المستشارون: رواية تُروى
::cck::2337::/cck::
::introtext::
كانت عائلة زاهدي من العوائل المقربة من عائلة بهلوي الحاكمة في إيران، بل كان أفرادها من العناصر التي حفل تاريخها بخدمة حكام بيت السلطة في إيران بإخلاص وتفانٍ. وكان أردشير زاهدي من بطانة البلاط الإمبراطوري. وكان من الطبيعي أن يرتقي السلم الذي مهد له تاريخ العائلة ليكون أحد أشهر سياسيي الدولة الفارسية وأحد أهم صانعي دبلوماسيتها. وكان أردشير زاهدي يتميز بميزة خاصة، فهو يُعد من القلائل الذين عملوا في خدمة الشاه رضا بهلوي ثم لاحقاً في خدمة ولده وخليفته في العرش الإمبراطوري الشاه محمد رضا بهلوي، فكان شاهداً على عصرين. وليس غريباً أن يكون زاهدي أحد شهود العيان لمأساة الشاه محمد رضا بهلوي، وهي مأساة إنسان قبل أن تكون أي شيء آخر، وهي قصة لرجل فشل اجتماعياً وإنسانياً قبل أن يفشل سياسياً.
::/introtext::
::fulltext::
كانت عائلة زاهدي من العوائل المقربة من عائلة بهلوي الحاكمة في إيران، بل كان أفرادها من العناصر التي حفل تاريخها بخدمة حكام بيت السلطة في إيران بإخلاص وتفانٍ. وكان أردشير زاهدي من بطانة البلاط الإمبراطوري. وكان من الطبيعي أن يرتقي السلم الذي مهد له تاريخ العائلة ليكون أحد أشهر سياسيي الدولة الفارسية وأحد أهم صانعي دبلوماسيتها. وكان أردشير زاهدي يتميز بميزة خاصة، فهو يُعد من القلائل الذين عملوا في خدمة الشاه رضا بهلوي ثم لاحقاً في خدمة ولده وخليفته في العرش الإمبراطوري الشاه محمد رضا بهلوي، فكان شاهداً على عصرين. وليس غريباً أن يكون زاهدي أحد شهود العيان لمأساة الشاه محمد رضا بهلوي، وهي مأساة إنسان قبل أن تكون أي شيء آخر، وهي قصة لرجل فشل اجتماعياً وإنسانياً قبل أن يفشل سياسياً.
ومأساة الشاه يختزلها زاهدي بالرواية التالية التي نقلها لنا أحد سفراء الولايات المتحدة السابقين في طهران: فخلال الأشهر الأخيرة من عمر نظام الشاه، كان زاهدي قد استقر خارج إيران إما في مهمة دبلوماسية روتينية أو مهمة طارئة أو برغبة شخصية في عدم البقاء في البلاد. وقبل أسابيع قليلة من اتخاذ الشاه قرار مغادرة إيران والتخلي عن الحكم عملياً، عاد زاهدي إلى طهران من أجل لقاء الشاه والاطلاع شخصياً وعن قرب على التطورات التي كانت تعصف بالبلاد وبنظام الحكم الإمبراطوري حينها. وقد علم قبل وصوله إلى طهران من أحد المقربين أن الشاه أمسى يعاني من أزمة نفسية حادة من الكآبة إلى جانب تدهور حالته الصحية جسدياً، وأن الشاه أمسى منطوياً على نفسه ولم يعد يودّ التخاطب مع أي إنسان، وأن تدهور حالته النفسية قد أثر بشكل مباشر وواضح في قدرته الجسدية على مقاومة المرض واستجابة جسده للعلاج الطبي.
وبعد ساعات قليلة من الوصول إلى العاصمة الإيرانية، قرر زاهدي التوجه إلى القصر الإمبراطوري لمقابلة الشاه، وكان أول ما فاجأه عند الوصول إلى مدخل القصر الإمبراطوري حقيقة أن عدداً لا بأس فيه من العاملين في خدمة القصر من موظفين ومن حرس قد اختفوا لأسباب أو أعذار مختلفة وربما مُختلَقة، وأن هناك شعوراً سائداً بين العاملين في خدمة الإمبراطور بأن حكم الشاه ونظامه أمسيا كسفينة تسير إلى قدرها وإلى غرق ونهاية محتومة، مما حفز عدداً كبيراً من بطانة الشاه وخدمه “من فئة الأفاقين والمنافقين والمنتفعين” إلى القفر من سفينة الشاه وتركه وحيداً يجابه مأساة النهاية. دخل زاهدي إلى القصر الذي كاد يبدو للوهلة الأولى مهجوراً، وحاول الاستفسار من العاملين القلائل الذين بقوا في القصر عن مكان وجود صاحب الجلالة الإمبراطور، ولكنه لم يستطع أن يحصل على معلومة واضحة وقاطعة. وهنا، انبرى أحد الحراس ليخبر زاهدي بحدسه أن الإمبراطور يوجد في صالة معينة من صالات القصر. وتوجه زاهدي نحو الصالة المحددة وحيداً، وذلك لعلمه التام بتفاصيل القصر الذي عاش فيه لفترات طويلة مرافقاً مليكه عن قرب. وعند الوصول إلى موقع الصالة المحددة، قام بطرق الباب أولاً للاستئذان للدخول ولم يسمع من مجيب، لذا قام بفتح باب الصالة ببطء وحذر، ولكنه اكتشف أن الصالة تغرق في ظلام شبه تام ولا دليل على وجود أي كائن فيها، فقام بإغلاق الباب والتوجه إلى صف الغرف الطويل ليقوم بفتح كل باب من الأبواب بحثاً عن مليكه ولم يستطع العثور عليه في أي غرفة من الغرف التي لم تكن أي واحدة منها مأهولة. وعاد زاهدي إلى الحارس الذي أرشده ابتداءً إلى الصالة التي يعتقد أن الشاه يجلس فيها ليخبره أنه لم يجد الإمبراطور داخلها، ولكن الحارس أعاد له تأكيد أن الشاه يوجد داخل هذه الصالة المحددة. مما اضطُر زاهدي إلى العودة إليها وقام بطرق الباب مرة أخرى للاستئذان ولكن من دون مجيب، مما اضطره إلى فتح الباب والتمعن في الظلام الدامس الذي لف أرجاء الغرفة. وهنا، لاحظ في الظلام وجود ما بدا له كشبح إنسان يجلس على كرسي مقابل إحدى نوافذ الغرفة ويدير ظهره إلى مدخلها. وشجع هذا الأمر زاهدي للسير ببطء للاقتراب من الهدف، وهنا اكتشف أن الجالس في كرسي الظلام الدامس هو الإمبراطور عينه.
وبعد إلقاء التحية على الإمبراطور وتقبيل يده، بقي الشاه صامتاً ودون حراك ولم يبدُ عابئاً بما حاول زاهدي التفوه به من كلمات المجاملة التي حوت كثيراً من مشاعر التعاطف ومحاولة الرفع من المعنويات. وبقي الشاه ينظر نحو النافذة ولم يزح بوجهه صوب الضيف، فتوقف زاهدي عن الكلام وبقي واقفاً في مكانه. وبعد صمت طويل، نطق الشاه بكلمات غير مفهومة ثم بدأ الكلام ببطء، حيث دار حوار بين الرجلين. قال الشاه موجهاً كلامه إلى زاهدي ومن دون مقدمات: إنك يا سيد زاهدي ممن خدم في بلاط والدي الشاه رضا بهلوي ثم خدمت في بلاطي، وكنت مقرباً من والدي كما كنت مقرباً مني شخصياً. وكان والدي، حسب ما أعلم، رجلاً محبوباً من قبل الشعب ومهيب الجانب. أريد منك أن تخبرني وبصراحة تامة ما الفرق بيني وبين والدي؟ لماذا يحصل لي ما يحصل اليوم؟ هل أنا حقاً مكروه من الشعب إلى هذه الدرجة التي أشاهدها اليوم تتجسد في الشارع الإيراني؟ إنني في صدمة عميقة، هل هذا الذي أراه حلم أم حقيقة؟
وفي الحقيقة، فإنه لم تكن لدى زاهدي نية بالدخول في نقاش جدي حول الأزمة التي حاصرت مليكه من كل جانب، فقد كان على يقين من أن الوضع والتطورات على الأرض الإيرانية والتطورات في الساحة الدولية قد تجاوزت مهمة أو قدرة إنقاذ النظام أو ترميم ما هُدم. ولم تكن زيارته للشاه إلا زيارة مجاملة ووداع وتعاطف.
ولذلك، صمت زاهدي برهة من الزمن، ثم نطق قائلاً: سألتني يا صاحب الجلالة عن الفارق بينكم وبين المرحوم والدكم؟ فأقول لكم كلمة واحدة، إن والد جلالتكم كان لا يحتمل الكذب والرياء، كان يطالب مستشاريه بقول ما يعتقدونه حقاً دون رياء، ويطالب بالحقيقة الكاملة التامة ولا شيء غيرها، كان يعاقب أي مسؤول يكتشف أنه قد كذب عليه. وعندما كان يستفسر عن أحوال الرعية لم يكن أحد من مستشاريه يجرؤ على إخباره كذباً أو أن يجمل له صورة قبيحة. فقد أحاط نفسه برجال صادقين يملكون الجرأة والشجاعة لإخباره الحقيقة كما هي بمرارتها وسوادها، إلى درجة أنهم لم يستطيعوا أن يحتفظوا بمناصبهم وبامتيازاتهم إلا من خلال قول الحق له ونقل الواقع كما هو من دون زيادة أو نقصان.
وكان في تعامله مع مستشاريه لا يرحم من يكتشف أنه منافق. لذا، بقي لصيقاً بنبض الشارع وإن لم يستطع حل مشاكله أو تحسين أحواله. أنتم يا صاحب الجلالة كنتم على نقيض ذلك، تعاقبون من ينقل لجلالتكم الحقيقة، أحطتم نفسكم بمجموعة من المستشارين الذين كان همهم الوحيد والأساسي نقل الكذب وتزوير الوقائع من أجل إرضاء جلالتكم والتزلف ونيل الحظوة. كان هؤلاء القوم ممن زينوا لكم واقع الشعب زوراً وبهتاناً، كنت جلالتك تطرب لسماع الإطراء والمديح حقاً كان أم باطلاً، وتأنس لمن يقول نعم لكل كلمة تتفوه بها. لذا أحطت نفسك بمجموعة من المستشارين من الجبناء والمنافقين ممن لا يعرف قول الحق أو التعايش مع الحقيقة، بل كانوا يخبرونك دائماً بما تود سماعه. أين هؤلاء اليوم يا صاحب الجلالة؟ لقد هربوا بأنفسهم بعد أن هرّبوا ثرواتهم الطائلة وتركوك وحيداً. لم يكن زاهدي ينتظر جواباً من مليكه، ولم يكن يتوقع اعترافاً بالذنب أو اعتذاراً عن الأخطاء. ولكنه أيقن أن الإمبراطور أمسى أطلال روح قبل أن يتحول إلى أطلال جسد. فغادر الغرفة المظلمة ليترك مليكه في الظلام كما عاش طول حياته.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2337::/cck::
::introtext::
كانت عائلة زاهدي من العوائل المقربة من عائلة بهلوي الحاكمة في إيران، بل كان أفرادها من العناصر التي حفل تاريخها بخدمة حكام بيت السلطة في إيران بإخلاص وتفانٍ. وكان أردشير زاهدي من بطانة البلاط الإمبراطوري. وكان من الطبيعي أن يرتقي السلم الذي مهد له تاريخ العائلة ليكون أحد أشهر سياسيي الدولة الفارسية وأحد أهم صانعي دبلوماسيتها. وكان أردشير زاهدي يتميز بميزة خاصة، فهو يُعد من القلائل الذين عملوا في خدمة الشاه رضا بهلوي ثم لاحقاً في خدمة ولده وخليفته في العرش الإمبراطوري الشاه محمد رضا بهلوي، فكان شاهداً على عصرين. وليس غريباً أن يكون زاهدي أحد شهود العيان لمأساة الشاه محمد رضا بهلوي، وهي مأساة إنسان قبل أن تكون أي شيء آخر، وهي قصة لرجل فشل اجتماعياً وإنسانياً قبل أن يفشل سياسياً.
::/introtext::
::fulltext::
كانت عائلة زاهدي من العوائل المقربة من عائلة بهلوي الحاكمة في إيران، بل كان أفرادها من العناصر التي حفل تاريخها بخدمة حكام بيت السلطة في إيران بإخلاص وتفانٍ. وكان أردشير زاهدي من بطانة البلاط الإمبراطوري. وكان من الطبيعي أن يرتقي السلم الذي مهد له تاريخ العائلة ليكون أحد أشهر سياسيي الدولة الفارسية وأحد أهم صانعي دبلوماسيتها. وكان أردشير زاهدي يتميز بميزة خاصة، فهو يُعد من القلائل الذين عملوا في خدمة الشاه رضا بهلوي ثم لاحقاً في خدمة ولده وخليفته في العرش الإمبراطوري الشاه محمد رضا بهلوي، فكان شاهداً على عصرين. وليس غريباً أن يكون زاهدي أحد شهود العيان لمأساة الشاه محمد رضا بهلوي، وهي مأساة إنسان قبل أن تكون أي شيء آخر، وهي قصة لرجل فشل اجتماعياً وإنسانياً قبل أن يفشل سياسياً.
ومأساة الشاه يختزلها زاهدي بالرواية التالية التي نقلها لنا أحد سفراء الولايات المتحدة السابقين في طهران: فخلال الأشهر الأخيرة من عمر نظام الشاه، كان زاهدي قد استقر خارج إيران إما في مهمة دبلوماسية روتينية أو مهمة طارئة أو برغبة شخصية في عدم البقاء في البلاد. وقبل أسابيع قليلة من اتخاذ الشاه قرار مغادرة إيران والتخلي عن الحكم عملياً، عاد زاهدي إلى طهران من أجل لقاء الشاه والاطلاع شخصياً وعن قرب على التطورات التي كانت تعصف بالبلاد وبنظام الحكم الإمبراطوري حينها. وقد علم قبل وصوله إلى طهران من أحد المقربين أن الشاه أمسى يعاني من أزمة نفسية حادة من الكآبة إلى جانب تدهور حالته الصحية جسدياً، وأن الشاه أمسى منطوياً على نفسه ولم يعد يودّ التخاطب مع أي إنسان، وأن تدهور حالته النفسية قد أثر بشكل مباشر وواضح في قدرته الجسدية على مقاومة المرض واستجابة جسده للعلاج الطبي.
وبعد ساعات قليلة من الوصول إلى العاصمة الإيرانية، قرر زاهدي التوجه إلى القصر الإمبراطوري لمقابلة الشاه، وكان أول ما فاجأه عند الوصول إلى مدخل القصر الإمبراطوري حقيقة أن عدداً لا بأس فيه من العاملين في خدمة القصر من موظفين ومن حرس قد اختفوا لأسباب أو أعذار مختلفة وربما مُختلَقة، وأن هناك شعوراً سائداً بين العاملين في خدمة الإمبراطور بأن حكم الشاه ونظامه أمسيا كسفينة تسير إلى قدرها وإلى غرق ونهاية محتومة، مما حفز عدداً كبيراً من بطانة الشاه وخدمه “من فئة الأفاقين والمنافقين والمنتفعين” إلى القفر من سفينة الشاه وتركه وحيداً يجابه مأساة النهاية. دخل زاهدي إلى القصر الذي كاد يبدو للوهلة الأولى مهجوراً، وحاول الاستفسار من العاملين القلائل الذين بقوا في القصر عن مكان وجود صاحب الجلالة الإمبراطور، ولكنه لم يستطع أن يحصل على معلومة واضحة وقاطعة. وهنا، انبرى أحد الحراس ليخبر زاهدي بحدسه أن الإمبراطور يوجد في صالة معينة من صالات القصر. وتوجه زاهدي نحو الصالة المحددة وحيداً، وذلك لعلمه التام بتفاصيل القصر الذي عاش فيه لفترات طويلة مرافقاً مليكه عن قرب. وعند الوصول إلى موقع الصالة المحددة، قام بطرق الباب أولاً للاستئذان للدخول ولم يسمع من مجيب، لذا قام بفتح باب الصالة ببطء وحذر، ولكنه اكتشف أن الصالة تغرق في ظلام شبه تام ولا دليل على وجود أي كائن فيها، فقام بإغلاق الباب والتوجه إلى صف الغرف الطويل ليقوم بفتح كل باب من الأبواب بحثاً عن مليكه ولم يستطع العثور عليه في أي غرفة من الغرف التي لم تكن أي واحدة منها مأهولة. وعاد زاهدي إلى الحارس الذي أرشده ابتداءً إلى الصالة التي يعتقد أن الشاه يجلس فيها ليخبره أنه لم يجد الإمبراطور داخلها، ولكن الحارس أعاد له تأكيد أن الشاه يوجد داخل هذه الصالة المحددة. مما اضطُر زاهدي إلى العودة إليها وقام بطرق الباب مرة أخرى للاستئذان ولكن من دون مجيب، مما اضطره إلى فتح الباب والتمعن في الظلام الدامس الذي لف أرجاء الغرفة. وهنا، لاحظ في الظلام وجود ما بدا له كشبح إنسان يجلس على كرسي مقابل إحدى نوافذ الغرفة ويدير ظهره إلى مدخلها. وشجع هذا الأمر زاهدي للسير ببطء للاقتراب من الهدف، وهنا اكتشف أن الجالس في كرسي الظلام الدامس هو الإمبراطور عينه.
وبعد إلقاء التحية على الإمبراطور وتقبيل يده، بقي الشاه صامتاً ودون حراك ولم يبدُ عابئاً بما حاول زاهدي التفوه به من كلمات المجاملة التي حوت كثيراً من مشاعر التعاطف ومحاولة الرفع من المعنويات. وبقي الشاه ينظر نحو النافذة ولم يزح بوجهه صوب الضيف، فتوقف زاهدي عن الكلام وبقي واقفاً في مكانه. وبعد صمت طويل، نطق الشاه بكلمات غير مفهومة ثم بدأ الكلام ببطء، حيث دار حوار بين الرجلين. قال الشاه موجهاً كلامه إلى زاهدي ومن دون مقدمات: إنك يا سيد زاهدي ممن خدم في بلاط والدي الشاه رضا بهلوي ثم خدمت في بلاطي، وكنت مقرباً من والدي كما كنت مقرباً مني شخصياً. وكان والدي، حسب ما أعلم، رجلاً محبوباً من قبل الشعب ومهيب الجانب. أريد منك أن تخبرني وبصراحة تامة ما الفرق بيني وبين والدي؟ لماذا يحصل لي ما يحصل اليوم؟ هل أنا حقاً مكروه من الشعب إلى هذه الدرجة التي أشاهدها اليوم تتجسد في الشارع الإيراني؟ إنني في صدمة عميقة، هل هذا الذي أراه حلم أم حقيقة؟
وفي الحقيقة، فإنه لم تكن لدى زاهدي نية بالدخول في نقاش جدي حول الأزمة التي حاصرت مليكه من كل جانب، فقد كان على يقين من أن الوضع والتطورات على الأرض الإيرانية والتطورات في الساحة الدولية قد تجاوزت مهمة أو قدرة إنقاذ النظام أو ترميم ما هُدم. ولم تكن زيارته للشاه إلا زيارة مجاملة ووداع وتعاطف.
ولذلك، صمت زاهدي برهة من الزمن، ثم نطق قائلاً: سألتني يا صاحب الجلالة عن الفارق بينكم وبين المرحوم والدكم؟ فأقول لكم كلمة واحدة، إن والد جلالتكم كان لا يحتمل الكذب والرياء، كان يطالب مستشاريه بقول ما يعتقدونه حقاً دون رياء، ويطالب بالحقيقة الكاملة التامة ولا شيء غيرها، كان يعاقب أي مسؤول يكتشف أنه قد كذب عليه. وعندما كان يستفسر عن أحوال الرعية لم يكن أحد من مستشاريه يجرؤ على إخباره كذباً أو أن يجمل له صورة قبيحة. فقد أحاط نفسه برجال صادقين يملكون الجرأة والشجاعة لإخباره الحقيقة كما هي بمرارتها وسوادها، إلى درجة أنهم لم يستطيعوا أن يحتفظوا بمناصبهم وبامتيازاتهم إلا من خلال قول الحق له ونقل الواقع كما هو من دون زيادة أو نقصان.
وكان في تعامله مع مستشاريه لا يرحم من يكتشف أنه منافق. لذا، بقي لصيقاً بنبض الشارع وإن لم يستطع حل مشاكله أو تحسين أحواله. أنتم يا صاحب الجلالة كنتم على نقيض ذلك، تعاقبون من ينقل لجلالتكم الحقيقة، أحطتم نفسكم بمجموعة من المستشارين الذين كان همهم الوحيد والأساسي نقل الكذب وتزوير الوقائع من أجل إرضاء جلالتكم والتزلف ونيل الحظوة. كان هؤلاء القوم ممن زينوا لكم واقع الشعب زوراً وبهتاناً، كنت جلالتك تطرب لسماع الإطراء والمديح حقاً كان أم باطلاً، وتأنس لمن يقول نعم لكل كلمة تتفوه بها. لذا أحطت نفسك بمجموعة من المستشارين من الجبناء والمنافقين ممن لا يعرف قول الحق أو التعايش مع الحقيقة، بل كانوا يخبرونك دائماً بما تود سماعه. أين هؤلاء اليوم يا صاحب الجلالة؟ لقد هربوا بأنفسهم بعد أن هرّبوا ثرواتهم الطائلة وتركوك وحيداً. لم يكن زاهدي ينتظر جواباً من مليكه، ولم يكن يتوقع اعترافاً بالذنب أو اعتذاراً عن الأخطاء. ولكنه أيقن أن الإمبراطور أمسى أطلال روح قبل أن يتحول إلى أطلال جسد. فغادر الغرفة المظلمة ليترك مليكه في الظلام كما عاش طول حياته.
::/fulltext::
::cck::2337::/cck::
