قمة خليجية ناجحة ولكن ليس على الصعيد الشعبي
::cck::2164::/cck::
::introtext::
كنا في السابق نترقب القمم الخليجية بشغف كبير، حيث كنا نحن الصحفيين ـ في الوقت الذي كنت أعمل فيه في مجال الصحافة وتركته للمجال الأكاديمي ـ نتلهف لحضور مثل هذه القمم في الثمانينات. وكنت قد حضرت قمتين كصحفي، الأولى في أبوظبي، والأخرى في الكويت. والسبب بسيط، حيث كانت القمم تنبش حلماً وأملاً في التئام المصير العائلي الواحد لسكان المنطقة التي كانت لسنين ساحة لنشاطهم الاقتصادي والحياتي الحر، حتى في أحلك الظروف إبان فترة الاستعمار، حيث كانت المراسلات والتنقلات والهجرات من منطقة إلى أخرى في الخليج سمة لأهله.
::/introtext::
::fulltext::
كنا في السابق نترقب القمم الخليجية بشغف كبير، حيث كنا نحن الصحفيين ـ في الوقت الذي كنت أعمل فيه في مجال الصحافة وتركته للمجال الأكاديمي ـ نتلهف لحضور مثل هذه القمم في الثمانينات. وكنت قد حضرت قمتين كصحفي، الأولى في أبوظبي، والأخرى في الكويت. والسبب بسيط، حيث كانت القمم تنبش حلماً وأملاً في التئام المصير العائلي الواحد لسكان المنطقة التي كانت لسنين ساحة لنشاطهم الاقتصادي والحياتي الحر، حتى في أحلك الظروف إبان فترة الاستعمار، حيث كانت المراسلات والتنقلات والهجرات من منطقة إلى أخرى في الخليج سمة لأهله.
كان هذا الحلم قد أخذ يتبدى كحقيقة مرة أخرى من خلال مشاريع الالتقاء والتضامن والتقارب، ومنذ دورة الخليج الأولى لكرة القدم في بداية السبعينات من القرن الماضي. كل ذلك كان في الثمانينات من القرن الماضي كما قلت، أما في التسعينات فبدأ هذا الاهتمام الكبير يتلاشى مع إصرار المشاركين في هذه القمم على الحفاظ على وضعيتهم الوطنية الخاصة، كل في بلده، وكأنها نهاية العالم، ووضعت مشاريع مؤجلة تحت مبرر الدراسة المتأنية. وكل دراسة متأنية نتيجة لعدم وجود مراكز بحوث متخصصة لمجلس التعاون تأخذ فترة طويلة لعوامل التمويل والمقارنة، واختيار أفضل المدارس، إلى آخره من الأسباب التي سيقت وتساق لهذا التأجيل. وحين يقترب موعد الإنجاز تكون الظروف الدولية والمحلية قد تغيرت، ولا بد من المزيد من الدراسة، ويستمر مسلسل التأجيل.
في القمة الأخيرة (الثامنة والعشرين) لاحظت روحاً تختلف إلى حد ما ـ ولا أريد التحمس أكثر من اللازم في هذا الشأن، فالقائمون على الأمر عودونا على التريث والصبر، فهو من الإيمان، ولكن أقولها بأمانة الكلمة التي أوكلت أن أنقلها للقائمين على الأمر في ذلك. تصريحات ظهرت في القمة الأخيرة من بين القادة أنفسهم تقول إننا لم نلب طموحات شعوب المنطقة، وآن الآوان لأن نستمع لما تقوله الشعوب. وللأمانة أيضاً فإن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حين قال ذلك، قد بدأ على الأرض، وإلى حد ما يأخذ منحى خاصاً به في التعامل مع مختلف الأطراف، يقدم به المصالح الوطنية الخاصة لقطر على كل منحى خارجي قد يفرض عليه من أي جانب.
هذا الأمر، وإن كان له من يتحفظ عليه، وله من ينتقده على أساس أنه مجرد كلام، وأن قطر، ودول الخليج العربية كلها ليست، سيدة قرارها بالكامل ـ كما يتهمنا الكثيرـ فإن تغليب المصلحة الوطنية لشعوبنا أمر لا يختلف عليه أحد، حتى من يملي علينا السياسات في عالم اليوم، في الغرب بالطبع، وبالذات من الإدارة الأمريكية التي أصبحت إحدى الدول الصانعة للقرار في المنطقة، بل إحدى دول الجوار الخليجي لوجود إدارتها وقواتها في العراق والكويت، وبقية مناطق الخليج الأخرى، في السيلية وتبوك وغيرهما.
البطاقة الذكية يجب أن تستثمر بأسرع وأقصى استفادة ممكنة

إن أي دولة في العالم تتحرك بناء على المصالح الوطنية العليا لأوطانها، وبالتالي نحن لسنا استثناء في ذلك.
ومن أبرز قرارات القمة الماضية هو عدم إعادة تسعير عملات الدول الأعضاء، في حين كان الجميع يتوقع أن يحصل نوعاً من الإجراء الذي يعيد للعملات الخليجية وضعيتها في مقابل عملات أجنبية أخرى كاليورو والجنيه الاسترليني والين وبقية العملات الدولية الكبرى، عدا الدولار الذي سبب للعملات الوطنية انخفاضاً في أسعارها وقدرتها الشرائية في مقابل العملات الدولية، بسبب خفض سعره وارتباط معظم العملات الخليجية به، مما رفع من معدلات التضخم في المجتمعات الخليجية.
وأهم إشكاليات هذا القرار هي انخفاض القدرة الشرائية للفرد الخليجي بمستويات الرواتب الحالية، وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية القادمة من دول متقدمة، والتي تهيمن بضائعها على أسواقنا.
إذاً كان السبب الأساسي في ارتفاع الأسعار هو الحكومات وليس التجار، الذين ركز عليهم الإعلام ليظهرهم كجشعين، يحاولون استغلال أية زيادة في معدلات الرواتب. والواقع أن ارتفاع الأسعار هو شأن دولي يرغم عليه التاجر، فيزيد من ثمن السلعة بحسب الزيادة التي قررت عليه فروقات العملة التي كان يشتري بها سلعه مقابل العملات الأخرى التي تباع بها هذه السلع.
والحقيقة المرّة أكثر هي أن معدل رفع الرواتب، والذي عمل به بشكل جزئي في بعض الدول الخليجية، وتمت إعادة زيادتها من جديد مع بداية العام 2008، كما هو في دولة الإمارات، لا يفي بتغطية الزيادات في ارتفاع سعر كل شيء، حتى السفر، الذي صار الفرد الخليجي يدفع فيه أسعاراً مضاعفة عما كان عليه في السابق، ليجد نفسه يدفع أضعاف السعر الذي كان يدفعه في السابق إذا سافر إلى الدول الأوروبية التي تتعامل باليورو.
إن الخسائر التي وقعت على كاهل الإنسان الخليجي كان يجب النظر إليها بجدية أكبر من قبل الحكومات في مستوى القرارات الاقتصادية للقمة. ولم نجد ذلك يحصل، وفقط تم إسكات التجار بإعلان السوق الخليجية المشتركة مع بداية العام 2008، عبر رفع القيود والإجراءات، وتوسيع الأسواق أمام السلع الخليجية في كل دولة من دوله، وفتح مجالات الاستثمار في العقارات والخدمات الاجتماعية.
أما العملة الخليجية فلم ينطق البيان الختامي بكلمة عنها، وكان الحديث قبلها في وكالات الأنباء الدولية يتركز حولها، من حيث إعلانها في 2010 أو تأجيلها إلى 2015، وكأن الموضوع أصبح عبئاً على المجتمعين في الدوحة لضغوط ما لا نعرف من أين، هل هي سوء عمليات التنسيق أم لتفاوت الأداء لكل عملة خليجية عن الأخرى، كما أوصت القمة باستكمال تحقيق المعايير المالية والنقدية، لإيفاء كل متطلبات الاتحاد النقدي الذي رفع للقمة المقبلة، أم بسبب الضغوط الخارجية من جهة دولة المنشأ لما ترتبط به العملات الخليجية المختلفة، ونقصد بها الولايات المتحدة؟
وهناك قضية أخرى كان يتوقعها المواطن الخليجي منذ إنشاء المجلس وتراوح مكانها، هي مسألة جواز السفر الخليجي المشترك. وفي هذا الصدد قد تلعب (البطاقة الذكية) دوراً في حل مثل هذه المعضلة التي لم يجد لها القادة أو المجلس الوزاري ما يناسبها من الحلول طيلة الثماني والعشرين السنة الماضية. إن أهم شيء بالنسبة لي كمواطن هو سرعة إجراءات السفر على الحدود، لا أن يستغرق مفتشو الجوازات والجمارك الدقائق وهم يضعون الأرقام، والتدقيق في هوية الشخص ما إذا كانت عليه أية تحفظات أم لا، إلى آخره من إجراءات أصبحت مثار تعب و(نرفزة) للكثير من الخليجيين أثناء تنقلاتهم بين دول المجلس.
أبرز قرارات القمة الماضية هو عدم إعادة تسعير عملات الدول الأعضاء
إن البطاقة الذكية يجب أن تستثمر بأسرع وأقصى استفادة ممكنة لتسهيل عمل موظفي الجوازات والجمارك على الحدود، وتضمن وجود كل المعلومات المطلوبة عن الشخص، من حيث ما له وما عليه، وعدم تضارب شخصيته مع شخصية شخص آخر يحمل نفس الاسم والمواصفات، ولكن ليس الصورة نفسها مثلاً. هذه متاعب يعاني منها الكثيرون على الحدود، نأمل في أن تساهم البطاقة الذكية في حل كل ذلك، وأن تضمن فيها أغلب الخدمات المالية والصحية والأمنية وغيرها من الخدمات السكانية الأخرى، بالإضافة إلى التعريف الكامل لهوية حاملها.
وهناك مسألتان مهمتان ذكرتا في بداية القمة، ولم نلحظ الكثير عنهما في البيان الختامي للقمة، هما مسألة إيجاد هيئة متطورة للبحث العلمي تابعة للمجلس، ولم يرد في البيان الختامي أي شيء عنها، سوى الإشارة عن تطور التعليم العام والعالي بشكل غامض. والمسألة الثانية هي تلك التي اقترحتها حرم أمير قطر في قضية مراقبة تأثير أجهزة الإعلام في النشء بدول المجلس، واقترحت القمة رفعها للقمة المقبلة، حيث إن الكثير يعتمد على التعاطي مع هاتين المسألتين، وهو ما يجب أن يولى اهتماماً أكبر في الدورات المقبلة للمجلس، قبل أن يفوت الأوان. فنحن في أمسّ الحاجة لأن تكون هناك هيئة متطورة وكبيرة وكفؤة لمراقبة ورصد كل المتغيرات في المجتمعات الخليجية، وتعمل على تهيئة جداول الأعمال للمجالس الوزارية والقمم، والتنسيق مع مختلف الوزارات والجهات الحكومية الخليجية بعمليات رصد علمية وطرق بحث مناسبة لإيجاد أفضل الحلول المقترحة لمختلف القضايا الخليجية، ومنها بالطبع مسألة تأثيرات وسائل الإعلام بل وسائل الاتصال الحديثة كلها في النشء. فالاتصال التفاعلي اليوم أصبح عنصر جذب أكبر بكثير من وسائل الإعلام التقليدية، وأصبح أيضاً النشء الجديد أكثر استخداماً وانبهاراً بالوسائل التي لديها القدرة على حفظ السرية والبعد عن المراقبة من الوسائل التقليدية. وهذا ما يجب الانتباه إليه ورصده وتوظيفه بشكل علمي ومفيد بدل تركه على غاربه، دونما رقيب بالغ وعاقل للشباب الباحث عن الهروب بأي شكل من رقابة الأهل والمجتمع.
إننا أمام قضايا كبيرة متجددة على القمم الخليجية أن تتعامل معها بكل وعي واتساع ومواكبة بدلاً من فرض القضايا القديمة نفسها المتجددة دائماً على جداول أعمال القمم الخليجية.
ويبقى أن نبدي ملاحظة عن الإيجابيات التي خرجت بها هذه القمة، حيث كان من اللافت رؤية الرئيس الإيراني الذي يصفه الغرب بـ (التزمت والعدوانية) تجاه ما يعتقده الغرب قضايا دولية يتفق عليها الجميع بنظرة مركزية أوروبية استعمارية لا تزال ترى أن المفاهيم المختلفة يجب أن يعمل بها حسب الرؤية الغربية فقط، في حين أن صورة نجاد وهو يدخل القمة الخليجية متشابك الأيدي مع خادم الحرمين الشريفين تمثل أفضل رد على الرؤية الغربية في التعامل مع جمهورية إيران، الجار والصديق، الذي نأمل في أن تكتمل علاقتنا به من خلال تنازله للحق في شأن الجزر الإماراتية، وهي القضية العقلانية التي تنتهجها دول الخليج ودولة الإمارات بالذات في حلها، ولم نجد تجاوباً من هذا الجار.
كما نأمل من هذا الجار في أن يزيل مخاوفنا في شأن ملفه النووي دائماً، وأن نتكامل معه بحكم الجيرة والدين والمصير المشترك في الخليج، وعلى الصعيد الدولي.
إذاً القمة الخليجية كانت إلى حد ما مختلفة، لكننا فضلنا أن نضع التحفظات، لأنها تمثل عناصر الإحباط المتراكمة على مثل هذه القمم، والتي نريد أن تزال لتصبح أكثر شعبية وقبولاً جماهيرياً من جديد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2164::/cck::
::introtext::
كنا في السابق نترقب القمم الخليجية بشغف كبير، حيث كنا نحن الصحفيين ـ في الوقت الذي كنت أعمل فيه في مجال الصحافة وتركته للمجال الأكاديمي ـ نتلهف لحضور مثل هذه القمم في الثمانينات. وكنت قد حضرت قمتين كصحفي، الأولى في أبوظبي، والأخرى في الكويت. والسبب بسيط، حيث كانت القمم تنبش حلماً وأملاً في التئام المصير العائلي الواحد لسكان المنطقة التي كانت لسنين ساحة لنشاطهم الاقتصادي والحياتي الحر، حتى في أحلك الظروف إبان فترة الاستعمار، حيث كانت المراسلات والتنقلات والهجرات من منطقة إلى أخرى في الخليج سمة لأهله.
::/introtext::
::fulltext::
كنا في السابق نترقب القمم الخليجية بشغف كبير، حيث كنا نحن الصحفيين ـ في الوقت الذي كنت أعمل فيه في مجال الصحافة وتركته للمجال الأكاديمي ـ نتلهف لحضور مثل هذه القمم في الثمانينات. وكنت قد حضرت قمتين كصحفي، الأولى في أبوظبي، والأخرى في الكويت. والسبب بسيط، حيث كانت القمم تنبش حلماً وأملاً في التئام المصير العائلي الواحد لسكان المنطقة التي كانت لسنين ساحة لنشاطهم الاقتصادي والحياتي الحر، حتى في أحلك الظروف إبان فترة الاستعمار، حيث كانت المراسلات والتنقلات والهجرات من منطقة إلى أخرى في الخليج سمة لأهله.
كان هذا الحلم قد أخذ يتبدى كحقيقة مرة أخرى من خلال مشاريع الالتقاء والتضامن والتقارب، ومنذ دورة الخليج الأولى لكرة القدم في بداية السبعينات من القرن الماضي. كل ذلك كان في الثمانينات من القرن الماضي كما قلت، أما في التسعينات فبدأ هذا الاهتمام الكبير يتلاشى مع إصرار المشاركين في هذه القمم على الحفاظ على وضعيتهم الوطنية الخاصة، كل في بلده، وكأنها نهاية العالم، ووضعت مشاريع مؤجلة تحت مبرر الدراسة المتأنية. وكل دراسة متأنية نتيجة لعدم وجود مراكز بحوث متخصصة لمجلس التعاون تأخذ فترة طويلة لعوامل التمويل والمقارنة، واختيار أفضل المدارس، إلى آخره من الأسباب التي سيقت وتساق لهذا التأجيل. وحين يقترب موعد الإنجاز تكون الظروف الدولية والمحلية قد تغيرت، ولا بد من المزيد من الدراسة، ويستمر مسلسل التأجيل.
في القمة الأخيرة (الثامنة والعشرين) لاحظت روحاً تختلف إلى حد ما ـ ولا أريد التحمس أكثر من اللازم في هذا الشأن، فالقائمون على الأمر عودونا على التريث والصبر، فهو من الإيمان، ولكن أقولها بأمانة الكلمة التي أوكلت أن أنقلها للقائمين على الأمر في ذلك. تصريحات ظهرت في القمة الأخيرة من بين القادة أنفسهم تقول إننا لم نلب طموحات شعوب المنطقة، وآن الآوان لأن نستمع لما تقوله الشعوب. وللأمانة أيضاً فإن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حين قال ذلك، قد بدأ على الأرض، وإلى حد ما يأخذ منحى خاصاً به في التعامل مع مختلف الأطراف، يقدم به المصالح الوطنية الخاصة لقطر على كل منحى خارجي قد يفرض عليه من أي جانب.
هذا الأمر، وإن كان له من يتحفظ عليه، وله من ينتقده على أساس أنه مجرد كلام، وأن قطر، ودول الخليج العربية كلها ليست، سيدة قرارها بالكامل ـ كما يتهمنا الكثيرـ فإن تغليب المصلحة الوطنية لشعوبنا أمر لا يختلف عليه أحد، حتى من يملي علينا السياسات في عالم اليوم، في الغرب بالطبع، وبالذات من الإدارة الأمريكية التي أصبحت إحدى الدول الصانعة للقرار في المنطقة، بل إحدى دول الجوار الخليجي لوجود إدارتها وقواتها في العراق والكويت، وبقية مناطق الخليج الأخرى، في السيلية وتبوك وغيرهما.
البطاقة الذكية يجب أن تستثمر بأسرع وأقصى استفادة ممكنة

إن أي دولة في العالم تتحرك بناء على المصالح الوطنية العليا لأوطانها، وبالتالي نحن لسنا استثناء في ذلك.
ومن أبرز قرارات القمة الماضية هو عدم إعادة تسعير عملات الدول الأعضاء، في حين كان الجميع يتوقع أن يحصل نوعاً من الإجراء الذي يعيد للعملات الخليجية وضعيتها في مقابل عملات أجنبية أخرى كاليورو والجنيه الاسترليني والين وبقية العملات الدولية الكبرى، عدا الدولار الذي سبب للعملات الوطنية انخفاضاً في أسعارها وقدرتها الشرائية في مقابل العملات الدولية، بسبب خفض سعره وارتباط معظم العملات الخليجية به، مما رفع من معدلات التضخم في المجتمعات الخليجية.
وأهم إشكاليات هذا القرار هي انخفاض القدرة الشرائية للفرد الخليجي بمستويات الرواتب الحالية، وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية القادمة من دول متقدمة، والتي تهيمن بضائعها على أسواقنا.
إذاً كان السبب الأساسي في ارتفاع الأسعار هو الحكومات وليس التجار، الذين ركز عليهم الإعلام ليظهرهم كجشعين، يحاولون استغلال أية زيادة في معدلات الرواتب. والواقع أن ارتفاع الأسعار هو شأن دولي يرغم عليه التاجر، فيزيد من ثمن السلعة بحسب الزيادة التي قررت عليه فروقات العملة التي كان يشتري بها سلعه مقابل العملات الأخرى التي تباع بها هذه السلع.
والحقيقة المرّة أكثر هي أن معدل رفع الرواتب، والذي عمل به بشكل جزئي في بعض الدول الخليجية، وتمت إعادة زيادتها من جديد مع بداية العام 2008، كما هو في دولة الإمارات، لا يفي بتغطية الزيادات في ارتفاع سعر كل شيء، حتى السفر، الذي صار الفرد الخليجي يدفع فيه أسعاراً مضاعفة عما كان عليه في السابق، ليجد نفسه يدفع أضعاف السعر الذي كان يدفعه في السابق إذا سافر إلى الدول الأوروبية التي تتعامل باليورو.
إن الخسائر التي وقعت على كاهل الإنسان الخليجي كان يجب النظر إليها بجدية أكبر من قبل الحكومات في مستوى القرارات الاقتصادية للقمة. ولم نجد ذلك يحصل، وفقط تم إسكات التجار بإعلان السوق الخليجية المشتركة مع بداية العام 2008، عبر رفع القيود والإجراءات، وتوسيع الأسواق أمام السلع الخليجية في كل دولة من دوله، وفتح مجالات الاستثمار في العقارات والخدمات الاجتماعية.
أما العملة الخليجية فلم ينطق البيان الختامي بكلمة عنها، وكان الحديث قبلها في وكالات الأنباء الدولية يتركز حولها، من حيث إعلانها في 2010 أو تأجيلها إلى 2015، وكأن الموضوع أصبح عبئاً على المجتمعين في الدوحة لضغوط ما لا نعرف من أين، هل هي سوء عمليات التنسيق أم لتفاوت الأداء لكل عملة خليجية عن الأخرى، كما أوصت القمة باستكمال تحقيق المعايير المالية والنقدية، لإيفاء كل متطلبات الاتحاد النقدي الذي رفع للقمة المقبلة، أم بسبب الضغوط الخارجية من جهة دولة المنشأ لما ترتبط به العملات الخليجية المختلفة، ونقصد بها الولايات المتحدة؟
وهناك قضية أخرى كان يتوقعها المواطن الخليجي منذ إنشاء المجلس وتراوح مكانها، هي مسألة جواز السفر الخليجي المشترك. وفي هذا الصدد قد تلعب (البطاقة الذكية) دوراً في حل مثل هذه المعضلة التي لم يجد لها القادة أو المجلس الوزاري ما يناسبها من الحلول طيلة الثماني والعشرين السنة الماضية. إن أهم شيء بالنسبة لي كمواطن هو سرعة إجراءات السفر على الحدود، لا أن يستغرق مفتشو الجوازات والجمارك الدقائق وهم يضعون الأرقام، والتدقيق في هوية الشخص ما إذا كانت عليه أية تحفظات أم لا، إلى آخره من إجراءات أصبحت مثار تعب و(نرفزة) للكثير من الخليجيين أثناء تنقلاتهم بين دول المجلس.
أبرز قرارات القمة الماضية هو عدم إعادة تسعير عملات الدول الأعضاء
إن البطاقة الذكية يجب أن تستثمر بأسرع وأقصى استفادة ممكنة لتسهيل عمل موظفي الجوازات والجمارك على الحدود، وتضمن وجود كل المعلومات المطلوبة عن الشخص، من حيث ما له وما عليه، وعدم تضارب شخصيته مع شخصية شخص آخر يحمل نفس الاسم والمواصفات، ولكن ليس الصورة نفسها مثلاً. هذه متاعب يعاني منها الكثيرون على الحدود، نأمل في أن تساهم البطاقة الذكية في حل كل ذلك، وأن تضمن فيها أغلب الخدمات المالية والصحية والأمنية وغيرها من الخدمات السكانية الأخرى، بالإضافة إلى التعريف الكامل لهوية حاملها.
وهناك مسألتان مهمتان ذكرتا في بداية القمة، ولم نلحظ الكثير عنهما في البيان الختامي للقمة، هما مسألة إيجاد هيئة متطورة للبحث العلمي تابعة للمجلس، ولم يرد في البيان الختامي أي شيء عنها، سوى الإشارة عن تطور التعليم العام والعالي بشكل غامض. والمسألة الثانية هي تلك التي اقترحتها حرم أمير قطر في قضية مراقبة تأثير أجهزة الإعلام في النشء بدول المجلس، واقترحت القمة رفعها للقمة المقبلة، حيث إن الكثير يعتمد على التعاطي مع هاتين المسألتين، وهو ما يجب أن يولى اهتماماً أكبر في الدورات المقبلة للمجلس، قبل أن يفوت الأوان. فنحن في أمسّ الحاجة لأن تكون هناك هيئة متطورة وكبيرة وكفؤة لمراقبة ورصد كل المتغيرات في المجتمعات الخليجية، وتعمل على تهيئة جداول الأعمال للمجالس الوزارية والقمم، والتنسيق مع مختلف الوزارات والجهات الحكومية الخليجية بعمليات رصد علمية وطرق بحث مناسبة لإيجاد أفضل الحلول المقترحة لمختلف القضايا الخليجية، ومنها بالطبع مسألة تأثيرات وسائل الإعلام بل وسائل الاتصال الحديثة كلها في النشء. فالاتصال التفاعلي اليوم أصبح عنصر جذب أكبر بكثير من وسائل الإعلام التقليدية، وأصبح أيضاً النشء الجديد أكثر استخداماً وانبهاراً بالوسائل التي لديها القدرة على حفظ السرية والبعد عن المراقبة من الوسائل التقليدية. وهذا ما يجب الانتباه إليه ورصده وتوظيفه بشكل علمي ومفيد بدل تركه على غاربه، دونما رقيب بالغ وعاقل للشباب الباحث عن الهروب بأي شكل من رقابة الأهل والمجتمع.
إننا أمام قضايا كبيرة متجددة على القمم الخليجية أن تتعامل معها بكل وعي واتساع ومواكبة بدلاً من فرض القضايا القديمة نفسها المتجددة دائماً على جداول أعمال القمم الخليجية.
ويبقى أن نبدي ملاحظة عن الإيجابيات التي خرجت بها هذه القمة، حيث كان من اللافت رؤية الرئيس الإيراني الذي يصفه الغرب بـ (التزمت والعدوانية) تجاه ما يعتقده الغرب قضايا دولية يتفق عليها الجميع بنظرة مركزية أوروبية استعمارية لا تزال ترى أن المفاهيم المختلفة يجب أن يعمل بها حسب الرؤية الغربية فقط، في حين أن صورة نجاد وهو يدخل القمة الخليجية متشابك الأيدي مع خادم الحرمين الشريفين تمثل أفضل رد على الرؤية الغربية في التعامل مع جمهورية إيران، الجار والصديق، الذي نأمل في أن تكتمل علاقتنا به من خلال تنازله للحق في شأن الجزر الإماراتية، وهي القضية العقلانية التي تنتهجها دول الخليج ودولة الإمارات بالذات في حلها، ولم نجد تجاوباً من هذا الجار.
كما نأمل من هذا الجار في أن يزيل مخاوفنا في شأن ملفه النووي دائماً، وأن نتكامل معه بحكم الجيرة والدين والمصير المشترك في الخليج، وعلى الصعيد الدولي.
إذاً القمة الخليجية كانت إلى حد ما مختلفة، لكننا فضلنا أن نضع التحفظات، لأنها تمثل عناصر الإحباط المتراكمة على مثل هذه القمم، والتي نريد أن تزال لتصبح أكثر شعبية وقبولاً جماهيرياً من جديد.
::/fulltext::
::cck::2164::/cck::
