مشاركة المرأة السياسية في الخليج: طريق محفوف بالتحديات

::cck::2306::/cck::
::introtext::

يثير عدم فوز المرأة في الكويت بأي مقعد من مقاعد مجلس الأمة الخمسين، التساؤلات القديمة نفسها التي أثارها فشل النساء في دول الخليج الأخرى في الوصول سواء إلى المجالس البلدية أو الشورى أو غيرها من المجالس المنتخبة، تساؤلات حول كفاءة المرأة، وحول ثقة الناخب فيها، وأيضاً تساؤلات تدخل في عمق تركيبة مجتمعات الخليج تتعلق بالقبلية وسيطرة العقلية الذكورية، ورفض وجود النساء أو مشاركتهن في الحياة العامة.

::/introtext::
::fulltext::

يثير عدم فوز المرأة في الكويت بأي مقعد من مقاعد مجلس الأمة الخمسين، التساؤلات القديمة نفسها التي أثارها فشل النساء في دول الخليج الأخرى في الوصول سواء إلى المجالس البلدية أو الشورى أو غيرها من المجالس المنتخبة، تساؤلات حول كفاءة المرأة، وحول ثقة الناخب فيها، وأيضاً تساؤلات تدخل في عمق تركيبة مجتمعات الخليج تتعلق بالقبلية وسيطرة العقلية الذكورية، ورفض وجود النساء أو مشاركتهن في الحياة العامة.

لكن أكثر العبارات التي تتردد عقب انتخابات تفشل فيها المرأة في تحقيق فوز أوالحصول على مقعد، هي عبارة أن المرأة عدوة المرأة، وهي عبارة تحيط بها الكثير من المغالطات الاستقرائية، لأنها تفترض حكماً أن على المرأة أن تصوّت للمرأة لأنها امرأة. وقبل الشروع بمناقشة هذا الجانب، يمكنني القول إنه يفترض أن تصوّت المرأة للمرأة في حال أنها كانت كفؤة، والناخبة مقتنعة بها، هذا حق لكل شخص، وهو حق من وجهة نظري مضاعف للمرأة لأنها تحتاج إلى الدعم والمساندة خاصة من المرأة طالما أنها تمتلك شروط تؤهلها لتمثيل مجتمعها أو الدائرة التي تترشح عنها من جهة، وتقدم تمثيلاً مناسباً للمرأة من جهة أخرى.

في الكويتبلغ عدد الناخبات في الكويت مائتي ألف وخمسمائة ناخبة مقابل مائة وواحد وستين ألفاً ومائتي ناخب، إذ إن العسكريين، وهم جميعهم من الرجال، لا يتمتعون بحق التصويت، ولهذا فإن توقعات بفوز ولو امرأة واحدة كان أمراً وارداً، وخاصة مع الحملات الإعلامية الكبيرة التي كثفت حول مشاركة المرأة لا سيما بعد ثلاث سنوات من السماح للمرأة الكويتية بالمشاركة في الانتخابات، وسعيها جاهدة إلى دخول مجلس الأمة خلال الانتخابات السابقة، غير أن حظوظها في هذه الدورة لم تكن أفضل مما كانت عليه عام 2006 عندما لم تنجح أي مرشحة.

ويبدو أن المرأة في الكويت، التي لم تحظ بدعم الإسلاميين في السابق، لحصولها على حقوقها السياسية، تتجاهلها الكتل السياسية، وأن الناخبات أيضاً لا يدعمنها ويفضلن مرشحين من الرجال في مجتمع قبلي محافظ.

إن عدم نجاح أي من المرشحات السبع والعشرين اللواتي خضن الانتخابات الأخيرة في السابع عشر من مايو 2008، وأيضاً في الانتخابات السابقة في يونيو 2006، وفشلها في الدخول تحت قبة البرلمان، رغم أن بعضهن كن في مواقع جيدة لتحقيق الفوز، يذكر أيضاً بغياب العُمانيات لأول مرة عن مقاعد مجلس الشورى، بعد أن حققت امرأتان نجاحاً مهماً في أول انتخابات شاركت فيها المرأة العمانية عام 1994 واستمر وجود المرأة في مجلس الشورى العماني ممثلاً بمقعدين حتى عام 2007.

فإذا كان ضيق الوقت يعد ضمن أسباب إخفاق الكويتية، فما الذي يضع العمانية خارج اللعبة بعد ممارستها لها لأربعة عشر عاماً؟ وكذلك القطرية عن المجلس البلدي، وكذلك تعثر خطوات البحرينية، وتلمس الخطوات الأولى للمرأة والرجل على حد سواء نحو ممارسة انتخابية في دول مثل الإمارات والسعودية.

إن مسألة غياب المرأة عن البرلمانات والمجالس المنتخبة، أمر عام في أغلب الدول العربية إن لم يكن كلها، وقد يكتسب خصوصية ما في الخليج، نظراً لمحافظة مجتمع الخليج وقبليته التي تفضل الرجل على المرأة باستثناءات نادرة جداً.

وغير ذلك، هناك أسباب موضوعية ومنطقية تتعلق بالمرأة نفسها أكثر مما تتعلق بتفضيل المجتمع للرجل، فالإجابة عن سؤال لماذا يفضل الناخبون والناخبات الرجل على المرأة؟ هي أن الرجل أكثر خبرة في مجال الحياة العامة وخدمة المجتمع سياسياً على وجه الخصوص، والمرأة لم تحظ بتجربة مماثلة، ولهذا فإن الناخب ذكراً كان أم أنثى لن يصوّت لمن لا يملك الخبرة على حساب الخبير.

 ولكن إن صح هذا الاستنتاج، فإن الرجل ليس خبيراً في كل الأحوال، ويتم التصويت له رغم قلة خبرته وضحالة تعليمه، ويذهب الناخبون ويدلون بأصواتهم له لأنه رجل أو لانتمائه لقبيلة دون أخرى أو لتيار معين أو للأموال التي ضخها أثناء حملته الانتخابية.

إذاً ما هي مشكلة المرأة على وجه التحديد؟ هل هي مشكلة خاصة تتعلق بذات المرأة وكونها، أم بنظرة المجتمع وتقييمه للمرأة بأنها مخلوق أضعف من الرجل، أم أنها أفضلية الرجل المطلقة؟ أعتقد أنها محصلة كل هذه العوامل، بالإضافة إلى ذلك هناك عوامل تزيد الوضع حدة، وهي التنافس بين الرجل والمرأة على القوة والسلطة التي يحكم عليها الرجل قبضته منذ خلق الله البسيطة ومن عليها، وليس من السهل عليه أن يتنازل عنها للمرأة حتى لو كانت أكثر كفاءة وقدرة على خدمة المجتمع وتمثيله في المجالس المنتخبة.

ويرى بعض المراقبين أن الحل يكمن في تخصيص مقاعد للمرأة في كل المجالس المنتخبة، على الرغم من أن الكثيرين يرفضون هذا المبدأ بوصفه مخلاً بمعايير الكفاءة، من حيث إنه قد يضع نساء غير كفوءات في المجالس، وبالتالي لن يشكلن تمثيلاً منصفاً للمرأة. والواقع أن من بين هؤلاء نساء كثراً يعتقدن أن (الكوتا) أو التخصيص قد يكون غير منصف للنساء، ولكنني أعتقد أن الكوتا قد تشكل حلاً وتمييزاً إيجابياً، وقد تحقق ما عجزت عن تحقيقه الحملات الانتخابية، إذا ما اعتبرت الكوتا خطوة مؤقتة، وحالما تعوّد المجتمع على وجود المرأة في المجالس، وخبر كفاءتها وقدرتها على الخدمة العامة فإنه يمكن التخلي عنها.

(الكوتا) قد تشكل حلاً وتمييزاً إيجابياً، وقد تحقق ما عجزت عن تحقيقه الحملات الانتخابية

وثمة خطوة إجرائية أخرى تقوم بها حالياً دول الخليج، هي تعيين المرأة في مناصب قيادية من قبل القيادات السياسية أو الحكومات، على الرغم من أن هذا الإجراء لم يؤت ثماره على صعيد الانتخاب، في دولة مثل سلطنة عمان، حيث توجد أربع وزيرات معينات في وزارات مهمة على الصعيد الخدمي، ومع ذلك لم تفز أية امرأة في انتخابات مجلس الشورى في أكتوبر 2007، وفي الوقت الذي فازت فيه امرأتان في كل دورة انتخابية لم تكن قد عينت أي امرأة في منصب رفيع. لكن كل هذه الخطوات تحتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً لإدراك فاعليتها.

لا يزال تمثيل المرأة في المناصب المعينة قليلاً جداً مقارنة بنسبة عدد النساء في كل مجتمع، التي تصل إلى النصف أو تزيد في معظم مجتمعات الخليج، ولهذا فإن وجود عدد أكبر من النساء في هذه المناصب يساعد كثيراً على تقبل المرأة في المجالس العامة المنتخبة.

وأشارت بعض الناشطات في الخليج إلى أهمية التحالف مع وسائل الإعلام المحلية والإقليمية في دول الخليج، وذلك بهدف التعريف بالمرأة أولاً، وإبراز دورها ثانياً، حيث تحتل نساء كثر مراكز قيادية سواء في القطاعات الحكومية أو الخاصة، ولكن يفتقر المجتمع إلى المعلومات حولهن، وحول ما يقمن به من أعمال. ولهذا فإن الإعلام قد يقوم بتوفير بيئة للحوار أو التواصل بين هؤلاء النساء وجمهور الناخبين المحتملين.

وهنا آتي إلى دور المجتمع المدني ومؤسساته، وأهمية تفعيل أنشطته باتجاه يدعم المرأة ويساند ترشحها لمقاعد منتخبة. ففي دول الخليج الجمعيات السياسية والأحزاب محظورة، وبالتالي فإن الدعم السياسي الذي تنشده المرأة لن تحصل عليه بشكل مباشر، وأيضاً لن تحصل عليه بطبيعة الحال في أغلب الأحيان من القبيلة أو مجموع النساء الناخبات.

ولكن العمل (الجمعوي) أو المدني كفيل بتقديم دعم معنوي ومادي في تنظيم الحملات الانتخابية، وتوفير فضاء للحوار واللقاء والتعارف كفيل أيضاً بتحريض النساء على التحزب الإيجابي لدعم المرأة التي يعتقدن أنها تمثلهن تمثيلاً جيداً وصادقاً، ومن هنا يأتي الدور الأهم للجمعيات أو مؤسسات المجتمع المدني وهو تدريب النساء وتأهيلهن للمناصب العامة، ومساعدتهن على خوض الانتخابات، وإقناع الناخبين بكفاءتهن، وتقديمهن لوسائل الإعلام حتى تتم الدعاية لهن على نطاق واسع.

ولا يبدو أن النساء في الخليج يعانين من مشكلة كناخبات بقدر ما يعانين كمرشحات، فالمرأة يتم استغلالها كناخبة كثيراً، وبسبب كثرة عدد النساء الناخبات يضطر إلى طلب ودهن المرشحون، ولهذا يصبحن العملة الصعبة التي ترجح كفة مرشح عن آخر. فالمرأة الناخبة مطالبة في حال كفاءة المرشحة بمساندتها ودفعها للفوز بمقاعد في المجلس أو البرلمان، لأن فوز المرشحة ووجودها في مقعد منتخب لا يمثلان الدائرة التي ترشحت عنها، بل يمثلان المرأة.

والمرأة الناخبة يجب أن تعي حاجتها للتمثيل، لأن الكثير من حقوق النساء لا تزال غائبة أو مغيبة، وأيضاً الكثير من التمييز لا يزال يمارس رغم توقيع كل دول الخليج على اتفاقيات دولية معنية بتعزيز مكانة المرأة الإنسانية والمهنية، مثل اتفاقية إزالة كافة أنواع التمييز ضد المرأة، ورغم الصورة اللامعة التي تقدمها الحكومات عن إنجازاتها للمرأة، فإنه لا تزال الكثير من قوانين الأحوال الشخصية والقوانين المدنية الأخرى تجحف المرأة حقها، بل وتتعارض مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تم التوقيع عليها، وفي بعض الدول لا يوجد قانون للأحوال الشخصية ينظم حياة المرأة، ويمنحها الشعور بالقوة والتمكين.

ولا يمكن تجاهل دور التعليم في كافة مراحله، التعليم الذي يشمل الإناث والذكور، والذي يؤسس في الأذهان فكرة المساواة في الحقوق والواجبات، ويرسي قواعد المواطنة، التي لا فضل فيها لذكر على أنثى إلا بالكفاءة والقدرة على الإنجاز وتحقيق الأفضل. إذاً فإن تمكين المرأة ذاتها منذ البداية لا يعزز ثقتها بنفسها فقط، بل إنه يعزز ثقة المجتمع بها.

إن كل النماذج الناجحة من النساء اللواتي سعين إلى تحقيق إنجازات فعلية تطلب الأمر منها جهداً أكبر مما يبذله الرجل، وإذا كان قدر المرأة أن تقدم أكثر لتحصل على الأقل، فإن جهد نساء كثيرات في مجتمع كبير قد يزيد من فرص المرأة، وتواطؤ الرجال المنفتحين وإيمانهم بأهمية دور المرأة وكفاءتهن، سيزيد بدوره من فرص حصول المجتمع على أفضل كفاءاته وقدراته.

 

::/fulltext::

45-36-f8d
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2306::/cck::
::introtext::

يثير عدم فوز المرأة في الكويت بأي مقعد من مقاعد مجلس الأمة الخمسين، التساؤلات القديمة نفسها التي أثارها فشل النساء في دول الخليج الأخرى في الوصول سواء إلى المجالس البلدية أو الشورى أو غيرها من المجالس المنتخبة، تساؤلات حول كفاءة المرأة، وحول ثقة الناخب فيها، وأيضاً تساؤلات تدخل في عمق تركيبة مجتمعات الخليج تتعلق بالقبلية وسيطرة العقلية الذكورية، ورفض وجود النساء أو مشاركتهن في الحياة العامة.

::/introtext::
::fulltext::

يثير عدم فوز المرأة في الكويت بأي مقعد من مقاعد مجلس الأمة الخمسين، التساؤلات القديمة نفسها التي أثارها فشل النساء في دول الخليج الأخرى في الوصول سواء إلى المجالس البلدية أو الشورى أو غيرها من المجالس المنتخبة، تساؤلات حول كفاءة المرأة، وحول ثقة الناخب فيها، وأيضاً تساؤلات تدخل في عمق تركيبة مجتمعات الخليج تتعلق بالقبلية وسيطرة العقلية الذكورية، ورفض وجود النساء أو مشاركتهن في الحياة العامة.

لكن أكثر العبارات التي تتردد عقب انتخابات تفشل فيها المرأة في تحقيق فوز أوالحصول على مقعد، هي عبارة أن المرأة عدوة المرأة، وهي عبارة تحيط بها الكثير من المغالطات الاستقرائية، لأنها تفترض حكماً أن على المرأة أن تصوّت للمرأة لأنها امرأة. وقبل الشروع بمناقشة هذا الجانب، يمكنني القول إنه يفترض أن تصوّت المرأة للمرأة في حال أنها كانت كفؤة، والناخبة مقتنعة بها، هذا حق لكل شخص، وهو حق من وجهة نظري مضاعف للمرأة لأنها تحتاج إلى الدعم والمساندة خاصة من المرأة طالما أنها تمتلك شروط تؤهلها لتمثيل مجتمعها أو الدائرة التي تترشح عنها من جهة، وتقدم تمثيلاً مناسباً للمرأة من جهة أخرى.

في الكويتبلغ عدد الناخبات في الكويت مائتي ألف وخمسمائة ناخبة مقابل مائة وواحد وستين ألفاً ومائتي ناخب، إذ إن العسكريين، وهم جميعهم من الرجال، لا يتمتعون بحق التصويت، ولهذا فإن توقعات بفوز ولو امرأة واحدة كان أمراً وارداً، وخاصة مع الحملات الإعلامية الكبيرة التي كثفت حول مشاركة المرأة لا سيما بعد ثلاث سنوات من السماح للمرأة الكويتية بالمشاركة في الانتخابات، وسعيها جاهدة إلى دخول مجلس الأمة خلال الانتخابات السابقة، غير أن حظوظها في هذه الدورة لم تكن أفضل مما كانت عليه عام 2006 عندما لم تنجح أي مرشحة.

ويبدو أن المرأة في الكويت، التي لم تحظ بدعم الإسلاميين في السابق، لحصولها على حقوقها السياسية، تتجاهلها الكتل السياسية، وأن الناخبات أيضاً لا يدعمنها ويفضلن مرشحين من الرجال في مجتمع قبلي محافظ.

إن عدم نجاح أي من المرشحات السبع والعشرين اللواتي خضن الانتخابات الأخيرة في السابع عشر من مايو 2008، وأيضاً في الانتخابات السابقة في يونيو 2006، وفشلها في الدخول تحت قبة البرلمان، رغم أن بعضهن كن في مواقع جيدة لتحقيق الفوز، يذكر أيضاً بغياب العُمانيات لأول مرة عن مقاعد مجلس الشورى، بعد أن حققت امرأتان نجاحاً مهماً في أول انتخابات شاركت فيها المرأة العمانية عام 1994 واستمر وجود المرأة في مجلس الشورى العماني ممثلاً بمقعدين حتى عام 2007.

فإذا كان ضيق الوقت يعد ضمن أسباب إخفاق الكويتية، فما الذي يضع العمانية خارج اللعبة بعد ممارستها لها لأربعة عشر عاماً؟ وكذلك القطرية عن المجلس البلدي، وكذلك تعثر خطوات البحرينية، وتلمس الخطوات الأولى للمرأة والرجل على حد سواء نحو ممارسة انتخابية في دول مثل الإمارات والسعودية.

إن مسألة غياب المرأة عن البرلمانات والمجالس المنتخبة، أمر عام في أغلب الدول العربية إن لم يكن كلها، وقد يكتسب خصوصية ما في الخليج، نظراً لمحافظة مجتمع الخليج وقبليته التي تفضل الرجل على المرأة باستثناءات نادرة جداً.

وغير ذلك، هناك أسباب موضوعية ومنطقية تتعلق بالمرأة نفسها أكثر مما تتعلق بتفضيل المجتمع للرجل، فالإجابة عن سؤال لماذا يفضل الناخبون والناخبات الرجل على المرأة؟ هي أن الرجل أكثر خبرة في مجال الحياة العامة وخدمة المجتمع سياسياً على وجه الخصوص، والمرأة لم تحظ بتجربة مماثلة، ولهذا فإن الناخب ذكراً كان أم أنثى لن يصوّت لمن لا يملك الخبرة على حساب الخبير.

 ولكن إن صح هذا الاستنتاج، فإن الرجل ليس خبيراً في كل الأحوال، ويتم التصويت له رغم قلة خبرته وضحالة تعليمه، ويذهب الناخبون ويدلون بأصواتهم له لأنه رجل أو لانتمائه لقبيلة دون أخرى أو لتيار معين أو للأموال التي ضخها أثناء حملته الانتخابية.

إذاً ما هي مشكلة المرأة على وجه التحديد؟ هل هي مشكلة خاصة تتعلق بذات المرأة وكونها، أم بنظرة المجتمع وتقييمه للمرأة بأنها مخلوق أضعف من الرجل، أم أنها أفضلية الرجل المطلقة؟ أعتقد أنها محصلة كل هذه العوامل، بالإضافة إلى ذلك هناك عوامل تزيد الوضع حدة، وهي التنافس بين الرجل والمرأة على القوة والسلطة التي يحكم عليها الرجل قبضته منذ خلق الله البسيطة ومن عليها، وليس من السهل عليه أن يتنازل عنها للمرأة حتى لو كانت أكثر كفاءة وقدرة على خدمة المجتمع وتمثيله في المجالس المنتخبة.

ويرى بعض المراقبين أن الحل يكمن في تخصيص مقاعد للمرأة في كل المجالس المنتخبة، على الرغم من أن الكثيرين يرفضون هذا المبدأ بوصفه مخلاً بمعايير الكفاءة، من حيث إنه قد يضع نساء غير كفوءات في المجالس، وبالتالي لن يشكلن تمثيلاً منصفاً للمرأة. والواقع أن من بين هؤلاء نساء كثراً يعتقدن أن (الكوتا) أو التخصيص قد يكون غير منصف للنساء، ولكنني أعتقد أن الكوتا قد تشكل حلاً وتمييزاً إيجابياً، وقد تحقق ما عجزت عن تحقيقه الحملات الانتخابية، إذا ما اعتبرت الكوتا خطوة مؤقتة، وحالما تعوّد المجتمع على وجود المرأة في المجالس، وخبر كفاءتها وقدرتها على الخدمة العامة فإنه يمكن التخلي عنها.

(الكوتا) قد تشكل حلاً وتمييزاً إيجابياً، وقد تحقق ما عجزت عن تحقيقه الحملات الانتخابية

وثمة خطوة إجرائية أخرى تقوم بها حالياً دول الخليج، هي تعيين المرأة في مناصب قيادية من قبل القيادات السياسية أو الحكومات، على الرغم من أن هذا الإجراء لم يؤت ثماره على صعيد الانتخاب، في دولة مثل سلطنة عمان، حيث توجد أربع وزيرات معينات في وزارات مهمة على الصعيد الخدمي، ومع ذلك لم تفز أية امرأة في انتخابات مجلس الشورى في أكتوبر 2007، وفي الوقت الذي فازت فيه امرأتان في كل دورة انتخابية لم تكن قد عينت أي امرأة في منصب رفيع. لكن كل هذه الخطوات تحتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً لإدراك فاعليتها.

لا يزال تمثيل المرأة في المناصب المعينة قليلاً جداً مقارنة بنسبة عدد النساء في كل مجتمع، التي تصل إلى النصف أو تزيد في معظم مجتمعات الخليج، ولهذا فإن وجود عدد أكبر من النساء في هذه المناصب يساعد كثيراً على تقبل المرأة في المجالس العامة المنتخبة.

وأشارت بعض الناشطات في الخليج إلى أهمية التحالف مع وسائل الإعلام المحلية والإقليمية في دول الخليج، وذلك بهدف التعريف بالمرأة أولاً، وإبراز دورها ثانياً، حيث تحتل نساء كثر مراكز قيادية سواء في القطاعات الحكومية أو الخاصة، ولكن يفتقر المجتمع إلى المعلومات حولهن، وحول ما يقمن به من أعمال. ولهذا فإن الإعلام قد يقوم بتوفير بيئة للحوار أو التواصل بين هؤلاء النساء وجمهور الناخبين المحتملين.

وهنا آتي إلى دور المجتمع المدني ومؤسساته، وأهمية تفعيل أنشطته باتجاه يدعم المرأة ويساند ترشحها لمقاعد منتخبة. ففي دول الخليج الجمعيات السياسية والأحزاب محظورة، وبالتالي فإن الدعم السياسي الذي تنشده المرأة لن تحصل عليه بشكل مباشر، وأيضاً لن تحصل عليه بطبيعة الحال في أغلب الأحيان من القبيلة أو مجموع النساء الناخبات.

ولكن العمل (الجمعوي) أو المدني كفيل بتقديم دعم معنوي ومادي في تنظيم الحملات الانتخابية، وتوفير فضاء للحوار واللقاء والتعارف كفيل أيضاً بتحريض النساء على التحزب الإيجابي لدعم المرأة التي يعتقدن أنها تمثلهن تمثيلاً جيداً وصادقاً، ومن هنا يأتي الدور الأهم للجمعيات أو مؤسسات المجتمع المدني وهو تدريب النساء وتأهيلهن للمناصب العامة، ومساعدتهن على خوض الانتخابات، وإقناع الناخبين بكفاءتهن، وتقديمهن لوسائل الإعلام حتى تتم الدعاية لهن على نطاق واسع.

ولا يبدو أن النساء في الخليج يعانين من مشكلة كناخبات بقدر ما يعانين كمرشحات، فالمرأة يتم استغلالها كناخبة كثيراً، وبسبب كثرة عدد النساء الناخبات يضطر إلى طلب ودهن المرشحون، ولهذا يصبحن العملة الصعبة التي ترجح كفة مرشح عن آخر. فالمرأة الناخبة مطالبة في حال كفاءة المرشحة بمساندتها ودفعها للفوز بمقاعد في المجلس أو البرلمان، لأن فوز المرشحة ووجودها في مقعد منتخب لا يمثلان الدائرة التي ترشحت عنها، بل يمثلان المرأة.

والمرأة الناخبة يجب أن تعي حاجتها للتمثيل، لأن الكثير من حقوق النساء لا تزال غائبة أو مغيبة، وأيضاً الكثير من التمييز لا يزال يمارس رغم توقيع كل دول الخليج على اتفاقيات دولية معنية بتعزيز مكانة المرأة الإنسانية والمهنية، مثل اتفاقية إزالة كافة أنواع التمييز ضد المرأة، ورغم الصورة اللامعة التي تقدمها الحكومات عن إنجازاتها للمرأة، فإنه لا تزال الكثير من قوانين الأحوال الشخصية والقوانين المدنية الأخرى تجحف المرأة حقها، بل وتتعارض مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تم التوقيع عليها، وفي بعض الدول لا يوجد قانون للأحوال الشخصية ينظم حياة المرأة، ويمنحها الشعور بالقوة والتمكين.

ولا يمكن تجاهل دور التعليم في كافة مراحله، التعليم الذي يشمل الإناث والذكور، والذي يؤسس في الأذهان فكرة المساواة في الحقوق والواجبات، ويرسي قواعد المواطنة، التي لا فضل فيها لذكر على أنثى إلا بالكفاءة والقدرة على الإنجاز وتحقيق الأفضل. إذاً فإن تمكين المرأة ذاتها منذ البداية لا يعزز ثقتها بنفسها فقط، بل إنه يعزز ثقة المجتمع بها.

إن كل النماذج الناجحة من النساء اللواتي سعين إلى تحقيق إنجازات فعلية تطلب الأمر منها جهداً أكبر مما يبذله الرجل، وإذا كان قدر المرأة أن تقدم أكثر لتحصل على الأقل، فإن جهد نساء كثيرات في مجتمع كبير قد يزيد من فرص المرأة، وتواطؤ الرجال المنفتحين وإيمانهم بأهمية دور المرأة وكفاءتهن، سيزيد بدوره من فرص حصول المجتمع على أفضل كفاءاته وقدراته.

 

::/fulltext::
::cck::2306::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *