مجلس التعاون الخليجي و(المسألة العراقية)
::cck::1818::/cck::
::introtext::
ثمة احتمال بأن يحدث تغيير استراتيجي شبه جذري في السياسة الأمريكية في العراق. فالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما ستجد أنه من شبه المستحيل التراجع عما قطعته من وعود للشعب الأمريكي خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
::/introtext::
::fulltext::
ثمة احتمال بأن يحدث تغيير استراتيجي شبه جذري في السياسة الأمريكية في العراق. فالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما ستجد أنه من شبه المستحيل التراجع عما قطعته من وعود للشعب الأمريكي خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
استند المرشح الديمقراطي السابق والرئيس القادم أوباما في أغلب خطاباته الانتخابية إلى التمسك بموقفه المعارض للحرب الأمريكية في العراق. وفي تعليقات حول هذا الموضوع صوّر الرئيس أوباما أنّ الغزو الأمريكي للعراق غلطة كلفت الأمريكيين العديد من أرواح أبنائهم وبناتهم، وأرهقت إضافة إلى ذلك دافع الضرائب الأمريكي. إن كل الحقائق السابقة ذات الصلة بالتغيير المتوقع لوجهة النظر الأمريكية حول الحرب في العراق والتي صدرت من قبل الإدارة الجديدة ربما لن تأخذ شكل تغيير جذري مفاجئ في السياسة الخارجية خاصة في ما يتعلق بالعلاقات التاريخية مع الإسرائيليين باعتبارهم أهم حليف للأمريكيين في الشرق الأوسط. لكن على الرغم من ذلك سيحصل تغيير جذري في طريقة تداول الإدارة الأمريكية الجديدة مع المسألة العراقية وفي حربها في أفغانستان. بل لا نجد غضاضة من الجدل بأنّ الأمريكيين سيحولون جهودهم في مكافحة الإرهاب إلى القارة الآسيوية وخاصة المناطق الحدودية الباكستانية المجاورة لأفغانستان.
إن الانسحاب المتفق عليه للقوات الأمريكية من العراق على افتراض أنه سينتهي فعلاً في عام 2011 مع بقاء جزء من هذه القوات في قواعد منتشرة داخل هذه الدولة العربية سيغير من خريطة الأحداث في إقليم الشرق الأوسط. فلا يمكن مثلاً تحديد الآثار السلبية لهذا الانسحاب الأمريكي المتوقع من العراق على الساحة السياسية العراقية على وجه الخصوص. فإذا تم تطبيق سيناريو الانسحاب الأمريكي خلال الفترات القصيرة المقبلة فسنواجه -نحن الخليجيين- وضعاً عراقياً أكثر غموضاً من الوضع الحالي. فعلى سبيل المثال، المسألة العراقية، أي تلك الأوضاع السياسية والإيديولوجية الاستثنائية والتي بدأت منذ سقوط النظام العراقي السابق لا نعتقد أنها بصورتها الحالية ستؤدي إلى تحقيق استقرار كامل أو تأسيس كيان سياسي عراقي واضح المعالم في العراق يسهل التعامل معه من خلال الطرق السياسية التقليدية. ونعتقد في هذا السياق أنّه من الصعب حالياً التعرف إلى مراكز القوى الحقيقية في الساحة العراقية، ولا يمكن وضع أهداف استراتيجية محددة للتعامل مع هذه المسألة بشفافية كاملة. وما يحدث في العراق خاصة بعد توقيعه الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وقرب انسحاب القوات الأمريكية يشير إلى بدء عملية مخاض سياسية وحضارية غامضة لا يمكن التنبؤ بنتائجها بالنسبة لتلك الدولة أو بالنسبة لإقليمنا الخليجي بشكل عام. وفي مواجهة هذه الأوضاع الغامضة في جارتنا الشمالية نعتقد أنّ إحدى أهم الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبعها دول الخليج مجتمعة هي (التعامل المُتحفّظ مع القوى السياسية العراقية الحالية وتقديم دعم مباشر للشعب العراقي، أي عن طريق توثيق العلاقات البنّاءة مع مكونات الشعب العراقي).
الانسحاب الأمريكي السريع من العراق سيجعل الخليجيين يواجهون وضعاً عراقياً أكثر غموضاً من الوضع الحالي
التَحَفُّظ المطلوب
نعتقد أنّ دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تمتلك فرصاً حقيقية لمواجهة الوضع العراقي أو ما يمكن أن نطلق عليه (المسألة العراقية) بشكل أكثر كفاءة وعملية عن طريق الاستمرار في اعتناق إجماع خليجي موحد يتمثل في تطبيق استراتيجيات محددة في التعامل مع العراق، وهذا الإجماع الخليجي في التعامل مع المسألة العراقية يجب أن تحكمه بالطبع خبرات تاريخية وسياسية سابقة يمكن أن نستنتج منها، نحن الخليجيين، فرضيات مشروعة:
1- تحقق الاستقرار السياسي في العراق هدف إقليمي.
2- القوى السياسية العراقية الفاعلة لا تزال يؤثر فيها إيديولوجيات فكرية تبدو لنا متعارضة الأهداف.
3- المكونات الأساسية للشعب العراقي يمكن أن تحقق تعايشاً سلميا بنّاء.
4- دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى تكوين وحدة خليجية سياسية واقتصادية.
وقياساً إلى تصوراتنا العامة حول المسألة العراقية لا يوجد لدينا أدنى شك في أنّ دول مجلس التعاون الخليجي تتمنى تحقيق استقرار سياسي في العراق يخدم ذلك البلد العربي الشقيق والمنطقة ككل. فأحد أهم نتائج الاستقرار السياسي في العراق سيكون توحيد الجهود العراقية المحلية نحو إعادة تشييد البنية التحتية التي دمرها الصراع الطائفي والعرقي منذ 2003. ولقد أسهمت دول الخليج العربية في إعادة تشييد البنية التحتية في العراق، ولا تزال تقدم مساعدات إنسانية للشعب العراقي، ما أدى إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية، وأتت هذه المساهمات الخليجية للعراق عن طريق الحكومات الخليجية ومساهمات الجمعيات الأهلية الخليجية والمواطنين الخليجيين أنفسهم. أضف إلى ذلك أن الاستقرار السياسي في العراق سيخدم منطقة الخليج العربي، إذ إنّ أي تطور إيجابي في هذا الشأن سيقربنا أكثر من ذي قبل نحو إنشاء سوق خليجية-عراقية مشتركة تساهم في تعزيز علاقات الإخوة والصداقة البنّاءة بين الشعوب الخليجية والشعب العراقي العربي.
أضف إلى ذلك أن الوضع السياسي العراقي الحالي لا يزال يتطور، ولا تزال المكونات السياسية في الساحة العراقية تحكمها على ما يبدو إيديولوجيات فكرية ومذهبية وعرقية لم تصل بعد إلى مرحلة التعاون المشترك من أجل بناء عراق موحد. فعلى سبيل المثال، ثمة قوى سياسية عراقية لا تزال تحكم تطلعاتها الإيديولوجية وسياساتها المحلية أهداف ربما تتناقض مع الجهد المفترض لإنشاء الدولة العراقية الحديثة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. وتتلقى هذه القوى العراقية بشكل واضح دعماً مباشراً من قبل مؤيديها في العراق ولديها علاقات ومصالح مشتركة مع قوى غيرعراقية. ولا أحد بالطبع يستطيع أن ينكر أهمية الدور المحوري الإيراني في دعم جزء كبير من المعارضة العراقية، لكن حسب ما تنقله الشبكات الإخبارية والتقارير الأمنية العالمية فإن هذا التعاون الإيراني- العراقي يتجاوز التأييد المعنوي. فالنفوذ الإيراني القوي في العراق يتعارض بالطبع مع ما تتمناه الدول العربية في بدء إقامة دولة عراقية عربية ومتعددة الأعراق ومسالمة مع جيرانها.
دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تمتلك فرصاً حقيقية لمواجهة الوضع العراقي
فحسب تقرير عن التأثير الإيراني في العراق وضعه كينيث كاتزمان للكونغرس الأمريكي في السابع عشر من سبتمبر 2008 فإن الاستراتيجيات الإيرانية في عراق-ما بعد صدام- أخذت شكل دعم مباشر لبعض القوى العراقية. يذكر كاتزمان في تقريره: (استراتيجية إيران في العراق تتمثل في محاولاتها تقوية سيطرتها على الحكومة العراقية التي تتألف من مجموعات سياسية إسلامية وشيعية. وعن طريق مساعدة بعض الميليشيات العراقية، حسب ما يذكر كينيث كاتزمان، نجحت إيران في أن تماثل الولايات المتحدة في تأثيرها في الوضع العراقي. وألمحنا في بداية المقال بأنّ الإدارة الأمريكية الجديدة أصدرت إشارات واضحة أنها على استعداد تام لبدء حوار مع الغرماء التقليديين مثل إيران وكوبا وفنزويلا. ويفتح هذا التغيير في طريقة تفكير الحكومة الأمريكية مجالاً أوسع لكثير من التكهنات حول الفهم التقليدي للصراعات المختلفة في الشرق الأوسط وهو حتماً سيؤثر في عملية صنع القرار الأمريكي في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، لا نعتقد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستجد مانعاً من التنسيق مع الطرف الإيراني للتعامل مع المسألة العراقية.
وفي هذا السياق وبالنسبة لنا كخليجيين يجب ألا تغيب عناً أهمية حسم قضية الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران وتأثير ذلك في علاقاتنا مع العراق وإيران. فالجارة إيران لا تزال تحتل الجزر الإماراتية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) الواقعة قرب مضيق هرمز، ولقد دانت دول مجلس التعاون الخليجي استمرار الاحتلال العسكري الإيراني للجزر الإماراتية، ولا تزال تسعى دول الخليج مجتمعة إلى إقناع الطرف الإيراني بقبول التحكيم الدولي في هذا الشأن، وأخذ التعنت الإيراني في مناقشة قضية الجزر الإماراتية أشكالاً مختلفة منذ وقوع الاحتلال الإيراني للجزر. فبداية قامت إيران بافتتاح ما يسمى مكتبين إداريين في جزيرة أبو موسى التي تعود ملكيتها تاريخياً وقانونياً لدولة الإمارات العربية المتحدة. ويمكن قياس هذه العلاقات المتوترة بين دول الخليج العربية وإيران حول الجزر الإماراتية بما يحدث وما يبدو تدخلاً إيرانياً في العراق. وثمة احتمال كبير بالطبع أن تستخدم إيران نفوذها في الساحة السياسية العراقية للضغط على دول الخليج سواء من أجل الاحتفاظ بالجزر الإماراتية المحتلة أو من أجل تحقيق أهداف استراتيجية أخرى. ولم يستطع الإيرانيون تاريخياً تأكيد نفوذهم في الخليج العربي على الرغم من محاولاتهم المستمرة، ففي القرون الماضية ومنذ وجود البرتغاليين في القرن السادس عشر إلى التدخل البريطاني في الخليج منذ بداية القرن الثامن عشر لم ينجح النظام السياسي الإيراني في تأكيد نفوذه من دون مقاومة خليجية محلية شرسة.

النفوذ الإيراني القوي في العراق يتعارض بالطبع مع ما تتمناه الدول العربية في بدء إقامة دولة عراقية عربية
وفي هذا السياق فلا نعتقد أنّ الإيرانيين سيستخدمون ورقة الضغط العراقية ضد الخليجيين أو ضد دول المنطقة نظراً لعلاقتهم التاريخية مع القوى السياسية المؤثرة حالياً في الساحة العراقية، لكن هذا التداخل الإيراني- العراقي يلازمه حالياً ضعف ملاحظ في الاهتمام الأمريكي لتسوية المسألة العراقية وبشكل حاسم. فبعد توقيع الاتفاقية الأمنية الأمريكية-العراقية لا نعتقد أنّ الطرف الأمريكي سيرغب في مواصلة تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز تحقيق المصالح الأمريكية.
إن التَحَفُّظ الخليجي في التعامل مع القوى السياسية الفاعلة في العراق يجب أن يحكمه مدى علاقتها مع إيران، فسواء كان الدعم الإيراني الذي تتلقاه تلك القوى العراقية المختلفة دعماً معنوياً أو فعلياً ومباشراً فلا يوجد لدينا أدنى شك في أنّ التقلبات السياسية العراقية خاصة تلك التي تصدر بشكل سلبي تجاه الدول الخليجية يمكن في كثير من الأحيان ربطها بالرغبات والأهداف الاستراتيجية الإيرانية.
توثيق العلاقات مع مكونات الشعب العراقي عن طريق الدعم الاقتصادي والثقافي
ستتمكن دول الخليج العربية من توثيق علاقتها المباشرة والبنّاءة مع الشعب العراقي عن طريق الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية التي أسهمت فعلاً في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للأجيال العراقية. ويمكن لنا بالطبع كخليجيين أن نقوي علاقتنا مع مكونات الشعب العراقي العربي عن طريق البدء في مشاريع تثاقف وتآلف بين التركيبة السكانية العراقية وبين الشعوب الخليجية. وهذه الجهود الإيجابية يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة مثل السعي إلى تحقيق التعاون الثقافي والاجتماعي الخليجي-العراقي عن طريق إقامة مؤتمرات تحت رعاية منظمات المجتمع المدني الخليجية مع نظيراتها في العراق، حيث إن التواصل الخليجي-العراقي من أجل تعزيز أواصر القربى والجيرة والأخوة بين الشعب العراقي العربي وبين إخوانهم وأشقائهم الخليجيين لا ينفي كذلك أهمية التَحَفُّظ عند التعامل مع الوضع العراقي بشكل عام.
إن العراق يمر حالياً فيما يبدو بمخاض سياسي لا يمكن توقع نتائجه الفعلية سواء في المستقبل القريب أو البعيد لأنّ القوى السياسية العراقية نفسها لا تزال في طور التشكيل، ولا يبدو أنّ كثيراً منها وصل بعد إلى اعتناق رؤى واضحة حول الدور العراقي المستقبلي في الخليج العربي، وتتطلب هذه الظروف المختلفة والمتغيرة الاتفاق حول استراتيجيات خليجية متناسقة تمكننا نحن الخليجيين من مواجهة أي تغيرات طارئة في المنطقة. وسيظل الشعب العراقي الرهان المستمر والحقيقة التي لا تتغير في الساحة العراقية السياسية المتغيرة، وبناء على ذلك فإن تعزيز العلاقات الخليجية مع الشعب العراقي عن طريق المساهمة في إعادة تشييد البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد العراقي سيصب في مصلحتنا جميعاً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1818::/cck::
::introtext::
ثمة احتمال بأن يحدث تغيير استراتيجي شبه جذري في السياسة الأمريكية في العراق. فالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما ستجد أنه من شبه المستحيل التراجع عما قطعته من وعود للشعب الأمريكي خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
::/introtext::
::fulltext::
ثمة احتمال بأن يحدث تغيير استراتيجي شبه جذري في السياسة الأمريكية في العراق. فالإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما ستجد أنه من شبه المستحيل التراجع عما قطعته من وعود للشعب الأمريكي خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
استند المرشح الديمقراطي السابق والرئيس القادم أوباما في أغلب خطاباته الانتخابية إلى التمسك بموقفه المعارض للحرب الأمريكية في العراق. وفي تعليقات حول هذا الموضوع صوّر الرئيس أوباما أنّ الغزو الأمريكي للعراق غلطة كلفت الأمريكيين العديد من أرواح أبنائهم وبناتهم، وأرهقت إضافة إلى ذلك دافع الضرائب الأمريكي. إن كل الحقائق السابقة ذات الصلة بالتغيير المتوقع لوجهة النظر الأمريكية حول الحرب في العراق والتي صدرت من قبل الإدارة الجديدة ربما لن تأخذ شكل تغيير جذري مفاجئ في السياسة الخارجية خاصة في ما يتعلق بالعلاقات التاريخية مع الإسرائيليين باعتبارهم أهم حليف للأمريكيين في الشرق الأوسط. لكن على الرغم من ذلك سيحصل تغيير جذري في طريقة تداول الإدارة الأمريكية الجديدة مع المسألة العراقية وفي حربها في أفغانستان. بل لا نجد غضاضة من الجدل بأنّ الأمريكيين سيحولون جهودهم في مكافحة الإرهاب إلى القارة الآسيوية وخاصة المناطق الحدودية الباكستانية المجاورة لأفغانستان.
إن الانسحاب المتفق عليه للقوات الأمريكية من العراق على افتراض أنه سينتهي فعلاً في عام 2011 مع بقاء جزء من هذه القوات في قواعد منتشرة داخل هذه الدولة العربية سيغير من خريطة الأحداث في إقليم الشرق الأوسط. فلا يمكن مثلاً تحديد الآثار السلبية لهذا الانسحاب الأمريكي المتوقع من العراق على الساحة السياسية العراقية على وجه الخصوص. فإذا تم تطبيق سيناريو الانسحاب الأمريكي خلال الفترات القصيرة المقبلة فسنواجه -نحن الخليجيين- وضعاً عراقياً أكثر غموضاً من الوضع الحالي. فعلى سبيل المثال، المسألة العراقية، أي تلك الأوضاع السياسية والإيديولوجية الاستثنائية والتي بدأت منذ سقوط النظام العراقي السابق لا نعتقد أنها بصورتها الحالية ستؤدي إلى تحقيق استقرار كامل أو تأسيس كيان سياسي عراقي واضح المعالم في العراق يسهل التعامل معه من خلال الطرق السياسية التقليدية. ونعتقد في هذا السياق أنّه من الصعب حالياً التعرف إلى مراكز القوى الحقيقية في الساحة العراقية، ولا يمكن وضع أهداف استراتيجية محددة للتعامل مع هذه المسألة بشفافية كاملة. وما يحدث في العراق خاصة بعد توقيعه الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وقرب انسحاب القوات الأمريكية يشير إلى بدء عملية مخاض سياسية وحضارية غامضة لا يمكن التنبؤ بنتائجها بالنسبة لتلك الدولة أو بالنسبة لإقليمنا الخليجي بشكل عام. وفي مواجهة هذه الأوضاع الغامضة في جارتنا الشمالية نعتقد أنّ إحدى أهم الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبعها دول الخليج مجتمعة هي (التعامل المُتحفّظ مع القوى السياسية العراقية الحالية وتقديم دعم مباشر للشعب العراقي، أي عن طريق توثيق العلاقات البنّاءة مع مكونات الشعب العراقي).
الانسحاب الأمريكي السريع من العراق سيجعل الخليجيين يواجهون وضعاً عراقياً أكثر غموضاً من الوضع الحالي
التَحَفُّظ المطلوب
نعتقد أنّ دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تمتلك فرصاً حقيقية لمواجهة الوضع العراقي أو ما يمكن أن نطلق عليه (المسألة العراقية) بشكل أكثر كفاءة وعملية عن طريق الاستمرار في اعتناق إجماع خليجي موحد يتمثل في تطبيق استراتيجيات محددة في التعامل مع العراق، وهذا الإجماع الخليجي في التعامل مع المسألة العراقية يجب أن تحكمه بالطبع خبرات تاريخية وسياسية سابقة يمكن أن نستنتج منها، نحن الخليجيين، فرضيات مشروعة:
1- تحقق الاستقرار السياسي في العراق هدف إقليمي.
2- القوى السياسية العراقية الفاعلة لا تزال يؤثر فيها إيديولوجيات فكرية تبدو لنا متعارضة الأهداف.
3- المكونات الأساسية للشعب العراقي يمكن أن تحقق تعايشاً سلميا بنّاء.
4- دول مجلس التعاون الخليجي تسعى إلى تكوين وحدة خليجية سياسية واقتصادية.
وقياساً إلى تصوراتنا العامة حول المسألة العراقية لا يوجد لدينا أدنى شك في أنّ دول مجلس التعاون الخليجي تتمنى تحقيق استقرار سياسي في العراق يخدم ذلك البلد العربي الشقيق والمنطقة ككل. فأحد أهم نتائج الاستقرار السياسي في العراق سيكون توحيد الجهود العراقية المحلية نحو إعادة تشييد البنية التحتية التي دمرها الصراع الطائفي والعرقي منذ 2003. ولقد أسهمت دول الخليج العربية في إعادة تشييد البنية التحتية في العراق، ولا تزال تقدم مساعدات إنسانية للشعب العراقي، ما أدى إلى تحسن الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية، وأتت هذه المساهمات الخليجية للعراق عن طريق الحكومات الخليجية ومساهمات الجمعيات الأهلية الخليجية والمواطنين الخليجيين أنفسهم. أضف إلى ذلك أن الاستقرار السياسي في العراق سيخدم منطقة الخليج العربي، إذ إنّ أي تطور إيجابي في هذا الشأن سيقربنا أكثر من ذي قبل نحو إنشاء سوق خليجية-عراقية مشتركة تساهم في تعزيز علاقات الإخوة والصداقة البنّاءة بين الشعوب الخليجية والشعب العراقي العربي.
أضف إلى ذلك أن الوضع السياسي العراقي الحالي لا يزال يتطور، ولا تزال المكونات السياسية في الساحة العراقية تحكمها على ما يبدو إيديولوجيات فكرية ومذهبية وعرقية لم تصل بعد إلى مرحلة التعاون المشترك من أجل بناء عراق موحد. فعلى سبيل المثال، ثمة قوى سياسية عراقية لا تزال تحكم تطلعاتها الإيديولوجية وسياساتها المحلية أهداف ربما تتناقض مع الجهد المفترض لإنشاء الدولة العراقية الحديثة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. وتتلقى هذه القوى العراقية بشكل واضح دعماً مباشراً من قبل مؤيديها في العراق ولديها علاقات ومصالح مشتركة مع قوى غيرعراقية. ولا أحد بالطبع يستطيع أن ينكر أهمية الدور المحوري الإيراني في دعم جزء كبير من المعارضة العراقية، لكن حسب ما تنقله الشبكات الإخبارية والتقارير الأمنية العالمية فإن هذا التعاون الإيراني- العراقي يتجاوز التأييد المعنوي. فالنفوذ الإيراني القوي في العراق يتعارض بالطبع مع ما تتمناه الدول العربية في بدء إقامة دولة عراقية عربية ومتعددة الأعراق ومسالمة مع جيرانها.
دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تمتلك فرصاً حقيقية لمواجهة الوضع العراقي
فحسب تقرير عن التأثير الإيراني في العراق وضعه كينيث كاتزمان للكونغرس الأمريكي في السابع عشر من سبتمبر 2008 فإن الاستراتيجيات الإيرانية في عراق-ما بعد صدام- أخذت شكل دعم مباشر لبعض القوى العراقية. يذكر كاتزمان في تقريره: (استراتيجية إيران في العراق تتمثل في محاولاتها تقوية سيطرتها على الحكومة العراقية التي تتألف من مجموعات سياسية إسلامية وشيعية. وعن طريق مساعدة بعض الميليشيات العراقية، حسب ما يذكر كينيث كاتزمان، نجحت إيران في أن تماثل الولايات المتحدة في تأثيرها في الوضع العراقي. وألمحنا في بداية المقال بأنّ الإدارة الأمريكية الجديدة أصدرت إشارات واضحة أنها على استعداد تام لبدء حوار مع الغرماء التقليديين مثل إيران وكوبا وفنزويلا. ويفتح هذا التغيير في طريقة تفكير الحكومة الأمريكية مجالاً أوسع لكثير من التكهنات حول الفهم التقليدي للصراعات المختلفة في الشرق الأوسط وهو حتماً سيؤثر في عملية صنع القرار الأمريكي في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، لا نعتقد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ستجد مانعاً من التنسيق مع الطرف الإيراني للتعامل مع المسألة العراقية.
وفي هذا السياق وبالنسبة لنا كخليجيين يجب ألا تغيب عناً أهمية حسم قضية الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران وتأثير ذلك في علاقاتنا مع العراق وإيران. فالجارة إيران لا تزال تحتل الجزر الإماراتية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) الواقعة قرب مضيق هرمز، ولقد دانت دول مجلس التعاون الخليجي استمرار الاحتلال العسكري الإيراني للجزر الإماراتية، ولا تزال تسعى دول الخليج مجتمعة إلى إقناع الطرف الإيراني بقبول التحكيم الدولي في هذا الشأن، وأخذ التعنت الإيراني في مناقشة قضية الجزر الإماراتية أشكالاً مختلفة منذ وقوع الاحتلال الإيراني للجزر. فبداية قامت إيران بافتتاح ما يسمى مكتبين إداريين في جزيرة أبو موسى التي تعود ملكيتها تاريخياً وقانونياً لدولة الإمارات العربية المتحدة. ويمكن قياس هذه العلاقات المتوترة بين دول الخليج العربية وإيران حول الجزر الإماراتية بما يحدث وما يبدو تدخلاً إيرانياً في العراق. وثمة احتمال كبير بالطبع أن تستخدم إيران نفوذها في الساحة السياسية العراقية للضغط على دول الخليج سواء من أجل الاحتفاظ بالجزر الإماراتية المحتلة أو من أجل تحقيق أهداف استراتيجية أخرى. ولم يستطع الإيرانيون تاريخياً تأكيد نفوذهم في الخليج العربي على الرغم من محاولاتهم المستمرة، ففي القرون الماضية ومنذ وجود البرتغاليين في القرن السادس عشر إلى التدخل البريطاني في الخليج منذ بداية القرن الثامن عشر لم ينجح النظام السياسي الإيراني في تأكيد نفوذه من دون مقاومة خليجية محلية شرسة.

النفوذ الإيراني القوي في العراق يتعارض بالطبع مع ما تتمناه الدول العربية في بدء إقامة دولة عراقية عربية
وفي هذا السياق فلا نعتقد أنّ الإيرانيين سيستخدمون ورقة الضغط العراقية ضد الخليجيين أو ضد دول المنطقة نظراً لعلاقتهم التاريخية مع القوى السياسية المؤثرة حالياً في الساحة العراقية، لكن هذا التداخل الإيراني- العراقي يلازمه حالياً ضعف ملاحظ في الاهتمام الأمريكي لتسوية المسألة العراقية وبشكل حاسم. فبعد توقيع الاتفاقية الأمنية الأمريكية-العراقية لا نعتقد أنّ الطرف الأمريكي سيرغب في مواصلة تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز تحقيق المصالح الأمريكية.
إن التَحَفُّظ الخليجي في التعامل مع القوى السياسية الفاعلة في العراق يجب أن يحكمه مدى علاقتها مع إيران، فسواء كان الدعم الإيراني الذي تتلقاه تلك القوى العراقية المختلفة دعماً معنوياً أو فعلياً ومباشراً فلا يوجد لدينا أدنى شك في أنّ التقلبات السياسية العراقية خاصة تلك التي تصدر بشكل سلبي تجاه الدول الخليجية يمكن في كثير من الأحيان ربطها بالرغبات والأهداف الاستراتيجية الإيرانية.
توثيق العلاقات مع مكونات الشعب العراقي عن طريق الدعم الاقتصادي والثقافي
ستتمكن دول الخليج العربية من توثيق علاقتها المباشرة والبنّاءة مع الشعب العراقي عن طريق الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية التي أسهمت فعلاً في تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية للأجيال العراقية. ويمكن لنا بالطبع كخليجيين أن نقوي علاقتنا مع مكونات الشعب العراقي العربي عن طريق البدء في مشاريع تثاقف وتآلف بين التركيبة السكانية العراقية وبين الشعوب الخليجية. وهذه الجهود الإيجابية يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة مثل السعي إلى تحقيق التعاون الثقافي والاجتماعي الخليجي-العراقي عن طريق إقامة مؤتمرات تحت رعاية منظمات المجتمع المدني الخليجية مع نظيراتها في العراق، حيث إن التواصل الخليجي-العراقي من أجل تعزيز أواصر القربى والجيرة والأخوة بين الشعب العراقي العربي وبين إخوانهم وأشقائهم الخليجيين لا ينفي كذلك أهمية التَحَفُّظ عند التعامل مع الوضع العراقي بشكل عام.
إن العراق يمر حالياً فيما يبدو بمخاض سياسي لا يمكن توقع نتائجه الفعلية سواء في المستقبل القريب أو البعيد لأنّ القوى السياسية العراقية نفسها لا تزال في طور التشكيل، ولا يبدو أنّ كثيراً منها وصل بعد إلى اعتناق رؤى واضحة حول الدور العراقي المستقبلي في الخليج العربي، وتتطلب هذه الظروف المختلفة والمتغيرة الاتفاق حول استراتيجيات خليجية متناسقة تمكننا نحن الخليجيين من مواجهة أي تغيرات طارئة في المنطقة. وسيظل الشعب العراقي الرهان المستمر والحقيقة التي لا تتغير في الساحة العراقية السياسية المتغيرة، وبناء على ذلك فإن تعزيز العلاقات الخليجية مع الشعب العراقي عن طريق المساهمة في إعادة تشييد البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد العراقي سيصب في مصلحتنا جميعاً.
::/fulltext::
::cck::1818::/cck::
