أحلاف غير مرئية.. وغزو غير قادم

::cck::2332::/cck::
::introtext::

هددت أمريكا جمهورية إيران الإسلامية بالويل والثبور وعظائم الأمور – على حد تعبير ألف ليلة وليلة – أما باستخدام التعبير المعاصر، فالتهديد ببساطة على لسان تشيني هو بالغزو أو الاحتلال. أما في أوساط المحافظين الجدد الأمريكيين المتربعين على عرش إمبراطورية جنكيزخان – الوليدة في هذا الزمان، باسم زعامة العالم الحر، وقيادة جوقة المصارعين ضد الفاشية والإرهاب.. أقول أما في أوساط هؤلاء – كما تنطق صحفهم ومجلاتهم ووسائل إعلامهم – فليس الأمر هو التهديد بغزو إيران، الذي ربما يكون قد تقرّر، إنما الخلاف الوحيد هو حول تحديد موعده.

::/introtext::
::fulltext::

هددت أمريكا جمهورية إيران الإسلامية بالويل والثبور وعظائم الأمور – على حد تعبير ألف ليلة وليلة – أما باستخدام التعبير المعاصر، فالتهديد ببساطة على لسان تشيني هو بالغزو أو الاحتلال. أما في أوساط المحافظين الجدد الأمريكيين المتربعين على عرش إمبراطورية جنكيزخان – الوليدة في هذا الزمان، باسم زعامة العالم الحر، وقيادة جوقة المصارعين ضد الفاشية والإرهاب.. أقول أما في أوساط هؤلاء – كما تنطق صحفهم ومجلاتهم ووسائل إعلامهم – فليس الأمر هو التهديد بغزو إيران، الذي ربما يكون قد تقرّر، إنما الخلاف الوحيد هو حول تحديد موعده.

ما مدى جدية هذا الجو المشحون بالتهديدات أو الوعيد ضد إيران؟ الإجابة معقدة، ولكن لنبدأ برد فعل إيران: إن إيران في تصريحات تتوالى تؤكد أنها قادرة على الدفاع عن نفسها، ثم تتجاوز ذلك إلى تلميحات تكاد تقول: إيران ليست العراق أو أفغانستان، وليس كل طير يؤكل لحمه، بل إن على أمريكا أن تتوقع الهزيمة على يد الشعب الإيراني. وتستمر التصريحات الإيرانية في اتجاه تأكيد جدية التهديدات الأمريكية بإعلان إيران المتكرر بأن أمريكا تعرقل مباحثات إيران مع أوروبا حول التعاون النووي، بل إنها تسعى لإفشال هذه المباحثات لإيجاد ذريعة لضرب إيران بحجة سعيها لصنع أسلحة نووية تشكِّل تهديداً لأمريكا وإسرائيل.

هل هذا المناخ شبيه بالمناخ الذي سبق ضرب العراق؟ إذا كان كذلك، فالأمر جدي بل وبالغ الجدية. لكنني أرى أن الأمر مختلف تمام الاختلاف ما عدا الشيء الوحيد المشترك وهو كثرة الكذب الذي احتاج من أمريكا تشكيل جهاز قومي للكذب، ثم تحويله من العلنية إلى السرية، بل وتغيير مسمّاه إلى ما لا أدري من المسميات، ومع ذلك فاستراتيجية الكذب هنا مختلفة واتجاهها يكاد يكون تقليدياً كما سنرى، ولا سيما أن الكذب عند الطرف الآخر غريزي، لأن ساسة العالم الثالث معظمهم يكذبون، فلا يقتصر الكذب على أمريكا أو غيرها من دول العالم الأول أو الثاني، فاقتراح ميكافيلي بأن الغاية تبرِّر الوسيلة، لم يكن اقتراحاً، بل كان استقراء لواقع السياسة والسياسيين.

لكن ما مجال الكذب هنا؟ أمريكا اتهمت إيران وسوريا والقاعدة معاً بإدخال عناصر – سمتها إرهابية وأجنبية، وتنتمي للقاعدة وغيرها من منظمات تابعة لها أو شبيهة – إلى العراق، وهذا كذب في جملته – إن صدق في بعض تفصيلاته شأن أي كذب – وهو كذب يقلِّل من مسؤولية الحكومة الأمريكية تجاه مقتل عدد كبير من جنودها في العراق، وتجاه فشلها في نشر الأمن على الأرض العراقية التي اختل الأمن فيها عشية اليوم التالي لاحتلال أمريكا لها. هذا الكذب – إلى جانب ما أتصوره من كذبة غزو إيران – يخفِّف الضغط الداخلي على الحكومة الإيرانية في ما يتعلق باضطهاد موجه ضد الليبراليين والإصلاحيين، مع عودة التشدُّد الديني وكبت للحريات وارتفاع سطوة المحافظين مقابل انخفاض صوت الإصلاحيين. إن تهديد أمريكا لإيران يضمن قبولاً للمحافظين الإيرانيين من جانب الشعب الإيراني، بل إن هذا التهديد تبرير قوي لبقائهم في السلطة وتشددهم، هذا التشدد الداخلي الذي يتحوَّل إلى اعتدال مفرط في الضغط المستمر على شيعة العراق بمهادنة الأمريكيين من أجل التحرير السلمي للعراق. إننا قد نتفق مع الحلول السلمية والاعتدال، لكننا لا نستطيع تجنُّب التفكير في دور إيراني فعّال لتحقيق هذه المعادلة الصعبة في العراق، إذ إن الموقف المهادن لهذه الأغلبية الشيعية أنقذ أمريكا من جحيم، ما كانت قادرة على تحمله طويلاً، ولعله ينقذ العراق نفسه على المدى الطويل من كارثة الفوضى، لكنه أيضاً يرفع أسهم الاتجاه المحافظ الإيراني الذي يعد الهجوم الأمريكي عليه وعلى إيران دعماً أمريكياً خفياً، وكما يُقال شيء مقابل شيء.

هل نحن أمام تحالف خفي – ولا يمكن إلا أن يكون خفياً – بين المحافظين الجدد الأمريكيين، والمحافظين القدامى الإيرانيين؟ والسؤال الجوهري: هل مثل هذه التحالفات تحتاج إلى دستور مكتوب، أم أن الوعي بالمصالح هو الذي يحرِّك لعبة التحالفات؟ ليس من همِّنا أن نجيب عن مثل هذه الأسئلة، لكننا نطرحها لنؤكد استحالة جدية التصريحات الأمريكية الخاصة بغزو إيران، فليس لدى أمريكا سيولة عسكرية في عدد الجنود لفعل ذلك، وليس لدى أمريكا حلفاء محتملون في هذا – سوى إسرائيل – ولم نسمع هذه التصريحات من رجل أمريكا الأول. وأخيراً أمريكا ليست في حاجة إلى ذلك، فهي لن تنال مما تود نيله من إيران، أكثر مما تحظى به الآن. وهذه نبوءة – أظن في صحتها – لكنها سوف تطرح من الأسئلة أكثر مما تجيب، كما أنها سوف تحيط قادة العالم الشرق أوسطي بهالة من علامات الاستفهام.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2332::/cck::
::introtext::

هددت أمريكا جمهورية إيران الإسلامية بالويل والثبور وعظائم الأمور – على حد تعبير ألف ليلة وليلة – أما باستخدام التعبير المعاصر، فالتهديد ببساطة على لسان تشيني هو بالغزو أو الاحتلال. أما في أوساط المحافظين الجدد الأمريكيين المتربعين على عرش إمبراطورية جنكيزخان – الوليدة في هذا الزمان، باسم زعامة العالم الحر، وقيادة جوقة المصارعين ضد الفاشية والإرهاب.. أقول أما في أوساط هؤلاء – كما تنطق صحفهم ومجلاتهم ووسائل إعلامهم – فليس الأمر هو التهديد بغزو إيران، الذي ربما يكون قد تقرّر، إنما الخلاف الوحيد هو حول تحديد موعده.

::/introtext::
::fulltext::

هددت أمريكا جمهورية إيران الإسلامية بالويل والثبور وعظائم الأمور – على حد تعبير ألف ليلة وليلة – أما باستخدام التعبير المعاصر، فالتهديد ببساطة على لسان تشيني هو بالغزو أو الاحتلال. أما في أوساط المحافظين الجدد الأمريكيين المتربعين على عرش إمبراطورية جنكيزخان – الوليدة في هذا الزمان، باسم زعامة العالم الحر، وقيادة جوقة المصارعين ضد الفاشية والإرهاب.. أقول أما في أوساط هؤلاء – كما تنطق صحفهم ومجلاتهم ووسائل إعلامهم – فليس الأمر هو التهديد بغزو إيران، الذي ربما يكون قد تقرّر، إنما الخلاف الوحيد هو حول تحديد موعده.

ما مدى جدية هذا الجو المشحون بالتهديدات أو الوعيد ضد إيران؟ الإجابة معقدة، ولكن لنبدأ برد فعل إيران: إن إيران في تصريحات تتوالى تؤكد أنها قادرة على الدفاع عن نفسها، ثم تتجاوز ذلك إلى تلميحات تكاد تقول: إيران ليست العراق أو أفغانستان، وليس كل طير يؤكل لحمه، بل إن على أمريكا أن تتوقع الهزيمة على يد الشعب الإيراني. وتستمر التصريحات الإيرانية في اتجاه تأكيد جدية التهديدات الأمريكية بإعلان إيران المتكرر بأن أمريكا تعرقل مباحثات إيران مع أوروبا حول التعاون النووي، بل إنها تسعى لإفشال هذه المباحثات لإيجاد ذريعة لضرب إيران بحجة سعيها لصنع أسلحة نووية تشكِّل تهديداً لأمريكا وإسرائيل.

هل هذا المناخ شبيه بالمناخ الذي سبق ضرب العراق؟ إذا كان كذلك، فالأمر جدي بل وبالغ الجدية. لكنني أرى أن الأمر مختلف تمام الاختلاف ما عدا الشيء الوحيد المشترك وهو كثرة الكذب الذي احتاج من أمريكا تشكيل جهاز قومي للكذب، ثم تحويله من العلنية إلى السرية، بل وتغيير مسمّاه إلى ما لا أدري من المسميات، ومع ذلك فاستراتيجية الكذب هنا مختلفة واتجاهها يكاد يكون تقليدياً كما سنرى، ولا سيما أن الكذب عند الطرف الآخر غريزي، لأن ساسة العالم الثالث معظمهم يكذبون، فلا يقتصر الكذب على أمريكا أو غيرها من دول العالم الأول أو الثاني، فاقتراح ميكافيلي بأن الغاية تبرِّر الوسيلة، لم يكن اقتراحاً، بل كان استقراء لواقع السياسة والسياسيين.

لكن ما مجال الكذب هنا؟ أمريكا اتهمت إيران وسوريا والقاعدة معاً بإدخال عناصر – سمتها إرهابية وأجنبية، وتنتمي للقاعدة وغيرها من منظمات تابعة لها أو شبيهة – إلى العراق، وهذا كذب في جملته – إن صدق في بعض تفصيلاته شأن أي كذب – وهو كذب يقلِّل من مسؤولية الحكومة الأمريكية تجاه مقتل عدد كبير من جنودها في العراق، وتجاه فشلها في نشر الأمن على الأرض العراقية التي اختل الأمن فيها عشية اليوم التالي لاحتلال أمريكا لها. هذا الكذب – إلى جانب ما أتصوره من كذبة غزو إيران – يخفِّف الضغط الداخلي على الحكومة الإيرانية في ما يتعلق باضطهاد موجه ضد الليبراليين والإصلاحيين، مع عودة التشدُّد الديني وكبت للحريات وارتفاع سطوة المحافظين مقابل انخفاض صوت الإصلاحيين. إن تهديد أمريكا لإيران يضمن قبولاً للمحافظين الإيرانيين من جانب الشعب الإيراني، بل إن هذا التهديد تبرير قوي لبقائهم في السلطة وتشددهم، هذا التشدد الداخلي الذي يتحوَّل إلى اعتدال مفرط في الضغط المستمر على شيعة العراق بمهادنة الأمريكيين من أجل التحرير السلمي للعراق. إننا قد نتفق مع الحلول السلمية والاعتدال، لكننا لا نستطيع تجنُّب التفكير في دور إيراني فعّال لتحقيق هذه المعادلة الصعبة في العراق، إذ إن الموقف المهادن لهذه الأغلبية الشيعية أنقذ أمريكا من جحيم، ما كانت قادرة على تحمله طويلاً، ولعله ينقذ العراق نفسه على المدى الطويل من كارثة الفوضى، لكنه أيضاً يرفع أسهم الاتجاه المحافظ الإيراني الذي يعد الهجوم الأمريكي عليه وعلى إيران دعماً أمريكياً خفياً، وكما يُقال شيء مقابل شيء.

هل نحن أمام تحالف خفي – ولا يمكن إلا أن يكون خفياً – بين المحافظين الجدد الأمريكيين، والمحافظين القدامى الإيرانيين؟ والسؤال الجوهري: هل مثل هذه التحالفات تحتاج إلى دستور مكتوب، أم أن الوعي بالمصالح هو الذي يحرِّك لعبة التحالفات؟ ليس من همِّنا أن نجيب عن مثل هذه الأسئلة، لكننا نطرحها لنؤكد استحالة جدية التصريحات الأمريكية الخاصة بغزو إيران، فليس لدى أمريكا سيولة عسكرية في عدد الجنود لفعل ذلك، وليس لدى أمريكا حلفاء محتملون في هذا – سوى إسرائيل – ولم نسمع هذه التصريحات من رجل أمريكا الأول. وأخيراً أمريكا ليست في حاجة إلى ذلك، فهي لن تنال مما تود نيله من إيران، أكثر مما تحظى به الآن. وهذه نبوءة – أظن في صحتها – لكنها سوف تطرح من الأسئلة أكثر مما تجيب، كما أنها سوف تحيط قادة العالم الشرق أوسطي بهالة من علامات الاستفهام.

::/fulltext::
::cck::2332::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *