العملاق : صعود وانهيار الإمبراطورية الأمريكية
::cck::2339::/cck::
::introtext::
“عصر الإمبراطوريات” هو اسم أحد أكثر الألعاب الإلكترونية انتشاراً في العالم والتي تقوم على فكرة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ الصراعات الإمبريالية. فالكيانات السياسية المتصارعة تتنافس لبسط سيطرتها على الموارد البشرية والأراضي الخصبة والغابات ومناجم الذهب والممرات المائية. وفي خضم هذا الصراع الذي لا ينتهي تحتاج هذه الإمبراطوريات المتنافسة إلى إيجاد حالة من التوازن بين التنمية الاقتصادية من ناحية، والاستعداد الدائم لخوض المعارك والفوز بها من ناحية أخرى. فالطرف الذي يفرط في عدوانيته سرعان ما تنفذ موارده وكذلك العمل على زيادة وتعظيم الاستفادة من موارده البشرية وتكريس الذهب. أما الطرف الذي يفرط في كل الثروة فقد يجد نفسه عرضة للاعتداء إذا ما أهمل تطوير قدراته الدفاعية.
::/introtext::
::fulltext::
“عصر الإمبراطوريات” هو اسم أحد أكثر الألعاب الإلكترونية انتشاراً في العالم والتي تقوم على فكرة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ الصراعات الإمبريالية. فالكيانات السياسية المتصارعة تتنافس لبسط سيطرتها على الموارد البشرية والأراضي الخصبة والغابات ومناجم الذهب والممرات المائية. وفي خضم هذا الصراع الذي لا ينتهي تحتاج هذه الإمبراطوريات المتنافسة إلى إيجاد حالة من التوازن بين التنمية الاقتصادية من ناحية، والاستعداد الدائم لخوض المعارك والفوز بها من ناحية أخرى. فالطرف الذي يفرط في عدوانيته سرعان ما تنفذ موارده وكذلك العمل على زيادة وتعظيم الاستفادة من موارده البشرية وتكريس الذهب. أما الطرف الذي يفرط في كل الثروة فقد يجد نفسه عرضة للاعتداء إذا ما أهمل تطوير قدراته الدفاعية.
إن كثيراً من الأمريكيين يمارسون لعبة “عصر الإمبراطوريات” ولكن القليل منهم وخصوصاً صنّاع السياسة وكبار العسكريين مستعدون للاعتراف بأن حكومتهم تمارس هذه اللعبة على أرض الواقع. ما يريد “نيال فيرغيسون” قوله في كتاب “صعود وانهيار الإمبراطورية الأمريكية” ليس أن الولايات المتحدة الأمريكية هي إمبراطورية بالفعل فقط، بل إن أمريكا كانت دائماً إمبراطورية أيضاً. وبالرغم من أن فيرغيسون لا يعارض من حيث المبدأ الإمبراطورية الأمريكية بل إنه يذهب إلى القول إن العديد من الأطراف في العالم قد تستفيد من عصر الحكم الأمريكي، إلاّ أنه يؤكد أن العالم يحتاج الآن إلى إمبراطورية ليبرالية لا تضمن التبادل الحر للبضائع والعمالة ورأس المال والخدمات وحسب، بل إمبراطورية تعمل على خلق الظروف التي لا يمكن من دونها للأسواق أن تعمل مثل السلام والنظام وحكم القانون والإدارات النـزيهة والسياسات المالية والنقدية المستقرة وتوفير السلع الضرورية والبنى التحتية من مواصلات واتصالات ومستشفيات ومدارس وغيرها.
ومن الأسئلة المهمة التي يطرحها هذا الكتاب هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تكون إمبراطورية ليبرالية ناجحة؟ فعلى الرغم من أن أمريكا تبدو أنها تنعم بالقدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بحيث تكون قادرة على إدارة “إمبراطورية الحريات”، إلاّ أنها في حقيقة الأمر ومن خلال ممارساتها على أرض الواقع لا تبدو قادرة على إيجاد إمبراطورية ليبرالية. يحاول فيرغيسون نتيجة لذلك في معرض كتابه أن يشرح للقارئ الأسباب التي تجعل من الصعب على أمريكا أن تقبل كونها إمبراطورية من ناحية، ولماذا لا يكتب لمشاريعها الامبريالية أن تُعمّر طويلاً ولا تحقق النتائج المرجوة منها.
فأمريكا كما يرى الكاتب هي مجرد إمبراطورية أخرى، وليس كما يحلو للبعض أن يصفها بأنها حالة فريدة. أما عن خصائص هذه الامبريالية الأمريكية فهي تتسم بالقوة الخارقة والضعف الذي يصل أحياناً إلى حدّ الوهن كما أثبتت ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما ترتب عليها من تداعيات. ومن هذا المنطلق فإن الكاتب يضع أحداث 11 سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان والعراق في سياقهما التاريخي الطويل الأمد ليؤكد أنهما أكثر امتداداً للماضي الأمريكي مما يعتقد البعض. ولكن ما هي قدرة الإمبراطورية الأمريكية على الاستمرار؟ هل هي أقوى من الإمبراطوريات التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل؟ أم أن هذا العملاق الضخم يعاني من نقطة ضعف قاتلة أشبه ما تكون بعقب أخيل؟ أم أن أمريكا أشبه ما تكون “شمشون الجبار” مقيداً وقد فُقئت عيناه بالتزامات ومسؤوليات ومشكلات تستعصي على الحل في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي لا يصبح قادراً إلاّ على التدمير الأعمى؟ وبعد فترة من النكران استمرت حتى نوفمبر 2000 بدأ مسؤولون وأكاديميون أمريكيون يتحدثون عن ضرورة تحوّل أمريكا من دولة/ أمّة تقليدية إلى قوة امبريالية، وبدأ تعبير “أمريكا هي القوة الخارقة الوحيدة في العالم” وكأنه محاولة لتجنب وصف أمريكا بـ “الإمبراطورية” ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تخلى المسؤولون والأكاديميون عن تحفظاتهم بشأن الدعوة الصريحة لتفعيل الإمبراطورية الأمريكية وذلك من منطلق أن دولاً مثل أفغانستان بحاجة لمن ينقذها من براثن التخلف والفقر والتعسف.
وذهب الأمر بالكاتب ماكس بوت، على سبيل المثال لا الحصر، إلى دعوة أمريكا إلى الاضطلاع بمسؤولياتها مستوحياً ذلك من قصيدة الشاعر روديارد كيلبنغ “عبء الرجل الأبيض” والتي تبرر الاستعمار على أنه عبء ومسؤولية الرجل الأبيض للنهوض بالشعوب المتخلفة وتعليمها كيف تحكم نفسها بنفسها. فالاستعمار كما يراه ليس استغلالاً لموارد الشعوب وقهر إرادتها ولكنه عمل إنساني وخدمة للشعوب المستعمرة. وتوالت الدعوات بعد ذلك لإعلان الإمبراطورية الأمريكية وإطلاق يدها في العالم تحت مسميات وتبريرات عديدة مثل “الامبريالية الجديدة كحل أمثل للفوضى العارمة التي سادت العالم بسبب فشل العديد من الأنظمة الاضطلاع بمسؤولياتها. وتحدث آخرون عن “امبريالية حقوق الإنسان”. أما ماكس بوت فدعى لإنشاء “وزارة مستعمرات” حتى تستطيع أمريكا إدارة ممتلكاتها الجديدة في الشرق الأوسط وآسيا بشكل أفضل.
أما في وزارة الدفاع الأمريكي، فإن أكثر الأشخاص تحمساً “للامبريالية الجديدة” هو نائب وزير الدفاع بول ولفويتز عندما دعي في عهد الرئيس بوش الأب وقال إن هدف أمريكا يجب أن يكون “إقناع المنافسين المحتملين بألا يحاولوا التطلع إلى دور أكبر أو اتخاذ مواقف أكثر عدوانية لحماية مصالحهم المشروعة”. وكان هذا التوجه مستغرباً جداً في عام 1992، ولكنه أصبح مألوفاً الآن. ففي دراسة نشرت بعد ذلك بنحو تسع سنوات عن وزارة الدفاع تم التأكيد على ضرورة وضع استراتيجيات لضمان استمرار هيمنة أمريكا على المدى الطويل (50 عاماً) وعقدت مقارنة في تلك الدراسة بين الولايات المتحدة والإمبراطوريات الرومانية والعثمانية والبريطانية. أما الجنرال انتوني زيني فقد صرح في عام 2000، عندما كان القائد الأعلى في القيادة الأمريكية المركزية بأنه قد “أصبح القنصل الروماني الحديث، سليل رجال الدولة المحارب الذي يحكم المستعمرات الرومانية ويتلقى أوامره ومثله السياسية من روما ليطبقها على الشعوب المستعمرة”.
ومن الناحية الرسمية تبقى أمريكا إمبراطورية في حالة نكران. فالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون يؤكد في مذكراته أن أمريكا هي “الدولة العظمى الوحيدة التي ليست لديها تطلعات وأطماع استعمارية في الدول المجاورة” وكرر الرئيس الحالي جورج ووكر بوش خلال حملته الانتخابية الأولى نفس فكرة نيكسون عندما قال: “إن أمريكا لم تكن أبداً إمبراطورية. قد تكون الدولة العظمى الوحيدة في التاريخ التي توفرت لها الفرصة لتكون إمبراطورية ولكنها رفضت ذلك مفضلة العظمة على القوة ومفضلة العدل على المجد” وقبل فترة وجيزة قبل غزو العراق أكدّ بوش مجدداً أن أمريكا لا تنوي تحديد الشكل الجديد للحكومة العراقية. فالخيار يعود للشعب الأمريكي، سنبقى في العراق مادام ذلك ضرورياً وليس ليوم واحد بعد ذلك. لقد التزمت أمريكا بذلك في فترة السلام بعد الحروب العالمية. فبعد هزيمة أعدائنا لم نترك وراءنا جيوش احتلال، ولكننا تركنا دساتير وبرلمانات.
أما كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق فقال “إن أمريكا لا تسعى لإقامة إمبراطورية على أرض الغير. لم نكن أبداً امبرياليين. فنحن نسعى إلى عالم تسوده الحرية والازدهار والسلام لجميع الشعوب وليس نخبة صغيرة من البشر”. سيغمون فرويد عرّف “حالة النكران” بأنها آلية دفاع نفسية بدائية ضد الصدمة”. وقد يفسر هذا حالة النكران التي سادت المجتمع الأمريكي بكافة أطيافه من صدمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق. ولكن الحاجة إلى النكران بدأت تتلاشى تدريجياً وتحولت السياسة الخارجية الأمريكية تدريجياً من الدفاع إلى الهجوم. ولكن ما هي طبيعة هذه الإمبراطورية، لأنها فعلاً إمبراطورية بكل ما في الكلمة من معنى بالرغم من أنها لا تحمل هذا الاسم؟ قام هنري الثامن بإعلان المملكة البريطانية إمبراطورية قبل أن تصبح كذلك. ولكن الولايات المتحدة، على النقيض من ذلك أصبحت إمبراطورية، ولكنها تتحاشى هذه التسمية. وإذا عدت إلى التعريف الضيق لكلمة إمبراطورية، فإن أمريكا لا تقع ضمن هذا التصنيف. القوة الامبريالية الحقيقية تعني الاحتكار المباشر والسيطرة على عملية تنظيم واستخدام القوة العسكرية.. وتعني السيطرة المباشرة على دائرة العدل.. وتعني السيطرة على ما يتم شراؤه أو بيعه بما في ذلك شروط التبادل التجاري والسماح بهذا التبادل. لذلك يقول البعض لنتوقف عن القول بوجود إمبراطورية أمريكية، لأنه بكل بساطة لم ولن يوجد شيء كهذا.
ولكن إذا لم تكن أمريكا إمبراطورية، فماذا كانت إذاً؟ وما هي الآن؟ أليست هي “القوة العظمى الوحيدة في عالم أحادي القطب. أليست، كما يفضل البعض تسميتها، الدولة التي تضطلع “بقيادة العالم”؟ أما علماء السياسة والعلاقات الدولية فيميلون إلى استخدام تعابير مثل “السيادة” و “الهيمنة”. ولكن ما هي دوافع الدول المهيمنة؟ ألاّ تسعى لممارسة قوتها خارج حدودها خدمة لمصالحها الذاتية؟ أم أن لها أهدافاً مُنـزهة تعمل على خدمة الصالح العام؟ قد يكون التمييز بين “الهيمنة” و “الإمبراطورية” ممكناً إذا كان تعبير “الإمبراطورية” يعني ببساطة الحكم المباشر لمناطق وأراض أجنبية من دون أي تمثيل للسكان المحليين. ولكن أجزاء كبيرة من الإمبراطورية البريطانية في آسيا وإفريقيا كانت تحكم بشكل غير مباشر فالحاكم لم يكن بريطانياً، بل هو أحد السكان المحليين الذين يدينون بالولاء للعرش البريطاني. كما أن هناك تمييزاً آخر لا يلقى أهمية بين الإمبراطورية “الرسمية” و “غير الرسمية” فبريطانيا لم تحكم الأرجنتين رسمياً، ولكن البنوك التجارية البريطانية مارست ضغوطاً هائلة على سياسات الأرجنتين المالية والنقدية تركت آثارها في الأوضاع في الأرجنتين.
ومن الواضح أن الإمبراطورية الأمريكية تفضل حتى الآن الحكم غير المباشر على الحكم المباشر، وتفضل كذلك الإمبراطورية غير الرسمية على الإمبراطورية الرسمية. ويحلو للبعض أن يصف أمريكا في فترة الحرب الباردة بأنها “إمبراطورية بناء على دعوة أطراف أخرى”. ولكن غزو أفغانستان والعراق لم يتم بناء على دعوة من أي من الطرفين. أليس هذا تحولاً إلى تركيبة امبريالية أكثر مباشرة؟ ويمكن القول إن الإمبراطورية الأمريكية هي ديمقراطية ليبرالية، وتقوم على اقتصاد السوق إلاّ أن تركيبتها السياسية تنطوي على بعض الخصائص غير الليبرالية وتستخدم اقتصادها القوي للتدخل بقوة في شؤون العديد من الدول الأخرى. فهي تحرص في المقام الأول على المحافظة على أمنها الوطني، وثانياً ضمان استمرار وصولها للمواد الخام وخصوصاً النفط. كما تعمل على إحلال السلام عن طريق التدخل في شؤون بعض الأنظمة المستبدة، وتسعى كذلك إلى ضمان الحرية في البحار والأجواء لتدفق المزيد من البضائع والخدمات، وتبذل الجهود للقيام بنوع من “التحول” التدريجي الذي يدعي عادة بـ “الأمركة” من خلال تصدير البضائع ووسائل الترفيه الأمريكية.
وقبل نشر القوات الأمريكية لغزو العراق كان لدى القوات الأمريكية نحو 752 قاعدة عسكرية فيما يزيد على 130 دولة وتحتوي نحو 65 فيها على أعداد كبيرة من القوات، وإذا كانت أمريكا لا تترك وراءها “قوّات احتلال” كما يؤكد الرئيس بوش، فلا بد من التذكير بأنه خلال ولايته الأولى كان هناك نحو 70 ألف جندي في ألمانيا ونحو 40 ألف جندي في اليابان وأن هذه القوات تواجدت في البلدين منذ عام 1945، بالإضافة إلى نحو 36500 جندي موجودين في كوريا الجنوبية بشكل متواصل منذ عام 1950. وحتى وقت كتابة هذا الكتاب كان هناك نحو 10 آلاف جندي مرابطين في أفغانستان، وأصبح في حكم المؤكد أن نحو 100 ألف جندي أمريكي سيبقون في العراق على مدى السنوات القليلة المقبلة. هذا ناهيك عن التقنيات العسكرية الأمريكية القادرة على الوصول وتدمير أي هدف في العالم والقدرات الاقتصادية الهائلة التي تستخدم في خدمة المصالح الأمريكية.
أما “القوة اللينة” الأمريكية فتساعد أمريكا في الحصول على ما تريد من دون اللجوء للقوة العسكرية، فأمريكا تنجح في تحقيق أهدافها لأن الدول الأخرى تريد أن تتبعها وتحذو حذوها. ولكن هل يجعل هذا القوة الأمريكية مختلفة عن القوة الامبريالية؟ أليست القدرة على خلق حالة من الانبهار وإيجاد الرغبة للتقليد لدى الآخر أحد الأسلحة التي استخدمتها الإمبراطوريات السابقة من روما حتى لندن؟ والمهم هنا أن الولايات المتحدة، شأنها شأن الإمبراطورية البريطانية، تحتفظ دائماً بحقها المطلق لاستخدام القوة العسكرية. وليس أدل على ذلك من تأكيد إدارة الرئيس بوش على اللجوء إلى الحروب الاستباقية لمنع الأعمال العدوانية التي قد يفكر أعداء أمريكا في شنها. لذلك فإن “القوة اللينة”، وبالرغم من أهمية الدور الذي تضطلع به لا تعدو أكثر من كونها قفّازاً مخملياً يُخفي قبضة حديدية قادرة دائماً على تحقيق الأهداف المعلنة والخفية للسياسات الخارجية الأمريكية. ولكن ثمن هذه السياسات الأمريكية يبقى باهظاً، كما يظهر ذلك جلياً، في العجز الهائل في الميزانية وتراجع الخدمات الطبية والضمان الاجتماعي.
إن أقدام هذا العملاق الجبار تقف على أرضية أقل صلابة بكثير مما يتصور البعض، فلقد أصبحت الولايات المتحدة فعلاً إمبراطورية تتوفر لها كافة مقومات القوة لتمارس هذا الدور، ولكن الشعب الأمريكي يفتقر لهذا التوجه لأنهم يفضلون الاستهلاك على غزو أراضي الغير وإخضاعها لسيطرتهم. كما يفضلون بناء مراكز التسوق على بناء الدول. وشأنهم شأن أسلافهم البريطانيين فقد حصل الأمريكيون على إمبراطوريتهم “في نوبة من غياب العقل”. وبالرغم من ومضات من معرفة الذات فإنهم بقوا في حالة من غياب العقل أو النكران لقوتهم الامبريالية. ونتيجة لذلك، فإنه ليس من المستبعد أن تكشف إمبراطوريتهم هذه عن المقومات المضادة والمناقضة للإمبراطورية التي شهدها الاتحاد السوفييتي.
وفي الختام نقول إن أولئك الذين يدفعون باتجاه استمرار الهيمنة الأمريكية بكل أطيافها يسيرون في طريق مسدود. فمصادر التهديد لوجود الإمبراطورية الأمريكية لن تأتي من إمبراطوريات منافسة لا تزال في مراحلها الجنينية سواء أكانت في الغرب أم الشرق، ولكنها قد تأتي من فراغ السلطة وإساءة استخدام القوة التي تنشأ من داخل المجتمع الأمريكي!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2339::/cck::
::introtext::
“عصر الإمبراطوريات” هو اسم أحد أكثر الألعاب الإلكترونية انتشاراً في العالم والتي تقوم على فكرة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ الصراعات الإمبريالية. فالكيانات السياسية المتصارعة تتنافس لبسط سيطرتها على الموارد البشرية والأراضي الخصبة والغابات ومناجم الذهب والممرات المائية. وفي خضم هذا الصراع الذي لا ينتهي تحتاج هذه الإمبراطوريات المتنافسة إلى إيجاد حالة من التوازن بين التنمية الاقتصادية من ناحية، والاستعداد الدائم لخوض المعارك والفوز بها من ناحية أخرى. فالطرف الذي يفرط في عدوانيته سرعان ما تنفذ موارده وكذلك العمل على زيادة وتعظيم الاستفادة من موارده البشرية وتكريس الذهب. أما الطرف الذي يفرط في كل الثروة فقد يجد نفسه عرضة للاعتداء إذا ما أهمل تطوير قدراته الدفاعية.
::/introtext::
::fulltext::
“عصر الإمبراطوريات” هو اسم أحد أكثر الألعاب الإلكترونية انتشاراً في العالم والتي تقوم على فكرة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ الصراعات الإمبريالية. فالكيانات السياسية المتصارعة تتنافس لبسط سيطرتها على الموارد البشرية والأراضي الخصبة والغابات ومناجم الذهب والممرات المائية. وفي خضم هذا الصراع الذي لا ينتهي تحتاج هذه الإمبراطوريات المتنافسة إلى إيجاد حالة من التوازن بين التنمية الاقتصادية من ناحية، والاستعداد الدائم لخوض المعارك والفوز بها من ناحية أخرى. فالطرف الذي يفرط في عدوانيته سرعان ما تنفذ موارده وكذلك العمل على زيادة وتعظيم الاستفادة من موارده البشرية وتكريس الذهب. أما الطرف الذي يفرط في كل الثروة فقد يجد نفسه عرضة للاعتداء إذا ما أهمل تطوير قدراته الدفاعية.
إن كثيراً من الأمريكيين يمارسون لعبة “عصر الإمبراطوريات” ولكن القليل منهم وخصوصاً صنّاع السياسة وكبار العسكريين مستعدون للاعتراف بأن حكومتهم تمارس هذه اللعبة على أرض الواقع. ما يريد “نيال فيرغيسون” قوله في كتاب “صعود وانهيار الإمبراطورية الأمريكية” ليس أن الولايات المتحدة الأمريكية هي إمبراطورية بالفعل فقط، بل إن أمريكا كانت دائماً إمبراطورية أيضاً. وبالرغم من أن فيرغيسون لا يعارض من حيث المبدأ الإمبراطورية الأمريكية بل إنه يذهب إلى القول إن العديد من الأطراف في العالم قد تستفيد من عصر الحكم الأمريكي، إلاّ أنه يؤكد أن العالم يحتاج الآن إلى إمبراطورية ليبرالية لا تضمن التبادل الحر للبضائع والعمالة ورأس المال والخدمات وحسب، بل إمبراطورية تعمل على خلق الظروف التي لا يمكن من دونها للأسواق أن تعمل مثل السلام والنظام وحكم القانون والإدارات النـزيهة والسياسات المالية والنقدية المستقرة وتوفير السلع الضرورية والبنى التحتية من مواصلات واتصالات ومستشفيات ومدارس وغيرها.
ومن الأسئلة المهمة التي يطرحها هذا الكتاب هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تكون إمبراطورية ليبرالية ناجحة؟ فعلى الرغم من أن أمريكا تبدو أنها تنعم بالقدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية بحيث تكون قادرة على إدارة “إمبراطورية الحريات”، إلاّ أنها في حقيقة الأمر ومن خلال ممارساتها على أرض الواقع لا تبدو قادرة على إيجاد إمبراطورية ليبرالية. يحاول فيرغيسون نتيجة لذلك في معرض كتابه أن يشرح للقارئ الأسباب التي تجعل من الصعب على أمريكا أن تقبل كونها إمبراطورية من ناحية، ولماذا لا يكتب لمشاريعها الامبريالية أن تُعمّر طويلاً ولا تحقق النتائج المرجوة منها.
فأمريكا كما يرى الكاتب هي مجرد إمبراطورية أخرى، وليس كما يحلو للبعض أن يصفها بأنها حالة فريدة. أما عن خصائص هذه الامبريالية الأمريكية فهي تتسم بالقوة الخارقة والضعف الذي يصل أحياناً إلى حدّ الوهن كما أثبتت ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما ترتب عليها من تداعيات. ومن هذا المنطلق فإن الكاتب يضع أحداث 11 سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان والعراق في سياقهما التاريخي الطويل الأمد ليؤكد أنهما أكثر امتداداً للماضي الأمريكي مما يعتقد البعض. ولكن ما هي قدرة الإمبراطورية الأمريكية على الاستمرار؟ هل هي أقوى من الإمبراطوريات التي عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل؟ أم أن هذا العملاق الضخم يعاني من نقطة ضعف قاتلة أشبه ما تكون بعقب أخيل؟ أم أن أمريكا أشبه ما تكون “شمشون الجبار” مقيداً وقد فُقئت عيناه بالتزامات ومسؤوليات ومشكلات تستعصي على الحل في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي لا يصبح قادراً إلاّ على التدمير الأعمى؟ وبعد فترة من النكران استمرت حتى نوفمبر 2000 بدأ مسؤولون وأكاديميون أمريكيون يتحدثون عن ضرورة تحوّل أمريكا من دولة/ أمّة تقليدية إلى قوة امبريالية، وبدأ تعبير “أمريكا هي القوة الخارقة الوحيدة في العالم” وكأنه محاولة لتجنب وصف أمريكا بـ “الإمبراطورية” ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تخلى المسؤولون والأكاديميون عن تحفظاتهم بشأن الدعوة الصريحة لتفعيل الإمبراطورية الأمريكية وذلك من منطلق أن دولاً مثل أفغانستان بحاجة لمن ينقذها من براثن التخلف والفقر والتعسف.
وذهب الأمر بالكاتب ماكس بوت، على سبيل المثال لا الحصر، إلى دعوة أمريكا إلى الاضطلاع بمسؤولياتها مستوحياً ذلك من قصيدة الشاعر روديارد كيلبنغ “عبء الرجل الأبيض” والتي تبرر الاستعمار على أنه عبء ومسؤولية الرجل الأبيض للنهوض بالشعوب المتخلفة وتعليمها كيف تحكم نفسها بنفسها. فالاستعمار كما يراه ليس استغلالاً لموارد الشعوب وقهر إرادتها ولكنه عمل إنساني وخدمة للشعوب المستعمرة. وتوالت الدعوات بعد ذلك لإعلان الإمبراطورية الأمريكية وإطلاق يدها في العالم تحت مسميات وتبريرات عديدة مثل “الامبريالية الجديدة كحل أمثل للفوضى العارمة التي سادت العالم بسبب فشل العديد من الأنظمة الاضطلاع بمسؤولياتها. وتحدث آخرون عن “امبريالية حقوق الإنسان”. أما ماكس بوت فدعى لإنشاء “وزارة مستعمرات” حتى تستطيع أمريكا إدارة ممتلكاتها الجديدة في الشرق الأوسط وآسيا بشكل أفضل.
أما في وزارة الدفاع الأمريكي، فإن أكثر الأشخاص تحمساً “للامبريالية الجديدة” هو نائب وزير الدفاع بول ولفويتز عندما دعي في عهد الرئيس بوش الأب وقال إن هدف أمريكا يجب أن يكون “إقناع المنافسين المحتملين بألا يحاولوا التطلع إلى دور أكبر أو اتخاذ مواقف أكثر عدوانية لحماية مصالحهم المشروعة”. وكان هذا التوجه مستغرباً جداً في عام 1992، ولكنه أصبح مألوفاً الآن. ففي دراسة نشرت بعد ذلك بنحو تسع سنوات عن وزارة الدفاع تم التأكيد على ضرورة وضع استراتيجيات لضمان استمرار هيمنة أمريكا على المدى الطويل (50 عاماً) وعقدت مقارنة في تلك الدراسة بين الولايات المتحدة والإمبراطوريات الرومانية والعثمانية والبريطانية. أما الجنرال انتوني زيني فقد صرح في عام 2000، عندما كان القائد الأعلى في القيادة الأمريكية المركزية بأنه قد “أصبح القنصل الروماني الحديث، سليل رجال الدولة المحارب الذي يحكم المستعمرات الرومانية ويتلقى أوامره ومثله السياسية من روما ليطبقها على الشعوب المستعمرة”.
ومن الناحية الرسمية تبقى أمريكا إمبراطورية في حالة نكران. فالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون يؤكد في مذكراته أن أمريكا هي “الدولة العظمى الوحيدة التي ليست لديها تطلعات وأطماع استعمارية في الدول المجاورة” وكرر الرئيس الحالي جورج ووكر بوش خلال حملته الانتخابية الأولى نفس فكرة نيكسون عندما قال: “إن أمريكا لم تكن أبداً إمبراطورية. قد تكون الدولة العظمى الوحيدة في التاريخ التي توفرت لها الفرصة لتكون إمبراطورية ولكنها رفضت ذلك مفضلة العظمة على القوة ومفضلة العدل على المجد” وقبل فترة وجيزة قبل غزو العراق أكدّ بوش مجدداً أن أمريكا لا تنوي تحديد الشكل الجديد للحكومة العراقية. فالخيار يعود للشعب الأمريكي، سنبقى في العراق مادام ذلك ضرورياً وليس ليوم واحد بعد ذلك. لقد التزمت أمريكا بذلك في فترة السلام بعد الحروب العالمية. فبعد هزيمة أعدائنا لم نترك وراءنا جيوش احتلال، ولكننا تركنا دساتير وبرلمانات.
أما كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق فقال “إن أمريكا لا تسعى لإقامة إمبراطورية على أرض الغير. لم نكن أبداً امبرياليين. فنحن نسعى إلى عالم تسوده الحرية والازدهار والسلام لجميع الشعوب وليس نخبة صغيرة من البشر”. سيغمون فرويد عرّف “حالة النكران” بأنها آلية دفاع نفسية بدائية ضد الصدمة”. وقد يفسر هذا حالة النكران التي سادت المجتمع الأمريكي بكافة أطيافه من صدمة الحادي عشر من سبتمبر 2001 أصبحت أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق. ولكن الحاجة إلى النكران بدأت تتلاشى تدريجياً وتحولت السياسة الخارجية الأمريكية تدريجياً من الدفاع إلى الهجوم. ولكن ما هي طبيعة هذه الإمبراطورية، لأنها فعلاً إمبراطورية بكل ما في الكلمة من معنى بالرغم من أنها لا تحمل هذا الاسم؟ قام هنري الثامن بإعلان المملكة البريطانية إمبراطورية قبل أن تصبح كذلك. ولكن الولايات المتحدة، على النقيض من ذلك أصبحت إمبراطورية، ولكنها تتحاشى هذه التسمية. وإذا عدت إلى التعريف الضيق لكلمة إمبراطورية، فإن أمريكا لا تقع ضمن هذا التصنيف. القوة الامبريالية الحقيقية تعني الاحتكار المباشر والسيطرة على عملية تنظيم واستخدام القوة العسكرية.. وتعني السيطرة المباشرة على دائرة العدل.. وتعني السيطرة على ما يتم شراؤه أو بيعه بما في ذلك شروط التبادل التجاري والسماح بهذا التبادل. لذلك يقول البعض لنتوقف عن القول بوجود إمبراطورية أمريكية، لأنه بكل بساطة لم ولن يوجد شيء كهذا.
ولكن إذا لم تكن أمريكا إمبراطورية، فماذا كانت إذاً؟ وما هي الآن؟ أليست هي “القوة العظمى الوحيدة في عالم أحادي القطب. أليست، كما يفضل البعض تسميتها، الدولة التي تضطلع “بقيادة العالم”؟ أما علماء السياسة والعلاقات الدولية فيميلون إلى استخدام تعابير مثل “السيادة” و “الهيمنة”. ولكن ما هي دوافع الدول المهيمنة؟ ألاّ تسعى لممارسة قوتها خارج حدودها خدمة لمصالحها الذاتية؟ أم أن لها أهدافاً مُنـزهة تعمل على خدمة الصالح العام؟ قد يكون التمييز بين “الهيمنة” و “الإمبراطورية” ممكناً إذا كان تعبير “الإمبراطورية” يعني ببساطة الحكم المباشر لمناطق وأراض أجنبية من دون أي تمثيل للسكان المحليين. ولكن أجزاء كبيرة من الإمبراطورية البريطانية في آسيا وإفريقيا كانت تحكم بشكل غير مباشر فالحاكم لم يكن بريطانياً، بل هو أحد السكان المحليين الذين يدينون بالولاء للعرش البريطاني. كما أن هناك تمييزاً آخر لا يلقى أهمية بين الإمبراطورية “الرسمية” و “غير الرسمية” فبريطانيا لم تحكم الأرجنتين رسمياً، ولكن البنوك التجارية البريطانية مارست ضغوطاً هائلة على سياسات الأرجنتين المالية والنقدية تركت آثارها في الأوضاع في الأرجنتين.
ومن الواضح أن الإمبراطورية الأمريكية تفضل حتى الآن الحكم غير المباشر على الحكم المباشر، وتفضل كذلك الإمبراطورية غير الرسمية على الإمبراطورية الرسمية. ويحلو للبعض أن يصف أمريكا في فترة الحرب الباردة بأنها “إمبراطورية بناء على دعوة أطراف أخرى”. ولكن غزو أفغانستان والعراق لم يتم بناء على دعوة من أي من الطرفين. أليس هذا تحولاً إلى تركيبة امبريالية أكثر مباشرة؟ ويمكن القول إن الإمبراطورية الأمريكية هي ديمقراطية ليبرالية، وتقوم على اقتصاد السوق إلاّ أن تركيبتها السياسية تنطوي على بعض الخصائص غير الليبرالية وتستخدم اقتصادها القوي للتدخل بقوة في شؤون العديد من الدول الأخرى. فهي تحرص في المقام الأول على المحافظة على أمنها الوطني، وثانياً ضمان استمرار وصولها للمواد الخام وخصوصاً النفط. كما تعمل على إحلال السلام عن طريق التدخل في شؤون بعض الأنظمة المستبدة، وتسعى كذلك إلى ضمان الحرية في البحار والأجواء لتدفق المزيد من البضائع والخدمات، وتبذل الجهود للقيام بنوع من “التحول” التدريجي الذي يدعي عادة بـ “الأمركة” من خلال تصدير البضائع ووسائل الترفيه الأمريكية.
وقبل نشر القوات الأمريكية لغزو العراق كان لدى القوات الأمريكية نحو 752 قاعدة عسكرية فيما يزيد على 130 دولة وتحتوي نحو 65 فيها على أعداد كبيرة من القوات، وإذا كانت أمريكا لا تترك وراءها “قوّات احتلال” كما يؤكد الرئيس بوش، فلا بد من التذكير بأنه خلال ولايته الأولى كان هناك نحو 70 ألف جندي في ألمانيا ونحو 40 ألف جندي في اليابان وأن هذه القوات تواجدت في البلدين منذ عام 1945، بالإضافة إلى نحو 36500 جندي موجودين في كوريا الجنوبية بشكل متواصل منذ عام 1950. وحتى وقت كتابة هذا الكتاب كان هناك نحو 10 آلاف جندي مرابطين في أفغانستان، وأصبح في حكم المؤكد أن نحو 100 ألف جندي أمريكي سيبقون في العراق على مدى السنوات القليلة المقبلة. هذا ناهيك عن التقنيات العسكرية الأمريكية القادرة على الوصول وتدمير أي هدف في العالم والقدرات الاقتصادية الهائلة التي تستخدم في خدمة المصالح الأمريكية.
أما “القوة اللينة” الأمريكية فتساعد أمريكا في الحصول على ما تريد من دون اللجوء للقوة العسكرية، فأمريكا تنجح في تحقيق أهدافها لأن الدول الأخرى تريد أن تتبعها وتحذو حذوها. ولكن هل يجعل هذا القوة الأمريكية مختلفة عن القوة الامبريالية؟ أليست القدرة على خلق حالة من الانبهار وإيجاد الرغبة للتقليد لدى الآخر أحد الأسلحة التي استخدمتها الإمبراطوريات السابقة من روما حتى لندن؟ والمهم هنا أن الولايات المتحدة، شأنها شأن الإمبراطورية البريطانية، تحتفظ دائماً بحقها المطلق لاستخدام القوة العسكرية. وليس أدل على ذلك من تأكيد إدارة الرئيس بوش على اللجوء إلى الحروب الاستباقية لمنع الأعمال العدوانية التي قد يفكر أعداء أمريكا في شنها. لذلك فإن “القوة اللينة”، وبالرغم من أهمية الدور الذي تضطلع به لا تعدو أكثر من كونها قفّازاً مخملياً يُخفي قبضة حديدية قادرة دائماً على تحقيق الأهداف المعلنة والخفية للسياسات الخارجية الأمريكية. ولكن ثمن هذه السياسات الأمريكية يبقى باهظاً، كما يظهر ذلك جلياً، في العجز الهائل في الميزانية وتراجع الخدمات الطبية والضمان الاجتماعي.
إن أقدام هذا العملاق الجبار تقف على أرضية أقل صلابة بكثير مما يتصور البعض، فلقد أصبحت الولايات المتحدة فعلاً إمبراطورية تتوفر لها كافة مقومات القوة لتمارس هذا الدور، ولكن الشعب الأمريكي يفتقر لهذا التوجه لأنهم يفضلون الاستهلاك على غزو أراضي الغير وإخضاعها لسيطرتهم. كما يفضلون بناء مراكز التسوق على بناء الدول. وشأنهم شأن أسلافهم البريطانيين فقد حصل الأمريكيون على إمبراطوريتهم “في نوبة من غياب العقل”. وبالرغم من ومضات من معرفة الذات فإنهم بقوا في حالة من غياب العقل أو النكران لقوتهم الامبريالية. ونتيجة لذلك، فإنه ليس من المستبعد أن تكشف إمبراطوريتهم هذه عن المقومات المضادة والمناقضة للإمبراطورية التي شهدها الاتحاد السوفييتي.
وفي الختام نقول إن أولئك الذين يدفعون باتجاه استمرار الهيمنة الأمريكية بكل أطيافها يسيرون في طريق مسدود. فمصادر التهديد لوجود الإمبراطورية الأمريكية لن تأتي من إمبراطوريات منافسة لا تزال في مراحلها الجنينية سواء أكانت في الغرب أم الشرق، ولكنها قد تأتي من فراغ السلطة وإساءة استخدام القوة التي تنشأ من داخل المجتمع الأمريكي!
::/fulltext::
::cck::2339::/cck::
