إيران.. والصراع على الولاية والحاكمية

::cck::2318::/cck::
::introtext::

نصت المادة “57” من دستور جمهورية إيران الإسلامية الصادر في 1992 على أن “السلطات الحاكمة في إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”.

::/introtext::
::fulltext::

نصت المادة “57” من دستور جمهورية إيران الإسلامية الصادر في 1992 على أن “السلطات الحاكمة في إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”.

فهذه المادة الدستورية تؤسس لمبدأ ولاية الفقيه دستورياً، لكنها تشتمل على تناقض صارخ بداخلها. فهي تمزج بين نظريتين وتحاول الجمع بينهما مع الاختلاف الواضح في تفاصيل كل منهما. فهي من جانب توزع السلطة إلى ثلاثة فروع تكون السلطة التشريعية منها منتخبة مباشرة من الشعب وذلك تماشياً مع النظرية الديمقراطية أو الحاكمية الشعبية، ومن جانب آخر تؤسس المادة “57” من الدستور لنظرية ولاية “الفقيه المطلق” أي الفقيه الولي الذي تتجاوز حدود صلاحياته أحكام الدستور بما يشرع لعدم خضوعه للدستور واعتباره في مرتبة تعلو الدستور تماشياً مع الحاكمية الإلهية.

لقد كان الفكر الشيعي السياسي منذ القرن الحادي عشر الميلادي يعيش في حالة انعزالية سلبية اهتداءً بفكر الإمام الطوسي الذي كان يرى إرجاء إقامة دولة الحق إلى حين ظهور الإمام المهدي الغائب. فكان فقهاء المذهب يميلون إلى ممارسة دور الإشراف والإرشاد على أتباعهم من دون التدخل في شؤون الحكم حتى بداية ظهور كتابات الفقيه أحمد النراقي في القرن التاسع عشر الذي بحث مسألة ولاية الفقيه كمبحث فقهي مستقل، وصرح بضرورة لعب الفقهاء الشيعة دوراً سياسياً، الأمر الذي اعتبر خروجاً على إجماع الفقهاء السابقين وتهديداً للفكر السائد في المذهب. وتبعه الإمام الخميني في إحياء فكرة “ولاية الفقيه” وأصّلها في كتابه “الحكومة الإسلامية” بحيث غدت الركن الأساسي الذي قامت عليه الدولة الثورية التي أقامها على أنقاض الحكم الملكي الإيراني.

وأثبت الإمام الخميني، بما يُعد خطوة كبيرة في نظريات الحكم الشيعي، للفقيه ولاية عامة مطلقة على الأمة تتجاوز حدود القضاء والفتيا، مستمداً هذه السلطة المطلقة من الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة. فيقول في كتابه “لو قام الشخص الحائز على هاتين الخصلتين (يعني العلم الفقهي والعدالة) بتأسيس الحكومة، تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ويجب على جميع الناس طاعته”. ويقول في مقام آخر: “وأن الفقهاء هم ورثة الأنبياء وأمناء الرسل ولم يرثوا العلم والحديث فقط، كما هو ظاهر الروايات، فالولاية قابلة للانتقال والتوريث أيضاً”.

ولطغيان شخصية القائد المؤسس للجمهورية الإمام الخميني، فإن مسألة ضبط حدود الولي الفقيه وصلاحياته الدستورية لم يتم التعرض إليها إلا بعد رحيله وصعود تيار ثقافي جديد إلى السطح، أثار جدلاً فقهياً، يشكِّك في أصل النظرية ويلمس بطرف خفي مسألة أهلية آية الله خامنئي لتولي منصب الولاية بصفته مرشداً عاماً للجمهورية. وببروز ما أصبح يُعرف بالتيار الإصلاحي في شكل تكتلات حزبية لها امتدادات ثقافية وإعلامية انتقلت ساحة الصراع والجدل حول موضوع “ولاية الفقيه” من البعد السياسي إلى مجال الفكر والثقافة. استدعى هذا التحدي ردة فعل عنيفة من جانب المحافظين على الفكرة الأساسية لنظام الحكم في إيران.

فمبدأ ولاية الفقيه المطلق ومع وجود دولة حاملة لفكرته ممثلة في إيران، ما زال يمثل مركز الأقلية في صفوف علماء الدين الشيعة. فالإمام الراحل آية الله العظمى أبوالقاسم الخوئي كان يرى أن الاستدلالات التي أتى بها الخميني على الولاية المطلقة في عصر غيبة الإمام المهدي غير قابلة للاعتماد عليها. وعارض الشيخ محمد جواد مغنية هيمنة الفقهاء على الحياة السياسية، فإسلامية الدولة تُقاس بمدى إسلامية القوانين فيها. كذلك فإن الشيخ محمد مهدي شمس الدين قصر ولاية الفقيه على الفتيا والقضاء، وقال بولاية الأمة على نفسها لا ولاية الفقيه عليها. ورأي الشيخ محمد حسين فضل الله معروف في اختلافه مع نظرية ولاية الفقيه.

هذا بالنسبة للعلماء والفقهاء من خارج الكيان السياسي للدولة الإيرانية، أما في داخل إيران فإن قلة من الفقهاء تصدوا بشكل علني للنظرية ومحاولات الفريق الحاكم في نقلها من فضاء الاجتهاد الفقهي إلى فضاء العقائد. فالفضاء الأول فيه مجال ومتسع للجدال والاختلاف، بينما الثاني فضاء مغلق تُثار في وجه من يجادل فيه أو يشكّك في أسسه تهم المروق على الدين والردة والكفر.

فالراحل آية الله محمد مهدي الشيرازي صبغ نظرية ولاية الفقيه بصبغة الديكتاتورية وأنها ثوب مهلهل، واقترح بدلاً منها نظرية ولاية الفقهاء، وتتبعه في ذلك مدرسته الحركية ممثلة بحزب العمل الإسلامي بقيادة آية الله محمد تقي المدرسي. أما تلميذ الإمام الخميني آية الله العظمى حسين منتظري فخرج على فكرة أستاذه وصاغ اجتهاداته في كتابه “دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية”، ونفى الولاية المطلقة للفقيه غير المعصوم، فهذه ـ بحسب رأيه ـ تؤدي إلى استبداده في أعماله وأحكامه، وذكر أن كلمة “مطلق” لم تكن في الدستور الأول للجمهورية ولكن تمت إضافتها عند إعادة النظر فيه. ودفع منتظري ثمن رأيه حجزاً في منزله ومنعه من التدريس والاتصال بالعامة لسنوات طويلة.

لقد تغاضى النظام الحاكم في إيران عن هذه الأصوات أو استوعب بعضها بصفتها أصواتاً غير منظمة في أطر حزبية وتقتصر على دروس فقهية نظرية أو أنها تنتظم في أطر حزبية هامشية. ولكن مع تصاعد التيار الإصلاحي وارتفاع أصوات نخب لها شعبيتها التصويتية بدأ النظام في مراجعة مواقفه وتسامحه مع الأصوات المخالفة لنظرية ولاية الفقيه المطلق.

فالأصوات الجديدة ترى أن الولي الفقيه ليس فوق الدستور، وأن سلطاته يجب أن تؤطر بحدود الدستور الذي أجازه الشعب في استفتاء عام حر. وكان من أبرز المنادين إلى هذه الفكرة، وهي تقييد سلطات الولي الفقيه إضافة إلى الرئيس محمد خاتمي، وزير الداخلية الأسبق عبدالله نوري وحجة الإسلام محسن كديوار، اللذان سُجنا بسبب آرائهما الجريئة في هذه المسألة، والأستاذ الجامعي وعضو المكتب السياسي لمنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية الدكتور هاشم أغاجاري الذي حُكم عليه بالإعدام من القضاء الإيراني بسبب محاضرة له دعا فيها إلى رفض حكم رجال الدين، الذي شبّهه بحكم رجال الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا القرون الوسطى، وآية الله جلال الدين طاهري إمام جمعة مدينة أصفهان الذي استقال من منصبه إثر انتقاده للمرشد الأعلى للجمهورية، وأطلق وصف “الأمة المقموعة” على الشعب الإيراني.

إن المحافظين في إيران يرون في نظرية ولاية الفقيه المطلقة نوعاً من التبرير لهيمنة المرشد على السلطات الحاكمة الثلاث التي ذكرتها المادة “57” من الدستور، وسلاحاً يُستخدم ضد مخالفيهم في الرأي. لذلك فإنهم انتقدوا ورفضوا آراء الإصلاحيين الذين يتمسكون بعنوان “الجمهورية” ويطالبون بالانتخاب والشورى والالتزام بأحكام الدستور بمن فيهم المرشد الأعلى. فمحسن كديوار يقول: “إن ولاية الفقيه لا تعني أن يكون الفقيه على رأس الحكومة، وأن يحكم عملياً، بل إن دور الفقيه في الدولة الإسلامية أشبه بدور المفكر منه بدور الحاكم”. ويدعو إلى ولاية فقيه انتخابية تمنح الناس سلطة انتخاب أحد الفقهاء الداعين الجديرين ويجعلونه ولياً لهم، يحدد الدستور صلاحياته، في مقابل دعوة المحافظين إلى ولاية فقيه تعيينية تمنح رجال الدين سلطة الولاية والحاكمية على الناس من جانب الله سواء رضي الناس أو لم يرضوا.

فالمحافظون يتمسكون بعنوان “الإسلامية” لإضفاء القدسية على تصرفات الولي الفقيه المطلق، ويرون أن دستور الدولة استمد شرعيته من موافقة الولي الفقيه عليه، فكيف لهذا الدستور أن يعتبر ولايته المطلقة؟ لذلك نجد رئيس السلطة القضائية في إيران محمود الهاشمي الشاهرودي يلقي خطاباً في الحوزة العلمية بمدينة قُم يهاجم فيه الإصلاحيين بشدة وقال: “إن الدفاع عن هذا الأصل (ولاية الفقيه) في هذا اليوم واجب شرعي وفرض إسلامي على الجميع”. وأعاد تأسيس وتثبيت آراء الإمام الخميني في ما يتعلق بالولي الفقيه مذكراً بأن “ولاية الفقيه جزء من ولاية الأئمة الأطهار عليهم السلام وامتداد لولايتهم ومجعولة من قبلهم.. إن الانتخاب من المسائل المستحدثة، ولو قررنا أن صلاحية الفقيه مستمدة من الشعب ومتحصلة من الانتخابات لكان هذا موقفاً مواجهاً لما استفدناه من المنهج الفقهي القديم الذي يؤكد أن الولاية والحاكمية لله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام، ومن بعدهم لمن يجعلونه له وينصَّبونه لها ولم تترك إلى الناس”! ومضى رئيس السلطة القضائية بعيداً في دفاعه المستميت عن النظرية ورفضه لتقييد سلطات الولي الفقيه أو إسناد أمر اختياره إلى الشعب، فذكر “لا بد أن نعلم بأن الشورى والانتخاب والاختيار على أساس الانتخاب هي من البدع التي جاءتنا من الغرب ومن ثقافة المخالفين للشيعة في الولاية (أي أهل السنة)”.

إن الرأي الفقهي الذي يتبناه ويدافع عنه الفريق المحافظ في إيران يقترب رويداً رويداً من الحكم الثيوقراطي (الديني) الذي يرى في إرجاع سند الشرعية للحاكم إلى الناس تحريفاً وقضاءً على أسسه الثقافية والفكرية التي تنبني على الاختيار الإلهي والشرعية الإلهية للحاكم. والأمر في حقيقته كما ذكر الأستاذ شفيق شقير مسؤول قسم البحوث والدراسات في بيت الدعوة والدعاة في لبنان “إلغاء للدور السياسي للأمة، فهي تتعامل مع فقيه منصوب من قِبل الله فلا يمكنها الاعتراض أو انتقاد سياسته”.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2318::/cck::
::introtext::

نصت المادة “57” من دستور جمهورية إيران الإسلامية الصادر في 1992 على أن “السلطات الحاكمة في إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”.

::/introtext::
::fulltext::

نصت المادة “57” من دستور جمهورية إيران الإسلامية الصادر في 1992 على أن “السلطات الحاكمة في إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”.

فهذه المادة الدستورية تؤسس لمبدأ ولاية الفقيه دستورياً، لكنها تشتمل على تناقض صارخ بداخلها. فهي تمزج بين نظريتين وتحاول الجمع بينهما مع الاختلاف الواضح في تفاصيل كل منهما. فهي من جانب توزع السلطة إلى ثلاثة فروع تكون السلطة التشريعية منها منتخبة مباشرة من الشعب وذلك تماشياً مع النظرية الديمقراطية أو الحاكمية الشعبية، ومن جانب آخر تؤسس المادة “57” من الدستور لنظرية ولاية “الفقيه المطلق” أي الفقيه الولي الذي تتجاوز حدود صلاحياته أحكام الدستور بما يشرع لعدم خضوعه للدستور واعتباره في مرتبة تعلو الدستور تماشياً مع الحاكمية الإلهية.

لقد كان الفكر الشيعي السياسي منذ القرن الحادي عشر الميلادي يعيش في حالة انعزالية سلبية اهتداءً بفكر الإمام الطوسي الذي كان يرى إرجاء إقامة دولة الحق إلى حين ظهور الإمام المهدي الغائب. فكان فقهاء المذهب يميلون إلى ممارسة دور الإشراف والإرشاد على أتباعهم من دون التدخل في شؤون الحكم حتى بداية ظهور كتابات الفقيه أحمد النراقي في القرن التاسع عشر الذي بحث مسألة ولاية الفقيه كمبحث فقهي مستقل، وصرح بضرورة لعب الفقهاء الشيعة دوراً سياسياً، الأمر الذي اعتبر خروجاً على إجماع الفقهاء السابقين وتهديداً للفكر السائد في المذهب. وتبعه الإمام الخميني في إحياء فكرة “ولاية الفقيه” وأصّلها في كتابه “الحكومة الإسلامية” بحيث غدت الركن الأساسي الذي قامت عليه الدولة الثورية التي أقامها على أنقاض الحكم الملكي الإيراني.

وأثبت الإمام الخميني، بما يُعد خطوة كبيرة في نظريات الحكم الشيعي، للفقيه ولاية عامة مطلقة على الأمة تتجاوز حدود القضاء والفتيا، مستمداً هذه السلطة المطلقة من الرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة. فيقول في كتابه “لو قام الشخص الحائز على هاتين الخصلتين (يعني العلم الفقهي والعدالة) بتأسيس الحكومة، تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ويجب على جميع الناس طاعته”. ويقول في مقام آخر: “وأن الفقهاء هم ورثة الأنبياء وأمناء الرسل ولم يرثوا العلم والحديث فقط، كما هو ظاهر الروايات، فالولاية قابلة للانتقال والتوريث أيضاً”.

ولطغيان شخصية القائد المؤسس للجمهورية الإمام الخميني، فإن مسألة ضبط حدود الولي الفقيه وصلاحياته الدستورية لم يتم التعرض إليها إلا بعد رحيله وصعود تيار ثقافي جديد إلى السطح، أثار جدلاً فقهياً، يشكِّك في أصل النظرية ويلمس بطرف خفي مسألة أهلية آية الله خامنئي لتولي منصب الولاية بصفته مرشداً عاماً للجمهورية. وببروز ما أصبح يُعرف بالتيار الإصلاحي في شكل تكتلات حزبية لها امتدادات ثقافية وإعلامية انتقلت ساحة الصراع والجدل حول موضوع “ولاية الفقيه” من البعد السياسي إلى مجال الفكر والثقافة. استدعى هذا التحدي ردة فعل عنيفة من جانب المحافظين على الفكرة الأساسية لنظام الحكم في إيران.

فمبدأ ولاية الفقيه المطلق ومع وجود دولة حاملة لفكرته ممثلة في إيران، ما زال يمثل مركز الأقلية في صفوف علماء الدين الشيعة. فالإمام الراحل آية الله العظمى أبوالقاسم الخوئي كان يرى أن الاستدلالات التي أتى بها الخميني على الولاية المطلقة في عصر غيبة الإمام المهدي غير قابلة للاعتماد عليها. وعارض الشيخ محمد جواد مغنية هيمنة الفقهاء على الحياة السياسية، فإسلامية الدولة تُقاس بمدى إسلامية القوانين فيها. كذلك فإن الشيخ محمد مهدي شمس الدين قصر ولاية الفقيه على الفتيا والقضاء، وقال بولاية الأمة على نفسها لا ولاية الفقيه عليها. ورأي الشيخ محمد حسين فضل الله معروف في اختلافه مع نظرية ولاية الفقيه.

هذا بالنسبة للعلماء والفقهاء من خارج الكيان السياسي للدولة الإيرانية، أما في داخل إيران فإن قلة من الفقهاء تصدوا بشكل علني للنظرية ومحاولات الفريق الحاكم في نقلها من فضاء الاجتهاد الفقهي إلى فضاء العقائد. فالفضاء الأول فيه مجال ومتسع للجدال والاختلاف، بينما الثاني فضاء مغلق تُثار في وجه من يجادل فيه أو يشكّك في أسسه تهم المروق على الدين والردة والكفر.

فالراحل آية الله محمد مهدي الشيرازي صبغ نظرية ولاية الفقيه بصبغة الديكتاتورية وأنها ثوب مهلهل، واقترح بدلاً منها نظرية ولاية الفقهاء، وتتبعه في ذلك مدرسته الحركية ممثلة بحزب العمل الإسلامي بقيادة آية الله محمد تقي المدرسي. أما تلميذ الإمام الخميني آية الله العظمى حسين منتظري فخرج على فكرة أستاذه وصاغ اجتهاداته في كتابه “دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية”، ونفى الولاية المطلقة للفقيه غير المعصوم، فهذه ـ بحسب رأيه ـ تؤدي إلى استبداده في أعماله وأحكامه، وذكر أن كلمة “مطلق” لم تكن في الدستور الأول للجمهورية ولكن تمت إضافتها عند إعادة النظر فيه. ودفع منتظري ثمن رأيه حجزاً في منزله ومنعه من التدريس والاتصال بالعامة لسنوات طويلة.

لقد تغاضى النظام الحاكم في إيران عن هذه الأصوات أو استوعب بعضها بصفتها أصواتاً غير منظمة في أطر حزبية وتقتصر على دروس فقهية نظرية أو أنها تنتظم في أطر حزبية هامشية. ولكن مع تصاعد التيار الإصلاحي وارتفاع أصوات نخب لها شعبيتها التصويتية بدأ النظام في مراجعة مواقفه وتسامحه مع الأصوات المخالفة لنظرية ولاية الفقيه المطلق.

فالأصوات الجديدة ترى أن الولي الفقيه ليس فوق الدستور، وأن سلطاته يجب أن تؤطر بحدود الدستور الذي أجازه الشعب في استفتاء عام حر. وكان من أبرز المنادين إلى هذه الفكرة، وهي تقييد سلطات الولي الفقيه إضافة إلى الرئيس محمد خاتمي، وزير الداخلية الأسبق عبدالله نوري وحجة الإسلام محسن كديوار، اللذان سُجنا بسبب آرائهما الجريئة في هذه المسألة، والأستاذ الجامعي وعضو المكتب السياسي لمنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية الدكتور هاشم أغاجاري الذي حُكم عليه بالإعدام من القضاء الإيراني بسبب محاضرة له دعا فيها إلى رفض حكم رجال الدين، الذي شبّهه بحكم رجال الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا القرون الوسطى، وآية الله جلال الدين طاهري إمام جمعة مدينة أصفهان الذي استقال من منصبه إثر انتقاده للمرشد الأعلى للجمهورية، وأطلق وصف “الأمة المقموعة” على الشعب الإيراني.

إن المحافظين في إيران يرون في نظرية ولاية الفقيه المطلقة نوعاً من التبرير لهيمنة المرشد على السلطات الحاكمة الثلاث التي ذكرتها المادة “57” من الدستور، وسلاحاً يُستخدم ضد مخالفيهم في الرأي. لذلك فإنهم انتقدوا ورفضوا آراء الإصلاحيين الذين يتمسكون بعنوان “الجمهورية” ويطالبون بالانتخاب والشورى والالتزام بأحكام الدستور بمن فيهم المرشد الأعلى. فمحسن كديوار يقول: “إن ولاية الفقيه لا تعني أن يكون الفقيه على رأس الحكومة، وأن يحكم عملياً، بل إن دور الفقيه في الدولة الإسلامية أشبه بدور المفكر منه بدور الحاكم”. ويدعو إلى ولاية فقيه انتخابية تمنح الناس سلطة انتخاب أحد الفقهاء الداعين الجديرين ويجعلونه ولياً لهم، يحدد الدستور صلاحياته، في مقابل دعوة المحافظين إلى ولاية فقيه تعيينية تمنح رجال الدين سلطة الولاية والحاكمية على الناس من جانب الله سواء رضي الناس أو لم يرضوا.

فالمحافظون يتمسكون بعنوان “الإسلامية” لإضفاء القدسية على تصرفات الولي الفقيه المطلق، ويرون أن دستور الدولة استمد شرعيته من موافقة الولي الفقيه عليه، فكيف لهذا الدستور أن يعتبر ولايته المطلقة؟ لذلك نجد رئيس السلطة القضائية في إيران محمود الهاشمي الشاهرودي يلقي خطاباً في الحوزة العلمية بمدينة قُم يهاجم فيه الإصلاحيين بشدة وقال: “إن الدفاع عن هذا الأصل (ولاية الفقيه) في هذا اليوم واجب شرعي وفرض إسلامي على الجميع”. وأعاد تأسيس وتثبيت آراء الإمام الخميني في ما يتعلق بالولي الفقيه مذكراً بأن “ولاية الفقيه جزء من ولاية الأئمة الأطهار عليهم السلام وامتداد لولايتهم ومجعولة من قبلهم.. إن الانتخاب من المسائل المستحدثة، ولو قررنا أن صلاحية الفقيه مستمدة من الشعب ومتحصلة من الانتخابات لكان هذا موقفاً مواجهاً لما استفدناه من المنهج الفقهي القديم الذي يؤكد أن الولاية والحاكمية لله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام، ومن بعدهم لمن يجعلونه له وينصَّبونه لها ولم تترك إلى الناس”! ومضى رئيس السلطة القضائية بعيداً في دفاعه المستميت عن النظرية ورفضه لتقييد سلطات الولي الفقيه أو إسناد أمر اختياره إلى الشعب، فذكر “لا بد أن نعلم بأن الشورى والانتخاب والاختيار على أساس الانتخاب هي من البدع التي جاءتنا من الغرب ومن ثقافة المخالفين للشيعة في الولاية (أي أهل السنة)”.

إن الرأي الفقهي الذي يتبناه ويدافع عنه الفريق المحافظ في إيران يقترب رويداً رويداً من الحكم الثيوقراطي (الديني) الذي يرى في إرجاع سند الشرعية للحاكم إلى الناس تحريفاً وقضاءً على أسسه الثقافية والفكرية التي تنبني على الاختيار الإلهي والشرعية الإلهية للحاكم. والأمر في حقيقته كما ذكر الأستاذ شفيق شقير مسؤول قسم البحوث والدراسات في بيت الدعوة والدعاة في لبنان “إلغاء للدور السياسي للأمة، فهي تتعامل مع فقيه منصوب من قِبل الله فلا يمكنها الاعتراض أو انتقاد سياسته”.

::/fulltext::
::cck::2318::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *