الإعــلام الخليجــــي مهام ومسؤوليات
::cck::2055::/cck::
::introtext::
بدايةً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا وتصوراتنا أننا نعيش حالياً في ظل حضارة عولمية وإنسانية تتداخل فيها الأفكار والرموز والشخوص، إنها حضارة عصر الإنترنت، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحضارة المؤسسات الحديثة الحقوقية والإنسانية والعلمية..
::/introtext::
::fulltext::
بدايةً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا وتصوراتنا أننا نعيش حالياً في ظل حضارة عولمية وإنسانية تتداخل فيها الأفكار والرموز والشخوص، إنها حضارة عصر الإنترنت، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحضارة المؤسسات الحديثة الحقوقية والإنسانية والعلمية..
وفي هذا العصر يتعاظم يوماً بعد يوم دور الإعلام المعاصر بوسائطه المرئية والمسموعة والمطبوعة والإلكترونية في تشكيل مفاهيم البشر، ونظم أمورهم، وتوجيه استجاباتهم العملية على مختلف المستويات والأصعدة التي تتعلق بحاضرهم المعاش ومستقبلهم المنشود. وبقدر الأهمية التي يمثلها التطور المتلاحق والمذهل في وسائل الاتصال وتقنياته وآلياته ووسائله، تتسع -مع هذا التطور الهائل- دائرة الجدل الاجتماعي والسياسي والمهني حول مضمون المادة الإعلامية، ومعايير جودتها ومشــروعيتها الفكرية والعملية، ويعود الإعلاميون والصحفيون إلى حلبة النقاش القديم الجديد حول حدود حرية الإعلام وركائز استقلاله النسبي ومرجعياته المهنية والأخلاقية.
لسوء حظنا في عالمنا العربي لم نؤسس -بالرغم من ذلك كله- لتواصل إعلامي هادف وفاعل ومتوازن مع الذات من جهة، ومع العوالم الأخرى من جهة أخرى. فالمرأة عندنا ما زالت حبيسة ذهنية التحريم التي جعلتها عاجزة عن تحقيق أبسط حقوقها، وما زال القمع والظلم سائدان وطاغيان بقوة في كل حياتنا السياسية والاجتماعية، وكذلك الأمية والفقر.
عقلاؤنا تعرضوا لأسوأ أشكال المعاملة من التكفير إلى التخوين إلى إخماد الصوت، ومجتمعاتنا باتت قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في وجوهنا جميعاً. والفرد المسكين لم يستطع ولن يستطيع بعد الآن- تحمل واستيعاب ذلك الطوفان الناري الهائل من الدعوات والتحريض والتعبويات والاتهام (المبطن): التصدي للمخططات الشيطانية، ضد العولمة، مقارعة الاستبداد، نصرة قضايا العرب والمسلمين، الوقوف مع الشعوب المناضلة والمستضعفة في كل مكان.. في سبيل ماذا؟ وهذا الضغط النفسي والعضوي الذي نعايشه – وقد أصبح جزءاً منا – قادنا إلى ما نحن عليه الآن من أن أغلبية العرب والمسلمين المحقونين بالشعارات الطنانة الرنانة آثرت القعود والنكوص، والاستكانة للحل السلبي وهو العبث واللامبالاة والركون في زاوية الفراغ واللاجدوى، واجترار أفكار الماضين، والامتناع عن ملاحقة ومتابعة متغيرات الواقع، أي الامتناع عن العيش في العصر.. إنه الموقف الهروبي من الواقع كله. والنتيجة الواقعية هي تحول هذا الفرد إلى محصلة صفرية غير فاعلة تعيش ليومها «اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا».
داخل هذا الواقع المأزوم والخطير، وتحت ظل هذا الوضع الإشكالي المعقد والكارثي يتحرك الإعلام الخليجي بكافة صنوفه المرئية والمسموعة والمكتوبة والالكترونية، وهو – من دون شك – غير منفصل عن الدائرة الإعلامية الأكبر والأوسع، وأعني بها الإعلام العربي ككل الذي نجد أنه إعلام متورط في الانحياز الأعمى للفكرة والنص وليس للواقع غارق في التحريض الفج، بعيد عن حيادية الرأي والكلمة، مسير بالرغبة لا بالموضوع، مقلد للآخر في الشكل لا المضمون، مستغرق في تظهير لغة أيديولوجية في تناول الخبر والمعلومة.
وحتى هذه اللحظة لا يزال إعلامنا الخليجي عاجزاً عن تحديد هوية عصرية واضحة وموضوعية له على مستوى الأداء النوعي العام بالرغم من وجود قاعدة مادية كبيرة موضوعة تحت تصرفه.
ويبدو لنا أن المستفيد الأكبر من هذا الدعم الواسع الذي تتلقاه وسائل الإعلام العربية – وبخاصة الخليجية منها- هو الإعلام السياسي الرسمي والخاص الذي يعمل على ترسيخ مقولات وإنتاج أفكار، وانتهاج أساليب عمل سياسية وفكرية معينة تخص هذا الطرف أو ذاك بما يؤدي إلى رفع شأن هذا الموقع أو النظام السياسي، أو إسقاط ذاك النظام من وعي الجماهير من خلال قوة التأثير الدعائي المضاد، وزيادة كمية الضخ الإعلامي المبهر. وهنا يمكن أن نسجل – من دون أية مبالغات – أن مشهد الخوف والإحباط واليأس هو من المشاهد الأكثر حضوراً وتأثيراً في حركة إعلامنا الخليجي على وجه التحديد.. وهذا عائد في رأيي إلى سيطرة حالة ومناخ شامل وعام من القنوط السياسي الضاغط نتيجة انسداد الآفاق وعدم إمكانية حدوث أي تغيير سياسي جوهري في عالمنا العربي بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة.
وهنا يكمن دور وأهمية وجود وامتداد إعلامنا الخليجي الأكثر استقطاباً للدعم المادي والأقلام النوعية والذي ينبغي عليه أن يتحرر من هيمنة عقلية الربح والتسليع والتجارة التي ليس لها من غاية سوى تحقيق المداخيل المادية السريعة والكبيرة للشركات الإعلامية العربية الخاصة والعامة، في توصيفه الدقيق والصحيح للوضع المأساوي العام الذي ترزح تحته أمتنا الآن والذي يتزايد أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.
والواضح أمامنا أن هناك حقيقتين يعايشهما الناس في مجتمعاتنا العربية، وقد انتقلت تأثيراتهما إلى البلدان الأخرى:
الأولى: وصول حال العرب والمسلمين إلى هذه الدرجة المتدنية من الانحطاط والتخلف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نتيجة السياسات الفوقية التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية العربية والإسلامية عبر العقود الأربعة الماضية، والتي كانت تحظى – حتى عهد قريب- برضى المصالح والسياسات الدولية.
الثانية: نمو حركات العنف والتدمير في مناخ الترهل والفساد السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي والديني، والناتج أساساً عن هيمنة ثقافة نصية متعصبة تؤمن بالعنف كخيار أوحد للوصول إلى مصالحها وغاياتها، وتضفي طابع القدسية على فكرها ومنظومتها المعرفية، وتلغي أي حلول وسط مع أي كان.
لاشك في أن ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن أن تضع حداً لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الإرهاب والجريمة الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من أجل تحقيق مجتمع تســــوده قيم الحـــوار والعقل والعدل.. يحـــترم فيه الإنسان من حيث أنه خليفة الله في الأرض.. مجتــمع يتحمل الناس فيه بعضهم بعضاً، وتسوده وجهات نظر مختلفة.. مجتمع يشعر فيه الإنسان عملياً بأنه سيد نفسه، ولا فرق بينه وبين قيادته إلا بتوزيع الأدوار وتعدد واختلاف المسؤوليات.. مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنواناً لحركته وتطوره.
ونحن نعتقد أن إنجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق إلا بعد مواجهة أفكار ورموز وعقليات التخلف والاستبداد.
وهذا الدور منوط أساساً بالإعلام الذي أضحى له دور أساسي في نهوض الأمم وتقدم الشعوب نحو تحقيق أهدافها في التحرر والبناء والتطوير في مختلف مواقع الحياة والمجتمع. ووصل الأمر بالإعلام الحديث إلى مستوى دقيق وخطير بحيث أصبح الفاعل والمؤثر الأقوى في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية على وجه العموم، ويظهر ذلك من خلال التأثير الحاسم للمادة الإعلامية المعاصرة على حياة الإنسان، ومجريات واقعه الاجتماعي والثقافي في سياق شبكة الإنتاج الصناعي والسياسي والثقافي الراهن.
إن ممارسة النقد ليست عملية سهلة، ومن واجب وسائل الإعلام تعميمها وتعميقها في ذهنية المجتمع ككل، ليس بالطريقة التي نشاهدها على شاشاتنا الفضائية التي أضحت منابرها ساحة واسعة لنمو أفكار ومفاهيم وأجواء التطرف والتعصب للذات ونفي الآخر.. ولكن بالطريقة التي تؤسس لنقد الذات قبل نقد الآخر.. وتركيز النشاط الإعلامي على إعلاء قيم الحوار والتسامح والاعتراف العقلاني بالاختلاف والتعدد في الفكر والممارسة والتي هي من صلب رسالتنا الإسلامية على اعتبار أن الاختلاف رحمة ومصدر ثراء واكتناز روحي ومفاهيمي.
وأخيراً أقولها نصيحةً لي وللآخرين أنه يجب علينا -في وسائل إعلامنا الخليجية خصوصاً والعربية عموماً- أن نعمق إحساسنا بوجودنا الحي والفاعل من خلال تعميقنا لحسنا النقدي الذاتي لأفكارنا وحضارتنا. لأنه من غير وجود بنية نقدية جديدة، وتراكم نقدي ذاتي جذري يطال باستمرار الثقافة والمثقف والسياسة والسياسي، فإننا لن نستطيع تطوير أنفسنا وأمتنا. فمن غير حرية في الفكر والتعبير والنقد لن نتحرر جميعاً من هذه الأوهام الشعاراتية التي حبسنا أنفسنا في داخلها، وقولبنا المجتمع في أطرها التي سببت لنا كل هذا الخراب الروحي والمفاهيمي، والتأخر الكبير في الفكر والممارسة. وعندما نبدأ جميعاً – كمثقفين وسياسيين- بالتحرك على هذا الطريق الطويل والصحيح، يمكن أن نصدق أفكارنا، ونصدق أنفسنا، ونصدق بعضنا بعضاً. إن المصلحة تقتضي من وسائلنا الإعلامية ألا تعمل على تغييب هذا الحس النقدي الفاعل للذات قبل الآخر، وهدم ركائز المحاسبة والنقد في كل مواقع العمل في الأمة، والاهتمام البالغ بالخطابات العاطفية اللاعقلانية المليئة بالانفعالات الساذجة والطارئة على ساحة المشاعر والأحاسيس.
إن تركيز إعلامنا العربي الخاص والعام على الجانب الوجداني الحماسي في استثارته للعواطف الإنسانية -في سياق حديثه عن ضرورة الذود عن حياض الأمة والكرامة الوطنية، والأمجاد المستعادة كما حدث خلال أزمة العراق الأخيرة- يساهم مساهمة فعالة في إقصاء خطاب المحاكمة العقلية عن العمل والتفكير، وتغييب عملية البناء الضروري لقواعد صحيحة لمعنى ودور النقد وأهميته الحيوية في المجتمعات العربية والإسلامية، ويعطي الإنسانية العربية (التي ملت الوعود والعهود والمواثيق والتصريحات، والتي جعلتها الانتكاسات المتكررة يائسة من كل جديد، وفاقدة لأي أفق متغير) جرعة مخدر إضافية يمكن أن تحلم من خلالها بحياة جديدة، وأمل آخر جديد. إن هذه السياسة الإعلامية المتبعة -التي تتجلى كما ألمحنا في وجود عرض إعلامي زائف بعيد عن الواقعية والنزاهة والحيادية والصراحة لا يمكن اعتباره إلا استمرارية لنفس العقلية الإعلامية التي تحاصر الإنسان العربي، وتريد أن تسيّره على هواها- تصب حتماً في مصلحة مواقع النفوذ الكبرى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من خلال تحويل أنظار الناس عن الواقع القائم، وإعطائه روحاً مطلقة، ومثلاً أعلى جديداً يهدف إلى منع الأمة من التفتيش عن واقع وموقع وفكر آخر ربما ينقلها من الحاضر إلى المستقبل بوعي وثقة وثبات.
ولذلك إذا أراد الإعلام العربي الخليجي – والإرادة هنا مشروطة بالانفصال التام عن المسبقات الأيديولوجية والعقائدية الرسمية وغير الرسمية – أن يساهم فعلياً في بناء الأمة الحصينة والحضارية، فما عليه سوى فتح المجال الواسع أمام سلوك طريق المبدئية النقدية للواقع، ونقد أسس المجتمع السياسي التقليدية القائمة التي أدت إلى فشل عمليات النهوض ومشاريع التحديث برمتها.
إن هذا الوعي النقدي الحاسم يجب أن يستكمل بفتح النقاش والحوار المسؤول في كل الملفات العالقة والقضايا الساخنة، وعدم تجاهل أي عنصر فيها. ومن ثم التزام مواقف عملية، والإسراع إلى نصرتها وتقويتها، والصبر على شدائدها وتحدياتها.
إننا نعتقد أن هذه المسؤوليات النقدية الجسيمة الملقاة على عاتق المثقفين والمؤمنين بإعلام هادف في ظل عالم متغير ومعولم في سياسته وثقافته وإعلامه واقتصاده، لا تكتمل إلا بنقد ومواجهة العوامل المعنوية والمادية المهيئة لنشوء سياسة التضليل الإعلامي في واقعنا العربي، والتي تكاد علتها الحقيقية أن تكون محصورة -كما ذكرنا- في «ثقافة العصبية العمياء» الاجتماعية والسياسية ذاتها من حيث كونها استراتيجية كبرى يلتزمها الكثير من النخب السياسية التقليدية في ممارستها للحكم والسلطة، وتعمل على استحداث مكونات جديدة لها بتعابير متعددة، وبما يتناسب مع مصالحها وحجومها.
إن هذه الثقافة الإعلامية العصبية -التي تشكل أهم مصدر من مصادر حركة و(قوة) إعلامنا العربي- لا يمكن المبادرة إلى تقويمها ونقدها في حالتها الراهنة، من دون أن ننزع عنها قيم السكون، والجبرية، والحتمية، والاتكالية، والاسترخاء، والإيمان بالخرافات. وبهذه العقلية والروحية الشفافة فقط يمكننا تطوير الأداء العام لإعلامنا، واستلام زمام المبادرة في بناء إعلام عربي إنساني وعالمي منفتح يمارس فيه الإنسان العربي حريته المشروعة في تداول المعارف والأفكار، وطرائق ثقافة وتفكير المجتمع، والمواجهة الصريحة لسياسة الأمر الواقع التي تريد لمجتمعاتنا العربية والإسلامية أن تبقى رازحة تحت ظل واقع جامد وغير متطور، يقودنا باستمرار إلى أنفاق مظلمة، ويعمل على تكريس صيغ وأوضاع جديدة لحالته التقليدية الرثة في المحافظة على «الأمر الراهن كما هو»، والخنوع لمنطق الكسل والجمود. بحيث تتحول تلك المجتمعات – ذات السياسة الإعلامية الرسمية المحافظة- تدريجياً إلى مادة قابلة للانفجار في أي لحظة.
لقد وجدنا – بعد متابعتنا للأحداث السياسية المتلاحقة الأخيرة – أن معظم وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة والتابعة لدول العالم الثالث عموماً لا تزال بعيدة جداً عن التعامل العقلاني والمنطقي مع التحولات الكبيرة التي تمر بها منطقتنا العربية والإسلامية.. فالحقيقة مغيبة وضائعة، وإعلامنا مستغرق في التحليق والسباحة في فضاء السرابيات والخيال والأحلام الوردية والتطبيل الإعلامي المضلل عن عمد وقصد.. وأما جماهيرنا العربية الكبيرة والواسعة فهي لا تزال ساكنة وجالسة باسترخاء في موقع الضحية التي تتلقى ببلادة واسترخاء مشاهد الكوارث من حولها ومن دون أن تحرك ساكناً في الاتجاه الصحيح.
وبما أن الدولة عندنا تهيمن على الواقع كله، وتفرض على الإعلام قيوداً تمنعه من حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها، وتفرض قيوداً على حرية التملك وإصدار المطبوعات، وعلى حرية التملك والبث الإذاعي والتلفزيوني، وتمارس رقابة كاملة – أصبحت ذاتية حالياً- على المطبوعات الداخلية والقادمة من الخارج، وتصدر القوانين الجائرة بحق التوزيع والإعلان والتنظيم المهني والنقابي والتحكم في ظروف عمل الصحفيين والإعلاميين تتكرس – من خلال تلك الأنظمة والقوانين الظالمة- مفاهيم سيطرة الدولة وحرمان الأفراد من حق الاختيار.. حيث نجد كيف يصل تدخل الدولة في بعض الدول العربية الجمهورية و«الجملكية» إلى حد الاحتكار المطلق والسيطرة الكاملة على كل نفس إعلامي، لكنه يقل عن ذلك كثيراً في بعض دول الخليج العربي، حيث تراقب الدولة أداء المؤسسات الإعلامية عن بعد. أقول بما أن الدولة عندنا مهيمنة ومسيطرة فإن الطريق للتحديث المعرفي والفكري الإعلامي على مستوى إعلامنا الخليجي يمر من خلال ضرورة أن يبدأ هذا الإعلام بالتحرر والانعتاق من تدخل وهيمنة الدولة والخضوع لمتطلباتها في العالم العربي كأحد أهم معايير ومحددات الإصلاح السياسي والتصالح مع قيم العصر الراهن الذي نبحث فيه عن دور ما يحقق لنا وجودنا الروحي والمفاهيمي. ولكنني وبالرغم من مناخ الإحباط العام- متفائل بالمستقبل الإعلامي الخليجي الذي يتقدم خطوات عديدة عن الإعلام في مناطـــــق عربيـــة أخرى. ولـــكن علــيه أن يعالــج أولاً وأخيراً نزعات وجرعات التعصب القائمة في العقول والأفكار، والتي تجعل الكثيرين يمارسون الوكالة والوصاية على النفوس والأجساد والعقول والكلمات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2055::/cck::
::introtext::
بدايةً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا وتصوراتنا أننا نعيش حالياً في ظل حضارة عولمية وإنسانية تتداخل فيها الأفكار والرموز والشخوص، إنها حضارة عصر الإنترنت، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحضارة المؤسسات الحديثة الحقوقية والإنسانية والعلمية..
::/introtext::
::fulltext::
بدايةً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا وتصوراتنا أننا نعيش حالياً في ظل حضارة عولمية وإنسانية تتداخل فيها الأفكار والرموز والشخوص، إنها حضارة عصر الإنترنت، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وحضارة المؤسسات الحديثة الحقوقية والإنسانية والعلمية..
وفي هذا العصر يتعاظم يوماً بعد يوم دور الإعلام المعاصر بوسائطه المرئية والمسموعة والمطبوعة والإلكترونية في تشكيل مفاهيم البشر، ونظم أمورهم، وتوجيه استجاباتهم العملية على مختلف المستويات والأصعدة التي تتعلق بحاضرهم المعاش ومستقبلهم المنشود. وبقدر الأهمية التي يمثلها التطور المتلاحق والمذهل في وسائل الاتصال وتقنياته وآلياته ووسائله، تتسع -مع هذا التطور الهائل- دائرة الجدل الاجتماعي والسياسي والمهني حول مضمون المادة الإعلامية، ومعايير جودتها ومشــروعيتها الفكرية والعملية، ويعود الإعلاميون والصحفيون إلى حلبة النقاش القديم الجديد حول حدود حرية الإعلام وركائز استقلاله النسبي ومرجعياته المهنية والأخلاقية.
لسوء حظنا في عالمنا العربي لم نؤسس -بالرغم من ذلك كله- لتواصل إعلامي هادف وفاعل ومتوازن مع الذات من جهة، ومع العوالم الأخرى من جهة أخرى. فالمرأة عندنا ما زالت حبيسة ذهنية التحريم التي جعلتها عاجزة عن تحقيق أبسط حقوقها، وما زال القمع والظلم سائدان وطاغيان بقوة في كل حياتنا السياسية والاجتماعية، وكذلك الأمية والفقر.
عقلاؤنا تعرضوا لأسوأ أشكال المعاملة من التكفير إلى التخوين إلى إخماد الصوت، ومجتمعاتنا باتت قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في وجوهنا جميعاً. والفرد المسكين لم يستطع ولن يستطيع بعد الآن- تحمل واستيعاب ذلك الطوفان الناري الهائل من الدعوات والتحريض والتعبويات والاتهام (المبطن): التصدي للمخططات الشيطانية، ضد العولمة، مقارعة الاستبداد، نصرة قضايا العرب والمسلمين، الوقوف مع الشعوب المناضلة والمستضعفة في كل مكان.. في سبيل ماذا؟ وهذا الضغط النفسي والعضوي الذي نعايشه – وقد أصبح جزءاً منا – قادنا إلى ما نحن عليه الآن من أن أغلبية العرب والمسلمين المحقونين بالشعارات الطنانة الرنانة آثرت القعود والنكوص، والاستكانة للحل السلبي وهو العبث واللامبالاة والركون في زاوية الفراغ واللاجدوى، واجترار أفكار الماضين، والامتناع عن ملاحقة ومتابعة متغيرات الواقع، أي الامتناع عن العيش في العصر.. إنه الموقف الهروبي من الواقع كله. والنتيجة الواقعية هي تحول هذا الفرد إلى محصلة صفرية غير فاعلة تعيش ليومها «اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا».
داخل هذا الواقع المأزوم والخطير، وتحت ظل هذا الوضع الإشكالي المعقد والكارثي يتحرك الإعلام الخليجي بكافة صنوفه المرئية والمسموعة والمكتوبة والالكترونية، وهو – من دون شك – غير منفصل عن الدائرة الإعلامية الأكبر والأوسع، وأعني بها الإعلام العربي ككل الذي نجد أنه إعلام متورط في الانحياز الأعمى للفكرة والنص وليس للواقع غارق في التحريض الفج، بعيد عن حيادية الرأي والكلمة، مسير بالرغبة لا بالموضوع، مقلد للآخر في الشكل لا المضمون، مستغرق في تظهير لغة أيديولوجية في تناول الخبر والمعلومة.
وحتى هذه اللحظة لا يزال إعلامنا الخليجي عاجزاً عن تحديد هوية عصرية واضحة وموضوعية له على مستوى الأداء النوعي العام بالرغم من وجود قاعدة مادية كبيرة موضوعة تحت تصرفه.
ويبدو لنا أن المستفيد الأكبر من هذا الدعم الواسع الذي تتلقاه وسائل الإعلام العربية – وبخاصة الخليجية منها- هو الإعلام السياسي الرسمي والخاص الذي يعمل على ترسيخ مقولات وإنتاج أفكار، وانتهاج أساليب عمل سياسية وفكرية معينة تخص هذا الطرف أو ذاك بما يؤدي إلى رفع شأن هذا الموقع أو النظام السياسي، أو إسقاط ذاك النظام من وعي الجماهير من خلال قوة التأثير الدعائي المضاد، وزيادة كمية الضخ الإعلامي المبهر. وهنا يمكن أن نسجل – من دون أية مبالغات – أن مشهد الخوف والإحباط واليأس هو من المشاهد الأكثر حضوراً وتأثيراً في حركة إعلامنا الخليجي على وجه التحديد.. وهذا عائد في رأيي إلى سيطرة حالة ومناخ شامل وعام من القنوط السياسي الضاغط نتيجة انسداد الآفاق وعدم إمكانية حدوث أي تغيير سياسي جوهري في عالمنا العربي بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة.
وهنا يكمن دور وأهمية وجود وامتداد إعلامنا الخليجي الأكثر استقطاباً للدعم المادي والأقلام النوعية والذي ينبغي عليه أن يتحرر من هيمنة عقلية الربح والتسليع والتجارة التي ليس لها من غاية سوى تحقيق المداخيل المادية السريعة والكبيرة للشركات الإعلامية العربية الخاصة والعامة، في توصيفه الدقيق والصحيح للوضع المأساوي العام الذي ترزح تحته أمتنا الآن والذي يتزايد أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.
والواضح أمامنا أن هناك حقيقتين يعايشهما الناس في مجتمعاتنا العربية، وقد انتقلت تأثيراتهما إلى البلدان الأخرى:
الأولى: وصول حال العرب والمسلمين إلى هذه الدرجة المتدنية من الانحطاط والتخلف في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نتيجة السياسات الفوقية التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية العربية والإسلامية عبر العقود الأربعة الماضية، والتي كانت تحظى – حتى عهد قريب- برضى المصالح والسياسات الدولية.
الثانية: نمو حركات العنف والتدمير في مناخ الترهل والفساد السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي والديني، والناتج أساساً عن هيمنة ثقافة نصية متعصبة تؤمن بالعنف كخيار أوحد للوصول إلى مصالحها وغاياتها، وتضفي طابع القدسية على فكرها ومنظومتها المعرفية، وتلغي أي حلول وسط مع أي كان.
لاشك في أن ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن أن تضع حداً لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الإرهاب والجريمة الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من أجل تحقيق مجتمع تســــوده قيم الحـــوار والعقل والعدل.. يحـــترم فيه الإنسان من حيث أنه خليفة الله في الأرض.. مجتــمع يتحمل الناس فيه بعضهم بعضاً، وتسوده وجهات نظر مختلفة.. مجتمع يشعر فيه الإنسان عملياً بأنه سيد نفسه، ولا فرق بينه وبين قيادته إلا بتوزيع الأدوار وتعدد واختلاف المسؤوليات.. مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنواناً لحركته وتطوره.
ونحن نعتقد أن إنجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق إلا بعد مواجهة أفكار ورموز وعقليات التخلف والاستبداد.
وهذا الدور منوط أساساً بالإعلام الذي أضحى له دور أساسي في نهوض الأمم وتقدم الشعوب نحو تحقيق أهدافها في التحرر والبناء والتطوير في مختلف مواقع الحياة والمجتمع. ووصل الأمر بالإعلام الحديث إلى مستوى دقيق وخطير بحيث أصبح الفاعل والمؤثر الأقوى في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية على وجه العموم، ويظهر ذلك من خلال التأثير الحاسم للمادة الإعلامية المعاصرة على حياة الإنسان، ومجريات واقعه الاجتماعي والثقافي في سياق شبكة الإنتاج الصناعي والسياسي والثقافي الراهن.
إن ممارسة النقد ليست عملية سهلة، ومن واجب وسائل الإعلام تعميمها وتعميقها في ذهنية المجتمع ككل، ليس بالطريقة التي نشاهدها على شاشاتنا الفضائية التي أضحت منابرها ساحة واسعة لنمو أفكار ومفاهيم وأجواء التطرف والتعصب للذات ونفي الآخر.. ولكن بالطريقة التي تؤسس لنقد الذات قبل نقد الآخر.. وتركيز النشاط الإعلامي على إعلاء قيم الحوار والتسامح والاعتراف العقلاني بالاختلاف والتعدد في الفكر والممارسة والتي هي من صلب رسالتنا الإسلامية على اعتبار أن الاختلاف رحمة ومصدر ثراء واكتناز روحي ومفاهيمي.
وأخيراً أقولها نصيحةً لي وللآخرين أنه يجب علينا -في وسائل إعلامنا الخليجية خصوصاً والعربية عموماً- أن نعمق إحساسنا بوجودنا الحي والفاعل من خلال تعميقنا لحسنا النقدي الذاتي لأفكارنا وحضارتنا. لأنه من غير وجود بنية نقدية جديدة، وتراكم نقدي ذاتي جذري يطال باستمرار الثقافة والمثقف والسياسة والسياسي، فإننا لن نستطيع تطوير أنفسنا وأمتنا. فمن غير حرية في الفكر والتعبير والنقد لن نتحرر جميعاً من هذه الأوهام الشعاراتية التي حبسنا أنفسنا في داخلها، وقولبنا المجتمع في أطرها التي سببت لنا كل هذا الخراب الروحي والمفاهيمي، والتأخر الكبير في الفكر والممارسة. وعندما نبدأ جميعاً – كمثقفين وسياسيين- بالتحرك على هذا الطريق الطويل والصحيح، يمكن أن نصدق أفكارنا، ونصدق أنفسنا، ونصدق بعضنا بعضاً. إن المصلحة تقتضي من وسائلنا الإعلامية ألا تعمل على تغييب هذا الحس النقدي الفاعل للذات قبل الآخر، وهدم ركائز المحاسبة والنقد في كل مواقع العمل في الأمة، والاهتمام البالغ بالخطابات العاطفية اللاعقلانية المليئة بالانفعالات الساذجة والطارئة على ساحة المشاعر والأحاسيس.
إن تركيز إعلامنا العربي الخاص والعام على الجانب الوجداني الحماسي في استثارته للعواطف الإنسانية -في سياق حديثه عن ضرورة الذود عن حياض الأمة والكرامة الوطنية، والأمجاد المستعادة كما حدث خلال أزمة العراق الأخيرة- يساهم مساهمة فعالة في إقصاء خطاب المحاكمة العقلية عن العمل والتفكير، وتغييب عملية البناء الضروري لقواعد صحيحة لمعنى ودور النقد وأهميته الحيوية في المجتمعات العربية والإسلامية، ويعطي الإنسانية العربية (التي ملت الوعود والعهود والمواثيق والتصريحات، والتي جعلتها الانتكاسات المتكررة يائسة من كل جديد، وفاقدة لأي أفق متغير) جرعة مخدر إضافية يمكن أن تحلم من خلالها بحياة جديدة، وأمل آخر جديد. إن هذه السياسة الإعلامية المتبعة -التي تتجلى كما ألمحنا في وجود عرض إعلامي زائف بعيد عن الواقعية والنزاهة والحيادية والصراحة لا يمكن اعتباره إلا استمرارية لنفس العقلية الإعلامية التي تحاصر الإنسان العربي، وتريد أن تسيّره على هواها- تصب حتماً في مصلحة مواقع النفوذ الكبرى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من خلال تحويل أنظار الناس عن الواقع القائم، وإعطائه روحاً مطلقة، ومثلاً أعلى جديداً يهدف إلى منع الأمة من التفتيش عن واقع وموقع وفكر آخر ربما ينقلها من الحاضر إلى المستقبل بوعي وثقة وثبات.
ولذلك إذا أراد الإعلام العربي الخليجي – والإرادة هنا مشروطة بالانفصال التام عن المسبقات الأيديولوجية والعقائدية الرسمية وغير الرسمية – أن يساهم فعلياً في بناء الأمة الحصينة والحضارية، فما عليه سوى فتح المجال الواسع أمام سلوك طريق المبدئية النقدية للواقع، ونقد أسس المجتمع السياسي التقليدية القائمة التي أدت إلى فشل عمليات النهوض ومشاريع التحديث برمتها.
إن هذا الوعي النقدي الحاسم يجب أن يستكمل بفتح النقاش والحوار المسؤول في كل الملفات العالقة والقضايا الساخنة، وعدم تجاهل أي عنصر فيها. ومن ثم التزام مواقف عملية، والإسراع إلى نصرتها وتقويتها، والصبر على شدائدها وتحدياتها.
إننا نعتقد أن هذه المسؤوليات النقدية الجسيمة الملقاة على عاتق المثقفين والمؤمنين بإعلام هادف في ظل عالم متغير ومعولم في سياسته وثقافته وإعلامه واقتصاده، لا تكتمل إلا بنقد ومواجهة العوامل المعنوية والمادية المهيئة لنشوء سياسة التضليل الإعلامي في واقعنا العربي، والتي تكاد علتها الحقيقية أن تكون محصورة -كما ذكرنا- في «ثقافة العصبية العمياء» الاجتماعية والسياسية ذاتها من حيث كونها استراتيجية كبرى يلتزمها الكثير من النخب السياسية التقليدية في ممارستها للحكم والسلطة، وتعمل على استحداث مكونات جديدة لها بتعابير متعددة، وبما يتناسب مع مصالحها وحجومها.
إن هذه الثقافة الإعلامية العصبية -التي تشكل أهم مصدر من مصادر حركة و(قوة) إعلامنا العربي- لا يمكن المبادرة إلى تقويمها ونقدها في حالتها الراهنة، من دون أن ننزع عنها قيم السكون، والجبرية، والحتمية، والاتكالية، والاسترخاء، والإيمان بالخرافات. وبهذه العقلية والروحية الشفافة فقط يمكننا تطوير الأداء العام لإعلامنا، واستلام زمام المبادرة في بناء إعلام عربي إنساني وعالمي منفتح يمارس فيه الإنسان العربي حريته المشروعة في تداول المعارف والأفكار، وطرائق ثقافة وتفكير المجتمع، والمواجهة الصريحة لسياسة الأمر الواقع التي تريد لمجتمعاتنا العربية والإسلامية أن تبقى رازحة تحت ظل واقع جامد وغير متطور، يقودنا باستمرار إلى أنفاق مظلمة، ويعمل على تكريس صيغ وأوضاع جديدة لحالته التقليدية الرثة في المحافظة على «الأمر الراهن كما هو»، والخنوع لمنطق الكسل والجمود. بحيث تتحول تلك المجتمعات – ذات السياسة الإعلامية الرسمية المحافظة- تدريجياً إلى مادة قابلة للانفجار في أي لحظة.
لقد وجدنا – بعد متابعتنا للأحداث السياسية المتلاحقة الأخيرة – أن معظم وسائل الإعلام العربية العامة والخاصة والتابعة لدول العالم الثالث عموماً لا تزال بعيدة جداً عن التعامل العقلاني والمنطقي مع التحولات الكبيرة التي تمر بها منطقتنا العربية والإسلامية.. فالحقيقة مغيبة وضائعة، وإعلامنا مستغرق في التحليق والسباحة في فضاء السرابيات والخيال والأحلام الوردية والتطبيل الإعلامي المضلل عن عمد وقصد.. وأما جماهيرنا العربية الكبيرة والواسعة فهي لا تزال ساكنة وجالسة باسترخاء في موقع الضحية التي تتلقى ببلادة واسترخاء مشاهد الكوارث من حولها ومن دون أن تحرك ساكناً في الاتجاه الصحيح.
وبما أن الدولة عندنا تهيمن على الواقع كله، وتفرض على الإعلام قيوداً تمنعه من حرية الوصول إلى المعلومات وحرية تداولها، وتفرض قيوداً على حرية التملك وإصدار المطبوعات، وعلى حرية التملك والبث الإذاعي والتلفزيوني، وتمارس رقابة كاملة – أصبحت ذاتية حالياً- على المطبوعات الداخلية والقادمة من الخارج، وتصدر القوانين الجائرة بحق التوزيع والإعلان والتنظيم المهني والنقابي والتحكم في ظروف عمل الصحفيين والإعلاميين تتكرس – من خلال تلك الأنظمة والقوانين الظالمة- مفاهيم سيطرة الدولة وحرمان الأفراد من حق الاختيار.. حيث نجد كيف يصل تدخل الدولة في بعض الدول العربية الجمهورية و«الجملكية» إلى حد الاحتكار المطلق والسيطرة الكاملة على كل نفس إعلامي، لكنه يقل عن ذلك كثيراً في بعض دول الخليج العربي، حيث تراقب الدولة أداء المؤسسات الإعلامية عن بعد. أقول بما أن الدولة عندنا مهيمنة ومسيطرة فإن الطريق للتحديث المعرفي والفكري الإعلامي على مستوى إعلامنا الخليجي يمر من خلال ضرورة أن يبدأ هذا الإعلام بالتحرر والانعتاق من تدخل وهيمنة الدولة والخضوع لمتطلباتها في العالم العربي كأحد أهم معايير ومحددات الإصلاح السياسي والتصالح مع قيم العصر الراهن الذي نبحث فيه عن دور ما يحقق لنا وجودنا الروحي والمفاهيمي. ولكنني وبالرغم من مناخ الإحباط العام- متفائل بالمستقبل الإعلامي الخليجي الذي يتقدم خطوات عديدة عن الإعلام في مناطـــــق عربيـــة أخرى. ولـــكن علــيه أن يعالــج أولاً وأخيراً نزعات وجرعات التعصب القائمة في العقول والأفكار، والتي تجعل الكثيرين يمارسون الوكالة والوصاية على النفوس والأجساد والعقول والكلمات.
::/fulltext::
::cck::2055::/cck::
