الحركات الأصولية الإسلامية وأسباب تناميها
::cck::2459::/cck::
::introtext::
هل نجحت الحركات الأصولية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط في رسم أهداف واضحة لها للتغيير السياسي والفكري والإيديولوجي في المجتمعات الإسلامية؟ هل نجحت حركة القاعدة وحركة حماس والإخوان المسلمون وحزب الله، وكافة تيارات الإسلام الأصولي الأخرى، في أحداث تغيير سياسي مرئي، أو على الأقل زحزحة أي نظام في العالم الإسلامي غير، بالطبع، النظام الشيوعي في كابول والذي كان أصلاً آيلاً للسقوط تحت ضغط أي هزة؟ هل نجحت الحركة الأصولية الإسلامية في إيجاد أنظمة سياسية متوافقة مع رؤيتها ومنفتحة على العالم الخارجي ومستعدة للحوار مع الآخر، سواء كان هذا الآخر الغرب أو تياراً آخر؟ هل نجح الأصوليون فعلاً في جذب الشارع العربي والإسلامي للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم وتبنى مبادئهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل بسبب أجندة تلك التيارات أم لأسباب ودوافع متعلقة بطبيعة المجتمعات التي ظهرت فيها؟ وأخيراً هل تقبل الأصولية الإسلامية بمبدأ التعايش والتعاون مع الآخر المختلف عنها فكرياً وأيديولوجياً من دون اللجوء إلى فكرة الإقصاء والتهميش، وبل وحتى التكفير؟
::/introtext::
::fulltext::
هل نجحت الحركات الأصولية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط في رسم أهداف واضحة لها للتغيير السياسي والفكري والإيديولوجي في المجتمعات الإسلامية؟ هل نجحت حركة القاعدة وحركة حماس والإخوان المسلمون وحزب الله، وكافة تيارات الإسلام الأصولي الأخرى، في أحداث تغيير سياسي مرئي، أو على الأقل زحزحة أي نظام في العالم الإسلامي غير، بالطبع، النظام الشيوعي في كابول والذي كان أصلاً آيلاً للسقوط تحت ضغط أي هزة؟ هل نجحت الحركة الأصولية الإسلامية في إيجاد أنظمة سياسية متوافقة مع رؤيتها ومنفتحة على العالم الخارجي ومستعدة للحوار مع الآخر، سواء كان هذا الآخر الغرب أو تياراً آخر؟ هل نجح الأصوليون فعلاً في جذب الشارع العربي والإسلامي للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم وتبنى مبادئهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل بسبب أجندة تلك التيارات أم لأسباب ودوافع متعلقة بطبيعة المجتمعات التي ظهرت فيها؟ وأخيراً هل تقبل الأصولية الإسلامية بمبدأ التعايش والتعاون مع الآخر المختلف عنها فكرياً وأيديولوجياً من دون اللجوء إلى فكرة الإقصاء والتهميش، وبل وحتى التكفير؟
الغريب أن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون جميعها سالبة. فالغالب على التيارات الأصولية الإسلامية أنها ترفض مبدأ المشاركة السياسية، وتقصي غيرها من التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية وتسعى إلى نشر أفكارها بالقوة والعنف وإقصاء الآخر. فما النتائج التي حققتها إذاً الحركة لأصولية في العالم الإسلامي منذ انبعاثها منذ حوالي نصف قرن وحتى الوقت الراهن؟ ما الذي استفادته جموع المسلمين من وراء ذلك التجنيد الإجباري لمبادئ الإسلام وأصوله في معركة فكرية قد يكون المسلمون هم الخاسر الأول فيها؟
تقول إحدى الدراسات التي نشرت في الغرب مؤخراً إن الأصولية، التي جاءت كردة فعل لتنامي النفوذ الغربي في العالم الإسلامي، قد فشلت حتى الآن في تحقيق أهدافها. فلولا التدخل الأمريكي السافر في شؤون العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من المناطق الإسلامية لفشلت حركة القاعدة وابن لادن في الحصول على أي تأييد شعبي في أي منطقة من مناطق العالم الإسلامي. فكما يبدو، فإن الأجندة الأمريكية والتدخل الأمريكي غير المبرر هما اللذان أسهما في رفع أسهم القاعدة وزعمائها في العالم الإسلامي. فلم تجذب تصريحات ابن لادن ولا أفعاله أي جمهور بقدر ما أثارته سياسات الولايات المتحدة وتصرفاتها غير المسؤولة في الشرق الأوسط. فغضب الشارع الإسلامي من الغزو الأمريكي لأفغانستان ثم العراق يضاف إلى غضبه من التراخي الأمريكي -الغربي عموماً في التعامل مع قضايا العالم الإسلامي، وتعامله المستمر مع الأنظمة الاستبدادية التي تخدم مصالح الولايات المتحدة، وليس مصالح الشعوب المسلمة، هي التي دفعت بعض قطاعات الشارع الإسلامي للوقوف إلى جانب القاعدة والإعلان عن مساندتها لزعيمها ابن لادن. إنه السبب أيضاً وراء تنامي ذلك التأييد لبعض الحركات الأصولية الأخرى في مناطق متعددة من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فقد رأى الشارع الإسلامي في هذه الحركات الأصولية بعض التنفيس عن ذلك الاحتقان السائد، فظهر ذلك التنفيس في صورة تأييد قوي للحركات الأصولية التي رفعت راية العصيان عالية ضد أنظمتها الاستبدادية غير المحبوبة أولاً، وضد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، ثانياً.
من ناحية ثانية فإن النظرة الغربية لحقوق الإنسان في العالم الإسلامي وفي الغرب تثير الكثير من المشاعر المكبوتة عند المسلمين. فالكيل بمكيالين حينما يأتي الأمر لحقوق الإنسان وكرامته تثير الكثير من الكراهية والحنق على الغرب، الذي يثيره أمر أسير غربي محتجز بينما لا يثيره منظر القتلى من النساء والأطفال الذين تتناثر جثثهم بصورة يومية. فقد كشفت المصادر الغربية أن نتيجة التحقيق مع أحد المتهمين في حوادث تفجيرات لندن، والتي وقعت في شهر يوليو 2005، قد أثبتت أن منظر القتل اليومي للنساء والأطفال في العراق هو الدافع الذي ملأ أولئك الشباب المسلم بالغضب وجندهم لشن تلك العمليات ضد الغرب وفي عقر داره. إذاً يرجع الفضل لما حققته التيارات الأصولية من شعبية بين بعض الفئات الشابة إلى (الغضب) الذي انتاب الشارع الإسلامي المناهض للسياسات العنصرية التي تتبعها الولايات المتحدة والغرب تجاه قضايا المسلمين في العالم الإسلامي وليس بدافع ديني بحت.
من ناحية ثالثة، إذا كانت بعض التيارات الأصولية قد نجحت في تحقيق مكاسب سياسية أو شعبية في بقعة ما من العالم الإسلامي، فإن ذلك قد يرجع إلى عاملين رئيسين، أولهما عامل الكبت السياسي الداخلي الموجود أصلاً في تلك المنطقة والذي ترجع أسبابه إلى تردي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وثانيهما بسبب العنف والضغط السياسي الذي يمارس ضد المنطقة من قبل عدو خارجي (كالتأييد الذي تلقاه حركة حماس وحزب الله مثلاً)، أكثر مما قد يعنى أن أجندة تلك التيارات الإسلامية هي السبب وراء ذلك النجاح. ولنأخذ حركة حماس كأنموذج على ذلك، فالنجاح الذي حققته حماس في الانتخابات الفلسطينية السابقة لم يكن نتيجة أجندة الحركة بقدر ما كان الرغبة الشعبية في إقصاء حركة فتح. كما أن التأييد والدعم اللذين حصل عليهما حزب الله إبان حرب يوليو 2006 كانا نتيجة للحنق على السياسيات العنصرية والتعسفية لإسرائيل.
أن الوصفة الأمريكية السياسية الحالية لإصلاح المجتمعات الإسلامية لن تكون هي العلاج
مما سبق يتضح لنا أن هناك أسباباً داخلية وأخرى خارجية هي السبب وراء تنامي التيار الأصولي في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فنتيجة وجود عوامل كبت داخلية وجد الشارع الإسلامي في الحركات الأصولية متنفساً له يعبر به عن ضيقه من سياسات أنظمته الحاكمة. فقد نجحت بالفعل التيارات الأصولية في احتضان ذلك الضيق وتحويله لمصلحتها. أما ما يقال عن نجاح التيارات الأصولية في تحويل النفور من الولايات المتحدة إلى كره حقيقي فإن ذلك يرجع إلى مواقف الولايات المتحدة من قضايا العالم الإسلامي. فتحول مواقف الشارع الإسلامي إنما تم لسببين رئيسيين أولهما: سياسيات الولايات المتحدة نفسها والقائمة على العنصرية والإمبريالية الجديدة والكيل بمكيالين حين النظر إلى مصالح العالم الإسلامي ومصالح إسرائيل مثلاً. وثانيهما النظر إلى ذلك الصراع بين الغرب والإسلام على أنه صراع على الهوية والانتماء. فالإحساس الموجود لدي المسلمين بأن هناك هجمة شرسة، ليس فقط على الإسلام كدين وإنما على الإسلام كمجتمع وهوية وانتماء ومبادئ حياتية، هو الذي يدفع قطاعات كبيرة من الشارع الإسلامي باتجاه الأصولية لأنها ترى فيه الدرع الواقية من التغريب. ولذلك نرى أنه كلما ازدادت الهجمة على الإسلام شراسة ازداد تمسك المسلمين، خاصة أولئك الذي يعيشون في الغرب، بدينهم وهويتهم الإسلامية وأعلنوا انتماءهم للإسلام كدين وهوية.
قضية فكرية أخرى لا بد من إزالة الغموض واللبس عنها جيداً حتى نصل إلى فهم أعمق لمبادئ وأهداف الأصولية الإسلامية، وهي مواقفها من الإصلاحات السياسية عامة والديمقراطية بوجه خاص. فأجندة الكثير من التيارات الأصولية قائمة على التشكيك في التغيير السياسي والنظر لبعض جوانبه على أساس أنه من صنع الغرب. فقد وجهت هذه التيارات اللوم والنقد الكبير للولايات المتحدة في أن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي لم يكن يوماً (مشكلة)، كما أن الوصفة الأمريكية السياسية الحالية لإصلاح المجتمعات الإسلامية لن تكون هي العلاج. ولذا تنظر بعض التيارات الإسلامية إلى أي تغير جديد، خاصة ذلك التغير القادم من الخارج، بكل شك ومن دون تمييز، مع العلم أن بعض التيارات الأصولية تفتقد أجندة واضحة في إيجاد تغيير إيحابي.
إن نظرة عميقة إلى المجتمعات الإسلامية المعاصرة تسمح لنا بالقول إن الأصولية قد فشلت في التجذر بعمق حقيقي في هذه المجتمعات، ربما لافتقارها لأجندة واضحة لعملها أو ربما لفقدانها لعوامل جدية للنهوض بالعالم الإسلامي وانتشاله من حالة التردي الاقتصادي والتقني التي يعيشها، على الرغم من أن بعض هذه الدول تأتي في المراتب الأولى من حيث وفرة الموارد الاقتصادية. فالضرب على وتر التشكيك في الآخر وأجندته، مع عدم امتلاك أجندة واضحة لتغيير سياسي إيجابي، يعرض هذه التيارات لفقدان مصداقيتها من قبل الشارع الإسلامي.
مما سبق يتضح أنه على الرغم من احتمالات تنامي الصحوة الإسلامية، إلا أن ما يحتاجه الشارع الإسلامي، في الواقع ليس الأفكار الأصولية القائمة على التطرف والعنف ورفض الآخر وإقصائه، وإنما الإسلام المعتدل القادر على التعايش مع جميع الأنظمة. وبما أن العلمانية غير ممكنة ولا تتوافق مع معتقدات العالم الإسلامي فإن أقرب حل ممكن للرخاء الاجتماعي في العالم الإسلامي هو أنظمة إسلامية معتدلة قابلة للحوار مع الآخر والعمل معه.
إن الأصولية تريد العودة بالعالم الإسلامي إلى عصر غياب القانون وسيطرة شريعة الغاب وهذا في الواقع ما جاء الإسلام ليخرج أمته منه. فسرّ انتشار وتمكن الحضارة الإسلامية في العصور السابقة هو ابتعادها عن النظرة الضيقة والعنصرية ورفض الآخر وإقصائه، كما يكمن بقاء الحضارة الإسلامية في قدرة الإسلام العجيبة على التأقلم السريع مع متطلبات العصر ليصبح الدين الأكثر توافقاً مع متطلبات التغير والتحول المجتمعي. فإذا ما أرادت التيارات الأصولية البقاء والاستمرارية في المجتمع فعليها أولاً تغيير أجندتها للتوافق مع التغير المجتمعي الحاصل، وثانياً تقبل الآخر والتعامل معه وعدم التفكير في إقصائه. فقد ولى زمان الإقصاء والتهميش وجاء عصر التفاهم والتعايش مع الآخر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2459::/cck::
::introtext::
هل نجحت الحركات الأصولية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط في رسم أهداف واضحة لها للتغيير السياسي والفكري والإيديولوجي في المجتمعات الإسلامية؟ هل نجحت حركة القاعدة وحركة حماس والإخوان المسلمون وحزب الله، وكافة تيارات الإسلام الأصولي الأخرى، في أحداث تغيير سياسي مرئي، أو على الأقل زحزحة أي نظام في العالم الإسلامي غير، بالطبع، النظام الشيوعي في كابول والذي كان أصلاً آيلاً للسقوط تحت ضغط أي هزة؟ هل نجحت الحركة الأصولية الإسلامية في إيجاد أنظمة سياسية متوافقة مع رؤيتها ومنفتحة على العالم الخارجي ومستعدة للحوار مع الآخر، سواء كان هذا الآخر الغرب أو تياراً آخر؟ هل نجح الأصوليون فعلاً في جذب الشارع العربي والإسلامي للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم وتبنى مبادئهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل بسبب أجندة تلك التيارات أم لأسباب ودوافع متعلقة بطبيعة المجتمعات التي ظهرت فيها؟ وأخيراً هل تقبل الأصولية الإسلامية بمبدأ التعايش والتعاون مع الآخر المختلف عنها فكرياً وأيديولوجياً من دون اللجوء إلى فكرة الإقصاء والتهميش، وبل وحتى التكفير؟
::/introtext::
::fulltext::
هل نجحت الحركات الأصولية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط في رسم أهداف واضحة لها للتغيير السياسي والفكري والإيديولوجي في المجتمعات الإسلامية؟ هل نجحت حركة القاعدة وحركة حماس والإخوان المسلمون وحزب الله، وكافة تيارات الإسلام الأصولي الأخرى، في أحداث تغيير سياسي مرئي، أو على الأقل زحزحة أي نظام في العالم الإسلامي غير، بالطبع، النظام الشيوعي في كابول والذي كان أصلاً آيلاً للسقوط تحت ضغط أي هزة؟ هل نجحت الحركة الأصولية الإسلامية في إيجاد أنظمة سياسية متوافقة مع رؤيتها ومنفتحة على العالم الخارجي ومستعدة للحوار مع الآخر، سواء كان هذا الآخر الغرب أو تياراً آخر؟ هل نجح الأصوليون فعلاً في جذب الشارع العربي والإسلامي للوقوف إلى جانبهم ومساندتهم وتبنى مبادئهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل بسبب أجندة تلك التيارات أم لأسباب ودوافع متعلقة بطبيعة المجتمعات التي ظهرت فيها؟ وأخيراً هل تقبل الأصولية الإسلامية بمبدأ التعايش والتعاون مع الآخر المختلف عنها فكرياً وأيديولوجياً من دون اللجوء إلى فكرة الإقصاء والتهميش، وبل وحتى التكفير؟
الغريب أن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون جميعها سالبة. فالغالب على التيارات الأصولية الإسلامية أنها ترفض مبدأ المشاركة السياسية، وتقصي غيرها من التيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية وتسعى إلى نشر أفكارها بالقوة والعنف وإقصاء الآخر. فما النتائج التي حققتها إذاً الحركة لأصولية في العالم الإسلامي منذ انبعاثها منذ حوالي نصف قرن وحتى الوقت الراهن؟ ما الذي استفادته جموع المسلمين من وراء ذلك التجنيد الإجباري لمبادئ الإسلام وأصوله في معركة فكرية قد يكون المسلمون هم الخاسر الأول فيها؟
تقول إحدى الدراسات التي نشرت في الغرب مؤخراً إن الأصولية، التي جاءت كردة فعل لتنامي النفوذ الغربي في العالم الإسلامي، قد فشلت حتى الآن في تحقيق أهدافها. فلولا التدخل الأمريكي السافر في شؤون العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من المناطق الإسلامية لفشلت حركة القاعدة وابن لادن في الحصول على أي تأييد شعبي في أي منطقة من مناطق العالم الإسلامي. فكما يبدو، فإن الأجندة الأمريكية والتدخل الأمريكي غير المبرر هما اللذان أسهما في رفع أسهم القاعدة وزعمائها في العالم الإسلامي. فلم تجذب تصريحات ابن لادن ولا أفعاله أي جمهور بقدر ما أثارته سياسات الولايات المتحدة وتصرفاتها غير المسؤولة في الشرق الأوسط. فغضب الشارع الإسلامي من الغزو الأمريكي لأفغانستان ثم العراق يضاف إلى غضبه من التراخي الأمريكي -الغربي عموماً في التعامل مع قضايا العالم الإسلامي، وتعامله المستمر مع الأنظمة الاستبدادية التي تخدم مصالح الولايات المتحدة، وليس مصالح الشعوب المسلمة، هي التي دفعت بعض قطاعات الشارع الإسلامي للوقوف إلى جانب القاعدة والإعلان عن مساندتها لزعيمها ابن لادن. إنه السبب أيضاً وراء تنامي ذلك التأييد لبعض الحركات الأصولية الأخرى في مناطق متعددة من الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فقد رأى الشارع الإسلامي في هذه الحركات الأصولية بعض التنفيس عن ذلك الاحتقان السائد، فظهر ذلك التنفيس في صورة تأييد قوي للحركات الأصولية التي رفعت راية العصيان عالية ضد أنظمتها الاستبدادية غير المحبوبة أولاً، وضد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، ثانياً.
من ناحية ثانية فإن النظرة الغربية لحقوق الإنسان في العالم الإسلامي وفي الغرب تثير الكثير من المشاعر المكبوتة عند المسلمين. فالكيل بمكيالين حينما يأتي الأمر لحقوق الإنسان وكرامته تثير الكثير من الكراهية والحنق على الغرب، الذي يثيره أمر أسير غربي محتجز بينما لا يثيره منظر القتلى من النساء والأطفال الذين تتناثر جثثهم بصورة يومية. فقد كشفت المصادر الغربية أن نتيجة التحقيق مع أحد المتهمين في حوادث تفجيرات لندن، والتي وقعت في شهر يوليو 2005، قد أثبتت أن منظر القتل اليومي للنساء والأطفال في العراق هو الدافع الذي ملأ أولئك الشباب المسلم بالغضب وجندهم لشن تلك العمليات ضد الغرب وفي عقر داره. إذاً يرجع الفضل لما حققته التيارات الأصولية من شعبية بين بعض الفئات الشابة إلى (الغضب) الذي انتاب الشارع الإسلامي المناهض للسياسات العنصرية التي تتبعها الولايات المتحدة والغرب تجاه قضايا المسلمين في العالم الإسلامي وليس بدافع ديني بحت.
من ناحية ثالثة، إذا كانت بعض التيارات الأصولية قد نجحت في تحقيق مكاسب سياسية أو شعبية في بقعة ما من العالم الإسلامي، فإن ذلك قد يرجع إلى عاملين رئيسين، أولهما عامل الكبت السياسي الداخلي الموجود أصلاً في تلك المنطقة والذي ترجع أسبابه إلى تردي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وثانيهما بسبب العنف والضغط السياسي الذي يمارس ضد المنطقة من قبل عدو خارجي (كالتأييد الذي تلقاه حركة حماس وحزب الله مثلاً)، أكثر مما قد يعنى أن أجندة تلك التيارات الإسلامية هي السبب وراء ذلك النجاح. ولنأخذ حركة حماس كأنموذج على ذلك، فالنجاح الذي حققته حماس في الانتخابات الفلسطينية السابقة لم يكن نتيجة أجندة الحركة بقدر ما كان الرغبة الشعبية في إقصاء حركة فتح. كما أن التأييد والدعم اللذين حصل عليهما حزب الله إبان حرب يوليو 2006 كانا نتيجة للحنق على السياسيات العنصرية والتعسفية لإسرائيل.
أن الوصفة الأمريكية السياسية الحالية لإصلاح المجتمعات الإسلامية لن تكون هي العلاج
مما سبق يتضح لنا أن هناك أسباباً داخلية وأخرى خارجية هي السبب وراء تنامي التيار الأصولي في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فنتيجة وجود عوامل كبت داخلية وجد الشارع الإسلامي في الحركات الأصولية متنفساً له يعبر به عن ضيقه من سياسات أنظمته الحاكمة. فقد نجحت بالفعل التيارات الأصولية في احتضان ذلك الضيق وتحويله لمصلحتها. أما ما يقال عن نجاح التيارات الأصولية في تحويل النفور من الولايات المتحدة إلى كره حقيقي فإن ذلك يرجع إلى مواقف الولايات المتحدة من قضايا العالم الإسلامي. فتحول مواقف الشارع الإسلامي إنما تم لسببين رئيسيين أولهما: سياسيات الولايات المتحدة نفسها والقائمة على العنصرية والإمبريالية الجديدة والكيل بمكيالين حين النظر إلى مصالح العالم الإسلامي ومصالح إسرائيل مثلاً. وثانيهما النظر إلى ذلك الصراع بين الغرب والإسلام على أنه صراع على الهوية والانتماء. فالإحساس الموجود لدي المسلمين بأن هناك هجمة شرسة، ليس فقط على الإسلام كدين وإنما على الإسلام كمجتمع وهوية وانتماء ومبادئ حياتية، هو الذي يدفع قطاعات كبيرة من الشارع الإسلامي باتجاه الأصولية لأنها ترى فيه الدرع الواقية من التغريب. ولذلك نرى أنه كلما ازدادت الهجمة على الإسلام شراسة ازداد تمسك المسلمين، خاصة أولئك الذي يعيشون في الغرب، بدينهم وهويتهم الإسلامية وأعلنوا انتماءهم للإسلام كدين وهوية.
قضية فكرية أخرى لا بد من إزالة الغموض واللبس عنها جيداً حتى نصل إلى فهم أعمق لمبادئ وأهداف الأصولية الإسلامية، وهي مواقفها من الإصلاحات السياسية عامة والديمقراطية بوجه خاص. فأجندة الكثير من التيارات الأصولية قائمة على التشكيك في التغيير السياسي والنظر لبعض جوانبه على أساس أنه من صنع الغرب. فقد وجهت هذه التيارات اللوم والنقد الكبير للولايات المتحدة في أن غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي لم يكن يوماً (مشكلة)، كما أن الوصفة الأمريكية السياسية الحالية لإصلاح المجتمعات الإسلامية لن تكون هي العلاج. ولذا تنظر بعض التيارات الإسلامية إلى أي تغير جديد، خاصة ذلك التغير القادم من الخارج، بكل شك ومن دون تمييز، مع العلم أن بعض التيارات الأصولية تفتقد أجندة واضحة في إيجاد تغيير إيحابي.
إن نظرة عميقة إلى المجتمعات الإسلامية المعاصرة تسمح لنا بالقول إن الأصولية قد فشلت في التجذر بعمق حقيقي في هذه المجتمعات، ربما لافتقارها لأجندة واضحة لعملها أو ربما لفقدانها لعوامل جدية للنهوض بالعالم الإسلامي وانتشاله من حالة التردي الاقتصادي والتقني التي يعيشها، على الرغم من أن بعض هذه الدول تأتي في المراتب الأولى من حيث وفرة الموارد الاقتصادية. فالضرب على وتر التشكيك في الآخر وأجندته، مع عدم امتلاك أجندة واضحة لتغيير سياسي إيجابي، يعرض هذه التيارات لفقدان مصداقيتها من قبل الشارع الإسلامي.
مما سبق يتضح أنه على الرغم من احتمالات تنامي الصحوة الإسلامية، إلا أن ما يحتاجه الشارع الإسلامي، في الواقع ليس الأفكار الأصولية القائمة على التطرف والعنف ورفض الآخر وإقصائه، وإنما الإسلام المعتدل القادر على التعايش مع جميع الأنظمة. وبما أن العلمانية غير ممكنة ولا تتوافق مع معتقدات العالم الإسلامي فإن أقرب حل ممكن للرخاء الاجتماعي في العالم الإسلامي هو أنظمة إسلامية معتدلة قابلة للحوار مع الآخر والعمل معه.
إن الأصولية تريد العودة بالعالم الإسلامي إلى عصر غياب القانون وسيطرة شريعة الغاب وهذا في الواقع ما جاء الإسلام ليخرج أمته منه. فسرّ انتشار وتمكن الحضارة الإسلامية في العصور السابقة هو ابتعادها عن النظرة الضيقة والعنصرية ورفض الآخر وإقصائه، كما يكمن بقاء الحضارة الإسلامية في قدرة الإسلام العجيبة على التأقلم السريع مع متطلبات العصر ليصبح الدين الأكثر توافقاً مع متطلبات التغير والتحول المجتمعي. فإذا ما أرادت التيارات الأصولية البقاء والاستمرارية في المجتمع فعليها أولاً تغيير أجندتها للتوافق مع التغير المجتمعي الحاصل، وثانياً تقبل الآخر والتعامل معه وعدم التفكير في إقصائه. فقد ولى زمان الإقصاء والتهميش وجاء عصر التفاهم والتعايش مع الآخر.
::/fulltext::
::cck::2459::/cck::
