سِفر “التكوين” النووي الإيراني وسِفر “الخروج” العسكري الأمريكي

::cck::2317::/cck::
::introtext::

بعد شدّ وجذب دام نحو سنتين أو يزيد، يقترب “الملف النووي” الإيراني من الزاوية الحرجة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة كحد أقصى، بما يجعله الملف رقم واحد على طاولة زعماء العالم.هذا هو الانطباع الذي ترغب واشنطن في أن تعطيه للعالم وبتحريض واضح من حكومة تل أبيب. وليس مهماً بعد ذلك إن كان هذا الملف خطيراً بالفعل كما يصوِّرون! أو أن ثمة حلولاً سلمية له أو أنه لا مناص من حسمه بالعصا الغليظة أو بالأحرى بالحسم العسكري الذي تلح عليه القيادات الليكودية الإسرائيلية بتنسيق وتفاهم رفيعي المستوى مع كتلة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

::/introtext::
::fulltext::

بعد شدّ وجذب دام نحو سنتين أو يزيد، يقترب “الملف النووي” الإيراني من الزاوية الحرجة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة كحد أقصى، بما يجعله الملف رقم واحد على طاولة زعماء العالم.هذا هو الانطباع الذي ترغب واشنطن في أن تعطيه للعالم وبتحريض واضح من حكومة تل أبيب. وليس مهماً بعد ذلك إن كان هذا الملف خطيراً بالفعل كما يصوِّرون! أو أن ثمة حلولاً سلمية له أو أنه لا مناص من حسمه بالعصا الغليظة أو بالأحرى بالحسم العسكري الذي تلح عليه القيادات الليكودية الإسرائيلية بتنسيق وتفاهم رفيعي المستوى مع كتلة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

ثمة من يقول إن باب الهروب المفتوح أمام واشنطن من العراق ومستنقعه الموحل ربما كان هو السيناريو وراء تضخيم خطر “الملف النووي الإيراني”! ذلك لأن هذا السيناريو قد يكون هو المخرج “السلمي” أو “الحربي” الوحيد لمعادلة “المجهول” العراقي الذي لم تحسب له الإدارة الأمريكية بحسابات “الشرق” المعقدة غاية التعقيد.

وأصحاب هذا الرأي يستندون في ذلك إلى أن ثمة ماراثوناً أمريكياً ـ إيرانياً يقترب من نهايته في العراق مع كل خطوة تخطوها واشنطن على الساحة العراقية. فهي إن نجحت في القضاء على ما تسميه بـ “خطر الإرهاب الزرقاوي” تكون قد أسهمت بقوة في صعود تيار حلفائها التاريخيين من الشيعة والأكراد.

وإن نجح “الزرقاوي” وجماعته في تعطيل الدور الأمريكي النافذ في العراق، فإن طهران تكون قد حققت ثاني أحلامها الكبرى بعد التخلص من خصمها الأول المتمثل في نظام صدام حسين ، أي الانكسار الأمريكي على أسوار بغداد. قال لي ذات مرة أحد صنَّاع القرار في إيران مستنكراً استغرابي بخصوص سكوت  طهران على شكل مجلس الحكم الذي شكّلته الإدارة الأمريكية بعد سقوط نظام العهد البائد: “وهل كنّا سنشكِّل مجلساً لقيادة الثورة في العراق بغير هذه الوجوه التي تراها لو كنّا نحن الذين أطحنا بالرئيس العراقي صدام حسين؟!”.

ثمة احتمالات أخرى وراء تضخيم هذا الملف بالطبع، وقد يكون أهمها عزيمة واشنطن على فرض تسوية قسرية على الفلسطينيين هذا العام بأي شكل من الأشكال. ولما كانت واشنطن على عقيدة راسخة ومن ورائها تل أبيب بالطبع، بأن مثل هذا “الانحياز” لا يمكن أن يتحقق إلا بـ “تركيع” إيران باعتبارها الدولة الوحيدة المتبقية “مارقة” و”خارجة” و”رافضة” لأي شكل من أشكال “التصالح” مع الدولة العبرية، وبالتالي الدولة الأولى “الراعية للإرهاب”، حسب تعريف الأمريكيين، وبدفع لا يتوقف من الإسرائيليين، في الوقت نفسه الذي لا وجود ملموساً لهذه العاصمة “المارقة” في ساحة المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فإنه كان لا بد من رفع راية “الملف النووي الإيراني” كحجة وذريعة مفادها أن مجرد موقف إيراني كهذا من الدولة العبرية يغرد خارج السرب يمكن أن يتحوّل في لحظة حرجة إلى “قنبلة نووية”! و”الكليشة” معروفة، فإيران حسب الأمريكيين والإسرائيليين دولة غير ديمقراطية! لا يمكن الوثوق بها ولا قبول ضمانات منها، وبالتالي فإن الحل الوحيد المتبقي هو تفكيك برنامجها النووي.

ساذج أو مغفل من يظن أن الحوافز التجارية وغير التجارية التي تطرحها أوروبا على إيران في المفاوضات الجارية منذ أشهر بين الجانبين قد ترضي أمريكا يوماً، لا سيما إدارة المحافظين الجدد الذين كرَّسوا اختطافهم للقرار القومي الأمريكي في دورة بوش الثانية، كما عززوا حلفهم مع الليكوديين في تل أبيب. ثمة لعب متعمّد بالكلمات والأجواء والفضاءات والإعلام والمزاج العام للرأي العام العالمي من جانب أمريكا، في ما يخص الملف النووي الإيراني، الغرض منه إيصال الانطباع لدى الجميع من دون استثناء بأن النووي = القنبلة النووية! فإيران لم تترك شاردة ولا واردة في هذا الملف إلا وقدمت فيها شرحاً وافياً لمن يهمه الأمر في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولمن يهمه الأمر من الوسطاء الأوروبيين ـ وهو ما صار في جعبة المخابرات الأمريكية بالتمام والكمال ـ بأنها ـ أي إيران ـ إنما تنوي من وراء كل هذا النشاط النووي، امتلاك تقنية متقدمة في هذا المجال تجعلها ـ إن تمكَّنت منها فعلاً ـ تتقدم وتكتفي ذاتياً في مجال المعارف والعلوم والصناعات على مدى وبحجم نحو خمسمائة علم وصناعة من علم الطب والفيزياء والمعلوماتية، مروراً بالزراعة والبيئة، وصولاً إلى صناعة الطائرات وعلم الفضاء، ناهيك عن توفير الطاقة الكهربائية البديلة بعيداً عن استهلاك النفط والغاز بنصف القيمة وأنظف الحالات.

كل ذنب إيران في هذا المجال هو: أنها استطاعت امتلاك هذه التقنية بشكل “دورة كاملة” بعيداً عن مساعدة الغربيين، وعن احتكارهم.
من هنا، نسمع الرئيس الإصلاحي والمعتدل محمد خاتمي يقول: “إن هذا الحق ـ حق استخدام هذه التقنية ـ لا يمكن المساومة عليه، لا من قِبل حكومتي ولا أي حكومة تأتي في المستقبل، لأنها مسؤولية أمام الشعب نلتزم بها جميعاً بكل أطيافنا وتياراتنا وتوجهاتنا، ذلك أننا اكتسبناها بجهد ذاتي، ولم نأخذها من أحد حتى نتخلى عنها بطلب غير مشروع من أحد”. إنه بذلك يقطع الشك باليقين بأن هذا الملف ملف قومي هنالك إجماع حوله سيقاتل الجميع من أجله ولو بلغ ما بلغ. إنه نقطة تبلور الكرامة والعنفوان والكبرياء الإيراني.

وإذ يجمع القادة الإيرانيون على حرمة اللجوء إلى الخيار التسليحي في هذا الملف ولا ينفكون يؤكدون أن هذا الخيار ليس من سياساتهم الدفاعية، فضلاً عن الهجومية، فإنهم يضعون الكرة تماماً في ملعب الآخر، وخصوصاً الأوروبي الذي يحاول أن يظهر بدور الوسيط، حاملاً “الجزرة” فيقولون له بكل شفافية: “من غير المقبول أن تنتج البلدان المتقدمة سبعين إلى ثمانين في المائة من احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة النووية ثم يبلغون إيران وهي دولة عظيمة وقوية اكتسبت وحدها هذه التكنولوجيا أنه لا يمكنها ذلك، لا أحد سيقبل بذلك وإيران لن تقبل بذلك بطبيعة الحال”. كما ورد على لسان كبير مستشاري مرشد الثورة ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي يضيف موضحاً بما لا يقبل التأويل والتفسير: “نحن متمسكون بهذه التكنولوجيا، سترون في المستقبل أن إيران ستمتلك كل ما تحقق في العلم النووي، وبرنامجنا للتخصيب لا يستهدف الاستخدامات العسكرية، إنه مكرّس تماماً للأغراض السلمية، وما نتوقع من أوروبا أن تنتهز هذه الفرصة إذا كان يساورها أي قلق لتناقشه معنا وتطرح أي أسئلة لديها وستحصل على إجابات. لكن بعد انقضاء هذه الفرصة، والتي يجب أن تكون قادرة على صنع الثقة في غضون أشهر معدودة، فإننا نعتزم المضي بكل قوتنا وتصميمنا لمواصلة التخصيب وبرنامجنا النووي”.

الذي يتكلم بهذه اللغة الحازمة والحاسمة والواضحة التي لا لبس فيها ويقول إنه “قدم كل الضمانات اللازمة بأنها لن تنتج أسلحة نووية” كما يكرِّر كبار القادة الإيرانيين، ومن ثم يشدّد على أن بلاده “قد تتبنى سياسة جديدة سيكون لها عواقب كبيرة إذا لم تنجح المفاوضات، ولم يف الأوروبيون بتعهداتهم”، كما ورد على لسان الرئيس محمد خاتمي أمام السلك الدبلوماسي الأجنبي في طهران، يعني أنه جاد بالفعل في التمسك بكل ما أنجزه في هذا المجال، وهو إنما يجري مفاوضات لينال “اعتراف” العالم بحقه المشروع في استخدام هذه التقنية التي باتت ضرورية برأيه لإنجاز التقدم المطلوب للدول والأمم والشعوب في مجال العلوم والمعارف. “وإن دون ذلك ثمناً باهظاً شعب إيران مستعد لدفعه” كما قال يوماً الرئيس محمد خاتمي.

نستخلص مما تقدم أن المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية الجارية على قدم وساق في أكثر من عاصمة أوروبية، إنما باتت مفاوضات “سياسية” بالأساس، جوهرها الحصول من جانب إيران على اعتراف دولي يشمل اعتراف واشنطن بما تعتبره طهران حقها المشروع في استخدام هذه التقنية النووية التي اكتسبتها بالفعل مقابل تقديم إيران كل الضمانات القانونية والمتعارف عليها دولياً بعدم لجوئها إلى الخيار العسكري. ليس أمام الأمريكيين إلا الرضوخ لهذه المعادلة التي باتت جزءاً من “أمر واقع”.

وليس أمام الأوروبيين إلا التعامل مع هذه المعادلة بناءً على موازين الربح والخسارة الخاصة بهم. الأمريكيون لا يريدون الإقرار حتى الآن، فيما يسعى الأوروبيون إلى تحقيق “تسوية” يربحون فيها “مشاركة” ملموسة ذات جدوى في المشروع النووي الإيراني عبر ما يُسمّى بـ “اتفاق التجارة والتعاون”، مقابل أن يقدموا للأمريكيين “ضمانات” إيرانية يعتقدون أنهم قادرون على “انتزاعها” من طهران بخصوص “اعتراف” ما كـ “أمر واقع” بالدولة العبرية وعدم “وضع العصي في دواليب” عملية التسوية الشرق أوسطية.
لكن ثمة من يعتقدون أنه حتى مثل هذه “التسوية” إن حصلت لن ترضي أمريكا أو “تشبع” جوع إسرائيل لحرب تخطِّط لها على إيران بعد حرب العراق المتعثرة.

الذين يعتقدون بهذه الفرضية إنما يرون أن الهدف من وراء تضخيم الملف النووي الإيراني وإظهاره المتعمد بهذا اللون “الفاقع” على المشهد السياسي العالمي من جديد على الرغم من كل التقارير الحيادية للوكالة الدولية للطاقة الذرية بخلوّه من أي انحراف نحو التسلُّح، إنما يعتقدون بأن وراء ذلك خطة متكاملة يُحضّر لها تحالف المحافظين الجدد مع الليكوديين، عنوانها: “المنازلة الكبرى مع العالميين العربي والإسلامي” بهدف فرض مشروع الشرق الأوسط الكبير، لأنه الوحيد القادر على “ضم” إسرائيل عنوة إلى مجموعة دول المنطقة وأقطارها بظاهر “مبرر ومشروع”!

وما مشاريع “قانون محاسبة سوريا” و”استعادة سيادة لبنان” و”قانون تحرير إيران” و”إصلاح العالم العربي” و”تحرير الشرق كما حررنا أوروبا الشرقية من قبل” على حد قول كوندوليزا رايس إلا رزمة حروب في حرب واحدة تقودها الإمبراطورية الأمريكية المتحدة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2317::/cck::
::introtext::

بعد شدّ وجذب دام نحو سنتين أو يزيد، يقترب “الملف النووي” الإيراني من الزاوية الحرجة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة كحد أقصى، بما يجعله الملف رقم واحد على طاولة زعماء العالم.هذا هو الانطباع الذي ترغب واشنطن في أن تعطيه للعالم وبتحريض واضح من حكومة تل أبيب. وليس مهماً بعد ذلك إن كان هذا الملف خطيراً بالفعل كما يصوِّرون! أو أن ثمة حلولاً سلمية له أو أنه لا مناص من حسمه بالعصا الغليظة أو بالأحرى بالحسم العسكري الذي تلح عليه القيادات الليكودية الإسرائيلية بتنسيق وتفاهم رفيعي المستوى مع كتلة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

::/introtext::
::fulltext::

بعد شدّ وجذب دام نحو سنتين أو يزيد، يقترب “الملف النووي” الإيراني من الزاوية الحرجة في الأسابيع أو الأشهر المقبلة كحد أقصى، بما يجعله الملف رقم واحد على طاولة زعماء العالم.هذا هو الانطباع الذي ترغب واشنطن في أن تعطيه للعالم وبتحريض واضح من حكومة تل أبيب. وليس مهماً بعد ذلك إن كان هذا الملف خطيراً بالفعل كما يصوِّرون! أو أن ثمة حلولاً سلمية له أو أنه لا مناص من حسمه بالعصا الغليظة أو بالأحرى بالحسم العسكري الذي تلح عليه القيادات الليكودية الإسرائيلية بتنسيق وتفاهم رفيعي المستوى مع كتلة المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية.

ثمة من يقول إن باب الهروب المفتوح أمام واشنطن من العراق ومستنقعه الموحل ربما كان هو السيناريو وراء تضخيم خطر “الملف النووي الإيراني”! ذلك لأن هذا السيناريو قد يكون هو المخرج “السلمي” أو “الحربي” الوحيد لمعادلة “المجهول” العراقي الذي لم تحسب له الإدارة الأمريكية بحسابات “الشرق” المعقدة غاية التعقيد.

وأصحاب هذا الرأي يستندون في ذلك إلى أن ثمة ماراثوناً أمريكياً ـ إيرانياً يقترب من نهايته في العراق مع كل خطوة تخطوها واشنطن على الساحة العراقية. فهي إن نجحت في القضاء على ما تسميه بـ “خطر الإرهاب الزرقاوي” تكون قد أسهمت بقوة في صعود تيار حلفائها التاريخيين من الشيعة والأكراد.

وإن نجح “الزرقاوي” وجماعته في تعطيل الدور الأمريكي النافذ في العراق، فإن طهران تكون قد حققت ثاني أحلامها الكبرى بعد التخلص من خصمها الأول المتمثل في نظام صدام حسين ، أي الانكسار الأمريكي على أسوار بغداد. قال لي ذات مرة أحد صنَّاع القرار في إيران مستنكراً استغرابي بخصوص سكوت  طهران على شكل مجلس الحكم الذي شكّلته الإدارة الأمريكية بعد سقوط نظام العهد البائد: “وهل كنّا سنشكِّل مجلساً لقيادة الثورة في العراق بغير هذه الوجوه التي تراها لو كنّا نحن الذين أطحنا بالرئيس العراقي صدام حسين؟!”.

ثمة احتمالات أخرى وراء تضخيم هذا الملف بالطبع، وقد يكون أهمها عزيمة واشنطن على فرض تسوية قسرية على الفلسطينيين هذا العام بأي شكل من الأشكال. ولما كانت واشنطن على عقيدة راسخة ومن ورائها تل أبيب بالطبع، بأن مثل هذا “الانحياز” لا يمكن أن يتحقق إلا بـ “تركيع” إيران باعتبارها الدولة الوحيدة المتبقية “مارقة” و”خارجة” و”رافضة” لأي شكل من أشكال “التصالح” مع الدولة العبرية، وبالتالي الدولة الأولى “الراعية للإرهاب”، حسب تعريف الأمريكيين، وبدفع لا يتوقف من الإسرائيليين، في الوقت نفسه الذي لا وجود ملموساً لهذه العاصمة “المارقة” في ساحة المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فإنه كان لا بد من رفع راية “الملف النووي الإيراني” كحجة وذريعة مفادها أن مجرد موقف إيراني كهذا من الدولة العبرية يغرد خارج السرب يمكن أن يتحوّل في لحظة حرجة إلى “قنبلة نووية”! و”الكليشة” معروفة، فإيران حسب الأمريكيين والإسرائيليين دولة غير ديمقراطية! لا يمكن الوثوق بها ولا قبول ضمانات منها، وبالتالي فإن الحل الوحيد المتبقي هو تفكيك برنامجها النووي.

ساذج أو مغفل من يظن أن الحوافز التجارية وغير التجارية التي تطرحها أوروبا على إيران في المفاوضات الجارية منذ أشهر بين الجانبين قد ترضي أمريكا يوماً، لا سيما إدارة المحافظين الجدد الذين كرَّسوا اختطافهم للقرار القومي الأمريكي في دورة بوش الثانية، كما عززوا حلفهم مع الليكوديين في تل أبيب. ثمة لعب متعمّد بالكلمات والأجواء والفضاءات والإعلام والمزاج العام للرأي العام العالمي من جانب أمريكا، في ما يخص الملف النووي الإيراني، الغرض منه إيصال الانطباع لدى الجميع من دون استثناء بأن النووي = القنبلة النووية! فإيران لم تترك شاردة ولا واردة في هذا الملف إلا وقدمت فيها شرحاً وافياً لمن يهمه الأمر في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولمن يهمه الأمر من الوسطاء الأوروبيين ـ وهو ما صار في جعبة المخابرات الأمريكية بالتمام والكمال ـ بأنها ـ أي إيران ـ إنما تنوي من وراء كل هذا النشاط النووي، امتلاك تقنية متقدمة في هذا المجال تجعلها ـ إن تمكَّنت منها فعلاً ـ تتقدم وتكتفي ذاتياً في مجال المعارف والعلوم والصناعات على مدى وبحجم نحو خمسمائة علم وصناعة من علم الطب والفيزياء والمعلوماتية، مروراً بالزراعة والبيئة، وصولاً إلى صناعة الطائرات وعلم الفضاء، ناهيك عن توفير الطاقة الكهربائية البديلة بعيداً عن استهلاك النفط والغاز بنصف القيمة وأنظف الحالات.

كل ذنب إيران في هذا المجال هو: أنها استطاعت امتلاك هذه التقنية بشكل “دورة كاملة” بعيداً عن مساعدة الغربيين، وعن احتكارهم.
من هنا، نسمع الرئيس الإصلاحي والمعتدل محمد خاتمي يقول: “إن هذا الحق ـ حق استخدام هذه التقنية ـ لا يمكن المساومة عليه، لا من قِبل حكومتي ولا أي حكومة تأتي في المستقبل، لأنها مسؤولية أمام الشعب نلتزم بها جميعاً بكل أطيافنا وتياراتنا وتوجهاتنا، ذلك أننا اكتسبناها بجهد ذاتي، ولم نأخذها من أحد حتى نتخلى عنها بطلب غير مشروع من أحد”. إنه بذلك يقطع الشك باليقين بأن هذا الملف ملف قومي هنالك إجماع حوله سيقاتل الجميع من أجله ولو بلغ ما بلغ. إنه نقطة تبلور الكرامة والعنفوان والكبرياء الإيراني.

وإذ يجمع القادة الإيرانيون على حرمة اللجوء إلى الخيار التسليحي في هذا الملف ولا ينفكون يؤكدون أن هذا الخيار ليس من سياساتهم الدفاعية، فضلاً عن الهجومية، فإنهم يضعون الكرة تماماً في ملعب الآخر، وخصوصاً الأوروبي الذي يحاول أن يظهر بدور الوسيط، حاملاً “الجزرة” فيقولون له بكل شفافية: “من غير المقبول أن تنتج البلدان المتقدمة سبعين إلى ثمانين في المائة من احتياجاتها من الكهرباء من الطاقة النووية ثم يبلغون إيران وهي دولة عظيمة وقوية اكتسبت وحدها هذه التكنولوجيا أنه لا يمكنها ذلك، لا أحد سيقبل بذلك وإيران لن تقبل بذلك بطبيعة الحال”. كما ورد على لسان كبير مستشاري مرشد الثورة ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي يضيف موضحاً بما لا يقبل التأويل والتفسير: “نحن متمسكون بهذه التكنولوجيا، سترون في المستقبل أن إيران ستمتلك كل ما تحقق في العلم النووي، وبرنامجنا للتخصيب لا يستهدف الاستخدامات العسكرية، إنه مكرّس تماماً للأغراض السلمية، وما نتوقع من أوروبا أن تنتهز هذه الفرصة إذا كان يساورها أي قلق لتناقشه معنا وتطرح أي أسئلة لديها وستحصل على إجابات. لكن بعد انقضاء هذه الفرصة، والتي يجب أن تكون قادرة على صنع الثقة في غضون أشهر معدودة، فإننا نعتزم المضي بكل قوتنا وتصميمنا لمواصلة التخصيب وبرنامجنا النووي”.

الذي يتكلم بهذه اللغة الحازمة والحاسمة والواضحة التي لا لبس فيها ويقول إنه “قدم كل الضمانات اللازمة بأنها لن تنتج أسلحة نووية” كما يكرِّر كبار القادة الإيرانيين، ومن ثم يشدّد على أن بلاده “قد تتبنى سياسة جديدة سيكون لها عواقب كبيرة إذا لم تنجح المفاوضات، ولم يف الأوروبيون بتعهداتهم”، كما ورد على لسان الرئيس محمد خاتمي أمام السلك الدبلوماسي الأجنبي في طهران، يعني أنه جاد بالفعل في التمسك بكل ما أنجزه في هذا المجال، وهو إنما يجري مفاوضات لينال “اعتراف” العالم بحقه المشروع في استخدام هذه التقنية التي باتت ضرورية برأيه لإنجاز التقدم المطلوب للدول والأمم والشعوب في مجال العلوم والمعارف. “وإن دون ذلك ثمناً باهظاً شعب إيران مستعد لدفعه” كما قال يوماً الرئيس محمد خاتمي.

نستخلص مما تقدم أن المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية الجارية على قدم وساق في أكثر من عاصمة أوروبية، إنما باتت مفاوضات “سياسية” بالأساس، جوهرها الحصول من جانب إيران على اعتراف دولي يشمل اعتراف واشنطن بما تعتبره طهران حقها المشروع في استخدام هذه التقنية النووية التي اكتسبتها بالفعل مقابل تقديم إيران كل الضمانات القانونية والمتعارف عليها دولياً بعدم لجوئها إلى الخيار العسكري. ليس أمام الأمريكيين إلا الرضوخ لهذه المعادلة التي باتت جزءاً من “أمر واقع”.

وليس أمام الأوروبيين إلا التعامل مع هذه المعادلة بناءً على موازين الربح والخسارة الخاصة بهم. الأمريكيون لا يريدون الإقرار حتى الآن، فيما يسعى الأوروبيون إلى تحقيق “تسوية” يربحون فيها “مشاركة” ملموسة ذات جدوى في المشروع النووي الإيراني عبر ما يُسمّى بـ “اتفاق التجارة والتعاون”، مقابل أن يقدموا للأمريكيين “ضمانات” إيرانية يعتقدون أنهم قادرون على “انتزاعها” من طهران بخصوص “اعتراف” ما كـ “أمر واقع” بالدولة العبرية وعدم “وضع العصي في دواليب” عملية التسوية الشرق أوسطية.
لكن ثمة من يعتقدون أنه حتى مثل هذه “التسوية” إن حصلت لن ترضي أمريكا أو “تشبع” جوع إسرائيل لحرب تخطِّط لها على إيران بعد حرب العراق المتعثرة.

الذين يعتقدون بهذه الفرضية إنما يرون أن الهدف من وراء تضخيم الملف النووي الإيراني وإظهاره المتعمد بهذا اللون “الفاقع” على المشهد السياسي العالمي من جديد على الرغم من كل التقارير الحيادية للوكالة الدولية للطاقة الذرية بخلوّه من أي انحراف نحو التسلُّح، إنما يعتقدون بأن وراء ذلك خطة متكاملة يُحضّر لها تحالف المحافظين الجدد مع الليكوديين، عنوانها: “المنازلة الكبرى مع العالميين العربي والإسلامي” بهدف فرض مشروع الشرق الأوسط الكبير، لأنه الوحيد القادر على “ضم” إسرائيل عنوة إلى مجموعة دول المنطقة وأقطارها بظاهر “مبرر ومشروع”!

وما مشاريع “قانون محاسبة سوريا” و”استعادة سيادة لبنان” و”قانون تحرير إيران” و”إصلاح العالم العربي” و”تحرير الشرق كما حررنا أوروبا الشرقية من قبل” على حد قول كوندوليزا رايس إلا رزمة حروب في حرب واحدة تقودها الإمبراطورية الأمريكية المتحدة.

::/fulltext::
::cck::2317::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *