مستقبل مشروع العملة الموحدة والتكامل الاقتصادي الخليجي

::cck::2169::/cck::
::introtext::

يكتسب مشروع العملة الخليجية الموحدة المزمع إطلاقه في عام 2010 أهمية اقتصادية قصوى لما يحمله من قدرة فائقة على دعم التكامل الاقتصادي الخليجي، إلا أن الخطوات الاقتصادية التي بدأتها الكويت بفك ارتباط الدينار بالدولار لكبح التضخم، ثم قرار سلطنة عمان بالانسحاب تماماً من مشروع الوحدة النقدية، متعللة بأن (السلطنة بمساحتها الجغرافية والتزايد السكاني فيها لا تزال بحاجة إلى إنفاق كبير على البنى الأساسية، الأمر الذي قد لا تستطيع معه الإبقاء على النسبة المفترضة في معيار النمو في اقتصادها أو معيار مستوى الدين العام أو العجز في الموازنة العامة)، كل ذلك أدى إلى أن تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، ملامح تراجع دول مجلس التعاون عن توجهها لإطلاق العملة الموحدة في الموعد المستهدف (2010)، في ظل طرح مجموعة من المعايير الاقتصادية ارتأت بعض الدول عدم قدرتها على الإيفاء بها في الموعد المحدد. 

::/introtext::
::fulltext::

من قدرة فائقة على دعم التكامل الاقتصادي الخليجي، إلا أن الخطوات الاقتصادية التي بدأتها الكويت بفك ارتباط يكتسب مشروع العملة الخليجية الموحدة المزمع إطلاقه في عام 2010 أهمية اقتصادية قصوى لما يحمله الدينار بالدولار لكبح التضخم، ثم قرار سلطنة عمان بالانسحاب تماماً من مشروع الوحدة النقدية، متعللة بأن (السلطنة بمساحتها الجغرافية والتزايد السكاني فيها لا تزال بحاجة إلى إنفاق كبير على البنى الأساسية، الأمر الذي قد لا تستطيع معه الإبقاء على النسبة المفترضة في معيار النمو في اقتصادها أو معيار مستوى الدين العام أو العجز في الموازنة العامة)، كل ذلك أدى إلى أن تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، ملامح تراجع دول مجلس التعاون عن توجهها لإطلاق العملة الموحدة في الموعد المستهدف (2010)، في ظل طرح مجموعة من المعايير الاقتصادية ارتأت بعض الدول عدم قدرتها على الإيفاء بها في الموعد المحدد.

تشمل المعايير التي أقرتها دول مجلس التعاون للوصول إلى مرحلة الاتحاد النقدي بينها التالي: خفض الدين العام لمستوى لا يتجاوز 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وتوفير احتياطيات بعملات أجنبية تغطي احتياجات أربعة شهور من الواردات وألا يزيد سعر الفائدة على متوسط أقل ثلاثة معدلات في الدول الأعضاء زائد اثنين في المائة وألا يتجاوز معدل التضخم في أية دولة المتوسط في دول المجلس زائد اثنين في المائة بالإضافة إلى عدم تجاوز العجز في الميزانية ثلاثة في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

ولقد نصت المادة الثانية والعشرون من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي على أن (تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياساتها المالية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون متممة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها).

     فمن هذا المنطلق، فإن قرار إصدار عملة خليجية موحدة – على الرغم من الصعوبات التي يواجهها –  تشترك في إصدارها ستة اقتصادات متباينة في أحجامها من حيث الناتج الوطني وعدد السكان وإيرادات ومصروفات الميزانية، وكذلك التباين الكبير في الميزان التجاري وميزان المدفوعات لأمر يستحق الدراسة الدقيقة والموضوعية، فعلى الرغم من جرأة الفكرة وبراعة أهدافها الوطنية إلا أنه يجب الاستفادة من دروس وتجارب التكتلات الاقتصادية الأخرى وخاصة تجربة قيام العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ليس بعد إصدارها وما حققته من أهداف وطموحات لشعوبها فقط ولكن أيضاً معرفة الخطوات التاريخية التي مرت بها هذه العملة قبل إصدارها. حيث أخذ طرح اليورو في الأسواق ثلاث مراحل، الأولى في أول يوليو 1990 وتهدف إلى تحقيق حرية كاملة لانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات عبر دول الاتحاد وتحقيق تعاون في السياسات النقدية والمالية. المرحلة الثانية بدأت أول يناير 1994 بإنشاء معهد النقد الأوروبي. أما المرحلة الثالثة فبدأت في أول يناير 1999، حيث بدأ العمل من الناحية المحاسبية باليورو، وفي أول يناير 2002 بدأ تداول اليورو بالأسواق الأوروبية. فعلى ضوء هذه الخطوات الاقتصادية التاريخية المهمة يمكن إدراك أن توحيد عدة عملات لاقتصادات متباينة الإمكانيات لا يحتاج إلى وقت لإنجازه فقط بل إلى تخطيط عميق ومعرفة علمية واسعة بالمراحل الاقتصادية التي يجب أن يتم من خلالها بناء القاعدة الاقتصادية الصلبة التي سوف تقوم عليها العملة الموحدة. فتوحيد العملة يعني ضم السياسات النقدية الست في سياسة نقدية موحدة تحمل على عاتقها مسؤولية زيادة الناتج الوطني لهذه الدول إلى أقصى مستوى وخفض معدلي البطالة والتضخم من أجل رفع المستوى المعيشي لمواطني دول مجلس التعاون.

وتتميز دول مجلس التعاون الخليجي بوجود مجموعة من الإمكانيات والمقومات  تمكنها من قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الموحدة وصولاً إلى التكامل الاقتصادي المنشود وهي:

* إن دول مجلس التعاون في وضع أكثر ملاءمة مقارنة بمنطقة اليورو لتشكيل اتحاد نقدي وإطلاق عملة موحدة في الجدول الزمني المتفق عليه، وذلك للتشابه فيما بينها، ليس فقط من حيث التركيبة الاقتصادية والاعتماد على قطاع النفط، وتشابه ترتيبات أسعار الصرف المتبعة وغيرها من المزايا، لكن للتشابه من حيث الدين واللغة والعادات والتقاليد، وأيضاً النظام السياسي مما يساعد على انتقال العمالة وتوسع قطاع الأعمال وتدفق رؤوس الأموال، وبالتالي تكون دول المجلس مهيأة لعملية الاندماج المالي.

* تقارب الأنظمة النقدية الوطنية، حيث إن النظام النقدي في دول المجلس يتميز باستقرار أسعار الصرف بالإضافة إلى عدم وجود قيود على صرف العملة وتحويلها، كما أن السيولة المحلية تنمو بشكل متوازن مع التغيير في النشاط الاقتصادي من دون ضغوط تضخمية فضلاً عن وجود التنسيق الدائم بين المسؤولين عن السياسات النقدية والمالية في دول المجلس بما يؤدي إلى تحديث القطاع المصرفي وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية على المصارف وتعزيز الشفافية وتحديث أنظمة وقوانين الأسواق المالية، بما يساهم في تحسين المناخ الاستثماري ورفع قدراتها على مواكبة التطورات، وما إلى ذلك من إقامة سوق مالية موحدة من خلال ربط معظم دول المجلس بالشبكة الخليجية للصرف الآلي والسماح للبنوك الوطنية بدول المجلس بفتح فروع لها في الدول الأعضاء، مما يعني مزيداً من الدعم لنجاح تجربة التكامل النقدي.

ـ تقارب الأنظمة والتشريعات المالية لدول المجلس، فإلى جانب تشابه هياكلها الإنتاجية من الاعتماد على النفط بصورة أساسية، يلاحظ أنه لا توجد أفضليات ضرائبية واضحة وكبيرة بين دول المجلس فنظراً لتوجهها نحو نموذج دولة الرفاه، نجد أن معظم دول الخليج تفرض ضرائب على القطاعات المنتجة، فمثلاً على أرباح الشركات العاملة في مجال البترول في البحرين، وعلى أرباح الشركات الأجنبية فقط في الكويت وعلى أرباح البنوك وشركات البترول الأجنبية في الإمارات وعلى الشركات الأجنبية العاملة في السعودية، في حين يدفع السعوديون زكاة المال بنسبة 2.5 في المائة إذا ما اعتبرت نوعاً من أنواع الضرائب، إلا أنه بصفة عامة لا توجد ضرائب محلية ذات أوعية قواعد عريضة، حيث إن وفرة الإيرادات النفطية في معظم دول مجلس التعاون قللت من حاجتها إلى تعبئة الإيرادات الضريبية غير النفطية وهو ما يعني أن التقارب أو التجانس فيما بين الأنظمة الضريبية أمر مرغوب فيه من أجل دعم الوحدة النقدية بين دول المجلس.

ـ هناك عدة محاولات اندماجية تمت لبنوك خليجية في السنوات السابقة ومنها على سبيل المثال: اندماج بنكي (مسقط) و(عُمان التجاري) في بنك واحد يحمل اسم بنك مسقط، واندماج (البنك الأهلي التجاري) في البحرين مع البنك الكويتي المتحد في لندن لتكوين شركة قابضة في البحرين، ودخل البنك الأهلي التجاري وبنك الخليج الدولي في تحالف لإدارة الصناديق الاستثمارية، حيث يقوم بموجبه بنك الخليج الدولي في لندن بإدارة مجموعة من الصناديق الاستثمارية في الأسواق الخارجية لصالح البنك الأهلي التجاري، ويتوقع أن يفتح هذا الاتفاق المجال لدخول بنوك خليجية أخرى إلى هذا التحالف.

وبالتالي فإن الاقتصادات المتماثلة في دول المجلس والعوامل المشتركة تعطي فرصة مهمة لإيجاد تكتل اقتصادي خليجي موحد سوف يكون لاعباً رئيسياً في عصر العولمة والتجارة الدولية، ويعطي مناخاً استثمارياً وانسجاماً بين السياسات، ويدمج المنطقة وأبناءها في اقتصاد موحد.

وتتعدد المزايا التي من المتوقع أن تنعكس على دول مجلس التعاون الخليجي من جراء إقرار الوحدة النقدية الخليجية وإصدار العملة الخليجية الموحدة، منها تنمية المشاريع المستقبلية للدول الأعضاء، ودعم استقرار التبادل التجاري بين دول المجلس والعالم الخارجي، وتعزيز القدرة التنافسية للسلع الخارجية في الأسواق الخارجية إلى جانب الاستقرار في أسعار صرف العملة الخليجية؛ مما يشجع على خفض تكاليف المعاملات الخارجية، وتحقيق نوع من الوحدة والتماثل في النظام النقدي الخليجي، وتنظيم عملية عرض النقود الورقية في السوق لضمان سلامة قيمتها، وتشجيع البنوك في منطقة الخليج على تطوير ورفع أدائها على أسس مصرفية رفيعة المستوى، الأمر الذي يزيد من ثقة المواطن الخليجي بقوة البنوك الخليجية، ومن ثم يرفع حجم الودائع المحلية واستخدامها في تمويل المشاريع الضخمة في المنطقة.

ومن المتوقع أيضاً أن تحقق العملة الموحدة العديد من الإيجابيات لدول مجلس التعاون، أهمها إزالة مخاطر التقيد بأسعار الصرف وتكاليف العمليات التي يتكبدها الأفراد، والشركات من جراء تحويل العملة نتيجة لفروقات أسعار الصرف، وبالتالي يؤدي ذلك إلى زيادة التبادل التجاري والمالي وإيجاد سوق تجارية ومالية أكبر وأعمق وأكثر اندماجاً، كما يساعد ذلك على التخطيط المالي للمشاريع المستقبلية، الذي بدوره يعزز مستوى الاستثمار فيما بين دول المجلس، ويجذب مزيداً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة لتوفر البيئة الملائمة وكبر حجم السوق لدول الخليج، علاوة على ذلك ونتيجة لارتفاع مستوى الشفافية في هيكل أسعار السلع والخدمات في أسواق دول الخليج، فمن المتوقع أن تزوّد المنافسة السعرية بما يخدم المستهلكين سواء كانوا أفراداً أو شركات.

وعلى الرغم من تلك المزايا المتعددة إلا أن هناك عوائق عديدة أمام التوصل إلى اتحاد نقدي خليجي وإصدار عملة موحدة منها التأخر في تفعيل تطبيق التعرفة الجمركية الموحدة، وهو أمر مهم، حيث تساهم التعرفة الجمركية الموحدة في تسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية؛ حتى تنتقل السلع كما لو أنها في بلد واحد، الأمر الذي سيكون بمثابة الخطوة الأولى لاستكمال إقامة السوق الخليجية المشتركة؛ وبالتالي عملة خليجية موحدة. أيضاً لا تزال هناك عوائق في تنقل الخليجيين بين دول المجلس، وإن كانت بعض الدول أقرت التنقل بالبطاقة الشخصية أو الهوية بدلاً من جوازات السفر وغيرها، كما تقف بعض التشريعات الخليجية عائقاً أمام تنقل الاستثمارات الخليجية بين الدول الأعضاء، حيث لا تزال قوانين بعض الدول تمنع دخول الخليجيين أسواق المال وتصنفهم على أنهم أجانب، والأمر أيضاً ينطبق على تملك العقارات، كما يتصور البعض أن عدم قدرة مؤسسة النقد أو البنك المركزي في الدول الأعضاء على صياغة وتنفيذ السياسة النقدية بشكل مستقل هو من السلبيات المترتبة على الانضمام للاتحاد النقدي، لكن في الواقع هذا تصور غير دقيق، خاصة في وضع دول المجلس، وذلك لأنها جميعاً تتبع سياسة سعر الصرف الثابتة، واعتماد أغلبها الدولار الأمريكي كـ (مثبت مشترك)، وبالتالي فإن السياسة النقدية المتبعة في الدول الأعضاء حالياً تقتفي بشكل عام السياسة النقدية لعملة المثبت المشترك.

تساهم التعرفة الجمركية الموحدة في تسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية

والواقع أن هناك شروطًا وقواعد يتعين على السلطات النقدية الخليجية اتخاذها قبل التوصل إلى العملة الموحدة أهمها: ضرورة  الالتزام بالجدول الزمني الذي يحدد الخطوات التمهيدية الواجب اتخاذها لتحقيق هدف الوحدة وتهيئة اقتصادات دول المجلس وزيادة قدرتها على التكيف مع التطورات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، وكذلك تحديد الالتزامات التي يتوجب على كل دولة من الدول الأعضاء الوفاء بها، كي تتأهل دول المجلس كافة إلى الاتحاد النقدي، ومن أبرز هذه الالتزامات رسم حد أقصى للتضخم وهامش مشترك لمعدلات الفائدة ونسبة عامة للدين الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي، كما يجب إقرار مصرف مركزي ونظام مصرفي ومالي موحدين قبل إصدار العملة الموحدة، وأن تتحملدول المجلس التكلفة الأساسية للاتحاد النقدي في ضرورة التضحية بالنظام النقدي المنفصل لكل دولة وبسياسة صرف عملتها وإحلالها بنظام نقدي مركزي وسياسة صرف تابعين للاتحاد في ظل الظروف الخاصة بدول الاتحاد، الأمر الذي لا يعد انتقاصاً من السيادة الوطنية للدولة بقدر ما هو شرط ضروري لوجود عملة موحدة تحقق في النهاية صالح كل الدول، وهو ما أكدت عليه التجربة الأوروبية من أهمية القرار السياسي في تحقيق التكامل الاقتصادي، وفي ضوء ذلك يمكن استخدام شعارات أو رموز معينة من كل دول المنطقة على الفئات المختلفة للعملة المزمعة، تمثل البيئة الخليجية وفي الوقت ذاته تحافظ على التراث التاريخي لكل دولة.

إن دول المجلس ليس أمامها سوى التكامل الاقتصادي خاصة في هذه المرحلة التي تتميز بالتكتلات والاندماجات الاقتصادية والتنافس والثورة الرقمية، مما يعني ضرورة السماح بمزيد من تحرير الخدمات المالية وتشجيع المنافسة، لا سيما في ما يتعلق بالمصارف والمؤسسات المالية الخليجية ومعاملتها المعاملة الوطنية، وتفعيل قرار المجلس الأعلى بالسماح للبنوك الوطنية بفتح فروع لها بدول المجلس، وتشجيع الاندماج بين المصارف الخليجية لتكوين كيانات مصرفية كبيرة قادرة على المنافسة العالمية، وذلك تحقيقاً للاندماج المالي والالتزام بموعد العملة الموحدة وصولاً إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::

araa40_66-820
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2169::/cck::
::introtext::

يكتسب مشروع العملة الخليجية الموحدة المزمع إطلاقه في عام 2010 أهمية اقتصادية قصوى لما يحمله من قدرة فائقة على دعم التكامل الاقتصادي الخليجي، إلا أن الخطوات الاقتصادية التي بدأتها الكويت بفك ارتباط الدينار بالدولار لكبح التضخم، ثم قرار سلطنة عمان بالانسحاب تماماً من مشروع الوحدة النقدية، متعللة بأن (السلطنة بمساحتها الجغرافية والتزايد السكاني فيها لا تزال بحاجة إلى إنفاق كبير على البنى الأساسية، الأمر الذي قد لا تستطيع معه الإبقاء على النسبة المفترضة في معيار النمو في اقتصادها أو معيار مستوى الدين العام أو العجز في الموازنة العامة)، كل ذلك أدى إلى أن تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، ملامح تراجع دول مجلس التعاون عن توجهها لإطلاق العملة الموحدة في الموعد المستهدف (2010)، في ظل طرح مجموعة من المعايير الاقتصادية ارتأت بعض الدول عدم قدرتها على الإيفاء بها في الموعد المحدد. 

::/introtext::
::fulltext::

من قدرة فائقة على دعم التكامل الاقتصادي الخليجي، إلا أن الخطوات الاقتصادية التي بدأتها الكويت بفك ارتباط يكتسب مشروع العملة الخليجية الموحدة المزمع إطلاقه في عام 2010 أهمية اقتصادية قصوى لما يحمله الدينار بالدولار لكبح التضخم، ثم قرار سلطنة عمان بالانسحاب تماماً من مشروع الوحدة النقدية، متعللة بأن (السلطنة بمساحتها الجغرافية والتزايد السكاني فيها لا تزال بحاجة إلى إنفاق كبير على البنى الأساسية، الأمر الذي قد لا تستطيع معه الإبقاء على النسبة المفترضة في معيار النمو في اقتصادها أو معيار مستوى الدين العام أو العجز في الموازنة العامة)، كل ذلك أدى إلى أن تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، ملامح تراجع دول مجلس التعاون عن توجهها لإطلاق العملة الموحدة في الموعد المستهدف (2010)، في ظل طرح مجموعة من المعايير الاقتصادية ارتأت بعض الدول عدم قدرتها على الإيفاء بها في الموعد المحدد.

تشمل المعايير التي أقرتها دول مجلس التعاون للوصول إلى مرحلة الاتحاد النقدي بينها التالي: خفض الدين العام لمستوى لا يتجاوز 60 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وتوفير احتياطيات بعملات أجنبية تغطي احتياجات أربعة شهور من الواردات وألا يزيد سعر الفائدة على متوسط أقل ثلاثة معدلات في الدول الأعضاء زائد اثنين في المائة وألا يتجاوز معدل التضخم في أية دولة المتوسط في دول المجلس زائد اثنين في المائة بالإضافة إلى عدم تجاوز العجز في الميزانية ثلاثة في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

ولقد نصت المادة الثانية والعشرون من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي على أن (تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياساتها المالية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية بما في ذلك العمل على توحيد العملة لتكون متممة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها).

     فمن هذا المنطلق، فإن قرار إصدار عملة خليجية موحدة – على الرغم من الصعوبات التي يواجهها –  تشترك في إصدارها ستة اقتصادات متباينة في أحجامها من حيث الناتج الوطني وعدد السكان وإيرادات ومصروفات الميزانية، وكذلك التباين الكبير في الميزان التجاري وميزان المدفوعات لأمر يستحق الدراسة الدقيقة والموضوعية، فعلى الرغم من جرأة الفكرة وبراعة أهدافها الوطنية إلا أنه يجب الاستفادة من دروس وتجارب التكتلات الاقتصادية الأخرى وخاصة تجربة قيام العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) ليس بعد إصدارها وما حققته من أهداف وطموحات لشعوبها فقط ولكن أيضاً معرفة الخطوات التاريخية التي مرت بها هذه العملة قبل إصدارها. حيث أخذ طرح اليورو في الأسواق ثلاث مراحل، الأولى في أول يوليو 1990 وتهدف إلى تحقيق حرية كاملة لانتقال رؤوس الأموال والاستثمارات عبر دول الاتحاد وتحقيق تعاون في السياسات النقدية والمالية. المرحلة الثانية بدأت أول يناير 1994 بإنشاء معهد النقد الأوروبي. أما المرحلة الثالثة فبدأت في أول يناير 1999، حيث بدأ العمل من الناحية المحاسبية باليورو، وفي أول يناير 2002 بدأ تداول اليورو بالأسواق الأوروبية. فعلى ضوء هذه الخطوات الاقتصادية التاريخية المهمة يمكن إدراك أن توحيد عدة عملات لاقتصادات متباينة الإمكانيات لا يحتاج إلى وقت لإنجازه فقط بل إلى تخطيط عميق ومعرفة علمية واسعة بالمراحل الاقتصادية التي يجب أن يتم من خلالها بناء القاعدة الاقتصادية الصلبة التي سوف تقوم عليها العملة الموحدة. فتوحيد العملة يعني ضم السياسات النقدية الست في سياسة نقدية موحدة تحمل على عاتقها مسؤولية زيادة الناتج الوطني لهذه الدول إلى أقصى مستوى وخفض معدلي البطالة والتضخم من أجل رفع المستوى المعيشي لمواطني دول مجلس التعاون.

وتتميز دول مجلس التعاون الخليجي بوجود مجموعة من الإمكانيات والمقومات  تمكنها من قيام الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الموحدة وصولاً إلى التكامل الاقتصادي المنشود وهي:

* إن دول مجلس التعاون في وضع أكثر ملاءمة مقارنة بمنطقة اليورو لتشكيل اتحاد نقدي وإطلاق عملة موحدة في الجدول الزمني المتفق عليه، وذلك للتشابه فيما بينها، ليس فقط من حيث التركيبة الاقتصادية والاعتماد على قطاع النفط، وتشابه ترتيبات أسعار الصرف المتبعة وغيرها من المزايا، لكن للتشابه من حيث الدين واللغة والعادات والتقاليد، وأيضاً النظام السياسي مما يساعد على انتقال العمالة وتوسع قطاع الأعمال وتدفق رؤوس الأموال، وبالتالي تكون دول المجلس مهيأة لعملية الاندماج المالي.

* تقارب الأنظمة النقدية الوطنية، حيث إن النظام النقدي في دول المجلس يتميز باستقرار أسعار الصرف بالإضافة إلى عدم وجود قيود على صرف العملة وتحويلها، كما أن السيولة المحلية تنمو بشكل متوازن مع التغيير في النشاط الاقتصادي من دون ضغوط تضخمية فضلاً عن وجود التنسيق الدائم بين المسؤولين عن السياسات النقدية والمالية في دول المجلس بما يؤدي إلى تحديث القطاع المصرفي وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية على المصارف وتعزيز الشفافية وتحديث أنظمة وقوانين الأسواق المالية، بما يساهم في تحسين المناخ الاستثماري ورفع قدراتها على مواكبة التطورات، وما إلى ذلك من إقامة سوق مالية موحدة من خلال ربط معظم دول المجلس بالشبكة الخليجية للصرف الآلي والسماح للبنوك الوطنية بدول المجلس بفتح فروع لها في الدول الأعضاء، مما يعني مزيداً من الدعم لنجاح تجربة التكامل النقدي.

ـ تقارب الأنظمة والتشريعات المالية لدول المجلس، فإلى جانب تشابه هياكلها الإنتاجية من الاعتماد على النفط بصورة أساسية، يلاحظ أنه لا توجد أفضليات ضرائبية واضحة وكبيرة بين دول المجلس فنظراً لتوجهها نحو نموذج دولة الرفاه، نجد أن معظم دول الخليج تفرض ضرائب على القطاعات المنتجة، فمثلاً على أرباح الشركات العاملة في مجال البترول في البحرين، وعلى أرباح الشركات الأجنبية فقط في الكويت وعلى أرباح البنوك وشركات البترول الأجنبية في الإمارات وعلى الشركات الأجنبية العاملة في السعودية، في حين يدفع السعوديون زكاة المال بنسبة 2.5 في المائة إذا ما اعتبرت نوعاً من أنواع الضرائب، إلا أنه بصفة عامة لا توجد ضرائب محلية ذات أوعية قواعد عريضة، حيث إن وفرة الإيرادات النفطية في معظم دول مجلس التعاون قللت من حاجتها إلى تعبئة الإيرادات الضريبية غير النفطية وهو ما يعني أن التقارب أو التجانس فيما بين الأنظمة الضريبية أمر مرغوب فيه من أجل دعم الوحدة النقدية بين دول المجلس.

ـ هناك عدة محاولات اندماجية تمت لبنوك خليجية في السنوات السابقة ومنها على سبيل المثال: اندماج بنكي (مسقط) و(عُمان التجاري) في بنك واحد يحمل اسم بنك مسقط، واندماج (البنك الأهلي التجاري) في البحرين مع البنك الكويتي المتحد في لندن لتكوين شركة قابضة في البحرين، ودخل البنك الأهلي التجاري وبنك الخليج الدولي في تحالف لإدارة الصناديق الاستثمارية، حيث يقوم بموجبه بنك الخليج الدولي في لندن بإدارة مجموعة من الصناديق الاستثمارية في الأسواق الخارجية لصالح البنك الأهلي التجاري، ويتوقع أن يفتح هذا الاتفاق المجال لدخول بنوك خليجية أخرى إلى هذا التحالف.

وبالتالي فإن الاقتصادات المتماثلة في دول المجلس والعوامل المشتركة تعطي فرصة مهمة لإيجاد تكتل اقتصادي خليجي موحد سوف يكون لاعباً رئيسياً في عصر العولمة والتجارة الدولية، ويعطي مناخاً استثمارياً وانسجاماً بين السياسات، ويدمج المنطقة وأبناءها في اقتصاد موحد.

وتتعدد المزايا التي من المتوقع أن تنعكس على دول مجلس التعاون الخليجي من جراء إقرار الوحدة النقدية الخليجية وإصدار العملة الخليجية الموحدة، منها تنمية المشاريع المستقبلية للدول الأعضاء، ودعم استقرار التبادل التجاري بين دول المجلس والعالم الخارجي، وتعزيز القدرة التنافسية للسلع الخارجية في الأسواق الخارجية إلى جانب الاستقرار في أسعار صرف العملة الخليجية؛ مما يشجع على خفض تكاليف المعاملات الخارجية، وتحقيق نوع من الوحدة والتماثل في النظام النقدي الخليجي، وتنظيم عملية عرض النقود الورقية في السوق لضمان سلامة قيمتها، وتشجيع البنوك في منطقة الخليج على تطوير ورفع أدائها على أسس مصرفية رفيعة المستوى، الأمر الذي يزيد من ثقة المواطن الخليجي بقوة البنوك الخليجية، ومن ثم يرفع حجم الودائع المحلية واستخدامها في تمويل المشاريع الضخمة في المنطقة.

ومن المتوقع أيضاً أن تحقق العملة الموحدة العديد من الإيجابيات لدول مجلس التعاون، أهمها إزالة مخاطر التقيد بأسعار الصرف وتكاليف العمليات التي يتكبدها الأفراد، والشركات من جراء تحويل العملة نتيجة لفروقات أسعار الصرف، وبالتالي يؤدي ذلك إلى زيادة التبادل التجاري والمالي وإيجاد سوق تجارية ومالية أكبر وأعمق وأكثر اندماجاً، كما يساعد ذلك على التخطيط المالي للمشاريع المستقبلية، الذي بدوره يعزز مستوى الاستثمار فيما بين دول المجلس، ويجذب مزيداً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة نتيجة لتوفر البيئة الملائمة وكبر حجم السوق لدول الخليج، علاوة على ذلك ونتيجة لارتفاع مستوى الشفافية في هيكل أسعار السلع والخدمات في أسواق دول الخليج، فمن المتوقع أن تزوّد المنافسة السعرية بما يخدم المستهلكين سواء كانوا أفراداً أو شركات.

وعلى الرغم من تلك المزايا المتعددة إلا أن هناك عوائق عديدة أمام التوصل إلى اتحاد نقدي خليجي وإصدار عملة موحدة منها التأخر في تفعيل تطبيق التعرفة الجمركية الموحدة، وهو أمر مهم، حيث تساهم التعرفة الجمركية الموحدة في تسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية؛ حتى تنتقل السلع كما لو أنها في بلد واحد، الأمر الذي سيكون بمثابة الخطوة الأولى لاستكمال إقامة السوق الخليجية المشتركة؛ وبالتالي عملة خليجية موحدة. أيضاً لا تزال هناك عوائق في تنقل الخليجيين بين دول المجلس، وإن كانت بعض الدول أقرت التنقل بالبطاقة الشخصية أو الهوية بدلاً من جوازات السفر وغيرها، كما تقف بعض التشريعات الخليجية عائقاً أمام تنقل الاستثمارات الخليجية بين الدول الأعضاء، حيث لا تزال قوانين بعض الدول تمنع دخول الخليجيين أسواق المال وتصنفهم على أنهم أجانب، والأمر أيضاً ينطبق على تملك العقارات، كما يتصور البعض أن عدم قدرة مؤسسة النقد أو البنك المركزي في الدول الأعضاء على صياغة وتنفيذ السياسة النقدية بشكل مستقل هو من السلبيات المترتبة على الانضمام للاتحاد النقدي، لكن في الواقع هذا تصور غير دقيق، خاصة في وضع دول المجلس، وذلك لأنها جميعاً تتبع سياسة سعر الصرف الثابتة، واعتماد أغلبها الدولار الأمريكي كـ (مثبت مشترك)، وبالتالي فإن السياسة النقدية المتبعة في الدول الأعضاء حالياً تقتفي بشكل عام السياسة النقدية لعملة المثبت المشترك.

تساهم التعرفة الجمركية الموحدة في تسهيل حركة البضائع بين الدول الأعضاء وتعزيز التجارة البينية

والواقع أن هناك شروطًا وقواعد يتعين على السلطات النقدية الخليجية اتخاذها قبل التوصل إلى العملة الموحدة أهمها: ضرورة  الالتزام بالجدول الزمني الذي يحدد الخطوات التمهيدية الواجب اتخاذها لتحقيق هدف الوحدة وتهيئة اقتصادات دول المجلس وزيادة قدرتها على التكيف مع التطورات الاقتصادية الإقليمية والعالمية، وكذلك تحديد الالتزامات التي يتوجب على كل دولة من الدول الأعضاء الوفاء بها، كي تتأهل دول المجلس كافة إلى الاتحاد النقدي، ومن أبرز هذه الالتزامات رسم حد أقصى للتضخم وهامش مشترك لمعدلات الفائدة ونسبة عامة للدين الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي، كما يجب إقرار مصرف مركزي ونظام مصرفي ومالي موحدين قبل إصدار العملة الموحدة، وأن تتحملدول المجلس التكلفة الأساسية للاتحاد النقدي في ضرورة التضحية بالنظام النقدي المنفصل لكل دولة وبسياسة صرف عملتها وإحلالها بنظام نقدي مركزي وسياسة صرف تابعين للاتحاد في ظل الظروف الخاصة بدول الاتحاد، الأمر الذي لا يعد انتقاصاً من السيادة الوطنية للدولة بقدر ما هو شرط ضروري لوجود عملة موحدة تحقق في النهاية صالح كل الدول، وهو ما أكدت عليه التجربة الأوروبية من أهمية القرار السياسي في تحقيق التكامل الاقتصادي، وفي ضوء ذلك يمكن استخدام شعارات أو رموز معينة من كل دول المنطقة على الفئات المختلفة للعملة المزمعة، تمثل البيئة الخليجية وفي الوقت ذاته تحافظ على التراث التاريخي لكل دولة.

إن دول المجلس ليس أمامها سوى التكامل الاقتصادي خاصة في هذه المرحلة التي تتميز بالتكتلات والاندماجات الاقتصادية والتنافس والثورة الرقمية، مما يعني ضرورة السماح بمزيد من تحرير الخدمات المالية وتشجيع المنافسة، لا سيما في ما يتعلق بالمصارف والمؤسسات المالية الخليجية ومعاملتها المعاملة الوطنية، وتفعيل قرار المجلس الأعلى بالسماح للبنوك الوطنية بفتح فروع لها بدول المجلس، وتشجيع الاندماج بين المصارف الخليجية لتكوين كيانات مصرفية كبيرة قادرة على المنافسة العالمية، وذلك تحقيقاً للاندماج المالي والالتزام بموعد العملة الموحدة وصولاً إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي.

::/fulltext::
::cck::2169::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *