كارثة تسونامي من منظور الأمن الإنساني

::cck::2508::/cck::
::introtext::

على الرغم مما كشفت عنه كارثة تسونامي الناتجة عن زلزال قاع المحيط الهندي بالقرب من جزيرة سومطرة الإندونيسية من ضخامة الجهود الإنسانية التي تمثلت في قيمة التبرعات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها، وكذلك دور المنظمات غير الحكومية في المساعدة في المناطق المتضررة، إلا إن الكارثة طرحت في ذهني تساؤلات عدة دارت بالأساس حول مدى ما كشفت عنه من قصور منظور الأمن الإنساني إقليميا وعالميا.

 

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم مما كشفت عنه كارثة تسونامي الناتجة عن زلزال قاع المحيط الهندي بالقرب من جزيرة سومطرة الإندونيسية من ضخامة الجهود الإنسانية التي تمثلت في قيمة التبرعات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها، وكذلك دور المنظمات غير الحكومية في المساعدة في المناطق المتضررة، إلا إن الكارثة طرحت في ذهني تساؤلات عدة دارت بالأساس حول مدى ما كشفت عنه من قصور منظور الأمن الإنساني إقليميا وعالميا. ومنظور الأمن الإنساني هذا هو ذلك المنظور الذي يضع أمن الأفراد كأساس له بما يضمن تحقيق أمن الدولة، ومن ثم الأمن الإقليمي والعالمي، إذ يقوم مثل هذا المنظور على أن أمن الدولة على الرغم من أهميته لم يعد هو الأساس أو الضامن الوحيد لتحقيق أمن الأفراد، فالدولة قد تكون آمنة وفقا للمنظور التقليدي للأمن في وقت يتناقص فيه أمن مواطنيها، وأكثر من ذلك أننا أصبحنا نشهد حالات عديدة تفقد فيها الدولة الشرعية فتتحول، وهي المسؤولة عن تحقيق أمن مواطنيها، إلى مصدر تهديد لأمن الأفراد.

وإذا ما نظرنا إلى كارثة تسونامي وفقا لهذا البعد من حيث الخسائر والأضرار البشرية التي نجمت عن الكارثة، فيمكننا طرح بعض التساؤلات يتعلق أولها بالمساعدات المقدمة إلى الدول المنكوبة، إذ أشارت بعض المصادر إلى إن قيمة المساعدات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها إلى ضحايا تسونامي قد تصل إلى أكثر من 4 مليارات دولار، وبذلك يصبح التساؤل متى ستصل تلك المساعدات إلى مستحقيها؟ وهل ستخصص بالفعل إلى ما قرر أن تنفق من أجله؟ ومن سيتولى تحديد أولويات الإنفاق في هذا الصدد؟ ومن سيصبح المستفيد النهائي؟ وهل سنسمع بعد عقد من الزمان أو ربما أقل عن عملية فساد مالي صاحبت كارثة تسونامي تورط فيها مسؤولون كبار وهو الأمر الذي اعتدنا على سماعه خاصة في الآونة الأخيرة ومن ذلك برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، فهل كارثة تسونامي هي المرشح التالى في هذا الصدد، وإن كنا لا نعرف بالتحديد أين سيكون مصدر الفساد هل من الداخل أم من الخارج؟ يرتبط بذلك غياب التوازي بين المساعدات الرسمية التي أعلنت بعض الدول عن تقديمها مع القوى النسبية لتلك الأخيرة.

أما الأمر الثاني فيتمثل فيما كشفت عنه الكارثة من قصور منظور الأمن الإنساني في جنوب شرقي آسيا فمن أهم ما طرحته الأزمة على النطاق الإقليمي هو ذلك الأمر المرتبط بقصور منظور الأمن الإنساني في منطقة جنوب شرقي آسيا، ويقصد به ذلك المنظور الذي تبنته دول الأخيرة بعد الأزمة المالية التي ضربت دول المنطقة في منتصف عام 1997 وما ترتب عليها من آثار اقتصادية، وأمنية، وسياسية، واجتماعية خطيرة. ومن هنا بدأت تلك الدول في طرح منظور أمني مغاير يتخذ من أمن الأفراد أساساً له، وتركز تجربة دول جنوب شرقي آسيا في التعامل مع مفهوم الأمن الإنساني على البعد الاقتصادي والاجتماعي للمفهوم والمتعلق بتحقيق التنمية الاقتصادية من دون الشق السياسي المتعلق بحماية الأفراد من النزاعات المسلحة وذلك المتعلق بالكوارث الطبيعية. إذ يميل فريق كبير من الدارسين إلى عدم إدراج الكوارث الطبيعية ضمن عناصر ومكونات مفهوم الأمن الإنساني انطلاقا من أن الكوارث الطبيعية ليست من صنع الإنسان. ومن ثم يوجد ميل لعدم إدراجها ضمن مكونات مفهوم الأمن الإنساني، إلا إن العبرة بمن يقع عليه الضرر وليس بمصدر الضرر.

وطرحت (الآسيان) رؤية إقليمية للمفهوم ركزت بالأساس على منطقة جنوب شرقي آسيا من دون طرح رؤية عالمية مثل اليابان وكندا. ففى اجتماع وزراء خارجية الآسيان في عام 1998، اقترحت تايلاند على لسان وزير خارجيتها آنذاك سورين بتسوان إنشاء تجمع إقليمي للأمن الإنساني وذلك بغية مساعدة الأفراد الذين يعانون من أزمات اقتصادية، ثم تغيرت التسمية لتصبح (لجنة شبكات الضمان الاجتماعي). وركزت الآسيان على أمرين: الأول، هو الاهتمام بشبكات الأمان الاجتماعي، والتي كشفت الأزمة المالية عن قصورها الشديد، وصمم مفهوم شبكات الأمان الاجتماعي هذا لحماية الأفراد وأسرهم من أي سقوط حاد ومفاجئ في مستويات المعيشة في حالة البطالة أو العجز أو التقاعد. والأمر الثاني هو التركيز على تقوية دور المجتمع المدني انطلاقا من أن منظمات الأخير أكثر فعالية من الحكومات في التعامل مع قضايا الأمن الإنساني. وجاءت تطبيقات رؤية دول جنوب شرقي آسيا لمفهوم الأمن الإنساني في محاور عدة تمثلت في طرح رؤية الآسيان 2020، وإصلاح شبكات الأمان الاجتماعى، والتركيز على تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في التعامل مع تحديات الأمن الإنساني، وبناء القدرات الذاتية لدول المنطقة للتعامل مع التحديات المستقبلية للأمن الإنساني.  

ومن دون الدخول في تفاصيل تطبيقات تلك الرؤية، يصبح التساؤل الآن أين موقع الكوارث الطبيعية من منظور الأمن الإنساني لدول جنوب شرقي آسيا؟ أما ثالث ما كشفت عنه تلك الكارثة من تناقض فتمثل في طبيعة الجهود الدولية ودور المؤسسات الدولية في المساعدة على التخفيف من آثار تلك الكارثة؟ ومدى وجود تنسيق دولي في هذا الصدد؟ ومدى كفاية تلك الجهود في معالجة آثار الكارثة؟ فقد كشفت الكارثة وسبل التعامل معها عن الافتقاد لقدر كبير من التنسيق في هذا الصدد، وهو الأمر الذي أشارت إليه تقارير صحفية عدة، فعلى الرغم من أهمية تلك المساعدات ودورها في مساعدة المتضررين، إلا إن الكارثة ألقت الضوء على ما تعانيه منظمات العمل الإنساني من سلبيات كثيرة وغياب التنظيم فيما بينها وفوضى عارمة، ومن ذلك ما أشار إليه الصحفي سبرج ميشيل في صحيفة (لوزان) إذ قال (ما من أحد كان يعرف آتشيه وفجأة تدفقت المنظمات من 44 دولة، وراحت الطائرات بسبب الازدحام والرغبة في سرعة العودة تلقي حمولتها على جوانب مدرجات مطار بندا بآتشيه فتراكمت أكواما فوق أكوام وأخذت الجرافات تزيحها من دون أن يعرف أحد أين تذهب) ثم يضيف قائلا (إن زيارة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق للإقليم جاءت لتزيد من الفوضى العارمة، لأن كل شيء يجب أن يعطل من أجل أمنه ومن أجل التقاط صوره). كما أشار أحد مواطني سريلانكا إلى كيف أن المنظمات الآتية من الخارج اعتمدت على خبراء أجانب في تحديد احتياجات المتضررين بدلا من سماع آراء هؤلاء الأفراد.

وبذلك يصبح التساؤل ما هو المطلوب حاليا لتفادي تلك الأخطاء؟ في واقع الأمر، أهم ما يجب طرحه هو ضرورة التعامل مع قضايا الأمن الإنساني من أعلى، أي على المستوى الدولي والإقليمي فقضايا الأمن الإنساني أصبحت من التعقيد والتشابك والتداخل بحيث لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التنسيق الدولي. فأي دولة مهما بلغت درجة تقدمها لا يمكنها مواجهة تحديات الأمن الإنساني بمفردها.
فعلى المستوى الإقليمي، هناك حاجة لإنشاء صناديق للأمن الإنساني في إطار المنظمات الإقليمية كالآسيان، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي وغيرها، بحيث يحدد في إطاره حصصاً محددة تدفع من قبل الأعضاء بما يوفر موارد معدة سلفا للتعامل مع أوقات الكوارث والأزمات الإنسانية، كما يحدد سبل وأولويات الإنفاق.

وإذا ما حاولنا التطرق إلى مدى القصور الذي كشفت عنه الأزمة في ما يتعلق برؤية دول المنطقة لمفهوم وقضايا الأمن الإنساني فقد تمثل بالأساس في خطأ الارتكاز إلى المحور الاقتصادي من دون غيره كأساس لمنظور الأمن الإنساني لدول المنطقة، ومن هنا فدول المنطقة بحاجة إلى إعادة قراءة لمنظورها لمفهوم الأمن الإنساني بحيث يصبح لزاما عليها الآن تبني منظور متكامل للأمن الإنساني في المنطقة يضع الفرد كمحور اهتمامه مركزا على الأبعاد كافة لمصادر تهديد الأمن الإنساني. وبذلك فدول المنطقة مطلوب منها الآن التسريع في إنشاء نظام إقليمي للإنذار المبكر ضد موجات تسونامي في المحيط الهندي، إذ يشير الخبراء إلى إن عددا لا يحصى من الأرواح كان من الممكن أن ينقذ لو وجد هذا النظام من الإنذار المبكر، وهو الأمر الذي تم التأكيد عليه بعد حدوث الكارثة، ففي 15 يناير من هذا العام أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة تعتزم توسيع شبكة الإنذار المبكر من أمواج تسونامي بحيث تشمل المحيط الهندي والبحر الكاريبي وخليج المكسيك، وهو الأمر الذي يتطلب إنفاق 37.5 مليون دولار خلال عامين وذلك لوضع 32 جهاز إنذار في محيطات العالم المختلفة من النوع الذي يطفو على سطح الماء، ويشتمل على تكنولوجيا متطورة لتشكل بحلول منتصف عام 2007 شبكة متقدمة للإنذار المبكر من أمواج تسونامي.

وفي الوقت الحالي توجد شبكة إنذار أمريكية موجودة حاليا في المحيط الهادي، وترسل تحذيرات إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية وكندا إضافة إلى 26 دولة مطلة على المحيط الهادي. والأمر ذاته أكدت عليه الندوة الدولية التي استضافتها الصين في 25-26 يناير عام 2005 إذ استضافت الأخيرة ندوة دولية حول أنظمة الإنذار المبكر ضد موجات تسونامي بحضور أكثر من 300 خبير ومسؤول من دول الآسيان وممثلين من اليابان، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، وسريلانكا، وبنجلاديش، والأمم المتحدة، وذلك بهدف مناقشة إقامة شبكة إنذار مبكر عابر للقارات للتنبؤ بالكوارث الطبيعية خاصة الزلازل والمد البحري بغية التقليل قدر الإمكان من تداعياتها السلبية بخلاف تنظيم دورات تدريبية لتأهيل الكوادر البشرية  على التعامل مع الكارثة. والأمر ذاته تم التأكيد عليه خلال المؤتمر الذي عقد في كوبي باليابان في شهر يناير عام 2005 أيضا والذي تمت خلاله مناقشة الإجراءات العملية لتنفيذ نظام الإنذار المبكر.

أما على المستوى الدولي، فهناك حاجة لتفعيل دور صندوق الأمن الإنساني بالأمم المتحدة، وصندوق الأمن الإنساني هو ذلك الصندوق الذي أنشأته اليابان في إطار الأمم المتحدة، إذ طرحت اليابان فكرة إنشاء الصندوق في ديسمبر عام 1998 في حديث لرئيس الوزراء الأسبق كيوزى أوباشي في هانواي بالفلبين، إذ تعهدت اليابان بإنشاء الصندوق وتمويل أنشطته في إطار الأمم المتحدة، وتهدف اليابان من خلال الصندوق إلى ترجمة سياستها الخاصة بالأمن الإنساني إلى أنشطة ملموسة من خلال دعم المشروعات المنفذة من قبل منظمات الأمم المتحدة التي تتعامل بصورة أساسية مع قضايا الأمن الإنساني.

وفي مارس عام 1999 تم إنشاء الصندوق بمساهمة يابانية أولية بلغت 4.63 مليون دولار (500 مليون ين) كما ساهمت خلال العام ذاته بمساهمة إضافية لإعادة إعمار كوسوفو بلغت 55.05 مليون دولار. وفي عام 2000 ساهمت اليابان بمبلغ 38.29 مليون دولار لأنشطة الصندوق، كما ساهمت في عام 2001 بمبلغ 72.16 مليون دولار. وفي عام 2002 بلغت المساهمة اليابانية في أنشطة الصندوق 102.8 مليون دولار وذلك لدعم 70 مشروعاً وفي فبراير عام 2003 قدمت الحكومة اليابانية دعماً إضافياً لأنشطة الصندوق بلغ 32.79 مليون دولار، وما زالت اليابان مستمرة إلى الآن في تمويل أنشطة الصندوق، ومن ذلك يتضح أن اليابان هي الممول الوحيد لأنشطة الصندوق.

ونظراً لأن الصندوق يعتمد في تمويل أنشطته بالأساس على التبرعات وخاصة تبرعات الحكومة اليابانية، لذلك فهناك حاجة إلى تحويل طريقة تمويل أنشطة الصندوق من نظام التبرعات إلى نظام الحصص وذلك بما يتوازى مع القوة النسبية للدول المختلفة، بحيث يسهم في إطاره أيضا بتجميع التبرعات لمواجهة مواقف الأزمات، وتتولى لجان الصندوق توزيعها. وهو ما سيساهم في إيجاد تنسيق على المستوى العالمي في تمويل أنشطة الأمن الإنساني، وكذلك توفير موارد مالية معدة مسبقا بما يوفر سرعة التعامل مع الكوارث البشرية، والأهم من هذا وذاك هو إيجاد التزام عالمي تجاه قضايا الأمن الإنساني. ومن المهم الإشارة إلى أن الدول الخليجية عليها الآن المساهمة في تمويل أنشطة الصندوق كجزء من تطوير أجندة الدول الخليجية في الاهتمام بقضايا الأمن الإنساني عالميا.

كما أن هناك حاجة لإنشاء لجنة استشارية للصندوق على أن يكون هناك تمثيل متواز لقارات العالم المختلفة على أن يختار من بين أعضاء اللجنة أمين عام للصندوق بحيث تتولى اللجنة وأمينها العام التنسيق بين الصندوق ولجان الأمم المتحدة الأخرى، وكذلك تحديد وترتيب أولويات عمل الصندوق.

وأخيراً يبقى التأكيد على ما أعادته الأزمة إلى الأذهان بأن الفكرة التي سبق أن طرحت بشأن إنشاء مجلس للأمن الإنساني في إطار الأمم المتحدة على غرار مجلس الأمن الدولى هي أن تكون مهمته اجتماعية إنسانية بالأساس بعيداً عن أي أهداف سياسية، بحيث يمكن في إطاره تنسيق الجهود حول مواجهة تحديات الأمن الإنساني في القرن الحادي والعشرين. والأهم من ذلك هو إيجاد نوع من التنسيق في إطاره حول طبيعة العمل الإنساني في مواجهة مواقف الأزمات. فتحقيق الأمن الإنساني هو التحدي الأصعب والأكثر إلحاحا للتعاون الدولي في هذا المجال في القرن الحادي والعشرين.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2508::/cck::
::introtext::

على الرغم مما كشفت عنه كارثة تسونامي الناتجة عن زلزال قاع المحيط الهندي بالقرب من جزيرة سومطرة الإندونيسية من ضخامة الجهود الإنسانية التي تمثلت في قيمة التبرعات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها، وكذلك دور المنظمات غير الحكومية في المساعدة في المناطق المتضررة، إلا إن الكارثة طرحت في ذهني تساؤلات عدة دارت بالأساس حول مدى ما كشفت عنه من قصور منظور الأمن الإنساني إقليميا وعالميا.

 

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم مما كشفت عنه كارثة تسونامي الناتجة عن زلزال قاع المحيط الهندي بالقرب من جزيرة سومطرة الإندونيسية من ضخامة الجهود الإنسانية التي تمثلت في قيمة التبرعات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها، وكذلك دور المنظمات غير الحكومية في المساعدة في المناطق المتضررة، إلا إن الكارثة طرحت في ذهني تساؤلات عدة دارت بالأساس حول مدى ما كشفت عنه من قصور منظور الأمن الإنساني إقليميا وعالميا. ومنظور الأمن الإنساني هذا هو ذلك المنظور الذي يضع أمن الأفراد كأساس له بما يضمن تحقيق أمن الدولة، ومن ثم الأمن الإقليمي والعالمي، إذ يقوم مثل هذا المنظور على أن أمن الدولة على الرغم من أهميته لم يعد هو الأساس أو الضامن الوحيد لتحقيق أمن الأفراد، فالدولة قد تكون آمنة وفقا للمنظور التقليدي للأمن في وقت يتناقص فيه أمن مواطنيها، وأكثر من ذلك أننا أصبحنا نشهد حالات عديدة تفقد فيها الدولة الشرعية فتتحول، وهي المسؤولة عن تحقيق أمن مواطنيها، إلى مصدر تهديد لأمن الأفراد.

وإذا ما نظرنا إلى كارثة تسونامي وفقا لهذا البعد من حيث الخسائر والأضرار البشرية التي نجمت عن الكارثة، فيمكننا طرح بعض التساؤلات يتعلق أولها بالمساعدات المقدمة إلى الدول المنكوبة، إذ أشارت بعض المصادر إلى إن قيمة المساعدات التي أعلنت حكومات دول عدة عن تقديمها إلى ضحايا تسونامي قد تصل إلى أكثر من 4 مليارات دولار، وبذلك يصبح التساؤل متى ستصل تلك المساعدات إلى مستحقيها؟ وهل ستخصص بالفعل إلى ما قرر أن تنفق من أجله؟ ومن سيتولى تحديد أولويات الإنفاق في هذا الصدد؟ ومن سيصبح المستفيد النهائي؟ وهل سنسمع بعد عقد من الزمان أو ربما أقل عن عملية فساد مالي صاحبت كارثة تسونامي تورط فيها مسؤولون كبار وهو الأمر الذي اعتدنا على سماعه خاصة في الآونة الأخيرة ومن ذلك برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، فهل كارثة تسونامي هي المرشح التالى في هذا الصدد، وإن كنا لا نعرف بالتحديد أين سيكون مصدر الفساد هل من الداخل أم من الخارج؟ يرتبط بذلك غياب التوازي بين المساعدات الرسمية التي أعلنت بعض الدول عن تقديمها مع القوى النسبية لتلك الأخيرة.

أما الأمر الثاني فيتمثل فيما كشفت عنه الكارثة من قصور منظور الأمن الإنساني في جنوب شرقي آسيا فمن أهم ما طرحته الأزمة على النطاق الإقليمي هو ذلك الأمر المرتبط بقصور منظور الأمن الإنساني في منطقة جنوب شرقي آسيا، ويقصد به ذلك المنظور الذي تبنته دول الأخيرة بعد الأزمة المالية التي ضربت دول المنطقة في منتصف عام 1997 وما ترتب عليها من آثار اقتصادية، وأمنية، وسياسية، واجتماعية خطيرة. ومن هنا بدأت تلك الدول في طرح منظور أمني مغاير يتخذ من أمن الأفراد أساساً له، وتركز تجربة دول جنوب شرقي آسيا في التعامل مع مفهوم الأمن الإنساني على البعد الاقتصادي والاجتماعي للمفهوم والمتعلق بتحقيق التنمية الاقتصادية من دون الشق السياسي المتعلق بحماية الأفراد من النزاعات المسلحة وذلك المتعلق بالكوارث الطبيعية. إذ يميل فريق كبير من الدارسين إلى عدم إدراج الكوارث الطبيعية ضمن عناصر ومكونات مفهوم الأمن الإنساني انطلاقا من أن الكوارث الطبيعية ليست من صنع الإنسان. ومن ثم يوجد ميل لعدم إدراجها ضمن مكونات مفهوم الأمن الإنساني، إلا إن العبرة بمن يقع عليه الضرر وليس بمصدر الضرر.

وطرحت (الآسيان) رؤية إقليمية للمفهوم ركزت بالأساس على منطقة جنوب شرقي آسيا من دون طرح رؤية عالمية مثل اليابان وكندا. ففى اجتماع وزراء خارجية الآسيان في عام 1998، اقترحت تايلاند على لسان وزير خارجيتها آنذاك سورين بتسوان إنشاء تجمع إقليمي للأمن الإنساني وذلك بغية مساعدة الأفراد الذين يعانون من أزمات اقتصادية، ثم تغيرت التسمية لتصبح (لجنة شبكات الضمان الاجتماعي). وركزت الآسيان على أمرين: الأول، هو الاهتمام بشبكات الأمان الاجتماعي، والتي كشفت الأزمة المالية عن قصورها الشديد، وصمم مفهوم شبكات الأمان الاجتماعي هذا لحماية الأفراد وأسرهم من أي سقوط حاد ومفاجئ في مستويات المعيشة في حالة البطالة أو العجز أو التقاعد. والأمر الثاني هو التركيز على تقوية دور المجتمع المدني انطلاقا من أن منظمات الأخير أكثر فعالية من الحكومات في التعامل مع قضايا الأمن الإنساني. وجاءت تطبيقات رؤية دول جنوب شرقي آسيا لمفهوم الأمن الإنساني في محاور عدة تمثلت في طرح رؤية الآسيان 2020، وإصلاح شبكات الأمان الاجتماعى، والتركيز على تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في التعامل مع تحديات الأمن الإنساني، وبناء القدرات الذاتية لدول المنطقة للتعامل مع التحديات المستقبلية للأمن الإنساني.  

ومن دون الدخول في تفاصيل تطبيقات تلك الرؤية، يصبح التساؤل الآن أين موقع الكوارث الطبيعية من منظور الأمن الإنساني لدول جنوب شرقي آسيا؟ أما ثالث ما كشفت عنه تلك الكارثة من تناقض فتمثل في طبيعة الجهود الدولية ودور المؤسسات الدولية في المساعدة على التخفيف من آثار تلك الكارثة؟ ومدى وجود تنسيق دولي في هذا الصدد؟ ومدى كفاية تلك الجهود في معالجة آثار الكارثة؟ فقد كشفت الكارثة وسبل التعامل معها عن الافتقاد لقدر كبير من التنسيق في هذا الصدد، وهو الأمر الذي أشارت إليه تقارير صحفية عدة، فعلى الرغم من أهمية تلك المساعدات ودورها في مساعدة المتضررين، إلا إن الكارثة ألقت الضوء على ما تعانيه منظمات العمل الإنساني من سلبيات كثيرة وغياب التنظيم فيما بينها وفوضى عارمة، ومن ذلك ما أشار إليه الصحفي سبرج ميشيل في صحيفة (لوزان) إذ قال (ما من أحد كان يعرف آتشيه وفجأة تدفقت المنظمات من 44 دولة، وراحت الطائرات بسبب الازدحام والرغبة في سرعة العودة تلقي حمولتها على جوانب مدرجات مطار بندا بآتشيه فتراكمت أكواما فوق أكوام وأخذت الجرافات تزيحها من دون أن يعرف أحد أين تذهب) ثم يضيف قائلا (إن زيارة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق للإقليم جاءت لتزيد من الفوضى العارمة، لأن كل شيء يجب أن يعطل من أجل أمنه ومن أجل التقاط صوره). كما أشار أحد مواطني سريلانكا إلى كيف أن المنظمات الآتية من الخارج اعتمدت على خبراء أجانب في تحديد احتياجات المتضررين بدلا من سماع آراء هؤلاء الأفراد.

وبذلك يصبح التساؤل ما هو المطلوب حاليا لتفادي تلك الأخطاء؟ في واقع الأمر، أهم ما يجب طرحه هو ضرورة التعامل مع قضايا الأمن الإنساني من أعلى، أي على المستوى الدولي والإقليمي فقضايا الأمن الإنساني أصبحت من التعقيد والتشابك والتداخل بحيث لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التنسيق الدولي. فأي دولة مهما بلغت درجة تقدمها لا يمكنها مواجهة تحديات الأمن الإنساني بمفردها.
فعلى المستوى الإقليمي، هناك حاجة لإنشاء صناديق للأمن الإنساني في إطار المنظمات الإقليمية كالآسيان، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي وغيرها، بحيث يحدد في إطاره حصصاً محددة تدفع من قبل الأعضاء بما يوفر موارد معدة سلفا للتعامل مع أوقات الكوارث والأزمات الإنسانية، كما يحدد سبل وأولويات الإنفاق.

وإذا ما حاولنا التطرق إلى مدى القصور الذي كشفت عنه الأزمة في ما يتعلق برؤية دول المنطقة لمفهوم وقضايا الأمن الإنساني فقد تمثل بالأساس في خطأ الارتكاز إلى المحور الاقتصادي من دون غيره كأساس لمنظور الأمن الإنساني لدول المنطقة، ومن هنا فدول المنطقة بحاجة إلى إعادة قراءة لمنظورها لمفهوم الأمن الإنساني بحيث يصبح لزاما عليها الآن تبني منظور متكامل للأمن الإنساني في المنطقة يضع الفرد كمحور اهتمامه مركزا على الأبعاد كافة لمصادر تهديد الأمن الإنساني. وبذلك فدول المنطقة مطلوب منها الآن التسريع في إنشاء نظام إقليمي للإنذار المبكر ضد موجات تسونامي في المحيط الهندي، إذ يشير الخبراء إلى إن عددا لا يحصى من الأرواح كان من الممكن أن ينقذ لو وجد هذا النظام من الإنذار المبكر، وهو الأمر الذي تم التأكيد عليه بعد حدوث الكارثة، ففي 15 يناير من هذا العام أعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة تعتزم توسيع شبكة الإنذار المبكر من أمواج تسونامي بحيث تشمل المحيط الهندي والبحر الكاريبي وخليج المكسيك، وهو الأمر الذي يتطلب إنفاق 37.5 مليون دولار خلال عامين وذلك لوضع 32 جهاز إنذار في محيطات العالم المختلفة من النوع الذي يطفو على سطح الماء، ويشتمل على تكنولوجيا متطورة لتشكل بحلول منتصف عام 2007 شبكة متقدمة للإنذار المبكر من أمواج تسونامي.

وفي الوقت الحالي توجد شبكة إنذار أمريكية موجودة حاليا في المحيط الهادي، وترسل تحذيرات إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية وكندا إضافة إلى 26 دولة مطلة على المحيط الهادي. والأمر ذاته أكدت عليه الندوة الدولية التي استضافتها الصين في 25-26 يناير عام 2005 إذ استضافت الأخيرة ندوة دولية حول أنظمة الإنذار المبكر ضد موجات تسونامي بحضور أكثر من 300 خبير ومسؤول من دول الآسيان وممثلين من اليابان، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، وسريلانكا، وبنجلاديش، والأمم المتحدة، وذلك بهدف مناقشة إقامة شبكة إنذار مبكر عابر للقارات للتنبؤ بالكوارث الطبيعية خاصة الزلازل والمد البحري بغية التقليل قدر الإمكان من تداعياتها السلبية بخلاف تنظيم دورات تدريبية لتأهيل الكوادر البشرية  على التعامل مع الكارثة. والأمر ذاته تم التأكيد عليه خلال المؤتمر الذي عقد في كوبي باليابان في شهر يناير عام 2005 أيضا والذي تمت خلاله مناقشة الإجراءات العملية لتنفيذ نظام الإنذار المبكر.

أما على المستوى الدولي، فهناك حاجة لتفعيل دور صندوق الأمن الإنساني بالأمم المتحدة، وصندوق الأمن الإنساني هو ذلك الصندوق الذي أنشأته اليابان في إطار الأمم المتحدة، إذ طرحت اليابان فكرة إنشاء الصندوق في ديسمبر عام 1998 في حديث لرئيس الوزراء الأسبق كيوزى أوباشي في هانواي بالفلبين، إذ تعهدت اليابان بإنشاء الصندوق وتمويل أنشطته في إطار الأمم المتحدة، وتهدف اليابان من خلال الصندوق إلى ترجمة سياستها الخاصة بالأمن الإنساني إلى أنشطة ملموسة من خلال دعم المشروعات المنفذة من قبل منظمات الأمم المتحدة التي تتعامل بصورة أساسية مع قضايا الأمن الإنساني.

وفي مارس عام 1999 تم إنشاء الصندوق بمساهمة يابانية أولية بلغت 4.63 مليون دولار (500 مليون ين) كما ساهمت خلال العام ذاته بمساهمة إضافية لإعادة إعمار كوسوفو بلغت 55.05 مليون دولار. وفي عام 2000 ساهمت اليابان بمبلغ 38.29 مليون دولار لأنشطة الصندوق، كما ساهمت في عام 2001 بمبلغ 72.16 مليون دولار. وفي عام 2002 بلغت المساهمة اليابانية في أنشطة الصندوق 102.8 مليون دولار وذلك لدعم 70 مشروعاً وفي فبراير عام 2003 قدمت الحكومة اليابانية دعماً إضافياً لأنشطة الصندوق بلغ 32.79 مليون دولار، وما زالت اليابان مستمرة إلى الآن في تمويل أنشطة الصندوق، ومن ذلك يتضح أن اليابان هي الممول الوحيد لأنشطة الصندوق.

ونظراً لأن الصندوق يعتمد في تمويل أنشطته بالأساس على التبرعات وخاصة تبرعات الحكومة اليابانية، لذلك فهناك حاجة إلى تحويل طريقة تمويل أنشطة الصندوق من نظام التبرعات إلى نظام الحصص وذلك بما يتوازى مع القوة النسبية للدول المختلفة، بحيث يسهم في إطاره أيضا بتجميع التبرعات لمواجهة مواقف الأزمات، وتتولى لجان الصندوق توزيعها. وهو ما سيساهم في إيجاد تنسيق على المستوى العالمي في تمويل أنشطة الأمن الإنساني، وكذلك توفير موارد مالية معدة مسبقا بما يوفر سرعة التعامل مع الكوارث البشرية، والأهم من هذا وذاك هو إيجاد التزام عالمي تجاه قضايا الأمن الإنساني. ومن المهم الإشارة إلى أن الدول الخليجية عليها الآن المساهمة في تمويل أنشطة الصندوق كجزء من تطوير أجندة الدول الخليجية في الاهتمام بقضايا الأمن الإنساني عالميا.

كما أن هناك حاجة لإنشاء لجنة استشارية للصندوق على أن يكون هناك تمثيل متواز لقارات العالم المختلفة على أن يختار من بين أعضاء اللجنة أمين عام للصندوق بحيث تتولى اللجنة وأمينها العام التنسيق بين الصندوق ولجان الأمم المتحدة الأخرى، وكذلك تحديد وترتيب أولويات عمل الصندوق.

وأخيراً يبقى التأكيد على ما أعادته الأزمة إلى الأذهان بأن الفكرة التي سبق أن طرحت بشأن إنشاء مجلس للأمن الإنساني في إطار الأمم المتحدة على غرار مجلس الأمن الدولى هي أن تكون مهمته اجتماعية إنسانية بالأساس بعيداً عن أي أهداف سياسية، بحيث يمكن في إطاره تنسيق الجهود حول مواجهة تحديات الأمن الإنساني في القرن الحادي والعشرين. والأهم من ذلك هو إيجاد نوع من التنسيق في إطاره حول طبيعة العمل الإنساني في مواجهة مواقف الأزمات. فتحقيق الأمن الإنساني هو التحدي الأصعب والأكثر إلحاحا للتعاون الدولي في هذا المجال في القرن الحادي والعشرين.

::/fulltext::
::cck::2508::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *