تباطؤ الاقتصاد الأمريكي وأثره في مستقبل العلاقات الاقتصادية لدول مجلس التعاون

::cck::2016::/cck::
::introtext::

تتعدد أوجه العلاقاتالاقتصاديةفيما بين الدول، وتأخذ أشكالاً مختلفة، وأهم هذه الأشكال هو (التبادل التجاري)، حيث تؤديالتجارة في السلع والخدمات فيما بين البلدان إلى الترابط في هياكلهاالاقتصاديةفي الإنتاج والاستهلاك. 

::/introtext::
::fulltext::

تتعدد أوجه العلاقاتالاقتصاديةفيما بين الدول، وتأخذ أشكالاً مختلفة، وأهم هذه الأشكال هو (التبادل التجاري)، حيث تؤديالتجارة في السلع والخدمات فيما بين البلدان إلى الترابط في هياكلهاالاقتصاديةفي الإنتاج والاستهلاك.

في منعطف مهم من التطور الاقتصادي الخليجي انطلقت بداية العام الحالي السوق الخليجية المشتركة بناءً على إعلان الدوحة الصادر عن الجلسة الختامية للدورة الـ28 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي، والمتوقع له أن يستهدف إيجاد سوق واحدة وواعدة لمواطني دول المجلس، والمساهمة في توطين الأموال المهاجرة، وإيجاد سوق مالية خليجية ضخمة، وتعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم، مما يساعدها على تطوير اقتصاداتها وتحسين مكانتها دولياً، ويدعم قوتها التفاوضية المستقبلية. ويعد التبادل التجاري إحدى الأدوات المهمة لتحسين الشراكات الاقتصادية الدولية، وتمثل العلاقات الاقتصادية لدول المجلس مع الولايات المتحدة الأمريكية إحدى هذه الشراكات، وقد سعى منتدى الحوار الاقتصادي السنوي منذ نشأته عام 1985م  إلى تعزيز وتوسيع العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، ومنذ سبتمبر 1998 بدأت مشاركة القطاع الخاص تتسارعوتأخذ منحىً واسعاً نحو مناقشة قضايا الاستثمار والتجارة وإقامة المشاريع المشتركة. وتعتبر دول المجلس من ضمن أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، إذ بلغ حجم وارداتها لعام 2005م نحو 40.2 مليار دولار من إجمالي الواردات الأمريكية، كما بلغ حجم صادراتها للسوق الأمريكية للعام نفسه نحو 41.7 مليار دولار، وتأتي المملكة العربية السعودية في المركز الأول بين دول الخليج العربية المصدّرة للولايات المتحدة، حيث شكلت صادراتها نسبة 79 في المائة من واردات الولايات المتحدة من دول المجلس، وقدرت بنحو 27 مليار دولار، بينما كانت دولة الإمارات أكبر سوق للصادرات الأمريكية وبنسبة 19 في المائة من إجمالي الصادرات الأمريكية لدول المجلس، وتقدر بنحو 14 مليار دولار، (الجدول المرفق يوضح الميزان التجاري للطرفين).

وتوصف هذه العلاقة بأنها علاقة استراتيجية تبادلية، وذلك لما يمثله كل طرف من أهمية للطرف الآخر، فدول المجلس أكبر منتج ومصدّر للنفط على مستوى العالم، والاقتصاد الأمريكي أكبر قوة اقتصادية في العالم، ومن أكثر مستهلكي النفط فيه، ويلعب النفط الخليجي دوراً محورياً في توطيد هذه العلاقة، ففي عام 2007 تجاوز حجم الواردات الأمريكية من نفوط دول المجلس نسبة 20 في المائة من وارداتها النفطية، وتعود هذه الأهمية إلى أربعينات القرن الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي روزفلت في فبراير 1943م أن (المملكة العربية السعودية أصبحت من الآن فصاعداً ذات ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية)، وذلك بعد دراسة أعدتها إحدى الشركات الأمريكية مفادها بأن مركز الجاذبية في الإنتاج العالمي للنفط ينحسر صوب الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج، وأنه سوف يستمر في الانحسار حتى يتركز في تلك المنطقة (أي منطقة الخليج).

ولعلنا نشير إلى توقعات ومتغيرات عالمية لا بد أن تبقى قيد المراقبة من قبل المعنيين لما تحمله من تأثيرات في اقتصادات دول المجلس نتيجة للأزمة الاقتصادية الأمريكية، وما لها من انعكاسات على طبيعة العلاقة الوطيدة بين الطرفين، ويجدر بدول المجلس أن تتساءل بجدية عن مدى إمكانية تأثرها بما يحدث على الساحة الاقتصادية الأمريكية، وعن استعدادها لتجنب ومقاومة تداعيات أزمات المستقبل. وبشأن التباطؤ الاقتصادي الأمريكيصرح رئيس صندوق النقد الدولي بأنه أياً كانت الإجابة عن الكساد، فإنه من الواضح حدوث تباطؤ خطير في الولايات المتحدة. ومن جانبنا نؤكد أنه أياً ما كان ستسفر عنه الأوضاع سواء كان في جانب التحول إلى ركود عالمي أو مجرد التباطؤ في النمو الاقتصادي، وهو ما تشير إليه المؤشرات الاقتصادية، فالواقع يظهر لنا أن هـناك ثلاث قنوات رئيسية لا بد أن تتأثر بها بلدان دول المجلس_ أكثر من أي وقت مضى_ بالأزمة الاقتصادية الأمريكية مهما كانت طبيعتها وهي:

1- انخفاض سعر الدولار وضرورة تنويع مكونات احتياطيات دول المجلس

عندما يتباطأ الاقتصاد الأمريكي فإن تحركات رؤوس الأموال المضاربة سوف تعمل على تضخيم نقاط الضعف في الدولار الأمريكي، وسيضعف الإقبال على شرائه، ويكون هنالك اتجاه للتخلص منه، وعندئذ سيصبح العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة أمراً يدعو إلى التريث والمراجعة في تعاملاته، ويعد الوضع الآن أكثر خطورة عما كان عليه قبل 22 عاماً، فعلى الرغم من أن العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة كان كبيراً جداً في تلك الفترة، فإنه حدث عندما كانت تصنف بصفتها أكبر دولة دائنة في الاقتصاد العالمي. وتعاني الولايات المتحدة من عجز وصل إلى أعلى مستوياته التاريخية يقدر بنحو 800 مليار دولار، ويعد الحساب الجاري المقياس الأوسع لمدى تدفق رؤوس الأموال والتجارة خارج الولايات المتحدة والذي يشمل: التجارة والاستثمارات والعمالة الوافدة والحوالات، وهذا التدهور الحاصل في الحساب الجاري أحد الأسباب الرئيسية لفقدان الدولار الأمريكي الكثير من قيمته وقوته، لذلك شجع المستثمرين على توجيه أموالهم لسوق النفط بدلاً من أصول أخرى، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، كما أن أزمة الثقة في الأسواق المالية العالمية الناجمة عن أزمة الرهن العقاري الأمريكية ليست عنا ببعيدة، إضافة إلى تحول تحركات أسعار الفائدة الأمريكية لمعالجة هذه المشكلة وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي. وفي هذا الصدد يقول باري إتشينغرين، المحاضر في جامعة كاليفورنيا: إن سيطرة أي عملة على العالم تتطلب أيضاً ثقة المستهلكين بقيمة تلك العملة. ويضيف إذا استمر عجز الحساب الجاري مرتفعاً لفترة من الزمن، فإن الدول الأخرى ستصبح غير راغبة في حفظ احتياطياتها النقدية بالدولار، وهذا ما أثر في أسعار صرف عملات دول المجلس التي انخفضت بنسبة 12.5 في المائة بين عامي (2003-2006) بسبب ربط عملتها بالدولار(صندوق النقد الدولي)، وفي ظل تزايد عوائد الصادرات النفطية لا بد من تنويع مكونات احتياطيات دول المجلس لتشمل عملات أخرى لأن انخفاض سعر الدولار لا بد من أن يؤثر سلباً في قيم عملات دول المجلس، التي بدأت ملامحها واضحة في ارتفاع أسعار الاستيرادات جراء انخفاضه 

2-  استهداف ارتفاع معدلات التضخم

يشكل التضخم ملامح أزمة تهدد العالم كله، جراء  تدهور عملة الـ 75 في المائة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، ولا في شك أن الثقة المهزوزة في العملة الخضراء لها آثارها وانعكاساتها على دول المجلس التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي باستثناء الكويت (سلة عملات)، فالسوق النفطية هي سوق دولارية النشأة ولأسباب تاريخية، فعندما كان العالم ينتج في الثلاثينات من القرن الماضي خمسة ملايين برميل يومياً، كان إنتاج الولايات المتحدة وحدها آنذاك ثلاثة ملايين برميل يومياً، وعلى هذا الأساس اعتمد تقييم عملياتها التجارية وعوائدها عبر الدولار الأمريكي، في حين تستهلك حالياً نحو 18 مليون برميل يومياً من النفط تستورد منه نحو 10 ملايين برميل يومياً في المتوسط، وبما أن النفط يساهم بنسبة تزيد على 75 في المائة في مكونات الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس، وعوائده النفطية تمثل نسبة تقرب من 90 في المائة من إجمالي صادراتها، لذا تعد الدول ضمن منطقة الدولار، وذلك بسبب طبيعة اقتصاداتها الريعية.

غير أن السياسات المالية التوسعية التي أعلنت عنها أخيراً معظم دول المجلس، وتراجع أسعار الفائدة المحلية سيؤديان إلى بقاء النمو الاقتصادي عند معدلات مرتفعة، وسيجعلان من التضخم ظاهرة متأصلة، وسيشكل التضخم التحدي الأبرز لدول المنطقة، خاصة معاستمرار أزمة الطلب الكبير على العقارات في دول مثل قطر والإمارات، واضطرار دولالخليج لاقتفاء أثر واشنطن على صعيد أسعار الفائدة، وأن يؤدي ذلك إلى المزيدمن التضخم، وأن تستخدم الحكومات المحلية سلاح رفع أسعار الصرف، وخاصة الإمارات وقطر.

ولإظهار حجم تزايد التضخم، تشير التقارير الاقتصادية إلى أن نسبة التضخم لم تكن عام 2001 تتجاوز0.3 في المائة، قبل أن تقفز إلى 12 في المائة عام 2007، مع فوارق واضحة بين الدول، إذ سجلت نسبة التضخم في قطر وهي الأعلى 12.8 في المائة والإمارات 9.3 في المائة، بينما في سلطنة عمان 5.9 في المائة، وفي الكويت 4.36 في المائة، والسعودية 3.83 في المائة، وأخيراً في البحرين 3 في المائة. ومن أجل استقرار اقتصادي توكل إلى البنوك المركزية سياسة استهداف تحجيم التضخم، وضبط معدلات النمو النقدي بما يتناسب مع معدلات نمو الإنتاج الحقيقي.            

3- اتفاقيات التجارة الحرة والعقبة الأمنية

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة إلى تفعيل علاقاتها مع دول المجلس من خلال تنمية التبادل التجاري، وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع كل دولة على حدة لإقامة منطقة حرة شرق أوسطية بحلول عام 2013م، ومن أولى الدول التي وقعت هذه الاتفاقية مملكة البحرين في 14 سبتمبر 2004م لتصبح أول دولة خليجية وثالث دولة عربية بعد الأردن والمغرب توقع على مثل هذه الاتفاقية، كما أبرمت سلطنة عُمان اتفاقية مع الولايات المتحدة في 20 يناير عام 2006، لتحل في المرتبة الثانيةخليجياً، وفي هذا الخصوص، تستعد دول الخليجللتفاوض الجماعي مع أمريكا حول التجارة الحرة خلال الفترة المقبلة معززة بقوة تفاوضية جديدة ممثلة في السوق الخليجية المشتركة، حيث اتخذت دول المجلسقراراً بعدم توقيع اتفاقيات تجارة حرة ثنائية بين أي من دولالمجلس،وبين أية دولةأخرى. لذلك التزمت قطر بالقرار، وتم تحويل مسوّدات اتفاقياتها حول التجارة الحرة سواء مع أمريكا أو سنغافورة للتفاوض عليها بشكل جماعي بين دولالمجلسككتلة واحدة وبينالولاياتالمتحدةالأمريكية.

تعاني الولايات المتحدة من عجز وصل إلى أعلى مستوياته التاريخية يقدر بنحو 800 مليار دولار

ويبقى الهاجس الأمني العقبة أمام تطوير العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، حيث تبدي بعض المؤسسات السياسية والأمنية الأمريكية حساسية شديدة إزاء بعض الصفقات الاقتصادية بين جهات عربية وأخرى أمريكية، وهو ما بدا جلياً في الضجة التي افتعلها الكونغرس الأمريكي حول صفقة شركة موانئ دبي لإدارة ستة موانئ في الشرق الأمريكي.

ومن المعلوم أن الولايات المتحدة من أكثر دول العالم التي تخل بالتزاماتها إزاء اتفاقيات تحرير التجارة الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، فضلاً عن أنها لا تزال تضع قيوداً على الكثير من الواردات التي تستوردها، وتفرض قوانين أمريكية لمكافحة الإغراق تتناقض مع النصوص الخاصة بهذا الأمر والواردة في اتفاقيات (الجات(.

ولتطوير وتفعيل هذه العلاقة مستقبلاً، لا بد من إقامة مشاريع مشتركة ما بين شركات نفطية خليجية ضخمة لها وزنها وتجاربها الرائدة، تساعد الدول الخليجية على تنمية وتوزيع مصادر جديدة للدخل، وإيجاد فرص عمل كثيرة للعمالة الوطنية، وعلى الرغم من أن التقارير تشير إلى أن عام 2008 سيكون إيجابياً لدول المنطقة من ناحية النمو الاقتصادي، إلا أنه يجب ألا ننسى أن أموراً غير متوقعة قد تحدث، ولا بد من الاستعداد لها، وأختم بما قاله اللورد بالمرستون: (لا يوجد أصدقـاء دائمون ولا أعداء دائمون بل توجد مصالح دائمة).

 

::/fulltext::

araa42_74-71b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2016::/cck::
::introtext::

تتعدد أوجه العلاقاتالاقتصاديةفيما بين الدول، وتأخذ أشكالاً مختلفة، وأهم هذه الأشكال هو (التبادل التجاري)، حيث تؤديالتجارة في السلع والخدمات فيما بين البلدان إلى الترابط في هياكلهاالاقتصاديةفي الإنتاج والاستهلاك. 

::/introtext::
::fulltext::

تتعدد أوجه العلاقاتالاقتصاديةفيما بين الدول، وتأخذ أشكالاً مختلفة، وأهم هذه الأشكال هو (التبادل التجاري)، حيث تؤديالتجارة في السلع والخدمات فيما بين البلدان إلى الترابط في هياكلهاالاقتصاديةفي الإنتاج والاستهلاك.

في منعطف مهم من التطور الاقتصادي الخليجي انطلقت بداية العام الحالي السوق الخليجية المشتركة بناءً على إعلان الدوحة الصادر عن الجلسة الختامية للدورة الـ28 للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي، والمتوقع له أن يستهدف إيجاد سوق واحدة وواعدة لمواطني دول المجلس، والمساهمة في توطين الأموال المهاجرة، وإيجاد سوق مالية خليجية ضخمة، وتعظيم الفوائد الناجمة عن اقتصاديات الحجم، مما يساعدها على تطوير اقتصاداتها وتحسين مكانتها دولياً، ويدعم قوتها التفاوضية المستقبلية. ويعد التبادل التجاري إحدى الأدوات المهمة لتحسين الشراكات الاقتصادية الدولية، وتمثل العلاقات الاقتصادية لدول المجلس مع الولايات المتحدة الأمريكية إحدى هذه الشراكات، وقد سعى منتدى الحوار الاقتصادي السنوي منذ نشأته عام 1985م  إلى تعزيز وتوسيع العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، ومنذ سبتمبر 1998 بدأت مشاركة القطاع الخاص تتسارعوتأخذ منحىً واسعاً نحو مناقشة قضايا الاستثمار والتجارة وإقامة المشاريع المشتركة. وتعتبر دول المجلس من ضمن أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، إذ بلغ حجم وارداتها لعام 2005م نحو 40.2 مليار دولار من إجمالي الواردات الأمريكية، كما بلغ حجم صادراتها للسوق الأمريكية للعام نفسه نحو 41.7 مليار دولار، وتأتي المملكة العربية السعودية في المركز الأول بين دول الخليج العربية المصدّرة للولايات المتحدة، حيث شكلت صادراتها نسبة 79 في المائة من واردات الولايات المتحدة من دول المجلس، وقدرت بنحو 27 مليار دولار، بينما كانت دولة الإمارات أكبر سوق للصادرات الأمريكية وبنسبة 19 في المائة من إجمالي الصادرات الأمريكية لدول المجلس، وتقدر بنحو 14 مليار دولار، (الجدول المرفق يوضح الميزان التجاري للطرفين).

وتوصف هذه العلاقة بأنها علاقة استراتيجية تبادلية، وذلك لما يمثله كل طرف من أهمية للطرف الآخر، فدول المجلس أكبر منتج ومصدّر للنفط على مستوى العالم، والاقتصاد الأمريكي أكبر قوة اقتصادية في العالم، ومن أكثر مستهلكي النفط فيه، ويلعب النفط الخليجي دوراً محورياً في توطيد هذه العلاقة، ففي عام 2007 تجاوز حجم الواردات الأمريكية من نفوط دول المجلس نسبة 20 في المائة من وارداتها النفطية، وتعود هذه الأهمية إلى أربعينات القرن الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي روزفلت في فبراير 1943م أن (المملكة العربية السعودية أصبحت من الآن فصاعداً ذات ضرورة حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية)، وذلك بعد دراسة أعدتها إحدى الشركات الأمريكية مفادها بأن مركز الجاذبية في الإنتاج العالمي للنفط ينحسر صوب الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج، وأنه سوف يستمر في الانحسار حتى يتركز في تلك المنطقة (أي منطقة الخليج).

ولعلنا نشير إلى توقعات ومتغيرات عالمية لا بد أن تبقى قيد المراقبة من قبل المعنيين لما تحمله من تأثيرات في اقتصادات دول المجلس نتيجة للأزمة الاقتصادية الأمريكية، وما لها من انعكاسات على طبيعة العلاقة الوطيدة بين الطرفين، ويجدر بدول المجلس أن تتساءل بجدية عن مدى إمكانية تأثرها بما يحدث على الساحة الاقتصادية الأمريكية، وعن استعدادها لتجنب ومقاومة تداعيات أزمات المستقبل. وبشأن التباطؤ الاقتصادي الأمريكيصرح رئيس صندوق النقد الدولي بأنه أياً كانت الإجابة عن الكساد، فإنه من الواضح حدوث تباطؤ خطير في الولايات المتحدة. ومن جانبنا نؤكد أنه أياً ما كان ستسفر عنه الأوضاع سواء كان في جانب التحول إلى ركود عالمي أو مجرد التباطؤ في النمو الاقتصادي، وهو ما تشير إليه المؤشرات الاقتصادية، فالواقع يظهر لنا أن هـناك ثلاث قنوات رئيسية لا بد أن تتأثر بها بلدان دول المجلس_ أكثر من أي وقت مضى_ بالأزمة الاقتصادية الأمريكية مهما كانت طبيعتها وهي:

1- انخفاض سعر الدولار وضرورة تنويع مكونات احتياطيات دول المجلس

عندما يتباطأ الاقتصاد الأمريكي فإن تحركات رؤوس الأموال المضاربة سوف تعمل على تضخيم نقاط الضعف في الدولار الأمريكي، وسيضعف الإقبال على شرائه، ويكون هنالك اتجاه للتخلص منه، وعندئذ سيصبح العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة أمراً يدعو إلى التريث والمراجعة في تعاملاته، ويعد الوضع الآن أكثر خطورة عما كان عليه قبل 22 عاماً، فعلى الرغم من أن العجز في الحساب الجاري للولايات المتحدة كان كبيراً جداً في تلك الفترة، فإنه حدث عندما كانت تصنف بصفتها أكبر دولة دائنة في الاقتصاد العالمي. وتعاني الولايات المتحدة من عجز وصل إلى أعلى مستوياته التاريخية يقدر بنحو 800 مليار دولار، ويعد الحساب الجاري المقياس الأوسع لمدى تدفق رؤوس الأموال والتجارة خارج الولايات المتحدة والذي يشمل: التجارة والاستثمارات والعمالة الوافدة والحوالات، وهذا التدهور الحاصل في الحساب الجاري أحد الأسباب الرئيسية لفقدان الدولار الأمريكي الكثير من قيمته وقوته، لذلك شجع المستثمرين على توجيه أموالهم لسوق النفط بدلاً من أصول أخرى، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، كما أن أزمة الثقة في الأسواق المالية العالمية الناجمة عن أزمة الرهن العقاري الأمريكية ليست عنا ببعيدة، إضافة إلى تحول تحركات أسعار الفائدة الأمريكية لمعالجة هذه المشكلة وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي. وفي هذا الصدد يقول باري إتشينغرين، المحاضر في جامعة كاليفورنيا: إن سيطرة أي عملة على العالم تتطلب أيضاً ثقة المستهلكين بقيمة تلك العملة. ويضيف إذا استمر عجز الحساب الجاري مرتفعاً لفترة من الزمن، فإن الدول الأخرى ستصبح غير راغبة في حفظ احتياطياتها النقدية بالدولار، وهذا ما أثر في أسعار صرف عملات دول المجلس التي انخفضت بنسبة 12.5 في المائة بين عامي (2003-2006) بسبب ربط عملتها بالدولار(صندوق النقد الدولي)، وفي ظل تزايد عوائد الصادرات النفطية لا بد من تنويع مكونات احتياطيات دول المجلس لتشمل عملات أخرى لأن انخفاض سعر الدولار لا بد من أن يؤثر سلباً في قيم عملات دول المجلس، التي بدأت ملامحها واضحة في ارتفاع أسعار الاستيرادات جراء انخفاضه 

2-  استهداف ارتفاع معدلات التضخم

يشكل التضخم ملامح أزمة تهدد العالم كله، جراء  تدهور عملة الـ 75 في المائة من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، ولا في شك أن الثقة المهزوزة في العملة الخضراء لها آثارها وانعكاساتها على دول المجلس التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي باستثناء الكويت (سلة عملات)، فالسوق النفطية هي سوق دولارية النشأة ولأسباب تاريخية، فعندما كان العالم ينتج في الثلاثينات من القرن الماضي خمسة ملايين برميل يومياً، كان إنتاج الولايات المتحدة وحدها آنذاك ثلاثة ملايين برميل يومياً، وعلى هذا الأساس اعتمد تقييم عملياتها التجارية وعوائدها عبر الدولار الأمريكي، في حين تستهلك حالياً نحو 18 مليون برميل يومياً من النفط تستورد منه نحو 10 ملايين برميل يومياً في المتوسط، وبما أن النفط يساهم بنسبة تزيد على 75 في المائة في مكونات الناتج المحلي الإجمالي لدول المجلس، وعوائده النفطية تمثل نسبة تقرب من 90 في المائة من إجمالي صادراتها، لذا تعد الدول ضمن منطقة الدولار، وذلك بسبب طبيعة اقتصاداتها الريعية.

غير أن السياسات المالية التوسعية التي أعلنت عنها أخيراً معظم دول المجلس، وتراجع أسعار الفائدة المحلية سيؤديان إلى بقاء النمو الاقتصادي عند معدلات مرتفعة، وسيجعلان من التضخم ظاهرة متأصلة، وسيشكل التضخم التحدي الأبرز لدول المنطقة، خاصة معاستمرار أزمة الطلب الكبير على العقارات في دول مثل قطر والإمارات، واضطرار دولالخليج لاقتفاء أثر واشنطن على صعيد أسعار الفائدة، وأن يؤدي ذلك إلى المزيدمن التضخم، وأن تستخدم الحكومات المحلية سلاح رفع أسعار الصرف، وخاصة الإمارات وقطر.

ولإظهار حجم تزايد التضخم، تشير التقارير الاقتصادية إلى أن نسبة التضخم لم تكن عام 2001 تتجاوز0.3 في المائة، قبل أن تقفز إلى 12 في المائة عام 2007، مع فوارق واضحة بين الدول، إذ سجلت نسبة التضخم في قطر وهي الأعلى 12.8 في المائة والإمارات 9.3 في المائة، بينما في سلطنة عمان 5.9 في المائة، وفي الكويت 4.36 في المائة، والسعودية 3.83 في المائة، وأخيراً في البحرين 3 في المائة. ومن أجل استقرار اقتصادي توكل إلى البنوك المركزية سياسة استهداف تحجيم التضخم، وضبط معدلات النمو النقدي بما يتناسب مع معدلات نمو الإنتاج الحقيقي.            

3- اتفاقيات التجارة الحرة والعقبة الأمنية

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة إلى تفعيل علاقاتها مع دول المجلس من خلال تنمية التبادل التجاري، وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع كل دولة على حدة لإقامة منطقة حرة شرق أوسطية بحلول عام 2013م، ومن أولى الدول التي وقعت هذه الاتفاقية مملكة البحرين في 14 سبتمبر 2004م لتصبح أول دولة خليجية وثالث دولة عربية بعد الأردن والمغرب توقع على مثل هذه الاتفاقية، كما أبرمت سلطنة عُمان اتفاقية مع الولايات المتحدة في 20 يناير عام 2006، لتحل في المرتبة الثانيةخليجياً، وفي هذا الخصوص، تستعد دول الخليجللتفاوض الجماعي مع أمريكا حول التجارة الحرة خلال الفترة المقبلة معززة بقوة تفاوضية جديدة ممثلة في السوق الخليجية المشتركة، حيث اتخذت دول المجلسقراراً بعدم توقيع اتفاقيات تجارة حرة ثنائية بين أي من دولالمجلس،وبين أية دولةأخرى. لذلك التزمت قطر بالقرار، وتم تحويل مسوّدات اتفاقياتها حول التجارة الحرة سواء مع أمريكا أو سنغافورة للتفاوض عليها بشكل جماعي بين دولالمجلسككتلة واحدة وبينالولاياتالمتحدةالأمريكية.

تعاني الولايات المتحدة من عجز وصل إلى أعلى مستوياته التاريخية يقدر بنحو 800 مليار دولار

ويبقى الهاجس الأمني العقبة أمام تطوير العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، حيث تبدي بعض المؤسسات السياسية والأمنية الأمريكية حساسية شديدة إزاء بعض الصفقات الاقتصادية بين جهات عربية وأخرى أمريكية، وهو ما بدا جلياً في الضجة التي افتعلها الكونغرس الأمريكي حول صفقة شركة موانئ دبي لإدارة ستة موانئ في الشرق الأمريكي.

ومن المعلوم أن الولايات المتحدة من أكثر دول العالم التي تخل بالتزاماتها إزاء اتفاقيات تحرير التجارة الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، فضلاً عن أنها لا تزال تضع قيوداً على الكثير من الواردات التي تستوردها، وتفرض قوانين أمريكية لمكافحة الإغراق تتناقض مع النصوص الخاصة بهذا الأمر والواردة في اتفاقيات (الجات(.

ولتطوير وتفعيل هذه العلاقة مستقبلاً، لا بد من إقامة مشاريع مشتركة ما بين شركات نفطية خليجية ضخمة لها وزنها وتجاربها الرائدة، تساعد الدول الخليجية على تنمية وتوزيع مصادر جديدة للدخل، وإيجاد فرص عمل كثيرة للعمالة الوطنية، وعلى الرغم من أن التقارير تشير إلى أن عام 2008 سيكون إيجابياً لدول المنطقة من ناحية النمو الاقتصادي، إلا أنه يجب ألا ننسى أن أموراً غير متوقعة قد تحدث، ولا بد من الاستعداد لها، وأختم بما قاله اللورد بالمرستون: (لا يوجد أصدقـاء دائمون ولا أعداء دائمون بل توجد مصالح دائمة).

 

::/fulltext::
::cck::2016::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *