قراءة في المشاركة الإيرانية في قمة الدوحة الخليجية
::cck::2159::/cck::
::introtext::
مثلما كان متوقعاً، أسفرت مشاركة إيران في القمة الثامنة والعشرين لدول مجلس التعاون الخليجي، التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة يومي الثالث والرابع من شهر ديسمبر الماضي، عن جدل حاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في الدول العربية عموماً، وخاصة دول مجلس التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
مثلما كان متوقعاً، أسفرت مشاركة إيران في القمة الثامنة والعشرين لدول مجلس التعاون الخليجي، التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة يومي الثالث والرابع من شهر ديسمبر الماضي، عن جدل حاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في الدول العربية عموماً، وخاصة دول مجلس التعاون.
بدأ هذا الجدل مبكراً حول الأساس أو المسوغ الذي بناء عليه حضر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للمشاركة في فعاليات هذه القمة الخليجية للمرة الأولى في تاريخ مثل هذا النوع من القمم الخليجية، كما طال أيضاً ما تمخضت عنه هذه المشاركة وما كان يحمله نجاد في جعبته وأعلنه على رؤوس الأشهاد في افتتاح فعاليات القمة، حيث ألقى كلمة عرض خلالها على دول مجلس التعاون مزيداً من التلاحم بين إيران وهذه الدول على كافة الصعد من خلال 12 اقتراحاً كان أبرزها ما يتعلق بإنشاء (منظمة للتعاون الأمني بين دول المنطقة)، وإلغاء التأشيرات بهدف تسهيل تنقُّل المواطنين، فضلاً عن أمور تتعلق بالتملك العقاري والاستثمارات والقضايا الاقتصادية والمالية.
ففي ما يخص مسألة المشاركة الإيرانية في القمة، التي كانت الأولى من نوعها منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي قبل ما يربو على ربع قرن، أبت دول المجلس أن تتحمل أي منها مسؤولية قرار توجيه الدعوة إلى إيران بالمشاركة، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام تكهنات عديدة من قبل المراقبين، حيث ذهب بعضهم إلى الزعم بأن الرئيس نجاد هو الذي طلب من دولة قطر دعوته إلى المشاركة في هذه القمة، مستندين إلى تصريح لوزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايدآل نهيان في هذا الصدد، بينما ذهب بعض آخر إلى التمسك بإعلانالأمين العام لمجلس التعاون عبدالرحمن العطية أن دعوة نجاد جاءت تعبيراً عن رغبة خليجية مشتركة، في حين ارتأى آخرون أنها جاءت بمبادرة قطرية بحتة، استناداً إلى اعتبارات أهمها: أن هناك رغبة خليجية في التقارب من إيران كونها شريكاً استراتيجياً مهماً في منطقة الخليج العربي، وأن أي ترتيبات أمنية كانت أم اقتصادية في المنطقة لا يمكن أن يتم استبعادها منها، وذلك بعد المحاولات العديدة التي أجراها الرئيس الإيراني لتقريب وجهات النظر بين بلاده ودول الخليج العربية، من خلال جولاته العديدة ومباحثاته مع القادة الخليجيين، كما أن دول الخليج العربية ترغب في المزيد من الاستقرار في المنطقة من أجل الالتفات للتنمية الداخلية، وهذا الأمر لن يتأتى إلا في وجود السلام والاستقرار في المنطقة.
نجاد لم يستسهل مسيرة التقارب مع دول مجلس التعاون بطرح مشاريع قابلة للتنفيذ فعلاً
ومن جانبها، تحرص دول مجلس التعاون الخليجي على التعاطي مع الملف النووي الإيراني وفق استراتيجية عقلانية تراعي الاحتياجات الأمنية لشعوبها، كما تضع في الحسبان علاقات حسن الجوار مع الجمهورية الإيرانية، وهي الاستراتيجية التي ترتكز على ثلاث قواعد هي: حق إيران في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، وجعل الشرق الأوسط والخليج العربي منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والامتناع عن أي لجوء للخيار العسكري في التعامل مع مثل هذه الأمور خاصة البرنامج النووي الإيراني، لاسيما أن طهران طالما أعلنت أن لديها رغبة جادة في التعاون معدول المجلس في المجالات الدفاعية بحيث تتمكن من خلال التنسيق والتفاهم معهم من التوصل إلى آلية تعين دول المنطقة على حماية أمنها بمفردها من دون تدخل أجنبي. وفي النهاية، وأيا كان مسوغ مشاركة إيران في القمة الخليجية، فإنها شاركت بالفعل في القمة للمرة الأولى في تاريخها، لتكسر بذلك طوق عزلة دولية متزايدة بسبب برنامجها النووي ودورها في العراق ولبنان، وتوجد لنفسها منصة لإطلاق مواقف سياسية بغية الحصول على غطاء خليجي لسياساتها التصادمية حيال الغرب.

ولعل المقترحات الإيرانية، التي طرحها الرئيس الإيراني في افتتاح القمة، كانت مكمن الإثارة الحقيقية في مشاركة إيران في تلك القمة، إذ يمكن القول إن مبادرة نجاد التقاربية مع دول مجلس التعاون، وبرغم ترحيب تلك الدول في بيان رئاسي منفصل عن البيان الختامي للقمة بالمقترحات التي عرضها الرئيس الإيراني في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية للقمة، كما وعدت بدراستها باعتبارها تمثل برنامجاً طموحاً يصعب فصل أي انطلاقة فيه عن شؤون الأمن والاستقرار في المنطقة لتوفير قاعدة من التوازن تضمن مصالح مختلف الأطراف، إلا أن مبادرة نجادولدت واهنة وتعوزها الجدية والصدقية، ذلك أن الأجواء لم تكن مهيأة بأي حال لتقبل مثل هذه الأفكار في ظل المشهد الإيراني النووي والثوري الراهن وعراك طهران المتواصل مع المجتمع الدولي، كما أن نجاد يطالب بتسريع وتيرة التقارب الخليجي-العربي مع بلاده في أمور لم تُحسم أصلاً بين دول المجلس لكي يكون هنالك قبول بها مع إيران، فعلى الرغم من الخطوات الجادة والبارزة التي اتخذتها دول مجلس التعاون على هذه الصعد، والتي تكللت بالإعلان خلال القمة الأخيرة عن تدشين السوق الخليجية المشتركة بداية عام 2008، فلا تزال مساعي التقارب الأمني والاقتصادي بين هذه الدول تصطدم بعقبات محلية وبينية ودولية جسام، وكذلك لم يتخل نجاد عن سياساته الاستفزازية لدول المجلس حينما وصف الخليج أثناء عرضه لطروحاته التقاربية معهم بـ (الفارسي) مستعملاً الصفة الفارسية للخليج، رغم علمه بمدى ما يثيره هذا الوصف من حساسيات لدى الجانب العربي منه جراء ما ينطوي عليه من دلالات غير مطمئنة بالنسبة لها.
علاوة على ذلك، اتبع نجاد (النهج الإسرائيلي) في عرض طروحات التعاون الإقليمي، حينما حاول القفز فوق الخلافات السياسية وتجاهل الهواجس الأمنية والملفات الخلافية الساخنة العالقة بين إيران وشريكاتها العربيات في الخليج، ودعا إلى تدشين علاقات تعاون اقتصادي وأمني لـ (تذويب) تلك الخلافات بدلاً من تسويتها على نحو يمهد السبيل لإنجاح أي مساع أو مشاريع تعاونية، كما أن نجاد لم يستهل مسيرة التقارب مع دول مجلس التعاون بطرح مشاريع قابلة للتنفيذ فعلاً في تلك المرحلة من قبيل إجراءات الطمأنة وبناء الثقة كتبادُل المصالح، التي لا تفرز حساسيات، مثل تأمين مياه الشرب والاحتياجات من الغاز الإيراني لدول الخليج. ولعل أبرز تلك القضايا ما يخص هواجس تلك الدول من طموحات إيران النووية في ظل وجود رواسب لا يستهان بها لملف تصدير الثورة الإسلامية وفكرة (الهلال الشيعي) وغيرها من المشاريع الإيرانية الإقليمية المقلقة، واكتفت طهران بإرسال تطمينات فقط بشأنها.
وتبقى القضية الأهم والأخطر بين إيران ودول مجلس التعاون والمتمثلة في الجزر الإماراتية الثلاث، التي تحتلها إيران، لتشكل حجر عثرة في وجه أي تقارب إيراني-عربي عموماً وخليجي على وجه التحديد. ولطالما كانت القمة الخليجية أحد أهم المنابر التي تعتمد عليها دولة الإمارات في عرض قضية احتلال جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) من جانب إيران قبل 36 عاماً، وتأكيد حقها الثابت في هذه الجزر، حيث تظل القمة الخليجية مناسبة ملائمة لإبراز موقف الإمارات الداعي إلى إيجاد حل سلمي عادل لهذه المسألة على أساس القانون الدولي وإطلاق مفاوضات لهذا الغرض وفقاً لاتفاقية عام 1971، بينما تصر إيران، حتى خلال القمة الخليجية الأخيرة التي طالبت فيها بحذف الفقرة التي تشير إلى الجزر الإماراتية الثلاث في بيانها الختامي، على تعنتها حيال هذه المسألة من خلال مواصلة احتلال الجزر ورفض أي مفاوضات في هذا الصدد استناداً للأسس التي تطرحها دولة الإمارات، بل إن طهران لا تتورع عن انتقاد دول الخليج على موقفها المساند للإمارات في هذا الموضوع . ولقد كان من بين دواعي تحفظ بعض دول مجلس التعاون على مشاركة إيران في القمة الأخيرة، هو تخوفها من أن تفضي هذه المشاركة إلى النيل من صدقية التأييد الذي تبديه دول المجلس إزاء موقف الإمارات من مسألة الجزر، أو أن تضر بالموقف الخليجي الذي يعتبر أن قضية الجزر من العوامل المهددة للاستقرار والأمن في المنطقة ومن الأسباب التي تحول دون الوصول إلى قواسم مشتركة مع إيران لكيفية المحافظة على أمن واستقرار دول المنطقة.
إن مشاركة نجاد في القمة الخليجية تشي بأن طهران تعمد إلى اتباع سياسة مزدوجة في التعاطي مع دول مجلس التعاون، بغرض استخدامها كدرع استراتيجية وحائط صد في مواجهة أي تصعيد عسكري أمريكي محتمل ضد إيران، حيث يحاول نظام ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية التأسي بنظام بيونغ يانغ الماركسي في كوريا الشمالية، الذي يعتمد في إجهاضه لنوايا واشنطن في النيل منه عبر عمل عسكري، على رفض دول الجوار الحليفة لواشنطن كاليابان وكوريا الجنوبية لأي عمل عسكري ضد بلاده تلافياً للتداعيات السلبية الخطيرة التي يمكن أن تطال هذه الدول جراء ردود الفعل غير الحكيمة التي يمكن أن يتمخض عنها أي عمل عسكري أمريكي ضد بيونغ يانغ. فالنظام الإيراني يحاول من جهة طمأنة دول مجلس التعاون الخليجي من مخاطر برنامج بلاده النووي أو ما يتردد ويشاع حول مشاريعها التوسعية كالهلال الشيعي أو تصدير الثورة .. إلخ، كما يعرض عليها مشاريع للتعاون والتقارب في شتى المجالات بما فيها الأمني والدفاعي، كي تكسر جدار العزلة الدولية المفروضة عليها بجريرة برنامجها النووي، وحتى تكسب تعاطف دول مجلس التعاون معها، وتنتزع دعمها لها في مواجهة أي جنوح أمريكي باتجاه التصعيد العسكري ضدها على خلفية برنامجها النووي أو دورها في العراق. غير أن طهران من جانب آخر لا تتورع في استخدام دول الخليج والمصالح الأمريكية لدى هذه الدول كدرع استراتيجية و(فزاعة) لتخويف واشنطن وثنيها عن خيار التصعيد العسكري ضدها، حيث هدد المسؤولون الإيرانيون غير مرة بأن بلادهم لن تتردد في استهداف دول الخليج العربية ومصالح أمريكا في المنطقة كرد فعل انتقامي على أية ضربة عسكرية قد توجه إلى بلادهم من أي اتجاه.
ولما كانت القمم الخليجية التي عقدت مؤخراً، لا سيما تلك الأخيرة، عكست وعياً خليجياً محموداً بأهمية وجود تصور واضح ومتكامل من قبل دول مجلس التعاون لمستقبل الأمن والاستقرار والتعاون الاقتصادي والدفاعي في منطقتهم، بغية تلافي أي تهديدات ممكنة للتجارب التنموية الناهضة فيها، فإنه يبدو حرياً بدول مجلس التعاون تلمس كافة السبل من أجل دعم وتفعيل الشراكة الأمنية الإقليمية في إطار المجلس، والتي تقوم على الاعتدال السياسي، والتفاهم الأمني، والازدهار الاقتصادي، والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، حتى يتسنى لهذه الدول تلافي التداعيات السلبية الخطيرة لما يجري في داخلها ومن حولها على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في ربوعها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2159::/cck::
::introtext::
مثلما كان متوقعاً، أسفرت مشاركة إيران في القمة الثامنة والعشرين لدول مجلس التعاون الخليجي، التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة يومي الثالث والرابع من شهر ديسمبر الماضي، عن جدل حاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في الدول العربية عموماً، وخاصة دول مجلس التعاون.
::/introtext::
::fulltext::
مثلما كان متوقعاً، أسفرت مشاركة إيران في القمة الثامنة والعشرين لدول مجلس التعاون الخليجي، التي استضافتها العاصمة القطرية الدوحة يومي الثالث والرابع من شهر ديسمبر الماضي، عن جدل حاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية في الدول العربية عموماً، وخاصة دول مجلس التعاون.
بدأ هذا الجدل مبكراً حول الأساس أو المسوغ الذي بناء عليه حضر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للمشاركة في فعاليات هذه القمة الخليجية للمرة الأولى في تاريخ مثل هذا النوع من القمم الخليجية، كما طال أيضاً ما تمخضت عنه هذه المشاركة وما كان يحمله نجاد في جعبته وأعلنه على رؤوس الأشهاد في افتتاح فعاليات القمة، حيث ألقى كلمة عرض خلالها على دول مجلس التعاون مزيداً من التلاحم بين إيران وهذه الدول على كافة الصعد من خلال 12 اقتراحاً كان أبرزها ما يتعلق بإنشاء (منظمة للتعاون الأمني بين دول المنطقة)، وإلغاء التأشيرات بهدف تسهيل تنقُّل المواطنين، فضلاً عن أمور تتعلق بالتملك العقاري والاستثمارات والقضايا الاقتصادية والمالية.
ففي ما يخص مسألة المشاركة الإيرانية في القمة، التي كانت الأولى من نوعها منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي قبل ما يربو على ربع قرن، أبت دول المجلس أن تتحمل أي منها مسؤولية قرار توجيه الدعوة إلى إيران بالمشاركة، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام تكهنات عديدة من قبل المراقبين، حيث ذهب بعضهم إلى الزعم بأن الرئيس نجاد هو الذي طلب من دولة قطر دعوته إلى المشاركة في هذه القمة، مستندين إلى تصريح لوزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايدآل نهيان في هذا الصدد، بينما ذهب بعض آخر إلى التمسك بإعلانالأمين العام لمجلس التعاون عبدالرحمن العطية أن دعوة نجاد جاءت تعبيراً عن رغبة خليجية مشتركة، في حين ارتأى آخرون أنها جاءت بمبادرة قطرية بحتة، استناداً إلى اعتبارات أهمها: أن هناك رغبة خليجية في التقارب من إيران كونها شريكاً استراتيجياً مهماً في منطقة الخليج العربي، وأن أي ترتيبات أمنية كانت أم اقتصادية في المنطقة لا يمكن أن يتم استبعادها منها، وذلك بعد المحاولات العديدة التي أجراها الرئيس الإيراني لتقريب وجهات النظر بين بلاده ودول الخليج العربية، من خلال جولاته العديدة ومباحثاته مع القادة الخليجيين، كما أن دول الخليج العربية ترغب في المزيد من الاستقرار في المنطقة من أجل الالتفات للتنمية الداخلية، وهذا الأمر لن يتأتى إلا في وجود السلام والاستقرار في المنطقة.
نجاد لم يستسهل مسيرة التقارب مع دول مجلس التعاون بطرح مشاريع قابلة للتنفيذ فعلاً
ومن جانبها، تحرص دول مجلس التعاون الخليجي على التعاطي مع الملف النووي الإيراني وفق استراتيجية عقلانية تراعي الاحتياجات الأمنية لشعوبها، كما تضع في الحسبان علاقات حسن الجوار مع الجمهورية الإيرانية، وهي الاستراتيجية التي ترتكز على ثلاث قواعد هي: حق إيران في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية، وجعل الشرق الأوسط والخليج العربي منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والامتناع عن أي لجوء للخيار العسكري في التعامل مع مثل هذه الأمور خاصة البرنامج النووي الإيراني، لاسيما أن طهران طالما أعلنت أن لديها رغبة جادة في التعاون معدول المجلس في المجالات الدفاعية بحيث تتمكن من خلال التنسيق والتفاهم معهم من التوصل إلى آلية تعين دول المنطقة على حماية أمنها بمفردها من دون تدخل أجنبي. وفي النهاية، وأيا كان مسوغ مشاركة إيران في القمة الخليجية، فإنها شاركت بالفعل في القمة للمرة الأولى في تاريخها، لتكسر بذلك طوق عزلة دولية متزايدة بسبب برنامجها النووي ودورها في العراق ولبنان، وتوجد لنفسها منصة لإطلاق مواقف سياسية بغية الحصول على غطاء خليجي لسياساتها التصادمية حيال الغرب.

ولعل المقترحات الإيرانية، التي طرحها الرئيس الإيراني في افتتاح القمة، كانت مكمن الإثارة الحقيقية في مشاركة إيران في تلك القمة، إذ يمكن القول إن مبادرة نجاد التقاربية مع دول مجلس التعاون، وبرغم ترحيب تلك الدول في بيان رئاسي منفصل عن البيان الختامي للقمة بالمقترحات التي عرضها الرئيس الإيراني في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية للقمة، كما وعدت بدراستها باعتبارها تمثل برنامجاً طموحاً يصعب فصل أي انطلاقة فيه عن شؤون الأمن والاستقرار في المنطقة لتوفير قاعدة من التوازن تضمن مصالح مختلف الأطراف، إلا أن مبادرة نجادولدت واهنة وتعوزها الجدية والصدقية، ذلك أن الأجواء لم تكن مهيأة بأي حال لتقبل مثل هذه الأفكار في ظل المشهد الإيراني النووي والثوري الراهن وعراك طهران المتواصل مع المجتمع الدولي، كما أن نجاد يطالب بتسريع وتيرة التقارب الخليجي-العربي مع بلاده في أمور لم تُحسم أصلاً بين دول المجلس لكي يكون هنالك قبول بها مع إيران، فعلى الرغم من الخطوات الجادة والبارزة التي اتخذتها دول مجلس التعاون على هذه الصعد، والتي تكللت بالإعلان خلال القمة الأخيرة عن تدشين السوق الخليجية المشتركة بداية عام 2008، فلا تزال مساعي التقارب الأمني والاقتصادي بين هذه الدول تصطدم بعقبات محلية وبينية ودولية جسام، وكذلك لم يتخل نجاد عن سياساته الاستفزازية لدول المجلس حينما وصف الخليج أثناء عرضه لطروحاته التقاربية معهم بـ (الفارسي) مستعملاً الصفة الفارسية للخليج، رغم علمه بمدى ما يثيره هذا الوصف من حساسيات لدى الجانب العربي منه جراء ما ينطوي عليه من دلالات غير مطمئنة بالنسبة لها.
علاوة على ذلك، اتبع نجاد (النهج الإسرائيلي) في عرض طروحات التعاون الإقليمي، حينما حاول القفز فوق الخلافات السياسية وتجاهل الهواجس الأمنية والملفات الخلافية الساخنة العالقة بين إيران وشريكاتها العربيات في الخليج، ودعا إلى تدشين علاقات تعاون اقتصادي وأمني لـ (تذويب) تلك الخلافات بدلاً من تسويتها على نحو يمهد السبيل لإنجاح أي مساع أو مشاريع تعاونية، كما أن نجاد لم يستهل مسيرة التقارب مع دول مجلس التعاون بطرح مشاريع قابلة للتنفيذ فعلاً في تلك المرحلة من قبيل إجراءات الطمأنة وبناء الثقة كتبادُل المصالح، التي لا تفرز حساسيات، مثل تأمين مياه الشرب والاحتياجات من الغاز الإيراني لدول الخليج. ولعل أبرز تلك القضايا ما يخص هواجس تلك الدول من طموحات إيران النووية في ظل وجود رواسب لا يستهان بها لملف تصدير الثورة الإسلامية وفكرة (الهلال الشيعي) وغيرها من المشاريع الإيرانية الإقليمية المقلقة، واكتفت طهران بإرسال تطمينات فقط بشأنها.
وتبقى القضية الأهم والأخطر بين إيران ودول مجلس التعاون والمتمثلة في الجزر الإماراتية الثلاث، التي تحتلها إيران، لتشكل حجر عثرة في وجه أي تقارب إيراني-عربي عموماً وخليجي على وجه التحديد. ولطالما كانت القمة الخليجية أحد أهم المنابر التي تعتمد عليها دولة الإمارات في عرض قضية احتلال جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) من جانب إيران قبل 36 عاماً، وتأكيد حقها الثابت في هذه الجزر، حيث تظل القمة الخليجية مناسبة ملائمة لإبراز موقف الإمارات الداعي إلى إيجاد حل سلمي عادل لهذه المسألة على أساس القانون الدولي وإطلاق مفاوضات لهذا الغرض وفقاً لاتفاقية عام 1971، بينما تصر إيران، حتى خلال القمة الخليجية الأخيرة التي طالبت فيها بحذف الفقرة التي تشير إلى الجزر الإماراتية الثلاث في بيانها الختامي، على تعنتها حيال هذه المسألة من خلال مواصلة احتلال الجزر ورفض أي مفاوضات في هذا الصدد استناداً للأسس التي تطرحها دولة الإمارات، بل إن طهران لا تتورع عن انتقاد دول الخليج على موقفها المساند للإمارات في هذا الموضوع . ولقد كان من بين دواعي تحفظ بعض دول مجلس التعاون على مشاركة إيران في القمة الأخيرة، هو تخوفها من أن تفضي هذه المشاركة إلى النيل من صدقية التأييد الذي تبديه دول المجلس إزاء موقف الإمارات من مسألة الجزر، أو أن تضر بالموقف الخليجي الذي يعتبر أن قضية الجزر من العوامل المهددة للاستقرار والأمن في المنطقة ومن الأسباب التي تحول دون الوصول إلى قواسم مشتركة مع إيران لكيفية المحافظة على أمن واستقرار دول المنطقة.
إن مشاركة نجاد في القمة الخليجية تشي بأن طهران تعمد إلى اتباع سياسة مزدوجة في التعاطي مع دول مجلس التعاون، بغرض استخدامها كدرع استراتيجية وحائط صد في مواجهة أي تصعيد عسكري أمريكي محتمل ضد إيران، حيث يحاول نظام ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية التأسي بنظام بيونغ يانغ الماركسي في كوريا الشمالية، الذي يعتمد في إجهاضه لنوايا واشنطن في النيل منه عبر عمل عسكري، على رفض دول الجوار الحليفة لواشنطن كاليابان وكوريا الجنوبية لأي عمل عسكري ضد بلاده تلافياً للتداعيات السلبية الخطيرة التي يمكن أن تطال هذه الدول جراء ردود الفعل غير الحكيمة التي يمكن أن يتمخض عنها أي عمل عسكري أمريكي ضد بيونغ يانغ. فالنظام الإيراني يحاول من جهة طمأنة دول مجلس التعاون الخليجي من مخاطر برنامج بلاده النووي أو ما يتردد ويشاع حول مشاريعها التوسعية كالهلال الشيعي أو تصدير الثورة .. إلخ، كما يعرض عليها مشاريع للتعاون والتقارب في شتى المجالات بما فيها الأمني والدفاعي، كي تكسر جدار العزلة الدولية المفروضة عليها بجريرة برنامجها النووي، وحتى تكسب تعاطف دول مجلس التعاون معها، وتنتزع دعمها لها في مواجهة أي جنوح أمريكي باتجاه التصعيد العسكري ضدها على خلفية برنامجها النووي أو دورها في العراق. غير أن طهران من جانب آخر لا تتورع في استخدام دول الخليج والمصالح الأمريكية لدى هذه الدول كدرع استراتيجية و(فزاعة) لتخويف واشنطن وثنيها عن خيار التصعيد العسكري ضدها، حيث هدد المسؤولون الإيرانيون غير مرة بأن بلادهم لن تتردد في استهداف دول الخليج العربية ومصالح أمريكا في المنطقة كرد فعل انتقامي على أية ضربة عسكرية قد توجه إلى بلادهم من أي اتجاه.
ولما كانت القمم الخليجية التي عقدت مؤخراً، لا سيما تلك الأخيرة، عكست وعياً خليجياً محموداً بأهمية وجود تصور واضح ومتكامل من قبل دول مجلس التعاون لمستقبل الأمن والاستقرار والتعاون الاقتصادي والدفاعي في منطقتهم، بغية تلافي أي تهديدات ممكنة للتجارب التنموية الناهضة فيها، فإنه يبدو حرياً بدول مجلس التعاون تلمس كافة السبل من أجل دعم وتفعيل الشراكة الأمنية الإقليمية في إطار المجلس، والتي تقوم على الاعتدال السياسي، والتفاهم الأمني، والازدهار الاقتصادي، والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، حتى يتسنى لهذه الدول تلافي التداعيات السلبية الخطيرة لما يجري في داخلها ومن حولها على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في ربوعها.
::/fulltext::
::cck::2159::/cck::
