورية لا هدف لها. وفي الوقت ذاته ينبري بعض المسؤولين في المجلس إلى الدفاع عما تحقق ويسمونه (إنجازات المجلس) إلى الدرجة التي تشعرك بأنك تعيش في وطن خليجي واحد.
وبعيداً عن نقد الشانئين والمشنعين، وإشادة المحبين والمسؤولين، علينا أن نتعامل مع الوقائع على الأرض فيما يتعلق بمسيرة مجلس التعاون. ويمكن أن نبدأ ذلك بعدة أسئلة حول حقيقة الإنجاز أو الإخفاق. فما الذي أنجزه المجلس للمواطن الخليجي فيما يتعلق بالعمل، والتنقل الحر، والعملة الموحدة، والتملك، والاستثمار؟ وما الذي حققه المجلس على صعيد تنسيق السياسات الخارجية والدفاعية؟ وما الذي حققه أيضاً على الصعيد الاقتصادي لنخب المال والأعمال؟ وما الذي حققه كذلك على صعيد الثقافة والهوية الخليجية؟
لست بكل تأكيد بصدد الإجابة عن هذه الأسئلة، ولكني في برقيات سريعة أشير إلى أن المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون قد أقرّ ما يتعلق بالسؤال الأول حول العمل والتنقل الحر بالبطاقة والتملك والاستثمار والسوق الخليجية المشتركة، والعملة الموحدة؛ وإن كانت هناك دول غير جاهزة لتطبيق تلك القرارات فإن بلداناً أخرى نفذت تلك الاتفاقيات على أساس ثنائي، وينتظر تحقق المزيد من التكامل قريباً. أما ما يتعلق بالتحرك كصوت وموقف واحد في السياسة الخارجية، فرغم أن هنالك تنسيقاً عالي المستوى في هذا الاتجاه إلا أنه من التواضع الاعتراف بأن هذا المسار يواجه صعوبات جمة تتطلب قرارات جريئة بخصوص تعيين منسق خليجي للسياسة الخارجية لدول مجلس التعاون، وقد يرى ذلك المطلب النور قريباً، وقد يتأخر ولا يأتي قبل تحقيق الوحدة إن كانت ستتحقق. أما على الصعيد الاقتصادي وخصوصاً لرجال وسيدات المال والأعمال فلا يخطئ المراقب ما تحقق في المجلس خلال مسيرته في هذا الجانب. ومع أهمية تهيئة البيئة الخليجية للاستثمارات البينية فإن القطاع الخاص في دول المجلس قطاع أناني ووجل؛ فهو يعمل إلى حد كبير في معزل عن السياق العام للوحدة الخليجية، ويقوم على أساس مصالح تجارية خاصة أو محدودة وربما يستفيد من الأنظمة والقوانين التي سنت للمستثمر الأجنبي أكثر من اهتمامه أو استفادته من القوانين التي وضعها المجلس لأبنائه. ونحن وإن رأينا في القرارات الاقتصادية معالجة واقعية لربط المصالح -حتى يشعر كل بلد بأهمية البلد الآخر له- فإنه ينبغي ألا نعول على ذلك كثيراً في جهودنا الحثيثة نحو تحقيق غاية الوحدة.
القطاع الخاص في دول المجلس يعمل في معزل عن السياق العام للوحدة الخليجية
وليس بخاف أن السياسيين والاقتصاديين تولوا شأن المجلس منذ تأسيسه؛ ومعلوم أن هذين الصنفين من الفاعلين على الساحة الخليجية تتسم تحركاتهم بالحذر والواقعية، وهو أمر مهم وضروري، ولو انزلق المجلس منذ بداياته في الشعارات الرنانة وأغرق في الخطاب العاطفي، واستسلم لفيض الخواطر من المشاعر فإنه ربما لن يصمد حتى يصل إلى هذه المرحلة التي نتحدث فيها عنه. لكن يؤخذ على السياسيين والاقتصاديين أنهم يعالجون موضوعات معقدة بتبسيط وسطحية تفقد الإنجازات نكهتها وتحرمها من عمقها اللائق بها؛ فالسياسة تبسط الأدوات والوسائل التي ينتظر منها أن تعالج أعقد أمورنا الحياتية، مما يجعلنا نؤكد في هذا المقام أن الوصول إلى وحدة الخليج، كما نص النظام الأساسي عليها، لن يتحقق بمعزل عن تدخل وتداخل الفكر والثقافة التي تضع الأسس الصلبة لوحدة الهدف والمشاعر والطموحات، وتكرس روح الوحدة معايشة حياتية تتغلغل في عروق مواطني الخليج، كما تكون سياجاً من المناعة يحمي الوحدة ويحافظ عليها وينقلها من جيل إلى آخر.
وبمعنى أكثر مباشرة فإن بعض السياسيين والاقتصاديين لن يستطيعوا التغلب على مخاوف تسكن بعض مواطني الخليج من الوحدة الخليجية، فهناك حساسيات ومخاوف، وهناك أيضاً ترقب وقلق وهي هواجس مشروعة أفرزتها تجارب ومشاهدات عربية أساءت إلى مفهوم الوحدة. كما أن حالة التشرذم والتعصب حول الهوية الوطنية الضيقة ضخمت حالة الأنا وألقت بظلال من الشك على نوايا الآخرين ومبادراتهم ومساعيهم نحو الوحدة. فغير بلد خليجي ربما يتصور أنه خاسر بإزالة حواجز الحدود السياسية، كما أن التضحية بجزء من سيادة البلد لصالح الوحدة الخليجية تقض مضاجع بعض النخب السياسية والاقتصادية التي ترى في مثل تلك الوحدة الموعودة تهديداً لاستحقاقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما أن القوى الخارجية تسهل عليها ممارسة الضغوط على السياسي والاقتصادي بما يخدم مصالح أطراف أخرى لا تخدمها وحدة الخليج. وعليه فإنه لابد من معالجة حالة الخوف والقلق من أجل إطلاق (دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء) من أجل استنهاض محفزات التكامل العاطفي والارتباط غير المشروط بانتماء للوطن الجديد الذي ينتظم ستة بلدان أسست مجلس التعاون.

دول المجلس بحاجة لقرارات جريئة فيما يتعلق بتعيين منسق خليجي للسياسة الخارجية
إن المتأمل في الكيان الخليجي الموعود يجد أن مستلزمات الوحدة الحضارية والثقافية التي يوصّفها صاحب كتاب الحضارة (ديورانت) متوفرة وبمستويات قياسية في بلدان الخليج؛ فالوحدة اللغوية التي تكون بين الناس وسيلة لتبادل الأفكار موجودة، والقانون الخُلقي الذي يربط بين مواطني دول المجلس سواء عن طريق المسجد أو الأسرة أو المدرسة أو غيرها موجود، والاتفاق بين الناس عقدياً وحتى مذهبياً موجود، والتربية كوسيلة تُتخذ لكي تنتقل الثقافة على مر الأجيال موجودة أيضاً. وما يعوز هذه المستلزمات هو طريقة تفعيلها والتعاطي معها في إطار وحدوي بدلاً من الأطر الوطنية المعزولة عن سياقها الخليجي.
وإذا كان أبناء دول مجلس التعاون يتحدثون لغة واحدة، وتتقارب لهجاتهم إلى درجة كبيرة، وينتمون إلى دين واحد مع تعددية مذهبية يجب أن ينظر إليها بإيجابية، وإذا كانت كثير من الأنظمة قد تم توحيدها سواء في مجال التربية والتعليم أو القضاء أو المعاملات المالية، فإن ذلك لا يعني التهوين من مسألة القلق والتوجس والريبة المشار إليها آنفاً وذلك لسببين: أولهما أنها فعلاً موجودة وبأقدار متفاوتة. وثانيهما أنها تلعب دوراً مهماً في نجاح أي توجه حقيقي للوحدة سواء بالسلب أو الإيجاب.
ولأي مراقب لما أسهم به المجلس في مجال الثقافة سيلاحظ أنها جهود موضعية لا تعمق العلاقة وإنما تنشط التواصل بين النخب المثقفة. ولأن القائمين على تلك المناشط الثقافية هم من الرسميين والسياسيين فإن الفعل الثقافي ومخرجات التواصل في هذا الشأن تسجل على أنها أرقام إحصائية تزين التقارير السنوية، فيما يتم التهاون في تكريس أو رصد آثار الممارسة الثقافية في الذاكرة الجمعية لأبناء الخليج بحيث يعول عليها في احتواء حالة القلق أو الخوف من الوحدة.
إن مضي ثلاثة عقود تقريباً على تأسيس المجلس تتطلب تحولاً نوعياً في تعامل الأمانة العامة لمجلس التعاون مع الثقافة التي يجب أن تكرس روح وحدتنا الخليجية، وأن ترفع شعار الخليج لأبنائه وبأبنائه بعيداً عن التعصب والإقصاء، وأن يشعر كل خليجي بانتمائه إلى كيان ثقافي واحد.وصحيح أن الجهود السياسية والاقتصادية، والأنظمة والقوانين والمؤسسات تعد بنى أساسية مهمة، لكن الوحدة تتحقق ثقافياً بإحساس الخليجي بالانتماء الكامل إلى الخليج. وأعرف أن هناك محاذير قد يرفعها البعض في وجه هذا الدمج الثقافي الذي يولد الحاجة للانتماء العاطفي والفكري إلى الخليج، لكن من المهم أن ندرك أن عدم بلورة هذا التوجه سوف يبقي منظومة مجلس التعاون مشرعة الأبواب للكثير من النقاش حول المواطَنة الخليجية. ولا أعتقد أنني سأُفهم على أنني أريد تمييع التنوع الثقافي الجميل في دول الخليج، بل ولا حتى في الدولة الواحدة من دوله، فأنا مع التعددية؛ لكنني مع تعددية تصب في نهاية المطاف في هدف واحد هو الإحساس الخليجي المشترك، والانتماء والولاء لهوية وطنية خليجية غير قابلة للتجزئة.
::/fulltext::
::cck::1816::/cck::
