في الذكرى الخامسة لاحتلال العراق: مليون قتيل عراقي

::cck::2215::/cck::
::introtext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة تصوراً رئيسياً مفاده أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بإيجاد نموذج ديمقراطي يمكن أن يحتذى في بقية دول المنطقة، وأن العراق سيكون رأس رمح للتغيير، الأمر الذي سيعزز من تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج، ويرفع من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، إلى الحد الذي يمكن معه أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لكل دول المنطقة، مما ينعكس في النهاية على استقرار المنطقة برمتها، ويؤدي إلى إيجاد نموذج عراقي يمثل نمطاً فريداً في الاستقرار والتنمية يكون نموذجاً لأن تستلهمه بقية الدول.

::/introtext::
::fulltext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة تصوراً رئيسياً مفاده أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بإيجاد نموذج ديمقراطي يمكن أن يحتذى في بقية دول المنطقة، وأن العراق سيكون رأس رمح للتغيير، الأمر الذي سيعزز من تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج، ويرفع من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، إلى الحد الذي يمكن معه أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لكل دول المنطقة، مما ينعكس في النهاية على استقرار المنطقة برمتها، ويؤدي إلى إيجاد نموذج عراقي يمثل نمطاً فريداً في الاستقرار والتنمية يكون نموذجاً لأن تستلهمه بقية الدول.

الآن، وبعد مرور خمس سنوات أضحى التساؤل المنطقي: هل تحقق هذا الافتراض على أرض الواقع، وأضحى العراق أكثر أمناً واستقراراً؟

إن مخاض الخمس سنوات الماضية من عمر الاحتلال يؤكد خطأ التصور السابق، وأن صياغته من جانب الإدارة الأمريكية تمت بمعزل عن الواقع، وافتقر للتقدير في حسابات التداعيات المحتملة للحرب على استقرار العراق وأمنه، فملامح الصورة العراقية الراهنة تؤكد أن هناك مليون عراقي قتلوا منذ الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، وذلك حسب ما أعلنته مؤخراً منظمة (هيومان رايتس ووتش) استناداً إلى دراسة ميدانية أجراها مركز استطلاع الرأي (أوبينيون ريسيرش بيرتس) الذي يتخذ من لندن مقراً له شملت حوالي 2414 عراقياً متوسط أعمارهم 18 سنة. وكان السؤال الذي وجه إلى كل منهم يستفسر عما إذا كانت أسرته قد شهدت موت أحدٍ من أفرادها بسبب أعمال العنف، وليس بسبب الشيخوخة أو المرض. وأظهرت الإجابات أن عدد القتلى في الفترة ما بين مارس 2003 وأغسطس 2007 يقدر بحوالي مليون و33 ألف شخص، وأن أكبر عدد من القتلى سجل في بغداد، حيث فقد أربعون في المائة من الأسر أحد أفرادها على الأقل. كما تحدثت الدراسة أيضاً عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في العراق من جانب القوات الأمريكية التي لم تتوقف عن تعذيب المحتجزين، إضافة إلى احتجازهم في مراكز اعتقال سرية تمارس فيها هذه الانتهاكات على نطاق واسع.

ولكي ندرك مدى فداحة الرقم، فيمكن التذكير بخلاصة الدراسة التي أجرتها مجلة (لانسيت) الطبية الرصينة في بريطانيا بعد 18 شهراً من غزو العراق، وخلصت فيها إلى أن أكثر من مائة ألف عراقي قتلوا خلال تلك الفترة، وهو ما أحدث صدمة في ذلك الوقت، حيث صرح وزير الخارجية البريطاني آنذاك جاك سترو للإذاعة البريطانية بأن حكومة بلاده ستحقق في الأمر بمنتهى الجدية.

 وتدل الدراسة الأخيرة لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) على أن الأمور تدهورت كثيراً، وأن رقم المائة ألف تضاعف عشر مرات خلال خمس سنوات حتى وصل إلى رقم المليون، الأمر الذي يعني أن ذلك البلد المنكوب فقد في كل سنة 200 ألف شخص في المتوسط.

والواقع أن مأساة العراق التي تشكلت بعد الغزو لا تتوقف عند عدد القتلى الذين ناهزوا المليون قتيل فقط، بل تتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك، فوفقاً لعلوم الحرب فإن مقابل كل قتيل يسقط جريحان آخران، أي يضاف إلى عدد القتلى ضعفهم من الجرحى والمشوهين والمقعدين.

يضاف إلى ذلك تشريد ثلاثة ملايين عراقي خارج وطنهم، وأربعة ملايين من النازحين عن بيوتهم داخل العراق، فعدد ضحايا الغزو بين قتيل وجريح ومشوه ونازح في الداخل ولاجئ في الخارج يقارب عشرة ملايين شخص، أي ما يعادل 40 في المائة من إجمالي سكان العراق، إضافة إلى حالة من الفقدان الكلي للأمن والاستقرار في العراق، وفي الجوانب الإدارية والمالية بحيث أصبح العراق من أشد دول العالم فساداً.

والواقع أن الوضع المتردي في العراق الذي أنتج ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً (بلد المليون قتيل) في ظل العام الخامس للاحتلال، ساهمت في تعزيزه مجموعة من العوامل لعل أهمها: 

أولاً:فشل العملية السياسية في العراق، مما أدى إلى تنافس القوى السياسية بل وتصارعها على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، بحيث بات من الصعب الالتفاف حول مشروع واحد للدولة العراقية الجديدة وعدم التسليم بقواعد الديمقراطية، فالعملية الديمقراطية يجب أن تتحرك بموجب قواعد.وسلامة هذه العملية تتوقف على مدى التزام أطرافها بهذه القواعد. وأظهرت خبرة السنوات الخمس الماضية أن التزام بعض الجهات السياسية بهذه القواعد ضعيف، وليست إعلانات المقاطعة أو التهديد بالانسحاب أو اللجوء إلى القوة المسلحة إلا أمثلة على ذلك. فقد تحول التنافس الطائفي والحزبي إلى صراع دموي في بعض الأحيان نتج عنه سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى على أثر الصدامات والتراشق بالأسلحة أثناء المراحل الانتخابية المتعددة، مما جعل المشهد الانتخابي لا يخلو أبداً من أحداث عنف أثرت بالسلب في العملية السياسية

ويمكن أن يعزى ذلك إلى عدم وضوح الأبعاد الديمقراطية للحياة السياسية أو عدم الإيمان بها من قبل البعض، وليس هذا مفاجئاً، فباستثناء بعض الأطراف، فإن بقية اللاعبين السياسيين ليسوا معروفين تاريخياً بكونهم ديمقراطيين. لذا نجد أنه سرعان ما تراجع مفهوم الدولة الديمقراطية لصالح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي، مما أفرغ الديمقراطية من مفهومها الحقيقي كآلية عادلة، الأمر الذي أدى إلى غياب مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة على أساس المواطنة والتركيز على إقامة سلطة على أساس التوازنات الطائفية الذي يجسد حالة التخندق الطائفي، بدلاً من بناء الحياة السياسية والتوافق الاجتماعي على أساس العيش المشترك في ظل دولة مدنية حديثة ديمقراطية تعبر عن الإطار الوطني الجامع للمكونات الاجتماعية المتعددة. فإذا كان التخندق الطائفي نتيجة لفشل مشروع الدولة، فإنه في الحالة العراقية من أسباب الفشل في إقامة دولة حديثة، مما أدى إلى انهيار الدولة العراقية بالكامل، ولم تتوجه الجهود التي قادتها الولايات المتحدة إلى إعادة بناء دولة عراقية على أسس حديثة وديمقراطية أو على أساس عقد اجتماعي-سياسي جديد، يقدم هوية وطنية تجمع مكونات المجتمع العراقي، ويإيجاد توافقاً عاماً على هوية الدولة والشراكة الحقيقية والعادلة على مستوى السلطة والثروة، مما يضمن بدوره وحدة البلاد والأمن والاستقرار والسلم الأهلي. وكان من الممكن أن يساهم تعزيز الديمقراطية، عبر مؤسساتها القوية مثل البرلمان، وأيضاً عبر سيادة القانون واحترامه من قبل الجميع وتفعيل مبدأ المواطنة، في تحسين البيئة السياسية وجعلها أقل تقبلاً للإرهاب وأقل إنتاجاً له.

ثانياً: تعاظم تأثير بعض القوى الإقليمية في الوضع العراقي وفي مقدمتها إيران وإسرائيل، فطهران استغلت حالة الفراغ الأمني في العراق، وعززت علاقاتها القوية بالكثير من القوى الشيعية من أجل تقوية نفوذها في الداخل، وبالذات في منطقة الجنوب، بشكل أصبحت معه تمثل لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل العراق بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة. ومن ناحية أخرى تزايد التغلغل الإسرائيلي في العراق رغبة في النفاذ إلى منطقة الخليج في ظل تعاظم حالة الفوضى التي يشهدها العراق، وأيضاً تعاظم النفوذ الإيراني في رسم خريطة المنطقة حالياً ومستقبلياً، حيث لم تتردد إسرائيل في الدخول على الخط، واتبعت استراتيجية متعددة الأدوات للنفاذ إلى العراق الجديد في إطار سعيها إلى اختراق منطقة الخليج، فقد استغلت حالة الفراغ التي يشهدها العراق في النفاذ إليه، وتشير العديد من التقارير إلى أنها أصبحت تتمتع بوجود قوي في منطقة الشمال الكردية، ويرجح الكثيرون أنها تقوم بدور سلبي في هذا البلد، وتحاول أن تعزز من تدهور الوضع هناك وصولاً إلى تقسيمه، لأن ذلك من شأنه أن يقوي دورها ونفوذها الإقليمي، ويحقق مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، فالعراق يمكن أن يكون الوطن (البديل) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وبشكل يساعد – طبقاً للتصور الإسرائيلي – على حل إحدى المعضلات التي تعترض عملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.

سرعان ما تراجع مفهوم الدولة الديمقراطية لصالح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي

وترى إسرائيل أيضاً أن إيجاد نظام جديد في العراق موال للولايات المتحدة قد يقبل الاعتراف بها، ويقيم علاقات دبلوماسية معها، هذا فضلاً عن فتح السوق العراقي أمام المنتجات الإسرائيلية والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وتوفير مصادر الطاقة الرخيصة التي تحتاجها إسرائيل من النفط والغاز العراقيين، خاصة إذا ما تم إحياء الحلم القديم الخاص بإعادة العمل في خط (كركوك – حيفا).

ثالثاً: لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى شركات الأمن الخاصة للمشاركة في حفظ الأمن بالعراق إلا أنها تحولت لأن تصبح أدوات لانعدام الأمن نفسه، وتتعدد الأساليب والطرائق التي تعمل بها الشركات، وأغلب هذه الأعمال أو الأساليب المتبعة لا تحكمها قواعد قانونية أو إجرائية محددة، فالحصانة القضائية ضد الملاحقة القانونية التي يتمتع بها أفرادها جعلتهم في حل من الالتزام بأي قوانين؛ حيث تقوم هذه الشركات  بعمليات قتل وتدمير وتدبير انفجارات تصب في معظمها في فئة العمليات القذرة، كما تقوم بإشعال نار الفتنة الطائفية بتنفيذ عمليات تفجير في مناطق السنة والشيعة، مما يؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا. ومن ناحية أخرى، شارك العديد من المتعاقدين الأمنيين إلى جانب العسكريين الأمريكيين في عمليات التعذيب والاستجواب التي جرت في سجن أبو غريب، والتي لا تزال ماثلة في أذهان العراقيين، ورغم محاكمة أولئك العسكريين وتلقيهم عقوبات بالسجن، فإنه لا أحد من المتعاقدين خضع لأي محاكمة أو عقاب من جانب السلطات الأمريكية. وأمام تلك المخاطر التي تفرضها أنشطة الشركات الخاصة في الاستخدام المفرط للقوة، باتت محاسبتها هي القضية الأبرز حالياً؛ خاصة أن ما تقدم منها من خدمات أمنية وعسكرية خارج أراضي الولايات المتحدة لا يَمثُل العاملون فيها أمام المحاكم العسكرية الأمريكية، كما لا يحق للحكومة العراقية ملاحقتهم. ويكمن السبب وراء عدم وجود آليات لمحاسبة المرتزقة الذين يعملون لدى تلك الشركات في توفير الإدارة الأمريكية نوعاً خاصاً من الحصانة للحيلولة دون مثولهم أمام أي محكمة، ففي يونيو 2004 أصدر بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق آنذاك، ما يُعرف بـ (القرار رقم 17)، الذي ينص على أن (العناصر التابعين للشركات الأمنية الخاصة لا يخضعون للقانون العراقي، ولا يتحملون أي التزامات قانونية خاصة بالدستور، بل هم تابعون لقوات التحالف المتعددة الجنسيات، إلا أنهم يتعهدون باحترام القانون العراقي)، وفي ما يتعلق بالمحاكم العسكرية نصّ القرار على (يحظر تماماً على القوات المتعددة الجنسيات أن تُطبق قوانينها العسكرية على العناصر التابعين للشركات الأمنية الخاصة، كما يحظر اعتقالهم أو دخولهم السجن العسكري ولو فترة مؤقتة). وبهذا النص استطاعت الإدارة الأمريكية توفير الحصانة اللازمة للمرتزقة الذين يعملون في الشركات الخاصة والذين يمثلون أحد العوامل الأساسية في حالة الانفلات الأمني التي يشهدها العراق.

رابعاً: انتقال الاستراتيجية الأمريكية إلى سياسة تسليح العشائر بعد النجاحات الجزئية التي حققتها ما يعرف بـ (مجالس الصحوة) في العراق ضد تنظيم القاعدة خاصة بعد فشل قوات الاحتلال وقوات الأمن والحرس الوطني العراقية في تحقيق الاستقرار الأمني. غير أن الزج بالعشائر في قلب الصراع المتعدد الأبعاد والقوى، سيؤدي إلى بروز قوى محلية، تفرض سيطرتها على مقاطعات مختلفة، وتنفرد بحكم هذه المناطق بمعزل عن عشائر أخرى، بوصفها سلطات محلية شرعية اكتسبت شرعيتها من عمل بطولي. ولعل ظاهرة سيطرة بعض العشائر على مناطق بعينها، وإنشاء كل قبيلة سلطتها المحلية الخاصة بها، بكل ما يتطلبه ذلك من تأسيس شرطة محلية وحتى جيش محلي تديرها هذه العائلة أو تلك القبيلة، هي ظاهرة جديدة وغير مشهودة في تاريخ العراق قد تكون شرارة الانقسام العشائري في البلاد، وما قد يتبعه من انقسام جغرافي أيضاً. ولذلك ينبغي القول إن مجالس الصحوة خلقت واقعاً جديداً في العراق، قد يصعب تخيل إمكانية الخروج منه بسهولة. والمرجح أن يزداد الأمر صعوبة إذا استمرت هذه المجالس بعيداً عن سيطرة الحكومة المركزية ولم تدمج في المؤسسات الأمنية، وبقيت تحت سيطرة زعماء العشائر بالتنسيق مع القوات الأمريكية. ومن ثم بدا واضحاً أن الاستراتيجية الأمريكية في العراق انتقلت بالفعل من مرحلة تفجير النزاع الطائفي – أي وضع طائفة بعينها في مواجهة عنيفة مع طائفة أخرى- إلى مرحلة تفجير النزاع داخل الطائفة الواحدة، كما أن تسليح العشائر والجماعات المسلحة سيؤدي إلى زيادة نفوذ القوى غير النظامية في البلاد، وإيجاد ميليشيات جديدة، ستساهم بلا شك في تفاقم الوضع المتدهور في ظل تعقد  النظام العشائري العراقي.

إن العراق في الذكرى الخامسة لاحتلاله يبدو في مفترق طرق، قد تبدو متقاطعة، لكنها مترابطة، فالعراق المنفلت أمنياً كان فرصة لتدخل القوى الإقليمية لتحقيق مصالحها، وفشلاً واضحاً للعملية السياسية واختزالها في أبعاد طائفية وحزبية، ونتيجة لذلك كله تفاقم الوضع إلى أن أصبح بلد المليون قتيل.

 

::/fulltext::

44-47-141
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2215::/cck::
::introtext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة تصوراً رئيسياً مفاده أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بإيجاد نموذج ديمقراطي يمكن أن يحتذى في بقية دول المنطقة، وأن العراق سيكون رأس رمح للتغيير، الأمر الذي سيعزز من تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج، ويرفع من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، إلى الحد الذي يمكن معه أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لكل دول المنطقة، مما ينعكس في النهاية على استقرار المنطقة برمتها، ويؤدي إلى إيجاد نموذج عراقي يمثل نمطاً فريداً في الاستقرار والتنمية يكون نموذجاً لأن تستلهمه بقية الدول.

::/introtext::
::fulltext::

قبل احتلال العراق وضعت الولايات المتحدة تصوراً رئيسياً مفاده أن الإطاحة بنظام صدام حسين كفيل بإيجاد نموذج ديمقراطي يمكن أن يحتذى في بقية دول المنطقة، وأن العراق سيكون رأس رمح للتغيير، الأمر الذي سيعزز من تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج، ويرفع من فرص التعاون بين دول المنطقة على احتمالات الصراع، إلى الحد الذي يمكن معه أن يتطور هذا التعاون إلى تحقيق شراكة أمنية واستراتيجية لكل دول المنطقة، مما ينعكس في النهاية على استقرار المنطقة برمتها، ويؤدي إلى إيجاد نموذج عراقي يمثل نمطاً فريداً في الاستقرار والتنمية يكون نموذجاً لأن تستلهمه بقية الدول.

الآن، وبعد مرور خمس سنوات أضحى التساؤل المنطقي: هل تحقق هذا الافتراض على أرض الواقع، وأضحى العراق أكثر أمناً واستقراراً؟

إن مخاض الخمس سنوات الماضية من عمر الاحتلال يؤكد خطأ التصور السابق، وأن صياغته من جانب الإدارة الأمريكية تمت بمعزل عن الواقع، وافتقر للتقدير في حسابات التداعيات المحتملة للحرب على استقرار العراق وأمنه، فملامح الصورة العراقية الراهنة تؤكد أن هناك مليون عراقي قتلوا منذ الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، وذلك حسب ما أعلنته مؤخراً منظمة (هيومان رايتس ووتش) استناداً إلى دراسة ميدانية أجراها مركز استطلاع الرأي (أوبينيون ريسيرش بيرتس) الذي يتخذ من لندن مقراً له شملت حوالي 2414 عراقياً متوسط أعمارهم 18 سنة. وكان السؤال الذي وجه إلى كل منهم يستفسر عما إذا كانت أسرته قد شهدت موت أحدٍ من أفرادها بسبب أعمال العنف، وليس بسبب الشيخوخة أو المرض. وأظهرت الإجابات أن عدد القتلى في الفترة ما بين مارس 2003 وأغسطس 2007 يقدر بحوالي مليون و33 ألف شخص، وأن أكبر عدد من القتلى سجل في بغداد، حيث فقد أربعون في المائة من الأسر أحد أفرادها على الأقل. كما تحدثت الدراسة أيضاً عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في العراق من جانب القوات الأمريكية التي لم تتوقف عن تعذيب المحتجزين، إضافة إلى احتجازهم في مراكز اعتقال سرية تمارس فيها هذه الانتهاكات على نطاق واسع.

ولكي ندرك مدى فداحة الرقم، فيمكن التذكير بخلاصة الدراسة التي أجرتها مجلة (لانسيت) الطبية الرصينة في بريطانيا بعد 18 شهراً من غزو العراق، وخلصت فيها إلى أن أكثر من مائة ألف عراقي قتلوا خلال تلك الفترة، وهو ما أحدث صدمة في ذلك الوقت، حيث صرح وزير الخارجية البريطاني آنذاك جاك سترو للإذاعة البريطانية بأن حكومة بلاده ستحقق في الأمر بمنتهى الجدية.

 وتدل الدراسة الأخيرة لمنظمة (هيومان رايتس ووتش) على أن الأمور تدهورت كثيراً، وأن رقم المائة ألف تضاعف عشر مرات خلال خمس سنوات حتى وصل إلى رقم المليون، الأمر الذي يعني أن ذلك البلد المنكوب فقد في كل سنة 200 ألف شخص في المتوسط.

والواقع أن مأساة العراق التي تشكلت بعد الغزو لا تتوقف عند عدد القتلى الذين ناهزوا المليون قتيل فقط، بل تتجاوز إلى ما هو أبعد من ذلك، فوفقاً لعلوم الحرب فإن مقابل كل قتيل يسقط جريحان آخران، أي يضاف إلى عدد القتلى ضعفهم من الجرحى والمشوهين والمقعدين.

يضاف إلى ذلك تشريد ثلاثة ملايين عراقي خارج وطنهم، وأربعة ملايين من النازحين عن بيوتهم داخل العراق، فعدد ضحايا الغزو بين قتيل وجريح ومشوه ونازح في الداخل ولاجئ في الخارج يقارب عشرة ملايين شخص، أي ما يعادل 40 في المائة من إجمالي سكان العراق، إضافة إلى حالة من الفقدان الكلي للأمن والاستقرار في العراق، وفي الجوانب الإدارية والمالية بحيث أصبح العراق من أشد دول العالم فساداً.

والواقع أن الوضع المتردي في العراق الذي أنتج ما يمكن أن نطلق عليه مجازاً (بلد المليون قتيل) في ظل العام الخامس للاحتلال، ساهمت في تعزيزه مجموعة من العوامل لعل أهمها: 

أولاً:فشل العملية السياسية في العراق، مما أدى إلى تنافس القوى السياسية بل وتصارعها على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، بحيث بات من الصعب الالتفاف حول مشروع واحد للدولة العراقية الجديدة وعدم التسليم بقواعد الديمقراطية، فالعملية الديمقراطية يجب أن تتحرك بموجب قواعد.وسلامة هذه العملية تتوقف على مدى التزام أطرافها بهذه القواعد. وأظهرت خبرة السنوات الخمس الماضية أن التزام بعض الجهات السياسية بهذه القواعد ضعيف، وليست إعلانات المقاطعة أو التهديد بالانسحاب أو اللجوء إلى القوة المسلحة إلا أمثلة على ذلك. فقد تحول التنافس الطائفي والحزبي إلى صراع دموي في بعض الأحيان نتج عنه سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى على أثر الصدامات والتراشق بالأسلحة أثناء المراحل الانتخابية المتعددة، مما جعل المشهد الانتخابي لا يخلو أبداً من أحداث عنف أثرت بالسلب في العملية السياسية

ويمكن أن يعزى ذلك إلى عدم وضوح الأبعاد الديمقراطية للحياة السياسية أو عدم الإيمان بها من قبل البعض، وليس هذا مفاجئاً، فباستثناء بعض الأطراف، فإن بقية اللاعبين السياسيين ليسوا معروفين تاريخياً بكونهم ديمقراطيين. لذا نجد أنه سرعان ما تراجع مفهوم الدولة الديمقراطية لصالح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي، مما أفرغ الديمقراطية من مفهومها الحقيقي كآلية عادلة، الأمر الذي أدى إلى غياب مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة على أساس المواطنة والتركيز على إقامة سلطة على أساس التوازنات الطائفية الذي يجسد حالة التخندق الطائفي، بدلاً من بناء الحياة السياسية والتوافق الاجتماعي على أساس العيش المشترك في ظل دولة مدنية حديثة ديمقراطية تعبر عن الإطار الوطني الجامع للمكونات الاجتماعية المتعددة. فإذا كان التخندق الطائفي نتيجة لفشل مشروع الدولة، فإنه في الحالة العراقية من أسباب الفشل في إقامة دولة حديثة، مما أدى إلى انهيار الدولة العراقية بالكامل، ولم تتوجه الجهود التي قادتها الولايات المتحدة إلى إعادة بناء دولة عراقية على أسس حديثة وديمقراطية أو على أساس عقد اجتماعي-سياسي جديد، يقدم هوية وطنية تجمع مكونات المجتمع العراقي، ويإيجاد توافقاً عاماً على هوية الدولة والشراكة الحقيقية والعادلة على مستوى السلطة والثروة، مما يضمن بدوره وحدة البلاد والأمن والاستقرار والسلم الأهلي. وكان من الممكن أن يساهم تعزيز الديمقراطية، عبر مؤسساتها القوية مثل البرلمان، وأيضاً عبر سيادة القانون واحترامه من قبل الجميع وتفعيل مبدأ المواطنة، في تحسين البيئة السياسية وجعلها أقل تقبلاً للإرهاب وأقل إنتاجاً له.

ثانياً: تعاظم تأثير بعض القوى الإقليمية في الوضع العراقي وفي مقدمتها إيران وإسرائيل، فطهران استغلت حالة الفراغ الأمني في العراق، وعززت علاقاتها القوية بالكثير من القوى الشيعية من أجل تقوية نفوذها في الداخل، وبالذات في منطقة الجنوب، بشكل أصبحت معه تمثل لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل العراق بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة. ومن ناحية أخرى تزايد التغلغل الإسرائيلي في العراق رغبة في النفاذ إلى منطقة الخليج في ظل تعاظم حالة الفوضى التي يشهدها العراق، وأيضاً تعاظم النفوذ الإيراني في رسم خريطة المنطقة حالياً ومستقبلياً، حيث لم تتردد إسرائيل في الدخول على الخط، واتبعت استراتيجية متعددة الأدوات للنفاذ إلى العراق الجديد في إطار سعيها إلى اختراق منطقة الخليج، فقد استغلت حالة الفراغ التي يشهدها العراق في النفاذ إليه، وتشير العديد من التقارير إلى أنها أصبحت تتمتع بوجود قوي في منطقة الشمال الكردية، ويرجح الكثيرون أنها تقوم بدور سلبي في هذا البلد، وتحاول أن تعزز من تدهور الوضع هناك وصولاً إلى تقسيمه، لأن ذلك من شأنه أن يقوي دورها ونفوذها الإقليمي، ويحقق مصالحها الاستراتيجية بعيدة المدى، فالعراق يمكن أن يكون الوطن (البديل) لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وبشكل يساعد – طبقاً للتصور الإسرائيلي – على حل إحدى المعضلات التي تعترض عملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي.

سرعان ما تراجع مفهوم الدولة الديمقراطية لصالح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي

وترى إسرائيل أيضاً أن إيجاد نظام جديد في العراق موال للولايات المتحدة قد يقبل الاعتراف بها، ويقيم علاقات دبلوماسية معها، هذا فضلاً عن فتح السوق العراقي أمام المنتجات الإسرائيلية والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وتوفير مصادر الطاقة الرخيصة التي تحتاجها إسرائيل من النفط والغاز العراقيين، خاصة إذا ما تم إحياء الحلم القديم الخاص بإعادة العمل في خط (كركوك – حيفا).

ثالثاً: لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى شركات الأمن الخاصة للمشاركة في حفظ الأمن بالعراق إلا أنها تحولت لأن تصبح أدوات لانعدام الأمن نفسه، وتتعدد الأساليب والطرائق التي تعمل بها الشركات، وأغلب هذه الأعمال أو الأساليب المتبعة لا تحكمها قواعد قانونية أو إجرائية محددة، فالحصانة القضائية ضد الملاحقة القانونية التي يتمتع بها أفرادها جعلتهم في حل من الالتزام بأي قوانين؛ حيث تقوم هذه الشركات  بعمليات قتل وتدمير وتدبير انفجارات تصب في معظمها في فئة العمليات القذرة، كما تقوم بإشعال نار الفتنة الطائفية بتنفيذ عمليات تفجير في مناطق السنة والشيعة، مما يؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا. ومن ناحية أخرى، شارك العديد من المتعاقدين الأمنيين إلى جانب العسكريين الأمريكيين في عمليات التعذيب والاستجواب التي جرت في سجن أبو غريب، والتي لا تزال ماثلة في أذهان العراقيين، ورغم محاكمة أولئك العسكريين وتلقيهم عقوبات بالسجن، فإنه لا أحد من المتعاقدين خضع لأي محاكمة أو عقاب من جانب السلطات الأمريكية. وأمام تلك المخاطر التي تفرضها أنشطة الشركات الخاصة في الاستخدام المفرط للقوة، باتت محاسبتها هي القضية الأبرز حالياً؛ خاصة أن ما تقدم منها من خدمات أمنية وعسكرية خارج أراضي الولايات المتحدة لا يَمثُل العاملون فيها أمام المحاكم العسكرية الأمريكية، كما لا يحق للحكومة العراقية ملاحقتهم. ويكمن السبب وراء عدم وجود آليات لمحاسبة المرتزقة الذين يعملون لدى تلك الشركات في توفير الإدارة الأمريكية نوعاً خاصاً من الحصانة للحيلولة دون مثولهم أمام أي محكمة، ففي يونيو 2004 أصدر بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق آنذاك، ما يُعرف بـ (القرار رقم 17)، الذي ينص على أن (العناصر التابعين للشركات الأمنية الخاصة لا يخضعون للقانون العراقي، ولا يتحملون أي التزامات قانونية خاصة بالدستور، بل هم تابعون لقوات التحالف المتعددة الجنسيات، إلا أنهم يتعهدون باحترام القانون العراقي)، وفي ما يتعلق بالمحاكم العسكرية نصّ القرار على (يحظر تماماً على القوات المتعددة الجنسيات أن تُطبق قوانينها العسكرية على العناصر التابعين للشركات الأمنية الخاصة، كما يحظر اعتقالهم أو دخولهم السجن العسكري ولو فترة مؤقتة). وبهذا النص استطاعت الإدارة الأمريكية توفير الحصانة اللازمة للمرتزقة الذين يعملون في الشركات الخاصة والذين يمثلون أحد العوامل الأساسية في حالة الانفلات الأمني التي يشهدها العراق.

رابعاً: انتقال الاستراتيجية الأمريكية إلى سياسة تسليح العشائر بعد النجاحات الجزئية التي حققتها ما يعرف بـ (مجالس الصحوة) في العراق ضد تنظيم القاعدة خاصة بعد فشل قوات الاحتلال وقوات الأمن والحرس الوطني العراقية في تحقيق الاستقرار الأمني. غير أن الزج بالعشائر في قلب الصراع المتعدد الأبعاد والقوى، سيؤدي إلى بروز قوى محلية، تفرض سيطرتها على مقاطعات مختلفة، وتنفرد بحكم هذه المناطق بمعزل عن عشائر أخرى، بوصفها سلطات محلية شرعية اكتسبت شرعيتها من عمل بطولي. ولعل ظاهرة سيطرة بعض العشائر على مناطق بعينها، وإنشاء كل قبيلة سلطتها المحلية الخاصة بها، بكل ما يتطلبه ذلك من تأسيس شرطة محلية وحتى جيش محلي تديرها هذه العائلة أو تلك القبيلة، هي ظاهرة جديدة وغير مشهودة في تاريخ العراق قد تكون شرارة الانقسام العشائري في البلاد، وما قد يتبعه من انقسام جغرافي أيضاً. ولذلك ينبغي القول إن مجالس الصحوة خلقت واقعاً جديداً في العراق، قد يصعب تخيل إمكانية الخروج منه بسهولة. والمرجح أن يزداد الأمر صعوبة إذا استمرت هذه المجالس بعيداً عن سيطرة الحكومة المركزية ولم تدمج في المؤسسات الأمنية، وبقيت تحت سيطرة زعماء العشائر بالتنسيق مع القوات الأمريكية. ومن ثم بدا واضحاً أن الاستراتيجية الأمريكية في العراق انتقلت بالفعل من مرحلة تفجير النزاع الطائفي – أي وضع طائفة بعينها في مواجهة عنيفة مع طائفة أخرى- إلى مرحلة تفجير النزاع داخل الطائفة الواحدة، كما أن تسليح العشائر والجماعات المسلحة سيؤدي إلى زيادة نفوذ القوى غير النظامية في البلاد، وإيجاد ميليشيات جديدة، ستساهم بلا شك في تفاقم الوضع المتدهور في ظل تعقد  النظام العشائري العراقي.

إن العراق في الذكرى الخامسة لاحتلاله يبدو في مفترق طرق، قد تبدو متقاطعة، لكنها مترابطة، فالعراق المنفلت أمنياً كان فرصة لتدخل القوى الإقليمية لتحقيق مصالحها، وفشلاً واضحاً للعملية السياسية واختزالها في أبعاد طائفية وحزبية، ونتيجة لذلك كله تفاقم الوضع إلى أن أصبح بلد المليون قتيل.

 

::/fulltext::
::cck::2215::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *