إيران واقتصادها

::cck::2319::/cck::
::introtext::

لا يمكن للزائر أن يكتشف المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني من دون التعرّف إلى الحقائق والبيانات، حيث إن المشهد يوحي بأن هناك حركة استهلاك واسعة. رواد المطاعم والمقاهي يمثلون نسبة مهمة من المستهلكين، ويمكن رؤية هؤلاء والمطاعم تعجّ بهم. وبتقديري أن هذه الظاهرة تؤكد وجود طبقة متوسطة نشطة، وتعتبر هذه الطبقة أهم عنصر في العملية الاقتصادية، حيث يقوم أفرادها بتزيّت قنوات الاقتصاد بإنفاقهم الاستهلاكي وطموحاتهم اللامتناهية.

::/introtext::
::fulltext::

لا يمكن للزائر أن يكتشف المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني من دون التعرّف إلى الحقائق والبيانات، حيث إن المشهد يوحي بأن هناك حركة استهلاك واسعة. رواد المطاعم والمقاهي يمثلون نسبة مهمة من المستهلكين، ويمكن رؤية هؤلاء والمطاعم تعجّ بهم. وبتقديري أن هذه الظاهرة تؤكد وجود طبقة متوسطة نشطة، وتعتبر هذه الطبقة أهم عنصر في العملية الاقتصادية، حيث يقوم أفرادها بتزيّت قنوات الاقتصاد بإنفاقهم الاستهلاكي وطموحاتهم اللامتناهية.

وكانت هذه الطبقة من سمات التطور في إيران في زمن الشاه.. لكن الحقائق والإحصاءات لا تزال تشير إلى اقتصاد متواضع في إيران وأحوال معيشية متدهورة وارتفاع مستمر في معدلات البطالة، فأين الخلل، لا تزال إيران تعتمد على مواردها المتحصلة من بيع النفط الذي يمثل نسبة من صادراتها إلى العالم، كما أن عزلتها النسبية قد أدت إلى إخفاقها في تطوير أنشطة اقتصادية عدة ومن ضمنها النشاط الاقتصادي المتعلق بالنفط والغاز والصناعات البتروكيماوية.

ويشير تقرير حكومي قُدم إلى مجلس الشورى الإيراني بشأن خطة التنمية التي يبدأ تنفيذها في بداية السنة الإيرانية في 21 مارس (آذار) 2005 إلى أن حجم الميزانية سيكون في حدود 1546 تريليون ريال إيراني، أو ما يقارب 175 مليار دولار أمريكي. وحدّد التقرير المذكور أهداف الحكومة وإنجازاتها خلال رئاسة محمد علي خاتمي التي امتدت لمدة سبع سنوات ونصف السنة حتى الآن بما يلي:
• تنمية وتعزيز دور القطاع الخاص.
• تحقيق نمو اقتصادي بمعدل سنوي يساوي 6 في المائة.
• تنمية الاستثمارات بمعدل سنوي يساوي 11 في المائة.
• خفض نسبة البطالة من 13 في المائة إلى 10،4 في المائة.
• تثبيت سعر صرف العملة الوطنية.
• تنمية الصادرات غير النفطية.
• تحقيق اكتفاء ذاتي في بعض المواد الغذائية مثل القمح.
• تنفيذ مشاريع مهمة في قطاع النفط مثل مشروع “بارسن”.

لكن هذه الإنجازات وتلك الأهداف لا يمكن أن تحقق ما يطمح إليه الإيرانيون الذين يرغبون في تحسين ظروفهم المعيشية وينعمون بإمكانات الاستهلاك التي يعيشها الآخرون في البلدان المتقدمة، أو على الأقل في البلدان الآسيوية ذات الاقتصادات النشطة مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند.

ويُقدّر حجم الناتج المحلي الإجمالي في إيران خلال السنة الإيرانية الحالية بـ 1،096 تريليون ريال إيراني أي ما يعادل 124 مليار دولار أمريكي، وعندما يكون عدد السكان في إيران 67،7 مليون نسمة فإن ذلك يعني أن متوسط دخل الفرد يظل بحدود 1832 دولاراً، وهو متوسط دخل متواضع بالنسبة لبلد مثل إيران يملك قدرات وإمكانات اقتصادية مهمة وطاقات بشرية يمكن لها أن تلعب دوراً أساسياً في التنمية الاقتصادية. ولا شك في أن محاولات حكومة خاتمي، خلال السنوات الماضية، لتطوير الاقتصاد الإيراني قد اصطدمت بالمشكلات السياسية الناتجة عن سياسة المواجهة التي يقودها المتشددون في النظام ضد الغرب، أو في رفضهم للتعامل مع العالم الخارجي.
ويتضح من الإحصاءات المنشورة أن الاقتصاد الإيراني يملك إمكانات التنوّع، حيث يمثل النفظ في مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات القليلة الماضية ما يقارب 23 في المائة، بينما يأتي قطاع الخدمات في المقدمة ويصل نصيبه إلى 49،5 في المائة، وقطاع الصناعات التحويلية بنسبة 18،2 في المائة، وقطاع الزراعة بنسبة 11،6 في المائة، وقطاع التعدين بنسبة 11،8 في المائة. وتدل هذه البيانات على أن القطاعات غير النفطية تمثل 77 في المائة من المساهمات في الناتج المحلي الإجمالي.. لكن تظل الإيرادات النفطية أهم المكوِّنات في الإيرادات السيادية وفي حصيلة التجارة الخارجية لإيران. في السنة المالية الماضية بلغت الإيرادات النفطية 27 مليار دولار في حين بلغت حصيلة الصادرات غير النفطية 6،8 مليار دولار أمريكي. وهذا يعني أن حصيلة الصادرات الإجمالية، نفطية وغير نفطية، تساوي 33،8 مليار دولار نسبة الصادرات النفطية منها تساوي ثمانين في المائة، وهي نسبة عالية.

وهكذا يظل النفط أهم مصدر للأموال وأهم أداة لتمويل الإنفاق العام وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني بالرغم من أن نسبة مساهمته لا تتجاوز 23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكذلك لا بد من الإشارة إلى أهمية إيرادات النفط في تمويل الواردات والتي تصل قيمة تلك الواردات السلعية إلى نحو 28،8 مليار دولار، كما تشير البيانات المتعلقة بالسنة المالية الماضية. ولا شك في أن حجم أو قيمة الواردات لا يزال معقولاً، إن لم يكن متواضعاً، وذلك

ناشئ عن مستوى الدخل المنخفض مما لا يسمح بارتفاع الطلب على السلع غير الأساسية، أو غير الضرورية للصناعات، خصوصاً الصناعة النفطية، ثم إن هناك إمكانات جيدة لإنتاج سلع تتوافق مع إمكانات وقدرات المواطنين الإيرانيين داخل إيران. لكن الإيرادات النفطية لم تحل دون انخفاض ميزان الحساب الجاري، حيث يلاحظ زيادة الدفعات للخدمات مع العالم الخارجي والتي بلغت في العام الماضي 4،2 مليار دولار لمصلحة الآخرين، بينما بلغ صافي التدفقات أو التحويلات 1،2 مليار دولار، ومن ثم كان ناتج الحساب الجاري يساوي 2،00 مليار دولار تقريباً بعد أن كان 12،5 مليار دولار قبل أربع سنوات.

كيف يمكن لإيران أن تتحرَّر من تبعات التخلّف الاقتصادي وتنطلق بما يحتم عليها حجمها السكاني وقدراتها الاقتصادية ومواردها المتنوعة؟ إن مثل هذا السؤال لا بد أن واجهته الإدارة الإيرانية والمؤسسات الحاكمة هناك، ولا بد أن استحقاقات التنمية تحظى باهتمام من الطاقم الحاكم في إيران، بالرغم من المواقف السياسية المتطرفة التي تبديها القوى المهيمنة على النظام. إن المطلوب هو تحديد الأولويات والتأكد من حجم الموارد وتبني اقتصاد تنمية وليس اقتصاد عسكرة مثل تبني برنامج تطوير أسلحة نووية أو امتلاك القدرة على إنتاج مثل تلك الأسلحة على الأقل.. أي أن ما هو ضروري وحيوي للتنمية الاقتصادية في إيران هو التركيز على الاقتصاد المدني في ظل أوضاع سياسية مؤاتية لا تتأثر بالتوترات مع العالم الخارجي أو تقاسي من الاحتقانات الداخلية بسبب انعدام قنوات التعبير والتمثيل السياسي لفئات واسعة من المجتمع.

وعندما نتحدث عن المجتمع الإيراني، يجب أن نعي أن النظام في إيران قد تمكن من تحقيق نتائج مهمة في البنية الديمغرافية، حيث تم التحكم بمعدلات النمو السكاني لدرجة مهمة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن معدل النمو السكاني قد انخفض إلى مستوى 1،5 في المائة، وهو معدل يتناسب مع المتغيرات العصرية في البيئة السكانية في البلدان المتقدمة وفي البلدان الآسيوية ذات الاقتصادات الناشئة. كذلك فإن هذا التطور في عملية تنظيم الأسرة يتجاوز القيم السائدة في الكثير من البلدان الإسلامية وخصوصاً العربية منها. يُضاف إلى ذلك أن المجتمع الإيراني يتطور نحو الحضرية، حيث يعيش في المدن ما يقارب 44،9 مليون نسمة من أصل 67،7 مليون نسمة إجمالي سكان إيران، أي أن نسبة سكان المناطق الحضرية 66 في المائة من إجمالي السكان أو ثلثي السكان في إيران.

وهناك قضية أخرى يجب أن تحظى بالاهتمام، وهي قضية الديون الخارجية لإيران، حيث تشير التقارير الرسمية إلى أن التزامات إيران قصيرة الأمد وطويلة الأمد وغيرها من التزامات مثل خطابات الضمان أو الفواتير تصل بالدين الخارجي لإيران إلى مبلغ 35 مليار دولار أمريكي. إذ إن من المؤكد أن مثل هذا الدين الخارجي يحتم خدمة ديون باهظة تأكل جزءاً مهماً من الإيرادات النفطية وغير النفطية، وهذا يتطلب معالجة وتطويراً لقدرات الاقتصاد الإيراني وتخفيف الالتزامات الحكومية قدر الإمكان. وربما قد يكون من المفيد تطوير آليات إعادة الهيكلة وإنجاز برنامج طموح للتخصيص، بما في ذلك أنشطة عدة في قطاعي النفط والغاز وتوسيع المشاركة الأجنبية في المشاريع الحيوية ومنها مشاريع البنية التحتية.

وتمتلك إيران طبقة من رجال الأعمال منذ عهد الشاه يمكن إعادة الاعتبار إليها ودفعها لإعادة أموالها للبلاد وتوظيفها في مشاريع مجدية تحت مظلة بنية قانونية مستقرة وتحمي حقوق المستثمرين. إن معالجة الاختلالات في الاقتصاد الإيراني تستدعي الاستفادة من تجارب الآخرين وكيف تمكنت دول مثل تلك التي كانت ترزح تحت نظام الاقتصاد الشمولي الموجه مثل بلدان أوروبا الشرقية، ومنها المجر وبولندا، لكي تصبح من الدول ذات الاقتصاد المتطور وتمكنت من تحقيق استقرار في أسعار صرف عملاتها الوطنية. إذ لم تكن إيران دولة ذات اقتصاد شمولي حتى عام 1979، عندما انتصرت الثورة الإسلامية فيها، ومنذ ذلك الحين أصبح الاقتصاد محكوماً بالتوجهات الحكومية، وإن كانت هناك مساحة واسعة لعمل القطاع الخاص. لكن الآن، وبعد مرور 26 سنة من انتصار الثورة وإعلان الجمهورية الإسلامية، تحتم مسألة التطوير المراجعة الشاملة لكل الأمور ذات الصلة بالاقتصاد. قد يرى بعض المختصين أن ذلك ليس يسيراً في ظل النظام السياسي الحاكم حالياً، لكن يجب دفع هذا النظام لتبني إصلاحات اقتصادية وانفتاح على الاستثمار الخاص، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي.

ولا ريب أن استحقاقات الإصلاح مهمة وأساسية وهي تشمل برامج قد لا تتوافق مع طروحات القيادات الأساسية في النظام الحاكم. ومن هذه الاستحقاقات تفعيل دور القطاع الخاص بشكل واسع ودفع رجال الأعمال والمستثمرين الإيرانيين والأجانب لتملك الأصول الأساسية في البلاد. وأيضاً يجب تعزيز الطاقات الإنتاجية في قطاع النفط وتطوير إمكانات هذا القطاع من خلال الشراكة مع الشركات النفطية الرئيسية في العالم. ويعني ذلك توسيع قاعدة الملكية الخاصة وتمكين المستثمرين من التملك من دون قيود، بما في ذلك القيود التي تُفرض في قطاعات معيّنة على الملكية الخاصة الأجنبية. وكذلك يجب تحرير سعر صرف العملة الوطنية وتعويم هذه العملة من دون تدخل من البنك المركزي وبحيث يعكس السعر قيمتها الحقيقية على ضوء تطور الاقتصاد الوطني. وهناك عناصر عدة في منظومة الإصلاح الاقتصادي تشمل نظام الضرائب وسياسات التوظيف ونظام التأمينات الاجتماعية.

ويمكن أن نضيف هنا أهمية دخول إيران في عضوية منظمة التجارة الدولية لأن ذلك سوف يفرض استحقاقات الإصلاح بشكل مؤكد. ولا بد أن تستفيد إيران من هذه العضوية في تعزيز قدراتها الاقتصادية وتحسين شروط التجارة مع العالم الخارجي، وتدفع نحو تحسين أداء قطاعات اقتصادية واعدة مثل الصناعات التحويلية والزراعة والسياحة والمصارف.

إن إيران مقبلة على انتخابات الرئاسة خلال الأشهر القليلة المقبلة، ولا بد لأي رئيس جديد أن يضع في صلب اهتماماته مسألة تطوير البنية الاقتصادية ودفع البلاد نحو التنمية الاقتصادية الممكنة من خلال تبني أساليب واقعية. لكن أهم عنصر في الإصلاح الاقتصادي في أي بلد في هذا العالم يحتم تبني الانفتاح والتوافق مع مستجدات الاقتصاد العالمي وشروط التعامل التي اعتمدت خلال السنوات الأخيرة ضمن مستلزمات عضوية منظمة التجارة الدولية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2319::/cck::
::introtext::

لا يمكن للزائر أن يكتشف المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني من دون التعرّف إلى الحقائق والبيانات، حيث إن المشهد يوحي بأن هناك حركة استهلاك واسعة. رواد المطاعم والمقاهي يمثلون نسبة مهمة من المستهلكين، ويمكن رؤية هؤلاء والمطاعم تعجّ بهم. وبتقديري أن هذه الظاهرة تؤكد وجود طبقة متوسطة نشطة، وتعتبر هذه الطبقة أهم عنصر في العملية الاقتصادية، حيث يقوم أفرادها بتزيّت قنوات الاقتصاد بإنفاقهم الاستهلاكي وطموحاتهم اللامتناهية.

::/introtext::
::fulltext::

لا يمكن للزائر أن يكتشف المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني من دون التعرّف إلى الحقائق والبيانات، حيث إن المشهد يوحي بأن هناك حركة استهلاك واسعة. رواد المطاعم والمقاهي يمثلون نسبة مهمة من المستهلكين، ويمكن رؤية هؤلاء والمطاعم تعجّ بهم. وبتقديري أن هذه الظاهرة تؤكد وجود طبقة متوسطة نشطة، وتعتبر هذه الطبقة أهم عنصر في العملية الاقتصادية، حيث يقوم أفرادها بتزيّت قنوات الاقتصاد بإنفاقهم الاستهلاكي وطموحاتهم اللامتناهية.

وكانت هذه الطبقة من سمات التطور في إيران في زمن الشاه.. لكن الحقائق والإحصاءات لا تزال تشير إلى اقتصاد متواضع في إيران وأحوال معيشية متدهورة وارتفاع مستمر في معدلات البطالة، فأين الخلل، لا تزال إيران تعتمد على مواردها المتحصلة من بيع النفط الذي يمثل نسبة من صادراتها إلى العالم، كما أن عزلتها النسبية قد أدت إلى إخفاقها في تطوير أنشطة اقتصادية عدة ومن ضمنها النشاط الاقتصادي المتعلق بالنفط والغاز والصناعات البتروكيماوية.

ويشير تقرير حكومي قُدم إلى مجلس الشورى الإيراني بشأن خطة التنمية التي يبدأ تنفيذها في بداية السنة الإيرانية في 21 مارس (آذار) 2005 إلى أن حجم الميزانية سيكون في حدود 1546 تريليون ريال إيراني، أو ما يقارب 175 مليار دولار أمريكي. وحدّد التقرير المذكور أهداف الحكومة وإنجازاتها خلال رئاسة محمد علي خاتمي التي امتدت لمدة سبع سنوات ونصف السنة حتى الآن بما يلي:
• تنمية وتعزيز دور القطاع الخاص.
• تحقيق نمو اقتصادي بمعدل سنوي يساوي 6 في المائة.
• تنمية الاستثمارات بمعدل سنوي يساوي 11 في المائة.
• خفض نسبة البطالة من 13 في المائة إلى 10،4 في المائة.
• تثبيت سعر صرف العملة الوطنية.
• تنمية الصادرات غير النفطية.
• تحقيق اكتفاء ذاتي في بعض المواد الغذائية مثل القمح.
• تنفيذ مشاريع مهمة في قطاع النفط مثل مشروع “بارسن”.

لكن هذه الإنجازات وتلك الأهداف لا يمكن أن تحقق ما يطمح إليه الإيرانيون الذين يرغبون في تحسين ظروفهم المعيشية وينعمون بإمكانات الاستهلاك التي يعيشها الآخرون في البلدان المتقدمة، أو على الأقل في البلدان الآسيوية ذات الاقتصادات النشطة مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند.

ويُقدّر حجم الناتج المحلي الإجمالي في إيران خلال السنة الإيرانية الحالية بـ 1،096 تريليون ريال إيراني أي ما يعادل 124 مليار دولار أمريكي، وعندما يكون عدد السكان في إيران 67،7 مليون نسمة فإن ذلك يعني أن متوسط دخل الفرد يظل بحدود 1832 دولاراً، وهو متوسط دخل متواضع بالنسبة لبلد مثل إيران يملك قدرات وإمكانات اقتصادية مهمة وطاقات بشرية يمكن لها أن تلعب دوراً أساسياً في التنمية الاقتصادية. ولا شك في أن محاولات حكومة خاتمي، خلال السنوات الماضية، لتطوير الاقتصاد الإيراني قد اصطدمت بالمشكلات السياسية الناتجة عن سياسة المواجهة التي يقودها المتشددون في النظام ضد الغرب، أو في رفضهم للتعامل مع العالم الخارجي.
ويتضح من الإحصاءات المنشورة أن الاقتصاد الإيراني يملك إمكانات التنوّع، حيث يمثل النفظ في مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات القليلة الماضية ما يقارب 23 في المائة، بينما يأتي قطاع الخدمات في المقدمة ويصل نصيبه إلى 49،5 في المائة، وقطاع الصناعات التحويلية بنسبة 18،2 في المائة، وقطاع الزراعة بنسبة 11،6 في المائة، وقطاع التعدين بنسبة 11،8 في المائة. وتدل هذه البيانات على أن القطاعات غير النفطية تمثل 77 في المائة من المساهمات في الناتج المحلي الإجمالي.. لكن تظل الإيرادات النفطية أهم المكوِّنات في الإيرادات السيادية وفي حصيلة التجارة الخارجية لإيران. في السنة المالية الماضية بلغت الإيرادات النفطية 27 مليار دولار في حين بلغت حصيلة الصادرات غير النفطية 6،8 مليار دولار أمريكي. وهذا يعني أن حصيلة الصادرات الإجمالية، نفطية وغير نفطية، تساوي 33،8 مليار دولار نسبة الصادرات النفطية منها تساوي ثمانين في المائة، وهي نسبة عالية.

وهكذا يظل النفط أهم مصدر للأموال وأهم أداة لتمويل الإنفاق العام وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني بالرغم من أن نسبة مساهمته لا تتجاوز 23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وكذلك لا بد من الإشارة إلى أهمية إيرادات النفط في تمويل الواردات والتي تصل قيمة تلك الواردات السلعية إلى نحو 28،8 مليار دولار، كما تشير البيانات المتعلقة بالسنة المالية الماضية. ولا شك في أن حجم أو قيمة الواردات لا يزال معقولاً، إن لم يكن متواضعاً، وذلك

ناشئ عن مستوى الدخل المنخفض مما لا يسمح بارتفاع الطلب على السلع غير الأساسية، أو غير الضرورية للصناعات، خصوصاً الصناعة النفطية، ثم إن هناك إمكانات جيدة لإنتاج سلع تتوافق مع إمكانات وقدرات المواطنين الإيرانيين داخل إيران. لكن الإيرادات النفطية لم تحل دون انخفاض ميزان الحساب الجاري، حيث يلاحظ زيادة الدفعات للخدمات مع العالم الخارجي والتي بلغت في العام الماضي 4،2 مليار دولار لمصلحة الآخرين، بينما بلغ صافي التدفقات أو التحويلات 1،2 مليار دولار، ومن ثم كان ناتج الحساب الجاري يساوي 2،00 مليار دولار تقريباً بعد أن كان 12،5 مليار دولار قبل أربع سنوات.

كيف يمكن لإيران أن تتحرَّر من تبعات التخلّف الاقتصادي وتنطلق بما يحتم عليها حجمها السكاني وقدراتها الاقتصادية ومواردها المتنوعة؟ إن مثل هذا السؤال لا بد أن واجهته الإدارة الإيرانية والمؤسسات الحاكمة هناك، ولا بد أن استحقاقات التنمية تحظى باهتمام من الطاقم الحاكم في إيران، بالرغم من المواقف السياسية المتطرفة التي تبديها القوى المهيمنة على النظام. إن المطلوب هو تحديد الأولويات والتأكد من حجم الموارد وتبني اقتصاد تنمية وليس اقتصاد عسكرة مثل تبني برنامج تطوير أسلحة نووية أو امتلاك القدرة على إنتاج مثل تلك الأسلحة على الأقل.. أي أن ما هو ضروري وحيوي للتنمية الاقتصادية في إيران هو التركيز على الاقتصاد المدني في ظل أوضاع سياسية مؤاتية لا تتأثر بالتوترات مع العالم الخارجي أو تقاسي من الاحتقانات الداخلية بسبب انعدام قنوات التعبير والتمثيل السياسي لفئات واسعة من المجتمع.

وعندما نتحدث عن المجتمع الإيراني، يجب أن نعي أن النظام في إيران قد تمكن من تحقيق نتائج مهمة في البنية الديمغرافية، حيث تم التحكم بمعدلات النمو السكاني لدرجة مهمة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن معدل النمو السكاني قد انخفض إلى مستوى 1،5 في المائة، وهو معدل يتناسب مع المتغيرات العصرية في البيئة السكانية في البلدان المتقدمة وفي البلدان الآسيوية ذات الاقتصادات الناشئة. كذلك فإن هذا التطور في عملية تنظيم الأسرة يتجاوز القيم السائدة في الكثير من البلدان الإسلامية وخصوصاً العربية منها. يُضاف إلى ذلك أن المجتمع الإيراني يتطور نحو الحضرية، حيث يعيش في المدن ما يقارب 44،9 مليون نسمة من أصل 67،7 مليون نسمة إجمالي سكان إيران، أي أن نسبة سكان المناطق الحضرية 66 في المائة من إجمالي السكان أو ثلثي السكان في إيران.

وهناك قضية أخرى يجب أن تحظى بالاهتمام، وهي قضية الديون الخارجية لإيران، حيث تشير التقارير الرسمية إلى أن التزامات إيران قصيرة الأمد وطويلة الأمد وغيرها من التزامات مثل خطابات الضمان أو الفواتير تصل بالدين الخارجي لإيران إلى مبلغ 35 مليار دولار أمريكي. إذ إن من المؤكد أن مثل هذا الدين الخارجي يحتم خدمة ديون باهظة تأكل جزءاً مهماً من الإيرادات النفطية وغير النفطية، وهذا يتطلب معالجة وتطويراً لقدرات الاقتصاد الإيراني وتخفيف الالتزامات الحكومية قدر الإمكان. وربما قد يكون من المفيد تطوير آليات إعادة الهيكلة وإنجاز برنامج طموح للتخصيص، بما في ذلك أنشطة عدة في قطاعي النفط والغاز وتوسيع المشاركة الأجنبية في المشاريع الحيوية ومنها مشاريع البنية التحتية.

وتمتلك إيران طبقة من رجال الأعمال منذ عهد الشاه يمكن إعادة الاعتبار إليها ودفعها لإعادة أموالها للبلاد وتوظيفها في مشاريع مجدية تحت مظلة بنية قانونية مستقرة وتحمي حقوق المستثمرين. إن معالجة الاختلالات في الاقتصاد الإيراني تستدعي الاستفادة من تجارب الآخرين وكيف تمكنت دول مثل تلك التي كانت ترزح تحت نظام الاقتصاد الشمولي الموجه مثل بلدان أوروبا الشرقية، ومنها المجر وبولندا، لكي تصبح من الدول ذات الاقتصاد المتطور وتمكنت من تحقيق استقرار في أسعار صرف عملاتها الوطنية. إذ لم تكن إيران دولة ذات اقتصاد شمولي حتى عام 1979، عندما انتصرت الثورة الإسلامية فيها، ومنذ ذلك الحين أصبح الاقتصاد محكوماً بالتوجهات الحكومية، وإن كانت هناك مساحة واسعة لعمل القطاع الخاص. لكن الآن، وبعد مرور 26 سنة من انتصار الثورة وإعلان الجمهورية الإسلامية، تحتم مسألة التطوير المراجعة الشاملة لكل الأمور ذات الصلة بالاقتصاد. قد يرى بعض المختصين أن ذلك ليس يسيراً في ظل النظام السياسي الحاكم حالياً، لكن يجب دفع هذا النظام لتبني إصلاحات اقتصادية وانفتاح على الاستثمار الخاص، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي.

ولا ريب أن استحقاقات الإصلاح مهمة وأساسية وهي تشمل برامج قد لا تتوافق مع طروحات القيادات الأساسية في النظام الحاكم. ومن هذه الاستحقاقات تفعيل دور القطاع الخاص بشكل واسع ودفع رجال الأعمال والمستثمرين الإيرانيين والأجانب لتملك الأصول الأساسية في البلاد. وأيضاً يجب تعزيز الطاقات الإنتاجية في قطاع النفط وتطوير إمكانات هذا القطاع من خلال الشراكة مع الشركات النفطية الرئيسية في العالم. ويعني ذلك توسيع قاعدة الملكية الخاصة وتمكين المستثمرين من التملك من دون قيود، بما في ذلك القيود التي تُفرض في قطاعات معيّنة على الملكية الخاصة الأجنبية. وكذلك يجب تحرير سعر صرف العملة الوطنية وتعويم هذه العملة من دون تدخل من البنك المركزي وبحيث يعكس السعر قيمتها الحقيقية على ضوء تطور الاقتصاد الوطني. وهناك عناصر عدة في منظومة الإصلاح الاقتصادي تشمل نظام الضرائب وسياسات التوظيف ونظام التأمينات الاجتماعية.

ويمكن أن نضيف هنا أهمية دخول إيران في عضوية منظمة التجارة الدولية لأن ذلك سوف يفرض استحقاقات الإصلاح بشكل مؤكد. ولا بد أن تستفيد إيران من هذه العضوية في تعزيز قدراتها الاقتصادية وتحسين شروط التجارة مع العالم الخارجي، وتدفع نحو تحسين أداء قطاعات اقتصادية واعدة مثل الصناعات التحويلية والزراعة والسياحة والمصارف.

إن إيران مقبلة على انتخابات الرئاسة خلال الأشهر القليلة المقبلة، ولا بد لأي رئيس جديد أن يضع في صلب اهتماماته مسألة تطوير البنية الاقتصادية ودفع البلاد نحو التنمية الاقتصادية الممكنة من خلال تبني أساليب واقعية. لكن أهم عنصر في الإصلاح الاقتصادي في أي بلد في هذا العالم يحتم تبني الانفتاح والتوافق مع مستجدات الاقتصاد العالمي وشروط التعامل التي اعتمدت خلال السنوات الأخيرة ضمن مستلزمات عضوية منظمة التجارة الدولية.

::/fulltext::
::cck::2319::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *