الاقتصاد السياسي لإدارة الموارد النفطية ومستقبل الطاقة في دول الخليج
::cck::1919::/cck::
::introtext::
الحديث عن نضوب الموارد النفطية الذي يترتب عليه تحول الدول المنتجة من مصدّرة إلى مستوردة صافية للمنتجات النفطية كان يعتبر ضرباً من الخيال، لكن العديد من الباحثين والخبراء في الشأن النفطي يثيرون مخاوف حقيقية عـن قرب نضوب الموارد النفطيـة في البلدان التي تتمتع بموارد هيدروكربونيـة ضخمـة (e.g.، Matt Simmons 2005: Twilight in the Desert.)
::/introtext::
::fulltext::
الحديث عن نضوب الموارد النفطية الذي يترتب عليه تحول الدول المنتجة من مصدّرة إلى مستوردة صافية للمنتجات النفطية كان يعتبر ضرباً من الخيال، لكن العديد من الباحثين والخبراء في الشأن النفطي يثيرون مخاوف حقيقية عـن قرب نضوب الموارد النفطيـة في البلدان التي تتمتع بموارد هيدروكربونيـة ضخمـة (e.g.، Matt Simmons 2005: Twilight in the Desert.)
إن النتيجة الحتمية لارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية مؤخراً سوف يترتب عليها تسريع استنزاف الموارد النفطية والمتوقع حدوثه بعد بضعة عقود قريبة من الزمن. وحتى نكون منصفين فإن العديد من الدول الخليجية التي تمتلك موارد نفطية ضخمة اتخذت العديد من التدابير تهدف في مجملها إلى الحفاظ على حقوق (أجيال المستقبل)، كما وضعت العديد من الدول الخطط طويلة الأجل التي تهدف في نهاية الأمر إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الموارد النفطية المهددة بالنفاد، إلا أنه مع الأسف الشديد فقد فشلت حكومات الدول المنتجة للنفط، خاصة في منطقة الخليج العربي، في إيجاد قاعدة منتجات متنوعة تستطيع إحداث تنمية مستدامة بعيداً عن المنتجات الأولية المعرضة للتقلبات في الأسواق الدولية وغير المتجددة، فلا يزال الريع النفطي يساهم بشكل كبير في الناتج القومي والصادرات والإيرادات العامة في كل الدول الخليجية.
لقد دأبت النظرية الاقتصادية منذ ولادتها على دراسة الاستخدام الأمثل للموارد بهدف إيجاد أفضل الحلول المتعلقة بماهية المنتجات وتقنية الإنتاج وتوزيع المنتجات من خلال قوى السوق في الاقتصادات الحرة. بيد أن هناك حالات تفشل فيها قوى السوق في تحقيق الحلول المثلى، ويتطلب الأمر تدخل صانع القرار بتبني سياسات تصحيحية كفيلة بتعظيم استفادة المجتمع ووقف هدر الموارد الاقتصادية بشقيها الناضبة والمتجددة. فلقد أوضح الباحثون أن تلك الحالات تتضمن وجود الوفورات الخارجية، السلع العامة، والخلل المؤسسي في دوائر اتخاذ القرار والمرتبطة بطبيعة السلوك الإنساني الباحث عن الفرص التي تحقق مكاسب شخصية تكون في الغالب على حساب المصالح العامة، بل إن الكثير من الظواهر ذات الصبغة الاقتصادية قد يتعذر تفسيرها في كثير من الأحيان نظراً لوجود جوانب سياسية لا يمكن إغفالها، لذا لا بد أن تُدرس السوق البترولي واقتصاديات الطاقة، على وجه التحديد، تحت مظلة الاقتصاد السياسي الذي يملك العديد من الأدوات والأساليب البحثية والتحليلية الأجدر بالوصول إلى تصور صحيح ودقيق حول حجم مشكلة الموارد الناضبة والانعكاسات المتوقعة على مستقبل الطاقة في دول الخليج العربية.
لقد مرت الصناعة النفطية بالعديد من المراحل من الاكتشافات وقيام الشركات النفطية بامتلاك المصادر النفطية في الدول النامية من خلال عقود الامتياز الجائرة المبنية على استغلال الحاجة والفقر المدقع والتخلف التقني الذي تعاني منه العديد من الدول النامية النفطية. ونظراً لاختلاف الأوليات ومعدلات خصم تدفقات الدخول المستقبلية، قامت الشركات النفطية المستغلة والباحثة عن الربح السريع باستنزاف الموارد النفطية في حين أن الدول المنتجة لم تحصل على شيء يُذكر مقارنة بفائدة شركات النفط التي اقترفت (أكبر سرقة في التاريخ). وحينما طالبت حكومات الدول المنتجة بتغيير شروط عقود الامتياز الظالمة من خلال المطالبة بالمشاركة في الريع عوضاً عن (الفتات) الذي تحصل عليه من خلال الرسوم الثابتة التي لا تُذكر، قامت الشركات بالتخفيض المتعمد لأسعار النفط الخام المعلنة من أجل الاستفادة من ذلك بزيادة أرباحها نظراً للتكامل العمودي (Vertical Integration) الذي تتمتع به شركات النفط العالمية من خلال السيطرة التامة على صناعات المصب المعتمدة على النفط (Oil Lower-Stream Industries)، في حين أن الدول المنتجة لا تستفيد إلا من المدفوعات الضئيلة التي تتحصلها نظير إيجار مناطق الامتياز.

سياسة تخصيص قطاع النفط محفوفة بالمخاطر وسوف يترتب عليها تسريع نضوب النفط بدرجة أكبر من الشركات الحكومية
إن انتقال ملكية الموارد النفطية من الشركات الربحية إلى الحكومات في أواخر السبعينات لم تترتب عليه آثار إيجابية ملموسة في ما يتعلق بالكفاءة والفاعلية في إدارة الموارد النفطية الناضبة. فالنخب السياسية الموكلة إليها إدارة الموارد النفطية من خلال التحكم في كمية الإنتاج ومن ثم ترك الأسعار تحدد من خلال قوى السوق العالمي أخفقت أيما إخفاق في إدارة الموارد النفطية، فالهدر المالي لا يزال على أشده ويهدف في مجمله إلى تحقيق مكاسب ليست بالضرورة تعكس المصالح الوطنية. ولم يكن تعامل الشركات النفطية الحكومية حذراً مع موارد نفطية ناضبة عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية بحيث كانت هناك قراءة خاطئة للطفرات النفطية كعملية مستمرة لا فترة انتقالية، ترتب على هذا الفهم الخاطئ إنفاق المداخيل النفطية على أصول غير إنتاجية أصبحت عبئاً ثقيلاً على الموازنات السنوية لدول المنطقة. وتتحدث النظرية الاقتصادية عن آليات عملية وأكثر كفاءة في إدارة الموارد غير المتجددة والتي تتناقص مع كل برميل نفط يتم إنتاجه بحيث تترتب على ذلك (خسارة) في رصيد الاقتصاد الوطني من تلك الموارد.
ويتحدث هارولد هوتيلينج (1931) عن تسعير الموارد الناضبة والتي يجب أن تنمو على مر الزمن بالتزامن مع أسعار الفائدة في الأسواق المالية حتى لا يكون هناك تسارع في استنزاف هذه الموارد، بيد أن تلك النظرية لم تفلح في تسعير الموارد الناضبة بسبب عدم كفاءة أسواق النفط العالمية نظراً للزيادة المطردة في إنتاج النفط مما أدى إلى تخمة نفطية مزمنة لم تواكبها زيادة في الطلب العالمي.
أما الدول المنتجة للنفط من جانبها فلم تتخذ الاحتياطات الضرورية للمحافظة على الموارد المهددة بالنضوب، فالأرقام والإحصائيات التي تنشرها تعتبر مضللة وغير دقيقة إلى حد كبير لأنها لا تعكس الصورة القاتمة والمأساة الحقيقية المترتبة على الدور الكبير الذي يلعبه النفط في هذه الاقتصادات على الرغم من إطلاق الخطط والبرامج الرامية إلى تنويع مصادر الدخل.
إن كل المؤشرات الاقتصادية، كمعدلات النمو والتوظيف وميزان المدفوعات والإنفاق الحكومي، ترتبط بشكل وثيق بحركة سعر برميل النفط في الأسواق الدولية، وبالتالي فإن دورة الأعمال في هذه الاقتصادات لا تتبع ظروف الاقتصاد المحلي ولكن تقلبات الاقتصاد العالمي. وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة الثنائية الاقتصادية (Dual-Economy Structure) والتي تعني وجود قطاع متطور ومستقل عن بقية قطاعات الاقتصاد الوطني، وفي حالة دول الخليج تأتي الصناعة النفطية في مقام القطاع الثنائي الذي يقتصر دوره على زيادة الإيرادات الحكومية من دون التأثير في بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى. واقترح المعنيون بالشأن الاقتصادي اتخاذ تدابير تهدف إلى توضيح الصورة من خلال إعادة آلية حساب الناتج القومي في الاقتصادات الريعية وذلك حتى تعكس المؤشرات الاقتصادية المخاطر الحقيقية المحدقة بالاقتصاد الوطني، ومن أشهر تلك الطرق الحسابية قاعدة هارتويك (Hartwick’s Rule) التي تدعو إلى شطب كل العائدات النفطية من حسابات الناتج القومي واستثمارها فيما يعوض الاقتصاد عن الخسارة التي لحقت به.
الدول المنتجة للنفط لم تتخذ الاحتياطات الضرورية للمحافظة على الموارد المهددة بالنضوب
ومنذ قرابة الثلاثة عقود امتلكت حكومات الدول المنتجة الموارد النفطية، فهي تتخذ قرارات الإنتاج وإنفاق الريع والاستثمار وإدارة كافة شؤون المصادر الطبيعية، إلا أن المتابع لاقتصادات الدول الخليجية يلاحظ أنها تعاني من الجمود (Economic Stagnation)، حيث إنه في متوسط الفترة من أوائل الثمانينات إلى أوائل الألفية لم تنمُ بعض اقتصادات الدول الخليجية في المتوسط سوى يما يعادل واحداً في المائة سنوياً، ويعود ذلك إلى التذبذب الذي يحدث في أسواق المنتجات الأولية تبعاً لقوى العرض والطلب الدولية.
ويعتقد الكثير من المختصين أن ذلك السيناريو حتمياً لا يمكن الحياد عنه، وذلك لأن هذه التأثيرات السلبية في الاقتصادات الريعية تأتي من خلال تغيرات اقتصادية ميكانيكية لا يمكن إيقافها، تأتي هذه الحجة من خلال ما يعرف بفرضية (لعنة الموارد) (Resource-Curse Hypothesis) التي تتحدث عن الانعكاسات المتوقعة لريع الموارد على هيكلة الاقتصاد ودوافع العمل وحوافز ونوعية الاستثمارات، لكن هذه الآثار السلبية لا تحدث وتستفحل إلا إذا كان هناك غياب أو فشل في السياسات الاقتصادية التي كان من المفترض أن تصحح مسار الاقتصاد، وتعزز الاستفادة من الريع المتحصل عليه من الموارد الناضبة. وما يؤكد إخفاق السياسات العامة هو آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الموارد النفطية خلف الأبواب المغلقة وفي دهاليز الوزارات الحكومية بعيداً عن الرقابة الشعبية مما يؤدي إلى تبني سياسات تعكس مصالح جماعات صغيرة معينة. يُضاف إلى ذلك أسلوب الإدارة المركزية الذي ثبت أنه عديم الكفاءة، حيث إن القرارات المصيرية والمراجعات دائماً تأتي متأخرة، كما أنه يعكس التباين في مستوى المعلومات بين صانع القرار والأفراد العاملين في القطاعات الإنتاجية الذين يعلمون أدق التفاصيل التي ليس بالضرورة يعلمها الأشخاص في الإدارة العليا، لذا يأتي الفساد الإداري متلازماً مع أسلوب الإدارة المركزية. ولعل ذلك يبرر إنفاق الحكومات للريع الضخم خلال الطفرات النفطية على سلع كمالية مستوردة وأصول غير إنتاجية ومشاريع ترفيهية عوضاً عن الاستثمار في رأس المال البشري كالتعليم والبحث العلمي والصحة الكفيلة بتحقيق منافع اقتصادية كبيرة. ويمكن القول إن سلوك الإنفاق الحكومي الممول من الريع النفطي لا يعكس الوعي بحقيقة الموارد الناضبة، فلا يزال الهدر المالي صبغة واضحة من خلال المعونات النقدية والعينية الضخمة للعديد من الدول النامية من خلال (دبلوماسية الدولار) التي اتضح فشلها في تحقيق النتائج المرجوة.
إن فشل الحكومات والشركات الوطنية العامة في إدارة الموارد النفطية الناضبة أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بإيكال المهمة بأكملها لمنشآت القطاع الخاص التي سوف تكون أكثر كفاءة، لاسيما أن النظرية الاقتصادية تحث على الاعتماد على المؤسسات الربحية وقوى السوق التي تكون أكثر جدارة وفاعلية في اتخاذ قرارات الإنتاج والاستثمار والطاقة الاستيعابية، كما أن ذلك يأتي في سياق التوجه العالمي الذي يدعو إلى بيع الشركات العامة لمستثمري القطاع الخاص، لكن التساؤل المهم هو: هل ستنجح الشركات الربحية الخاصة في إدارة والحفاظ على الموارد النفطية المهددة بالنضوب؟ في الحقيقة يمكننا القول إن سياسة تخصيص قطاع النفط محفوفة بالمخاطر، وسوف يترتب عليها تسريع نضوب النفط بدرجة أكبر من الشركات الحكومية، وذلك للأسباب التالية:
1- المنتج المحتكر، من خلال إدارة الشركات الحكومية، أكثر كفاءة في إدارة الموارد النفطية وذلك لأن كمية الإنتاج في هذه الحالة أقل والأسعار أعلى مقارنة بالوضع حين تحتدم المنافسة بين شركات القطاع الخاص الباحث عن الربح السريع.
2- الحكومات يفترض أن ترعى، من الناحية النظرية على الأقل، مصالح الأجيال المستقبلية وذلك بالأخذ في الاعتبار حقيقة الموارد الناضبة والاهتمام بالتنمية المستدامة، لذا فإن العوائد النفطية يتم توزيعها عبر الزمن من دون الإسراع في الحصول على دخل كبير في الأجل القصير وإهمال الفترات المستقبلية. أي بمعنى آخر معدلات خصم الحكومة للعوائد المستقبلية أقل بكثير من سعر خصم القطاع الخاص الذي يبحث عن الربح السريع بصرف النظر عن المستقبل.
3- قيام شركات القطاع الخاص بإنتاج النفط الخام يتطلب وجود نظام ضريبي فعّال وصارم يكفل تقليص الهامش الربحي للشركات الخاصة حتى لا يؤدي إلى استنزاف الموارد الناضبة، كما أن النظام الضريبي المتخلف لدى الدول المنتجة، كما هو عليه حالياً على الأقل، لن يفلح في كبح جماح الشركات النفطية الباحثة عن الربح، خاصة في ظل القدرة على التهرب من دفع الضرائب من خلال المحسوبيات التي سوف يحصل عليها (رجال الأعمال) المتنفذون والتي تأتي في إطار الرأسمالية المشوهة (Crony Capitalism) التي هي الوضع العام في دول الخليج المنتجة للنفط.
4- احتدام المنافسة والتسابق في إنتاج الموارد الناضبة بين شركات النفط الخاصة سوف يؤدي إلى إنتاج كميات تفوق الإنتاج الأمثل من وجهة نظر المجتمع، وتُسمى هذه الظاهرة (مشكلة الحقل المشترك) (Common-Pool Problem) التي سوف يترتب عليها استنزاف حقول النفط خاصة في مناطق الامتياز المتاخمة أو المشتركة عبر الحدود الدولية.
إذا كان الوضع كذلك، فما هو الحل الأمثل عوضاً عن المطالبة بتخصيص قطاع النفط؟ هو زيادة كفاءة شركات النفط الحكومية من خلال اتخاذ الاحتياطات الضرورية التي تضمن الإدارة المثلى للموارد الوطنية من خلال علنية المناقشات والقرارات ومشاركة المواطنين التي تضمن الرقابة الشعبية على إدارة الموارد الوطنية من أجل محاربة القرارات السرية التي تخدم النخب السياسية على حساب المصالح الوطنية.
الشركات الحكومية النفطية انكفأت وتقوقعت على نفسها دون أن تحاول عبور الحدود الوطنية للاستثمار
لقد أثبتت التجارب الإنسانية فشل تجربة الإدارة المركزية التي توجهها في الغالب جماعات الضغط والمصالح التي تدافع عن المنافع الشخصية حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني، كما أن الحكومات المنتجة للنفط تواجه ضغوطاً دولية لضخ كميات من النفط الخام بهدف تخفيض أسعار النفط العالمية. فالدول الصناعية المستهلكة للنفط دائماً تحمّل الدول المنتجة المسؤولية وتطالبها بضرورة جلب الاستقرار لأسواق النفط العالمية من خلال تبني (الأسعار العادلة) التي تتطلب سياسات استنزافية للموارد الناضبة. هذه المسؤوليات الثقيلة ولّدت لدى الدول النفطية (عقدة الشعور بالذنب) والتي ألزمتها بتقديم اعتذارات وتبريرات عندما يحدث أي خلل في السوق النفطي حتى لو كانت تلك العوامل خارج سيطرتها.
ولعل ذلك يوضح قيام العديد من الدول الخليجية بتخصيص مبالغ طائلة للإنفاق على مشاريع دولية، كمنتدى الطاقة الدولي وصناديق التنمية الدولية ومكافحة التلوث البيئي، والتي تهدف في مجملها إلى تخفيف الشعور بالذنب، لكن ذلك كله على حساب الموارد الناضبة والتي بدأ العد التنازلي القصير لنفادها من دون الاستفادة منها بشكل كبير، والذي يتمثل في تصدير النفط الخام في الأسواق العالمية من دون أي قيمة مضافة (Value Added). فلقد فشلت الدول المنتجة في إيجاد صناعات مستقلة عن النفط على الرغم من وضع الخطط طويلة الأجل التي تهدف إلى ذلك، وعلى الرغم أيضاً من مرور عقود عدة على تبني هذه الخطط. أما الشركات الحكومية النفطية فقد انكفأت وتقوقعت على نفسها من دون أن تحاول عبور الحدود الوطنية للاستثمار في اكتشافات النفط في الدول النامية الغنية بالنفط، وتركت الفرصة تذهب إلى الشركات المملوكة للدول المستهلكة للنفط، خاصة الاقتصادات الناشئة. بل إن الشركات الوطنية فشلت حتى في إدارة الموارد النفطية الوطنية مما اضطر الدول الخليجية لتجديد الدعوة للشركات النفطية العملاقة إلى الاستثمار في مواردها النفطية بعد أن دفعت مبالغ طائلة لإخراج الشركات النفطية متعددة الجنسيات التي امتلكت حقوق الامتياز طويلة الأجل، مما يثير التساؤل ليس عن جدوى تلك السياسة فقط، بل عما إذا كانت هناك خطط طويلة الأجل لتعظيم الاستفادة من الموارد النفطية وللاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، حيث تتراجع المداخيل النفطية وفي الوقت نفسه ترغب في تحقيق التنمية المستدامة والمستمرة والتي تحافظ على رفاهية المواطنين للجيلين الحالي والمستقبلي، حيث إن غياب الخطط طويلة الأجل أدى إلى هدر الطاقة بتبني التقنيات المتخلفة التي تستهلك كماً كبيراً من الموارد الناضبة ودون الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة والمتاحة في المنطقة والتي سوف يثبت الزمن جدواها عندما ترتفع فاتورة واردات الطاقة في مرحلة ما بعد النفط القادمة قريباً وبشكل سريع مع الاستنزاف والتبذير والهدر الكبير للموارد الناضبة والذي لم نستشعره كتحدٍ قادم حتى هذه اللحظة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1919::/cck::
::introtext::
الحديث عن نضوب الموارد النفطية الذي يترتب عليه تحول الدول المنتجة من مصدّرة إلى مستوردة صافية للمنتجات النفطية كان يعتبر ضرباً من الخيال، لكن العديد من الباحثين والخبراء في الشأن النفطي يثيرون مخاوف حقيقية عـن قرب نضوب الموارد النفطيـة في البلدان التي تتمتع بموارد هيدروكربونيـة ضخمـة (e.g.، Matt Simmons 2005: Twilight in the Desert.)
::/introtext::
::fulltext::
الحديث عن نضوب الموارد النفطية الذي يترتب عليه تحول الدول المنتجة من مصدّرة إلى مستوردة صافية للمنتجات النفطية كان يعتبر ضرباً من الخيال، لكن العديد من الباحثين والخبراء في الشأن النفطي يثيرون مخاوف حقيقية عـن قرب نضوب الموارد النفطيـة في البلدان التي تتمتع بموارد هيدروكربونيـة ضخمـة (e.g.، Matt Simmons 2005: Twilight in the Desert.)
إن النتيجة الحتمية لارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية مؤخراً سوف يترتب عليها تسريع استنزاف الموارد النفطية والمتوقع حدوثه بعد بضعة عقود قريبة من الزمن. وحتى نكون منصفين فإن العديد من الدول الخليجية التي تمتلك موارد نفطية ضخمة اتخذت العديد من التدابير تهدف في مجملها إلى الحفاظ على حقوق (أجيال المستقبل)، كما وضعت العديد من الدول الخطط طويلة الأجل التي تهدف في نهاية الأمر إلى تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الموارد النفطية المهددة بالنفاد، إلا أنه مع الأسف الشديد فقد فشلت حكومات الدول المنتجة للنفط، خاصة في منطقة الخليج العربي، في إيجاد قاعدة منتجات متنوعة تستطيع إحداث تنمية مستدامة بعيداً عن المنتجات الأولية المعرضة للتقلبات في الأسواق الدولية وغير المتجددة، فلا يزال الريع النفطي يساهم بشكل كبير في الناتج القومي والصادرات والإيرادات العامة في كل الدول الخليجية.
لقد دأبت النظرية الاقتصادية منذ ولادتها على دراسة الاستخدام الأمثل للموارد بهدف إيجاد أفضل الحلول المتعلقة بماهية المنتجات وتقنية الإنتاج وتوزيع المنتجات من خلال قوى السوق في الاقتصادات الحرة. بيد أن هناك حالات تفشل فيها قوى السوق في تحقيق الحلول المثلى، ويتطلب الأمر تدخل صانع القرار بتبني سياسات تصحيحية كفيلة بتعظيم استفادة المجتمع ووقف هدر الموارد الاقتصادية بشقيها الناضبة والمتجددة. فلقد أوضح الباحثون أن تلك الحالات تتضمن وجود الوفورات الخارجية، السلع العامة، والخلل المؤسسي في دوائر اتخاذ القرار والمرتبطة بطبيعة السلوك الإنساني الباحث عن الفرص التي تحقق مكاسب شخصية تكون في الغالب على حساب المصالح العامة، بل إن الكثير من الظواهر ذات الصبغة الاقتصادية قد يتعذر تفسيرها في كثير من الأحيان نظراً لوجود جوانب سياسية لا يمكن إغفالها، لذا لا بد أن تُدرس السوق البترولي واقتصاديات الطاقة، على وجه التحديد، تحت مظلة الاقتصاد السياسي الذي يملك العديد من الأدوات والأساليب البحثية والتحليلية الأجدر بالوصول إلى تصور صحيح ودقيق حول حجم مشكلة الموارد الناضبة والانعكاسات المتوقعة على مستقبل الطاقة في دول الخليج العربية.
لقد مرت الصناعة النفطية بالعديد من المراحل من الاكتشافات وقيام الشركات النفطية بامتلاك المصادر النفطية في الدول النامية من خلال عقود الامتياز الجائرة المبنية على استغلال الحاجة والفقر المدقع والتخلف التقني الذي تعاني منه العديد من الدول النامية النفطية. ونظراً لاختلاف الأوليات ومعدلات خصم تدفقات الدخول المستقبلية، قامت الشركات النفطية المستغلة والباحثة عن الربح السريع باستنزاف الموارد النفطية في حين أن الدول المنتجة لم تحصل على شيء يُذكر مقارنة بفائدة شركات النفط التي اقترفت (أكبر سرقة في التاريخ). وحينما طالبت حكومات الدول المنتجة بتغيير شروط عقود الامتياز الظالمة من خلال المطالبة بالمشاركة في الريع عوضاً عن (الفتات) الذي تحصل عليه من خلال الرسوم الثابتة التي لا تُذكر، قامت الشركات بالتخفيض المتعمد لأسعار النفط الخام المعلنة من أجل الاستفادة من ذلك بزيادة أرباحها نظراً للتكامل العمودي (Vertical Integration) الذي تتمتع به شركات النفط العالمية من خلال السيطرة التامة على صناعات المصب المعتمدة على النفط (Oil Lower-Stream Industries)، في حين أن الدول المنتجة لا تستفيد إلا من المدفوعات الضئيلة التي تتحصلها نظير إيجار مناطق الامتياز.

سياسة تخصيص قطاع النفط محفوفة بالمخاطر وسوف يترتب عليها تسريع نضوب النفط بدرجة أكبر من الشركات الحكومية
إن انتقال ملكية الموارد النفطية من الشركات الربحية إلى الحكومات في أواخر السبعينات لم تترتب عليه آثار إيجابية ملموسة في ما يتعلق بالكفاءة والفاعلية في إدارة الموارد النفطية الناضبة. فالنخب السياسية الموكلة إليها إدارة الموارد النفطية من خلال التحكم في كمية الإنتاج ومن ثم ترك الأسعار تحدد من خلال قوى السوق العالمي أخفقت أيما إخفاق في إدارة الموارد النفطية، فالهدر المالي لا يزال على أشده ويهدف في مجمله إلى تحقيق مكاسب ليست بالضرورة تعكس المصالح الوطنية. ولم يكن تعامل الشركات النفطية الحكومية حذراً مع موارد نفطية ناضبة عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية بحيث كانت هناك قراءة خاطئة للطفرات النفطية كعملية مستمرة لا فترة انتقالية، ترتب على هذا الفهم الخاطئ إنفاق المداخيل النفطية على أصول غير إنتاجية أصبحت عبئاً ثقيلاً على الموازنات السنوية لدول المنطقة. وتتحدث النظرية الاقتصادية عن آليات عملية وأكثر كفاءة في إدارة الموارد غير المتجددة والتي تتناقص مع كل برميل نفط يتم إنتاجه بحيث تترتب على ذلك (خسارة) في رصيد الاقتصاد الوطني من تلك الموارد.
ويتحدث هارولد هوتيلينج (1931) عن تسعير الموارد الناضبة والتي يجب أن تنمو على مر الزمن بالتزامن مع أسعار الفائدة في الأسواق المالية حتى لا يكون هناك تسارع في استنزاف هذه الموارد، بيد أن تلك النظرية لم تفلح في تسعير الموارد الناضبة بسبب عدم كفاءة أسواق النفط العالمية نظراً للزيادة المطردة في إنتاج النفط مما أدى إلى تخمة نفطية مزمنة لم تواكبها زيادة في الطلب العالمي.
أما الدول المنتجة للنفط من جانبها فلم تتخذ الاحتياطات الضرورية للمحافظة على الموارد المهددة بالنضوب، فالأرقام والإحصائيات التي تنشرها تعتبر مضللة وغير دقيقة إلى حد كبير لأنها لا تعكس الصورة القاتمة والمأساة الحقيقية المترتبة على الدور الكبير الذي يلعبه النفط في هذه الاقتصادات على الرغم من إطلاق الخطط والبرامج الرامية إلى تنويع مصادر الدخل.
إن كل المؤشرات الاقتصادية، كمعدلات النمو والتوظيف وميزان المدفوعات والإنفاق الحكومي، ترتبط بشكل وثيق بحركة سعر برميل النفط في الأسواق الدولية، وبالتالي فإن دورة الأعمال في هذه الاقتصادات لا تتبع ظروف الاقتصاد المحلي ولكن تقلبات الاقتصاد العالمي. وأطلق الباحثون على هذه الظاهرة الثنائية الاقتصادية (Dual-Economy Structure) والتي تعني وجود قطاع متطور ومستقل عن بقية قطاعات الاقتصاد الوطني، وفي حالة دول الخليج تأتي الصناعة النفطية في مقام القطاع الثنائي الذي يقتصر دوره على زيادة الإيرادات الحكومية من دون التأثير في بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى. واقترح المعنيون بالشأن الاقتصادي اتخاذ تدابير تهدف إلى توضيح الصورة من خلال إعادة آلية حساب الناتج القومي في الاقتصادات الريعية وذلك حتى تعكس المؤشرات الاقتصادية المخاطر الحقيقية المحدقة بالاقتصاد الوطني، ومن أشهر تلك الطرق الحسابية قاعدة هارتويك (Hartwick’s Rule) التي تدعو إلى شطب كل العائدات النفطية من حسابات الناتج القومي واستثمارها فيما يعوض الاقتصاد عن الخسارة التي لحقت به.
الدول المنتجة للنفط لم تتخذ الاحتياطات الضرورية للمحافظة على الموارد المهددة بالنضوب
ومنذ قرابة الثلاثة عقود امتلكت حكومات الدول المنتجة الموارد النفطية، فهي تتخذ قرارات الإنتاج وإنفاق الريع والاستثمار وإدارة كافة شؤون المصادر الطبيعية، إلا أن المتابع لاقتصادات الدول الخليجية يلاحظ أنها تعاني من الجمود (Economic Stagnation)، حيث إنه في متوسط الفترة من أوائل الثمانينات إلى أوائل الألفية لم تنمُ بعض اقتصادات الدول الخليجية في المتوسط سوى يما يعادل واحداً في المائة سنوياً، ويعود ذلك إلى التذبذب الذي يحدث في أسواق المنتجات الأولية تبعاً لقوى العرض والطلب الدولية.
ويعتقد الكثير من المختصين أن ذلك السيناريو حتمياً لا يمكن الحياد عنه، وذلك لأن هذه التأثيرات السلبية في الاقتصادات الريعية تأتي من خلال تغيرات اقتصادية ميكانيكية لا يمكن إيقافها، تأتي هذه الحجة من خلال ما يعرف بفرضية (لعنة الموارد) (Resource-Curse Hypothesis) التي تتحدث عن الانعكاسات المتوقعة لريع الموارد على هيكلة الاقتصاد ودوافع العمل وحوافز ونوعية الاستثمارات، لكن هذه الآثار السلبية لا تحدث وتستفحل إلا إذا كان هناك غياب أو فشل في السياسات الاقتصادية التي كان من المفترض أن تصحح مسار الاقتصاد، وتعزز الاستفادة من الريع المتحصل عليه من الموارد الناضبة. وما يؤكد إخفاق السياسات العامة هو آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الموارد النفطية خلف الأبواب المغلقة وفي دهاليز الوزارات الحكومية بعيداً عن الرقابة الشعبية مما يؤدي إلى تبني سياسات تعكس مصالح جماعات صغيرة معينة. يُضاف إلى ذلك أسلوب الإدارة المركزية الذي ثبت أنه عديم الكفاءة، حيث إن القرارات المصيرية والمراجعات دائماً تأتي متأخرة، كما أنه يعكس التباين في مستوى المعلومات بين صانع القرار والأفراد العاملين في القطاعات الإنتاجية الذين يعلمون أدق التفاصيل التي ليس بالضرورة يعلمها الأشخاص في الإدارة العليا، لذا يأتي الفساد الإداري متلازماً مع أسلوب الإدارة المركزية. ولعل ذلك يبرر إنفاق الحكومات للريع الضخم خلال الطفرات النفطية على سلع كمالية مستوردة وأصول غير إنتاجية ومشاريع ترفيهية عوضاً عن الاستثمار في رأس المال البشري كالتعليم والبحث العلمي والصحة الكفيلة بتحقيق منافع اقتصادية كبيرة. ويمكن القول إن سلوك الإنفاق الحكومي الممول من الريع النفطي لا يعكس الوعي بحقيقة الموارد الناضبة، فلا يزال الهدر المالي صبغة واضحة من خلال المعونات النقدية والعينية الضخمة للعديد من الدول النامية من خلال (دبلوماسية الدولار) التي اتضح فشلها في تحقيق النتائج المرجوة.
إن فشل الحكومات والشركات الوطنية العامة في إدارة الموارد النفطية الناضبة أدى إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بإيكال المهمة بأكملها لمنشآت القطاع الخاص التي سوف تكون أكثر كفاءة، لاسيما أن النظرية الاقتصادية تحث على الاعتماد على المؤسسات الربحية وقوى السوق التي تكون أكثر جدارة وفاعلية في اتخاذ قرارات الإنتاج والاستثمار والطاقة الاستيعابية، كما أن ذلك يأتي في سياق التوجه العالمي الذي يدعو إلى بيع الشركات العامة لمستثمري القطاع الخاص، لكن التساؤل المهم هو: هل ستنجح الشركات الربحية الخاصة في إدارة والحفاظ على الموارد النفطية المهددة بالنضوب؟ في الحقيقة يمكننا القول إن سياسة تخصيص قطاع النفط محفوفة بالمخاطر، وسوف يترتب عليها تسريع نضوب النفط بدرجة أكبر من الشركات الحكومية، وذلك للأسباب التالية:
1- المنتج المحتكر، من خلال إدارة الشركات الحكومية، أكثر كفاءة في إدارة الموارد النفطية وذلك لأن كمية الإنتاج في هذه الحالة أقل والأسعار أعلى مقارنة بالوضع حين تحتدم المنافسة بين شركات القطاع الخاص الباحث عن الربح السريع.
2- الحكومات يفترض أن ترعى، من الناحية النظرية على الأقل، مصالح الأجيال المستقبلية وذلك بالأخذ في الاعتبار حقيقة الموارد الناضبة والاهتمام بالتنمية المستدامة، لذا فإن العوائد النفطية يتم توزيعها عبر الزمن من دون الإسراع في الحصول على دخل كبير في الأجل القصير وإهمال الفترات المستقبلية. أي بمعنى آخر معدلات خصم الحكومة للعوائد المستقبلية أقل بكثير من سعر خصم القطاع الخاص الذي يبحث عن الربح السريع بصرف النظر عن المستقبل.
3- قيام شركات القطاع الخاص بإنتاج النفط الخام يتطلب وجود نظام ضريبي فعّال وصارم يكفل تقليص الهامش الربحي للشركات الخاصة حتى لا يؤدي إلى استنزاف الموارد الناضبة، كما أن النظام الضريبي المتخلف لدى الدول المنتجة، كما هو عليه حالياً على الأقل، لن يفلح في كبح جماح الشركات النفطية الباحثة عن الربح، خاصة في ظل القدرة على التهرب من دفع الضرائب من خلال المحسوبيات التي سوف يحصل عليها (رجال الأعمال) المتنفذون والتي تأتي في إطار الرأسمالية المشوهة (Crony Capitalism) التي هي الوضع العام في دول الخليج المنتجة للنفط.
4- احتدام المنافسة والتسابق في إنتاج الموارد الناضبة بين شركات النفط الخاصة سوف يؤدي إلى إنتاج كميات تفوق الإنتاج الأمثل من وجهة نظر المجتمع، وتُسمى هذه الظاهرة (مشكلة الحقل المشترك) (Common-Pool Problem) التي سوف يترتب عليها استنزاف حقول النفط خاصة في مناطق الامتياز المتاخمة أو المشتركة عبر الحدود الدولية.
إذا كان الوضع كذلك، فما هو الحل الأمثل عوضاً عن المطالبة بتخصيص قطاع النفط؟ هو زيادة كفاءة شركات النفط الحكومية من خلال اتخاذ الاحتياطات الضرورية التي تضمن الإدارة المثلى للموارد الوطنية من خلال علنية المناقشات والقرارات ومشاركة المواطنين التي تضمن الرقابة الشعبية على إدارة الموارد الوطنية من أجل محاربة القرارات السرية التي تخدم النخب السياسية على حساب المصالح الوطنية.
الشركات الحكومية النفطية انكفأت وتقوقعت على نفسها دون أن تحاول عبور الحدود الوطنية للاستثمار
لقد أثبتت التجارب الإنسانية فشل تجربة الإدارة المركزية التي توجهها في الغالب جماعات الضغط والمصالح التي تدافع عن المنافع الشخصية حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني، كما أن الحكومات المنتجة للنفط تواجه ضغوطاً دولية لضخ كميات من النفط الخام بهدف تخفيض أسعار النفط العالمية. فالدول الصناعية المستهلكة للنفط دائماً تحمّل الدول المنتجة المسؤولية وتطالبها بضرورة جلب الاستقرار لأسواق النفط العالمية من خلال تبني (الأسعار العادلة) التي تتطلب سياسات استنزافية للموارد الناضبة. هذه المسؤوليات الثقيلة ولّدت لدى الدول النفطية (عقدة الشعور بالذنب) والتي ألزمتها بتقديم اعتذارات وتبريرات عندما يحدث أي خلل في السوق النفطي حتى لو كانت تلك العوامل خارج سيطرتها.
ولعل ذلك يوضح قيام العديد من الدول الخليجية بتخصيص مبالغ طائلة للإنفاق على مشاريع دولية، كمنتدى الطاقة الدولي وصناديق التنمية الدولية ومكافحة التلوث البيئي، والتي تهدف في مجملها إلى تخفيف الشعور بالذنب، لكن ذلك كله على حساب الموارد الناضبة والتي بدأ العد التنازلي القصير لنفادها من دون الاستفادة منها بشكل كبير، والذي يتمثل في تصدير النفط الخام في الأسواق العالمية من دون أي قيمة مضافة (Value Added). فلقد فشلت الدول المنتجة في إيجاد صناعات مستقلة عن النفط على الرغم من وضع الخطط طويلة الأجل التي تهدف إلى ذلك، وعلى الرغم أيضاً من مرور عقود عدة على تبني هذه الخطط. أما الشركات الحكومية النفطية فقد انكفأت وتقوقعت على نفسها من دون أن تحاول عبور الحدود الوطنية للاستثمار في اكتشافات النفط في الدول النامية الغنية بالنفط، وتركت الفرصة تذهب إلى الشركات المملوكة للدول المستهلكة للنفط، خاصة الاقتصادات الناشئة. بل إن الشركات الوطنية فشلت حتى في إدارة الموارد النفطية الوطنية مما اضطر الدول الخليجية لتجديد الدعوة للشركات النفطية العملاقة إلى الاستثمار في مواردها النفطية بعد أن دفعت مبالغ طائلة لإخراج الشركات النفطية متعددة الجنسيات التي امتلكت حقوق الامتياز طويلة الأجل، مما يثير التساؤل ليس عن جدوى تلك السياسة فقط، بل عما إذا كانت هناك خطط طويلة الأجل لتعظيم الاستفادة من الموارد النفطية وللاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، حيث تتراجع المداخيل النفطية وفي الوقت نفسه ترغب في تحقيق التنمية المستدامة والمستمرة والتي تحافظ على رفاهية المواطنين للجيلين الحالي والمستقبلي، حيث إن غياب الخطط طويلة الأجل أدى إلى هدر الطاقة بتبني التقنيات المتخلفة التي تستهلك كماً كبيراً من الموارد الناضبة ودون الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة والمتاحة في المنطقة والتي سوف يثبت الزمن جدواها عندما ترتفع فاتورة واردات الطاقة في مرحلة ما بعد النفط القادمة قريباً وبشكل سريع مع الاستنزاف والتبذير والهدر الكبير للموارد الناضبة والذي لم نستشعره كتحدٍ قادم حتى هذه اللحظة.
::/fulltext::
::cck::1919::/cck::
