السياسة الأمريكية تجاه العراق وانعكاساتها على منطقة الخليج

::cck::2004::/cck::
::introtext::

على الرغم من قرب رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن البيت الأبيض، وما صاحبه من تكهنات باحتمال حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق، خاصة في ما يتعلق بمسألة بقاء القوات الأمريكية من عدمه أو تقليل عددها مقابل دفع بعض الدول الإقليمية أو الدولية إلى المشاركة في تحقيق الأمن والاستقرار، أثيرت نتيجة لاختلاف الرؤى بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ما يتعلق بهذا الأمر، إلا أن الواضح أن الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها.

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم من قرب رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن البيت الأبيض، وما صاحبه من تكهنات باحتمال حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق، خاصة في ما يتعلق بمسألة بقاء القوات الأمريكية من عدمه أو تقليل عددها مقابل دفع بعض الدول الإقليمية أو الدولية إلى المشاركة في تحقيق الأمن والاستقرار، أثيرت نتيجة لاختلاف الرؤى بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ما يتعلق بهذا الأمر، إلا أن الواضح أن الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها.

إن ذلك يعني ثبات السياسة الأمريكية تجاه العراق خلال الفترة المقبلة، وما يرتبط بها من انعكاسات إيجابية وسلبية على منطقة الخليج المرتبطة بصورة أو أخرى ـ خاصة في المسائل الأمنية والنفطية ـ بما يجري في العراق، إذ يعتبر العراق إحدى أهم الأوراق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ومناوئيها في الشرق الأوسط، والتي تتوقف عليها احتمالات نشوب حرب أمريكية ثالثة في المنطقة بعد حربيها على أفغانستان والعراق بزعم تحقيق الأمن والاستقرار.

ثوابت السياسة الأمريكية

كما هو معروف يحكم السياسة الأمريكية تجاه العراق أمران، أولهما، حماية الكيان الصهيوني، فكما هو معروف يمثل أمن الكيان خطاً أحمر بالنسبة للإدارات الأمريكية المختلفة، ومن ثم فإن أي أخطار تتهدد ذلك الكيان من شأن أية إدارة أمريكية موجودة في البيت الأبيض أن ترد عليه بحسم وقوة، مثلما حدث مع العراق بعد أن وضح خطر صدام حسين على أمنه، وتم تعزيز قدرات العراق التقنية والسياسية والعسكرية.

وثانيهما، يتمثل في الهيمنة على النفط العربي من أجل ضمان تدفقه للولايات المتحدة من جهة، والتحكم في الدول الكبرى التي تعتمد على هذا النفط في صناعاتها من جهة ثانية، وبذلك تتحقق للولايات المتحدة الهيمنة والسيطرة ليس على منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما على العالم أجمع، بما في ذلك الدول المتقدمة.

ولأن خروج أمريكا من العراق يمثل تهديداً مباشراً لتلك الثوابت، فقد واجهت السيناريوهات التي وضعت حول هذا الشأن انتقادات لاذعة، رافضة التوصيات الخاصة بضرورة إجراء انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من العراق، والبدء بمحادثات مع كل من إيران وسوريا، باعتبار أن ذلك يمثل تهديداً لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء.

وفي هذا الصدد بالغ الرئيس الأمريكي في حجم المخاطر المترتبة على انسحاب القوات الأمريكية من العراق، حيث صرح بأن بقاء الجيش الأمريكي في العراق هو لمهمة أخلاقية، وحاول أن يربط بين مصير فيتنام بعد الانسحاب في السبعينات من القرن الماضي وانسحاب القوات الأمريكية من العراق لو تم، حيث قال في خطابه في ولاية كنساس الأمريكية ما نصه: (إن حدوث مثل هذا الانسحاب من العراق في الوقت الحالي سوف يخلف الكثير من الضحايا الأبرياء مثلما حدث في جنوب شرق آسيا منذ ثلاثة عقود).

الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها

ويعني ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق أصبح وجوداً استراتيجياً  بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ويختلف كلياً عن الوجود العسكري في السعودية وقطر والبحرين والكويت وبقية دول الخليج والمنطقة، باعتبار أنه يحدد مستقبل الولايات المتحدة كقوة عالمية منفردة  بسيطرتها على العالم.

وليس هذا فحسب، بل من شأن استمرار الوجود الأمريكي في العراق أن يعمل على تحقيق أمور عدة في غاية الأهمية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة تتمثل في:

أولاً: تحجيم  النفوذ الإيراني في المنطقة عن طريق منعها من الانفراد بالعراق، ومن ثم قيامها بتهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، خاصة أنها تعمل الآن على امتلاك التكنولوجيا النووية.

ثانياً: استمرار الضغط الأمريكي على كل من إيران وسوريا من أجل منعهما من تهديد الوجود الصهيوني في المنطقة.

ثالثاً: الحفاظ على الهيبة الأمريكية، بحيث لا يصور الانسحاب الأمريكي من العراق على أنه هزيمة للإمبراطورية الأمريكية، على غرار ما حصل مع الاتحاد السوفييتي سابقاً.

محددات السياسة الأمريكية

كما هو معروف تحكم السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العديد من الأمور المرتبطة ارتباطاً مباشراً بوجودها في العراق، وأول هذه الأمور يتمثل في الأمن، حيث يعتبر أمن الخليج هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. ومن ثم تعمل الإدارات الأمريكية المختلفة على الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وذلك على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أن أي تغيير في المنطقة يؤدي إلى حدوث اضطرابات وقلاقل تؤثر في مصالح أمريكا.

أما ثانيها فيتمثل في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، بحيث لا يحدث أي صراع يؤثر في المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا ما بدا واضحاً عندما كانت الولايات المتحدة تمد يد العون للعراق في مواجهته لإيران، وانقلابها بعد ذلك على صدام حسين، إثر تحوله إلى قوة تهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وأخيراً القضاء على  أية محاولات لإنشاء كيان عربي موحد، من أجل أن تظل كافة تلك الدول في حاجة إلى الولايات المتحدة، خاصة أن من شأن إنشاء مثل هذا الكيان الموحد أن يجعل التوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالح البلاد العربية، وهذا ما لا يتفق مع سياسة أمريكا.

وبذلك يتضح لنا أن السياسة الأمريكية في العراق ترتبط ارتباطاً مباشراً باستراتيجيتها في منطقة الخليج، بمعنى أنه كلما نجحت الولايات المتحدة في إحكام سيطرتها على الأوضاع في العراق، تمكنت من ضمان تحقيق مصالحها في منطقة الخليج، خاصة تلك المتعلقة بتدفق النفط، واحتواء التهديدات الإيرانية والسورية للكيان الصهيوني.

وهذا ما يؤكد عليه إدوارد جيرجيان مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بقوله (إن التخطيط الاستراتيجي الأمريكي يقوم على تحويل العراق إلى قاعدة إقليمية محورية للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة) الأمر الذي من شأنه أن يسهل على الولايات المتحدة تحقيق أهدافها الخاصة بضمان استمرار تدفق النفط، والسيطرة على القوى الإقليمية الصاعدة في المنطقة.

يعتبر العراق إحدى أهم الأوراق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ومناوئيها في الشرق الأوسط 

 

الانعكاسات على دول الخليج

في حال استمرت السياسة الأمريكية تجاه العراق على ما هي عليه، فإن من شأن ذلك أن يؤدي في ما يتعلق بمنطقة الخليج إلى:

أولاً: استمرار سياسات منطقة الخليج على ما هي عليه في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية التي تعاني منها المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تشهد تراجعاً ملحوظاً من قبل الأشقاء العرب بسبب الضغوط الأمريكية عليهم، هذه الضغوط  التي تدفعهم إلى تبني الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية الخاصة بالسلام، وتدفعهم كذلك إلى تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، على الرغم من عدم التزامه بأي من الالتزامات الدولية التي تم الاتفاق عليها في المحافل الدولية، والأمر نفسه بالنسبة للأزمة النووية الإيرانية، حيث تضغط الولايات المتحدة على منطقة الخليج من أجل مساعدتها على توجيه ضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية، وعلى الرغم من أن دول منطقة الخليج ترفض هذا الأمر، إلا أن استمرار الوجود الأمريكي في العراق من شأنه أن يؤثر في موقف وقرار هذه الدول.

ثانياً: استمرار المساعي الأمريكية الضاغطة على دول المنطقة من أجل تلبية المطالب الأمريكية والإسرائيلية الخاصة بالحرب على الإرهاب، والتي تعني من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية منع المعونات المقدمة من هذه الدول لحركات المقاومة الفلسطينية.

ثالثاً: استمرار الضغط على إيران من أجل منعها من الاستمرار في سياسات تخصيب اليورانيوم.

رابعاً: مساعدة الكيان الصهيوني على الاندماج في المنطقة، عن طريق تطبيق المشاريع الأمريكية الخاصة بالهيمنة على المنطقة وعلى رأسها مشروع الشرق الأوسط الكبير موضع التطبيق.

خامساً: تهديد الأمن والاستقرار في منطقة الخليج بسبب الحصار المفروض على إيران وسوريا، وترك العنان للكيان الصهيوني ليعيث في الأراضي العربية فساداً، وما قد يتسبب فيه ذلك من أضرار فادحة بأمن المنطقة.

ونخلص من ذلك إلى صعوبة حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق؛ لأن ذلك ببساطة  يعني  تغييراً للاستراتيجية والأهداف، كما أن من شأن حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق أن يتبعه تغييراً في منطقة حيوية واستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة هي منطقة (الخليج العربي). أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لن تلجأ إلى تغيير سياساتها تجاه العراق إلا إذا وجدت مبرراً منطقياً لذلك، وهي حين تقوم بذلك فإنها لا تحدث تغييراً في استراتيجيتها العامة وأهدافها في المنطقة، ولكنها تعمل على إيجاد توجهات سياسية جديدة تساعدها في التغلب على المتغيرات الإقليمية والدولية من حولها، أي أن الولايات المتحدة تحاول من خلال إيجاد توجهات سياسية تحقيق أهدافها ومن ثم حماية مصالحها من التهديدات التي تفرزها تلك المتغيرات.

وأخيراً تبقى المقاومة هي الطرف الوحيد الذي يملك القدرة على تغيير السياسة الأمريكية تجاه العراق ومنطقة الخليج، عن طريق استمرارها في تكبيد القوات الأمريكية الموجودة في العراق خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

::/fulltext::

araa42_36-90e
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2004::/cck::
::introtext::

على الرغم من قرب رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن البيت الأبيض، وما صاحبه من تكهنات باحتمال حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق، خاصة في ما يتعلق بمسألة بقاء القوات الأمريكية من عدمه أو تقليل عددها مقابل دفع بعض الدول الإقليمية أو الدولية إلى المشاركة في تحقيق الأمن والاستقرار، أثيرت نتيجة لاختلاف الرؤى بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ما يتعلق بهذا الأمر، إلا أن الواضح أن الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها.

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم من قرب رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن البيت الأبيض، وما صاحبه من تكهنات باحتمال حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق، خاصة في ما يتعلق بمسألة بقاء القوات الأمريكية من عدمه أو تقليل عددها مقابل دفع بعض الدول الإقليمية أو الدولية إلى المشاركة في تحقيق الأمن والاستقرار، أثيرت نتيجة لاختلاف الرؤى بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ما يتعلق بهذا الأمر، إلا أن الواضح أن الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها.

إن ذلك يعني ثبات السياسة الأمريكية تجاه العراق خلال الفترة المقبلة، وما يرتبط بها من انعكاسات إيجابية وسلبية على منطقة الخليج المرتبطة بصورة أو أخرى ـ خاصة في المسائل الأمنية والنفطية ـ بما يجري في العراق، إذ يعتبر العراق إحدى أهم الأوراق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ومناوئيها في الشرق الأوسط، والتي تتوقف عليها احتمالات نشوب حرب أمريكية ثالثة في المنطقة بعد حربيها على أفغانستان والعراق بزعم تحقيق الأمن والاستقرار.

ثوابت السياسة الأمريكية

كما هو معروف يحكم السياسة الأمريكية تجاه العراق أمران، أولهما، حماية الكيان الصهيوني، فكما هو معروف يمثل أمن الكيان خطاً أحمر بالنسبة للإدارات الأمريكية المختلفة، ومن ثم فإن أي أخطار تتهدد ذلك الكيان من شأن أية إدارة أمريكية موجودة في البيت الأبيض أن ترد عليه بحسم وقوة، مثلما حدث مع العراق بعد أن وضح خطر صدام حسين على أمنه، وتم تعزيز قدرات العراق التقنية والسياسية والعسكرية.

وثانيهما، يتمثل في الهيمنة على النفط العربي من أجل ضمان تدفقه للولايات المتحدة من جهة، والتحكم في الدول الكبرى التي تعتمد على هذا النفط في صناعاتها من جهة ثانية، وبذلك تتحقق للولايات المتحدة الهيمنة والسيطرة ليس على منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما على العالم أجمع، بما في ذلك الدول المتقدمة.

ولأن خروج أمريكا من العراق يمثل تهديداً مباشراً لتلك الثوابت، فقد واجهت السيناريوهات التي وضعت حول هذا الشأن انتقادات لاذعة، رافضة التوصيات الخاصة بضرورة إجراء انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من العراق، والبدء بمحادثات مع كل من إيران وسوريا، باعتبار أن ذلك يمثل تهديداً لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء.

وفي هذا الصدد بالغ الرئيس الأمريكي في حجم المخاطر المترتبة على انسحاب القوات الأمريكية من العراق، حيث صرح بأن بقاء الجيش الأمريكي في العراق هو لمهمة أخلاقية، وحاول أن يربط بين مصير فيتنام بعد الانسحاب في السبعينات من القرن الماضي وانسحاب القوات الأمريكية من العراق لو تم، حيث قال في خطابه في ولاية كنساس الأمريكية ما نصه: (إن حدوث مثل هذا الانسحاب من العراق في الوقت الحالي سوف يخلف الكثير من الضحايا الأبرياء مثلما حدث في جنوب شرق آسيا منذ ثلاثة عقود).

الخطوط العريضة التي وضعها بوش بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه العراق هي التي سيتم اعتمادها

ويعني ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق أصبح وجوداً استراتيجياً  بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ويختلف كلياً عن الوجود العسكري في السعودية وقطر والبحرين والكويت وبقية دول الخليج والمنطقة، باعتبار أنه يحدد مستقبل الولايات المتحدة كقوة عالمية منفردة  بسيطرتها على العالم.

وليس هذا فحسب، بل من شأن استمرار الوجود الأمريكي في العراق أن يعمل على تحقيق أمور عدة في غاية الأهمية للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة تتمثل في:

أولاً: تحجيم  النفوذ الإيراني في المنطقة عن طريق منعها من الانفراد بالعراق، ومن ثم قيامها بتهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، خاصة أنها تعمل الآن على امتلاك التكنولوجيا النووية.

ثانياً: استمرار الضغط الأمريكي على كل من إيران وسوريا من أجل منعهما من تهديد الوجود الصهيوني في المنطقة.

ثالثاً: الحفاظ على الهيبة الأمريكية، بحيث لا يصور الانسحاب الأمريكي من العراق على أنه هزيمة للإمبراطورية الأمريكية، على غرار ما حصل مع الاتحاد السوفييتي سابقاً.

محددات السياسة الأمريكية

كما هو معروف تحكم السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العديد من الأمور المرتبطة ارتباطاً مباشراً بوجودها في العراق، وأول هذه الأمور يتمثل في الأمن، حيث يعتبر أمن الخليج هدفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. ومن ثم تعمل الإدارات الأمريكية المختلفة على الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وذلك على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أن أي تغيير في المنطقة يؤدي إلى حدوث اضطرابات وقلاقل تؤثر في مصالح أمريكا.

أما ثانيها فيتمثل في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، بحيث لا يحدث أي صراع يؤثر في المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا ما بدا واضحاً عندما كانت الولايات المتحدة تمد يد العون للعراق في مواجهته لإيران، وانقلابها بعد ذلك على صدام حسين، إثر تحوله إلى قوة تهدد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

وأخيراً القضاء على  أية محاولات لإنشاء كيان عربي موحد، من أجل أن تظل كافة تلك الدول في حاجة إلى الولايات المتحدة، خاصة أن من شأن إنشاء مثل هذا الكيان الموحد أن يجعل التوازن الاستراتيجي في المنطقة لصالح البلاد العربية، وهذا ما لا يتفق مع سياسة أمريكا.

وبذلك يتضح لنا أن السياسة الأمريكية في العراق ترتبط ارتباطاً مباشراً باستراتيجيتها في منطقة الخليج، بمعنى أنه كلما نجحت الولايات المتحدة في إحكام سيطرتها على الأوضاع في العراق، تمكنت من ضمان تحقيق مصالحها في منطقة الخليج، خاصة تلك المتعلقة بتدفق النفط، واحتواء التهديدات الإيرانية والسورية للكيان الصهيوني.

وهذا ما يؤكد عليه إدوارد جيرجيان مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، بقوله (إن التخطيط الاستراتيجي الأمريكي يقوم على تحويل العراق إلى قاعدة إقليمية محورية للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة) الأمر الذي من شأنه أن يسهل على الولايات المتحدة تحقيق أهدافها الخاصة بضمان استمرار تدفق النفط، والسيطرة على القوى الإقليمية الصاعدة في المنطقة.

يعتبر العراق إحدى أهم الأوراق بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ومناوئيها في الشرق الأوسط 

 

الانعكاسات على دول الخليج

في حال استمرت السياسة الأمريكية تجاه العراق على ما هي عليه، فإن من شأن ذلك أن يؤدي في ما يتعلق بمنطقة الخليج إلى:

أولاً: استمرار سياسات منطقة الخليج على ما هي عليه في ما يتعلق بالقضايا الجوهرية التي تعاني منها المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تشهد تراجعاً ملحوظاً من قبل الأشقاء العرب بسبب الضغوط الأمريكية عليهم، هذه الضغوط  التي تدفعهم إلى تبني الرؤية الأمريكية-الإسرائيلية الخاصة بالسلام، وتدفعهم كذلك إلى تطبيع العلاقات مع العدو الصهيوني، على الرغم من عدم التزامه بأي من الالتزامات الدولية التي تم الاتفاق عليها في المحافل الدولية، والأمر نفسه بالنسبة للأزمة النووية الإيرانية، حيث تضغط الولايات المتحدة على منطقة الخليج من أجل مساعدتها على توجيه ضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية، وعلى الرغم من أن دول منطقة الخليج ترفض هذا الأمر، إلا أن استمرار الوجود الأمريكي في العراق من شأنه أن يؤثر في موقف وقرار هذه الدول.

ثانياً: استمرار المساعي الأمريكية الضاغطة على دول المنطقة من أجل تلبية المطالب الأمريكية والإسرائيلية الخاصة بالحرب على الإرهاب، والتي تعني من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية منع المعونات المقدمة من هذه الدول لحركات المقاومة الفلسطينية.

ثالثاً: استمرار الضغط على إيران من أجل منعها من الاستمرار في سياسات تخصيب اليورانيوم.

رابعاً: مساعدة الكيان الصهيوني على الاندماج في المنطقة، عن طريق تطبيق المشاريع الأمريكية الخاصة بالهيمنة على المنطقة وعلى رأسها مشروع الشرق الأوسط الكبير موضع التطبيق.

خامساً: تهديد الأمن والاستقرار في منطقة الخليج بسبب الحصار المفروض على إيران وسوريا، وترك العنان للكيان الصهيوني ليعيث في الأراضي العربية فساداً، وما قد يتسبب فيه ذلك من أضرار فادحة بأمن المنطقة.

ونخلص من ذلك إلى صعوبة حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق؛ لأن ذلك ببساطة  يعني  تغييراً للاستراتيجية والأهداف، كما أن من شأن حدوث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه العراق أن يتبعه تغييراً في منطقة حيوية واستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة هي منطقة (الخليج العربي). أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لن تلجأ إلى تغيير سياساتها تجاه العراق إلا إذا وجدت مبرراً منطقياً لذلك، وهي حين تقوم بذلك فإنها لا تحدث تغييراً في استراتيجيتها العامة وأهدافها في المنطقة، ولكنها تعمل على إيجاد توجهات سياسية جديدة تساعدها في التغلب على المتغيرات الإقليمية والدولية من حولها، أي أن الولايات المتحدة تحاول من خلال إيجاد توجهات سياسية تحقيق أهدافها ومن ثم حماية مصالحها من التهديدات التي تفرزها تلك المتغيرات.

وأخيراً تبقى المقاومة هي الطرف الوحيد الذي يملك القدرة على تغيير السياسة الأمريكية تجاه العراق ومنطقة الخليج، عن طريق استمرارها في تكبيد القوات الأمريكية الموجودة في العراق خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

::/fulltext::
::cck::2004::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *