العمل العربي الخليجي المشترك والدبلوماسية الخليجية في عالم متغير.. (رؤية اجتماعية)
::cck::1817::/cck::
::introtext::
مثلت منطقة الخليج العربي خلال التاريخ وحدة ديموغرافية وثقافية تحكمها أيكولوجية متشابهة نسبياً ولا سيما تلك المطلة على الخليج العربي، كما أن هذا الامتداد المتجانس في كثير من تفاصيله تمثل أيضاً في امتداد فولكلوري تعايش وتكيف مع طبيعة حياة البحر لفترة طويلة من الزمن، ولم يتقاطع مع عمقه الصحراوي البدوي إلا في بعض جزئياته الثقافية المتكونة جراء النمط الإنتاجي المتكيف مع ظروف أيكولوجية معينة.
::/introtext::
::fulltext::
مثلت منطقة الخليج العربي خلال التاريخ وحدة ديموغرافية وثقافية تحكمها أيكولوجية متشابهة نسبياً ولا سيما تلك المطلة على الخليج العربي، كما أن هذا الامتداد المتجانس في كثير من تفاصيله تمثل أيضاً في امتداد فولكلوري تعايش وتكيف مع طبيعة حياة البحر لفترة طويلة من الزمن، ولم يتقاطع مع عمقه الصحراوي البدوي إلا في بعض جزئياته الثقافية المتكونة جراء النمط الإنتاجي المتكيف مع ظروف أيكولوجية معينة.
عاد هذا الامتداد الثقافي القبلي يعبّر عن نفسه بشكل متجدد مع تغير نمط الإنتاج التقليدي وظهور نمط جديد قائم على نتائج اكتشاف النفط وصناعته مساعداًً على تشكيل دول حديثة تجمعها الروابط الثقافية والاجتماعية والجغرافية المشتركة من جهة والروابط السياسية والاقتصادية في المصالح المتبادلة من جهة أخرى، وبهذا فإن بوادر العمل الخليجي المشترك جاءت كاستجابة محلية ثقافية، كما جاءت أيضاً كاستجابة لمتطلبات العصر وسط تكتلات اقتصادية وسياسية أخذت تظهر في المحيط الدولي والإقليمي ليتشكل بينها العمل الخليجي بآلياته التنظيمية ممثلاً في مجلس التعاون الخليجي الذي تمكن بدوره من الاستمرار والتفاعل والصمود على خلاف ما حصل لتكتلات عربية أخرى، وإذا نظرنا إلى حركة وتطور التعاون الخليجي من زوايا ومسارات اقتصادية وثقافية وتنظيمية (سياسية) نجدهما قد تبلورا في هذه المسارات الثلاثة، فمن حيث الاقتصاد بما في ذلك التطور التكنولوجي المنقول، قد ساعد على بناء مرتكزات التحضر العصرية وتهيئة مستلزمات الإنسان الحديث باطراد مع تزايدها في عالم سريع التغير، وعلى صعيد التطور الثقافي شهدت الأسرة والمجتمع الخليجي عامة تطورات وتغيرات بنيوية، كما تبلور سلوك حضري واضح في المدينة الخليجية الحديثة حتى تكيف الإنسان الخليجي مع متطلبات الحياة الحضرية العصرية مع حرصه على المحافظة على خصوصيات المجتمع الثقافية، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود صراع بين النمط التقليدي والنمط الحداثوي بل إن من عوامل التغير تلك هو هذا النوع من الصراع على الصعد كافة، أما على صعيد المسار التنظيمي السياسي فإن متطلبات الدولة الحديثة ومجتمعها المدني، قادت إلى هذا النوع من التنظيم العقلاني، وقد خطت الدولة الخليجية أشواطاً متقدمة في العمل السياسي والإعلامي جعلتها بين مناهج وأيديولوجيات المنطقة العربية ومحيطها الإقليمي تمثل فكراً ومنهجاً عربياً متميزاً لتظل دول الخليج العربية كتلة سياسية واقتصادية تمارس عملاً دبلوماسياً ناجحاً في التعامل مع ملفات ساخنة تتطلب درجة عالية من التوازن وبما يتلاءم ومصالح المجتمع الخليجي.
كانت الدبلوماسية الخليجية حاضرة وفاعلة بفكرها وآلياتها المتجددة في التعامل مع أعقد مسائل الألفية الثالثة
أولاً: العمل الخليجي المشترك امتداد ثقافي
لا شك في أن التراث العربي الخليجي غني وعميق في دلالاته الثقافية المعبرة عن أصالة شعوب المنطقة سواء في امتداداتها الصحراوية أو امتداداتها على ضفاف مياه الخليج العربي وفي جزره المميزة، حيث كان هذا التراث ولا يزال الصورة المشتركة المعبرة عن وحدة هذه المجتمعات الثقافية، كما كان له دور مباشر في وضع اللبنات الأولى للعمل الخليجي المشترك بآلياته الحديثة وعلاقاته المتوازنة إقليمياً ودولياً ضمن سياقات ونظم اقتصادية وثقافية وسياسية باتت تتجه صوب وحدة الموقف الدبلوماسي إزاء القضايا المختلفة مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية الدبلوماسية لكل دولة في وضع آليات النشاط الدبلوماسي للقضايا التي تريد الانفراد بها أو تختلف في التعامل معها وفق آليات سياسية واقتصادية تحفظ لكل دولة خصوصيتها في العمل السياسي مع وعيها في الاتجاه نحو بلورة ثقافة دبلوماسية عقلانية خليجية لا تخرج عن مسار المصالح العليا للمجتمع الخليجي وفي مقدمتها أمنه القومي. ولعل في هذا البعد تكمن عوامل نجاح الدبلوماسية الخليجية التي شهدت تطوراً ملموساً في السنوات الأخيرة، واستطاعت بعض الدول الخليجية أن تدخل معترك السياسة الدولية وهي تدلو بدلوها في وضع الحلول لكثير من القضايا العالقة، ومنها القضايا العربية التي تتطلب الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف المتصارعة، ولعل مفهوم المسافة الواحدة الذي أطلقه سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية والذي أخذ مكانة مميزة بين مفاهيم العمل الدبلوماسي والسياسي في الحقبة الراهنة وعلى مستوى عال وبطريقة أصبحت تحتاج إلى آلية تفريغ كل المواقف المتعاطفة مع هذا الطرف أو ذاك، وهذا ما تريد أن تفعله الدبلوماسية الخليجية في الوقت الحاضر، جعل كثيراً من الأطراف المتصارعة في محيطها الإقليمي تسعى إلى حل مشكلاتها السياسية على الساحة الخليجية مستفيدة من جهود الدبلوماسية الخليجية في التقريب في وجهات النظر المتقاطعة، كما أن جهود هذه الدبلوماسية لا تزال حثيثة في وضع آليات عمل تساعد على حل مشكلات المنطقة وتجنبها مخاطر الأزمات والحروب وتجعلها منطقة تعايش سلمي وتفاعل إيجابي بين دولها أولاً وبينها ودول العالم ثانياً وبما يدعم السلم العالمي.
ثانياً: نمط الإنتاج وانعكاسه على الدبلوماسية الخليجية
لاشك في أن منطقة الجزيرة والخليج العربي تكيفت فيها خلال التاريخ أنماط إنتاجية عدة أملتها ظروفها الأيكولوجية المتباينة نسبياً، فشكلت البيئة الصحراوية نمط إنتاج معيناً، كما شكلت البيئة الساحلية نمطاً آخر مختلفاً عن النمط الأول، فضلاً عن نمط الإنتاج الزراعي، وأشكال أخرى مثل التجارة وبعض الصناعات الحرفية اليدوية إلى أن ظهر النفط ليشكل نمطاً إنتاجياً حديثاً ومشتركاً وبنسب متفاوتة بين دول الخليج العربية. وإذا كانت التكوينات الأيكولوجية والثقافية والاقتصادية قد عملت على وجود شعور مشترك بالانتماء إلى مرجعية ثقافية واحدة فإن النفط نقل هذا الشعور الشعبي إلى برامج عمل قائمة على أصول التنظيم الحديث ونتج عنه تكتل خليجي تعاوني، كان له دور مشهود في بلورة كثير من المواقف المشتركة إزاء القضايا الإقليمية والدولية، كما أضحى هذا العمل فاعلاً أيضاً على المستويات المحلية التي كان أبرزها السوق الخليجية المشتركة ومشروع العملة الموحدة، فضلاًً عن البرامج الإنمائية والاتفاقيات الثنائية بين دول المجلس، كما أن نجاح مثل هذا العمل يتطلب تضافر الجهود الخليجية لإرساء قواعد العمل المشترك الذي ينبغي أن يكون أساسه الاقتصاد، مما يفرض مزيداً من العمل السياسي لوضع الترتيبات العملية للسوق الخليجية المشتركة بآلياتها التنفيذية المتفاعلة مع المحيط الاقتصادي العربي والإقليمي تمهيداً لوضع آليات الوحدة الاقتصادية على غرار ما حصل بين دول الاتحاد الأوروبي. ولا شك في أن إرساء قواعد هذا العمل سوف يقود إلى ترسيخ عقلانية العمل السياسي والدبلوماسي أكثر والذي سيكون عندئذ أشد حرصاً على وحدة المصالح الخليجية وعلى المستويات كافة مما يستدعي الإسراع في إصدار العملة الخليجية الموحدة وتجاوز كل العقبات التي قد تقف في طريقها بغية الوصول إلى أهداف أكبر، مما سوف يعود بالفائدة المثمرة على المجتمع الخليجي حاضراً ومستقبلاً وعندئذ لم تؤثر في برامج العمل المشترك بعض الخصوصيات في العمل السياسي والنشاط الدبلوماسي. وبهذا فإن انعكاس النمط الإنتاجي النفطي على تنامي الشعور بضرورة بلورة عمل سياسي مشترك بين دول مجلس التعاون لا يقل أهمية عن دور الامتداد الثقافي في ذلك، بل إن العاملين يعملان متفاعلين على بلورة العمل السياسي المشترك ونجاح الدبلوماسية الخليجية وهو ما بدا واضحاً في التعامل مع كثير من القضايا العربية والإقليمية المعقدة.
سجل التاريخ الدبلوماسي الخليجي نجاحات على الصعد المحلية والعربية والدولية
ثالثاً: العمل الخليجي السياسي المشترك في عالم متغير
من ينظر إلى خريطة المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة تظهر له أهمية ما تمثله من مراكز اهتمام جاذبة ومرتكزات حيوية لمصالح استراتيجية في السياسة الدولية، ولعل الموارد الاقتصادية الحيوية والمراكز الحضارية ومناطق التحرك العسكري وشبكة المواصلات البحرية والبرية ومراكز الديانات السماوية، حيث مركز العالم الإسلامي مكة المكرمة وفلسطين مركز اهتمام المسلمين والديانات الأخرى جعلت منها كل ذلك- ولنقل بلغة فكر عصر المعلومات الاستشرافي- مركز الأرض على مستوى التوقعات المستقبلية، كما كانت ضمن التكوينات الحضارية خلال التاريخ، كما أنها تشكل من جانب آخر وبسبب تلك الأهمية مناطق توتر حقيقية في عالم متغير، وفي أجواء هذه الحقائق والتحديات يظهر العمل السياسي الخليجي كنقطة تحول حقيقية في السياسة الإقليمية والدولية ممثلاً في دبلوماسية تعمل على أن تكون متوازنة بين كل المواقف والتصورات السياسية المختلفة والمحيطة بها من كل اتجاه وبما يحفظ مصالح المنطقة ويوطد السلام فيها، وقد أثبتت الوقائع والأحداث التي حصلت خلال الخمسين سنة الماضية حكمة هذا العمل السياسي وعقلانيته، كما سجل التاريخ الدبلوماسي الخليجي نجاحات على الصعد المحلية والعربية والدولية، وكذلك كانت هذه الدبلوماسية حاضرة وفاعلة بفكرها وآلياتها المتجددة في التعامل مع أعقد مسائل الألفية الثالثة.

مجلس التعاون الخليجي استطاع أن يستمر ويصمد على خلاف ما حصل لتكتلات عربية أخرى
رابعاً: تكتل ثقافي وراءه تكتل دبلوماسي
لقد كان وراء ما حققه الأوروبيون من إنجازات تكنولوجية متلاحقة وما أنتجوه من نظم سياسية ومدنية، ذلك التكتل الثقافي المتمثل في الفكر الغربي الذي أضحى اليوم يعرف بفكر عصر المعلومات الابتكاري والاستشرافي والذي كان وراءه أيضاً تكتل إعلامي وسياسي واقتصادي واضح المعالم. وإذا كانت إشكالية العرب اليوم تتمثل في عدم قدرتهم على تكوين تكتل ثقافي فاعل على امتداد أرضهم من الخليج إلى المحيط، فإن منطقة الخليج العربي وضمن تشكيلاتها الاجتماعية والثقافية يظهر فيها تكتل سياسي بدرجة مقبولة قياساً لما هو مفقود تنظيمياً- بسبب الاختلافات السياسية المزمنة- في بقية أجزاء الوطن العربي، وقد قاد هذا التضامن الثقافي في منطقة الجزيرة والخليج العربي إلى العمل المشترك في شتى المجالات منطلقاً من مزايا السياسة المشجعة على تقارب مجتمعاتها ضمن أنماطها الاقتصادية سواء كانت بأشكالها التقليدية أو بأشكالها الحديثة الظاهرة في اقتصاد النفط، كما تمثل في أصول تكويناتها القبلية وتقاربها الإيديولوجي الناتج عن هذا الواقع، لذا تبلور شعورهم المشترك بأن مصيرهم واحد وأهدافهم مشتركة وتصوراتهم تجاه القضايا المحيطة بهم وفق حقائق الواقع ينبغي أن تكون واحدة، ولعل هذا الشعور هو الذي قاد إلى تكتل دبلوماسي – إن صح هذا التعبير- ليرسم سياسة خليجية واضحة تجاه القضايا المختلفة المحيطة بالمنطقة مقترنة بحكمة وذكاء مستمدين من التراث الثقافي نفسه، ذلك التراث المشهود له بالفطنة واليقظة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1817::/cck::
::introtext::
مثلت منطقة الخليج العربي خلال التاريخ وحدة ديموغرافية وثقافية تحكمها أيكولوجية متشابهة نسبياً ولا سيما تلك المطلة على الخليج العربي، كما أن هذا الامتداد المتجانس في كثير من تفاصيله تمثل أيضاً في امتداد فولكلوري تعايش وتكيف مع طبيعة حياة البحر لفترة طويلة من الزمن، ولم يتقاطع مع عمقه الصحراوي البدوي إلا في بعض جزئياته الثقافية المتكونة جراء النمط الإنتاجي المتكيف مع ظروف أيكولوجية معينة.
::/introtext::
::fulltext::
مثلت منطقة الخليج العربي خلال التاريخ وحدة ديموغرافية وثقافية تحكمها أيكولوجية متشابهة نسبياً ولا سيما تلك المطلة على الخليج العربي، كما أن هذا الامتداد المتجانس في كثير من تفاصيله تمثل أيضاً في امتداد فولكلوري تعايش وتكيف مع طبيعة حياة البحر لفترة طويلة من الزمن، ولم يتقاطع مع عمقه الصحراوي البدوي إلا في بعض جزئياته الثقافية المتكونة جراء النمط الإنتاجي المتكيف مع ظروف أيكولوجية معينة.
عاد هذا الامتداد الثقافي القبلي يعبّر عن نفسه بشكل متجدد مع تغير نمط الإنتاج التقليدي وظهور نمط جديد قائم على نتائج اكتشاف النفط وصناعته مساعداًً على تشكيل دول حديثة تجمعها الروابط الثقافية والاجتماعية والجغرافية المشتركة من جهة والروابط السياسية والاقتصادية في المصالح المتبادلة من جهة أخرى، وبهذا فإن بوادر العمل الخليجي المشترك جاءت كاستجابة محلية ثقافية، كما جاءت أيضاً كاستجابة لمتطلبات العصر وسط تكتلات اقتصادية وسياسية أخذت تظهر في المحيط الدولي والإقليمي ليتشكل بينها العمل الخليجي بآلياته التنظيمية ممثلاً في مجلس التعاون الخليجي الذي تمكن بدوره من الاستمرار والتفاعل والصمود على خلاف ما حصل لتكتلات عربية أخرى، وإذا نظرنا إلى حركة وتطور التعاون الخليجي من زوايا ومسارات اقتصادية وثقافية وتنظيمية (سياسية) نجدهما قد تبلورا في هذه المسارات الثلاثة، فمن حيث الاقتصاد بما في ذلك التطور التكنولوجي المنقول، قد ساعد على بناء مرتكزات التحضر العصرية وتهيئة مستلزمات الإنسان الحديث باطراد مع تزايدها في عالم سريع التغير، وعلى صعيد التطور الثقافي شهدت الأسرة والمجتمع الخليجي عامة تطورات وتغيرات بنيوية، كما تبلور سلوك حضري واضح في المدينة الخليجية الحديثة حتى تكيف الإنسان الخليجي مع متطلبات الحياة الحضرية العصرية مع حرصه على المحافظة على خصوصيات المجتمع الثقافية، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود صراع بين النمط التقليدي والنمط الحداثوي بل إن من عوامل التغير تلك هو هذا النوع من الصراع على الصعد كافة، أما على صعيد المسار التنظيمي السياسي فإن متطلبات الدولة الحديثة ومجتمعها المدني، قادت إلى هذا النوع من التنظيم العقلاني، وقد خطت الدولة الخليجية أشواطاً متقدمة في العمل السياسي والإعلامي جعلتها بين مناهج وأيديولوجيات المنطقة العربية ومحيطها الإقليمي تمثل فكراً ومنهجاً عربياً متميزاً لتظل دول الخليج العربية كتلة سياسية واقتصادية تمارس عملاً دبلوماسياً ناجحاً في التعامل مع ملفات ساخنة تتطلب درجة عالية من التوازن وبما يتلاءم ومصالح المجتمع الخليجي.
كانت الدبلوماسية الخليجية حاضرة وفاعلة بفكرها وآلياتها المتجددة في التعامل مع أعقد مسائل الألفية الثالثة
أولاً: العمل الخليجي المشترك امتداد ثقافي
لا شك في أن التراث العربي الخليجي غني وعميق في دلالاته الثقافية المعبرة عن أصالة شعوب المنطقة سواء في امتداداتها الصحراوية أو امتداداتها على ضفاف مياه الخليج العربي وفي جزره المميزة، حيث كان هذا التراث ولا يزال الصورة المشتركة المعبرة عن وحدة هذه المجتمعات الثقافية، كما كان له دور مباشر في وضع اللبنات الأولى للعمل الخليجي المشترك بآلياته الحديثة وعلاقاته المتوازنة إقليمياً ودولياً ضمن سياقات ونظم اقتصادية وثقافية وسياسية باتت تتجه صوب وحدة الموقف الدبلوماسي إزاء القضايا المختلفة مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية الدبلوماسية لكل دولة في وضع آليات النشاط الدبلوماسي للقضايا التي تريد الانفراد بها أو تختلف في التعامل معها وفق آليات سياسية واقتصادية تحفظ لكل دولة خصوصيتها في العمل السياسي مع وعيها في الاتجاه نحو بلورة ثقافة دبلوماسية عقلانية خليجية لا تخرج عن مسار المصالح العليا للمجتمع الخليجي وفي مقدمتها أمنه القومي. ولعل في هذا البعد تكمن عوامل نجاح الدبلوماسية الخليجية التي شهدت تطوراً ملموساً في السنوات الأخيرة، واستطاعت بعض الدول الخليجية أن تدخل معترك السياسة الدولية وهي تدلو بدلوها في وضع الحلول لكثير من القضايا العالقة، ومنها القضايا العربية التي تتطلب الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف المتصارعة، ولعل مفهوم المسافة الواحدة الذي أطلقه سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية والذي أخذ مكانة مميزة بين مفاهيم العمل الدبلوماسي والسياسي في الحقبة الراهنة وعلى مستوى عال وبطريقة أصبحت تحتاج إلى آلية تفريغ كل المواقف المتعاطفة مع هذا الطرف أو ذاك، وهذا ما تريد أن تفعله الدبلوماسية الخليجية في الوقت الحاضر، جعل كثيراً من الأطراف المتصارعة في محيطها الإقليمي تسعى إلى حل مشكلاتها السياسية على الساحة الخليجية مستفيدة من جهود الدبلوماسية الخليجية في التقريب في وجهات النظر المتقاطعة، كما أن جهود هذه الدبلوماسية لا تزال حثيثة في وضع آليات عمل تساعد على حل مشكلات المنطقة وتجنبها مخاطر الأزمات والحروب وتجعلها منطقة تعايش سلمي وتفاعل إيجابي بين دولها أولاً وبينها ودول العالم ثانياً وبما يدعم السلم العالمي.
ثانياً: نمط الإنتاج وانعكاسه على الدبلوماسية الخليجية
لاشك في أن منطقة الجزيرة والخليج العربي تكيفت فيها خلال التاريخ أنماط إنتاجية عدة أملتها ظروفها الأيكولوجية المتباينة نسبياً، فشكلت البيئة الصحراوية نمط إنتاج معيناً، كما شكلت البيئة الساحلية نمطاً آخر مختلفاً عن النمط الأول، فضلاً عن نمط الإنتاج الزراعي، وأشكال أخرى مثل التجارة وبعض الصناعات الحرفية اليدوية إلى أن ظهر النفط ليشكل نمطاً إنتاجياً حديثاً ومشتركاً وبنسب متفاوتة بين دول الخليج العربية. وإذا كانت التكوينات الأيكولوجية والثقافية والاقتصادية قد عملت على وجود شعور مشترك بالانتماء إلى مرجعية ثقافية واحدة فإن النفط نقل هذا الشعور الشعبي إلى برامج عمل قائمة على أصول التنظيم الحديث ونتج عنه تكتل خليجي تعاوني، كان له دور مشهود في بلورة كثير من المواقف المشتركة إزاء القضايا الإقليمية والدولية، كما أضحى هذا العمل فاعلاً أيضاً على المستويات المحلية التي كان أبرزها السوق الخليجية المشتركة ومشروع العملة الموحدة، فضلاًً عن البرامج الإنمائية والاتفاقيات الثنائية بين دول المجلس، كما أن نجاح مثل هذا العمل يتطلب تضافر الجهود الخليجية لإرساء قواعد العمل المشترك الذي ينبغي أن يكون أساسه الاقتصاد، مما يفرض مزيداً من العمل السياسي لوضع الترتيبات العملية للسوق الخليجية المشتركة بآلياتها التنفيذية المتفاعلة مع المحيط الاقتصادي العربي والإقليمي تمهيداً لوضع آليات الوحدة الاقتصادية على غرار ما حصل بين دول الاتحاد الأوروبي. ولا شك في أن إرساء قواعد هذا العمل سوف يقود إلى ترسيخ عقلانية العمل السياسي والدبلوماسي أكثر والذي سيكون عندئذ أشد حرصاً على وحدة المصالح الخليجية وعلى المستويات كافة مما يستدعي الإسراع في إصدار العملة الخليجية الموحدة وتجاوز كل العقبات التي قد تقف في طريقها بغية الوصول إلى أهداف أكبر، مما سوف يعود بالفائدة المثمرة على المجتمع الخليجي حاضراً ومستقبلاً وعندئذ لم تؤثر في برامج العمل المشترك بعض الخصوصيات في العمل السياسي والنشاط الدبلوماسي. وبهذا فإن انعكاس النمط الإنتاجي النفطي على تنامي الشعور بضرورة بلورة عمل سياسي مشترك بين دول مجلس التعاون لا يقل أهمية عن دور الامتداد الثقافي في ذلك، بل إن العاملين يعملان متفاعلين على بلورة العمل السياسي المشترك ونجاح الدبلوماسية الخليجية وهو ما بدا واضحاً في التعامل مع كثير من القضايا العربية والإقليمية المعقدة.
سجل التاريخ الدبلوماسي الخليجي نجاحات على الصعد المحلية والعربية والدولية
ثالثاً: العمل الخليجي السياسي المشترك في عالم متغير
من ينظر إلى خريطة المنطقة العربية عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة تظهر له أهمية ما تمثله من مراكز اهتمام جاذبة ومرتكزات حيوية لمصالح استراتيجية في السياسة الدولية، ولعل الموارد الاقتصادية الحيوية والمراكز الحضارية ومناطق التحرك العسكري وشبكة المواصلات البحرية والبرية ومراكز الديانات السماوية، حيث مركز العالم الإسلامي مكة المكرمة وفلسطين مركز اهتمام المسلمين والديانات الأخرى جعلت منها كل ذلك- ولنقل بلغة فكر عصر المعلومات الاستشرافي- مركز الأرض على مستوى التوقعات المستقبلية، كما كانت ضمن التكوينات الحضارية خلال التاريخ، كما أنها تشكل من جانب آخر وبسبب تلك الأهمية مناطق توتر حقيقية في عالم متغير، وفي أجواء هذه الحقائق والتحديات يظهر العمل السياسي الخليجي كنقطة تحول حقيقية في السياسة الإقليمية والدولية ممثلاً في دبلوماسية تعمل على أن تكون متوازنة بين كل المواقف والتصورات السياسية المختلفة والمحيطة بها من كل اتجاه وبما يحفظ مصالح المنطقة ويوطد السلام فيها، وقد أثبتت الوقائع والأحداث التي حصلت خلال الخمسين سنة الماضية حكمة هذا العمل السياسي وعقلانيته، كما سجل التاريخ الدبلوماسي الخليجي نجاحات على الصعد المحلية والعربية والدولية، وكذلك كانت هذه الدبلوماسية حاضرة وفاعلة بفكرها وآلياتها المتجددة في التعامل مع أعقد مسائل الألفية الثالثة.

مجلس التعاون الخليجي استطاع أن يستمر ويصمد على خلاف ما حصل لتكتلات عربية أخرى
رابعاً: تكتل ثقافي وراءه تكتل دبلوماسي
لقد كان وراء ما حققه الأوروبيون من إنجازات تكنولوجية متلاحقة وما أنتجوه من نظم سياسية ومدنية، ذلك التكتل الثقافي المتمثل في الفكر الغربي الذي أضحى اليوم يعرف بفكر عصر المعلومات الابتكاري والاستشرافي والذي كان وراءه أيضاً تكتل إعلامي وسياسي واقتصادي واضح المعالم. وإذا كانت إشكالية العرب اليوم تتمثل في عدم قدرتهم على تكوين تكتل ثقافي فاعل على امتداد أرضهم من الخليج إلى المحيط، فإن منطقة الخليج العربي وضمن تشكيلاتها الاجتماعية والثقافية يظهر فيها تكتل سياسي بدرجة مقبولة قياساً لما هو مفقود تنظيمياً- بسبب الاختلافات السياسية المزمنة- في بقية أجزاء الوطن العربي، وقد قاد هذا التضامن الثقافي في منطقة الجزيرة والخليج العربي إلى العمل المشترك في شتى المجالات منطلقاً من مزايا السياسة المشجعة على تقارب مجتمعاتها ضمن أنماطها الاقتصادية سواء كانت بأشكالها التقليدية أو بأشكالها الحديثة الظاهرة في اقتصاد النفط، كما تمثل في أصول تكويناتها القبلية وتقاربها الإيديولوجي الناتج عن هذا الواقع، لذا تبلور شعورهم المشترك بأن مصيرهم واحد وأهدافهم مشتركة وتصوراتهم تجاه القضايا المحيطة بهم وفق حقائق الواقع ينبغي أن تكون واحدة، ولعل هذا الشعور هو الذي قاد إلى تكتل دبلوماسي – إن صح هذا التعبير- ليرسم سياسة خليجية واضحة تجاه القضايا المختلفة المحيطة بالمنطقة مقترنة بحكمة وذكاء مستمدين من التراث الثقافي نفسه، ذلك التراث المشهود له بالفطنة واليقظة.
::/fulltext::
::cck::1817::/cck::
