في نقد الذات والنهضة

::cck::2537::/cck::
::introtext::

إن توظيف نقد الذات العربي من قوى خارجية يجب ألا يدفع باتجاه الدعوة إلى التوقف عن هذا النقد بحجة عدم منح الفرصة لهذه القوى بالتدخل في الشؤون العربية، فوقف محاولات التدخل يجب أن يتمثل في دعم المشروع النهضوي العربي، وتحصين المنطقة وإخراجها من حالة الضعف والهشاشة التي تجعل منها هدفاً لقوى خارجية تسعى إلى فرض هيمنتها لتحقيق مصالحها.

::/introtext::
::fulltext::

إن توظيف نقد الذات العربي من قوى خارجية يجب ألا يدفع باتجاه الدعوة إلى التوقف عن هذا النقد بحجة عدم منح الفرصة لهذه القوى بالتدخل في الشؤون العربية، فوقف محاولات التدخل يجب أن يتمثل في دعم المشروع النهضوي العربي، وتحصين المنطقة وإخراجها من حالة الضعف والهشاشة التي تجعل منها هدفاً لقوى خارجية تسعى إلى فرض هيمنتها لتحقيق مصالحها.

إن الجميع يتفق على أن المواطنة تصبح منقوصة إذا لم تقترن كرامة الإنسان بالحقوق، ومتفقون على أننا نعاني من نواقص كثيرة تتمثل في كل ما جاءت به تقارير التنمية البشرية الثلاثة منذ عام 2002 بتأكيد نقص المعرفة والحقوق السياسية وعدم تمكين المرأة، أو على نحو مفصل عام 2003 في تناول قضايا المعرفة ووضع رؤية استراتيجية لتطويرها، إلى التقرير الثالث الذي يهدف إلى معالجة متعمقة لنقص الحرية والحكم الصالح.

كنا دائماً نلقي باللائمة على النخب العربية المستقلة لعدم قدرتها على تقديم تحليلات موضوعية ورؤى استشرافية وتصورات علمية تضع الأصبع على الجرح، وتقدم حلولاً لصناع القرار، وترشدهم إلى سبل النهوض إذا أرادوا إصلاحاً، ومساعدتهم بما يحقق ليس النهضة المطلوبة فقط، وإنما منحهم أدوات المنعة التي تكفل كف يد القوى الخارجية عن التدخل في شؤون المنطقة. ونعتقد أن الحوار الذي ينشأ عن نقد الذات، يجب أن يفضي إلى وضع استراتيجيات من الحكومات العربية للخروج من حالة الجمود والتقوقع، والتخلص من الخوف والقلق من إحداث التغيير.

هناك حقائق لا يمكن تجاوزها، ولا سبيل إلا الاعتراف بالحاجة إليها، فعلى الرغم من وجود رأسمال بشري عربي يمكن أن يكون بنية أساسية قوية لقيام نهضة معرفية، إلا أن هناك ضعفاً كبيراً في نشر المعرفة وإنتاجها في البلدان العربية. إن تقرير التنمية البشرية لا يقدم الداء فقط، وإنما يصف الدواء أيضاً، فعندما تم طرح مشكلة ضعف نشر المعرفة تم تقديم رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة، وقامت هذه الرؤية على أركان خمسة هي إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح، والنشر الكامل للتعليم راقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي في التعليم العالي والطفولة المبكرة، وللتعلم المستمر مدى الحياة، وتعميم البحث والتطوير التقاني في جميع النشاطات المجتمعية، واللحاق بعصر المعلومات، والتحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية، وتأسيس نموذج معرفي عربي عام أصيل منفتح ومستنير يقوم على العودة إلى صحيح الدين وتخليصه من التوظيف المغرض، وحفز الاجتهاد وتكريمه، والنهوض باللغة العربية، واستحضار إضاءات التراث المعرفي العربي، وإثراء التنوع الثقافي في داخل الأمة ودعمه والاحتفاء به والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى.

المطلوب إذن تحقيق نهضة إنسانية في المنطقة العربية، تشتمل أولاً على إصلاح السياق السياسي على كافة الصعد، وتتفق النخب مع عامة الناس في البلدان العربية على أن القيد السياسي يقف عائقاً كبيراً أمام تحقيق النهضة. فما معنى أن يصف مراسلون بلا حدود المنطقة العربية باعتبارها ثاني أكبر سجن للصحافيين في العالم سوى أننا نعاني من كبت في الحريات، وبخاصة حرية الرأي والتعبير؟ ثم ما معنى أن تعيد الانتخابات في البلدان العربية إنتاج الفئات الحاكمة نفسها من دون أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تداول حقيقي للسلطة؟ ما معنى ذلك سوى أن هناك خللاً واضحاً في أسس الديمقراطية ما يؤكد احتكار السلطة. وما معنى أن تفقد الأمة حق عزل وتولية الحكام، الذي نصّ عليه الدين الإسلامي الحنيف؟ وما معنى أن تتولى السلطة التنفيذية مهمة تعيين القضاة ونقلهم وعزلهم وإغرائهم سوى إفسادهم والحيلولة دون استقلالية السلطة القضائية، وجمع السلطات الثلاث بيد سلطة واحدة؟ وما معنى أن يعيش شعب عربي في حالة طوارئ لمدة عقود من الزمن إلى درجة أنه ينسى مع تراكم السنين أنه يعيش في هذه الحالة، فيخطئ ويقول لا إن القانون في بلاده قد وضع على الرف منذ سنين، وأن ما سيطبق عليه هو قانون حالة الطوارئ؟!

والحقيقة أن القادة العرب يتفقون مع النخب والأمة برمتها على النواقص، وإلا فلماذا أطلق القادة العرب في القمة العربية التي عقدت في مايو 2004 بيان مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي والذي أكد ضرورة تعميق أسس الديمقراطية والشورى وتوسيع المشاركة في المجال السياسي، وتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير، إضافة إلى الاهتمام بالطفولة والشباب، ومواصلة النهوض بدور المرأة وتدعيم حقوقها، والدعوة إلى وضع استراتيجية عربية شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية بقصد ترسيخ مفاهيم الحكم الرشيد ومعالجة ظاهرة الفقر والأمية وحماية البيئة وتحديث البنية الاجتماعية، وتطوير قواعد المعرفة.. وغير ذلك كثير!

إذاً، فهناك اتفاق على وجود خلل كبير على كافة الصعد، فما الذي يعيق إحداث النهضة؟ ببساطة أقول عدم الجدية والمصداقية من قبل صناع القرار، والفجوة القائمة بين النخب العربية المستقلة والسلطة الحاكمة، وفي ظروف أفضل فإن هناك تباطؤاً وتململاً في السير بهذا الاتجاه. ونحن نقبل في أسوأ الظروف تحقيق إصلاحات (جنينية) صغيرة ومحدودة شريطة أن تتم على أسس تكفل عدم تدخل السلطة في فترة لاحقة لقتل (الجنين الوليد) بعد أن ينمو قليلاً، بمعنى أن تجري السلطة عملية إجهاض لما أنتجته. فالمطلوب هو وجود نطاق مستقر من الحقوق والحريات، وأن نعطى الحق الدائم في رفض أي سلوك غير إنساني في سلطة يجب أن تكون غير مطلقة. والمطلوب أيضاً من الأمة، في مرحلة يقال إنها لا تقبل التوفيق والتلفيق، أن تبحث عن أفضل السبل وأكثرها قدرة على الاستمرار للانتقال من حالة الضعف إلى القوة، ومن الكبت إلى الحرية، ومن سيادة حكم الفرد إلى سيادة القانون، ومن دولة العشيرة إلى دولة المؤسسات، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الاستباحة إلى المنعة، ومن الاستبداد والاستئثار بالحكم والرأي إلى التعددية والديمقراطية والشورى، ومن التنظير إلى العمل، ومن تلبية مطالب الشعب إلى مشاركته في صناعة القرار والاستقرار!

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2537::/cck::
::introtext::

إن توظيف نقد الذات العربي من قوى خارجية يجب ألا يدفع باتجاه الدعوة إلى التوقف عن هذا النقد بحجة عدم منح الفرصة لهذه القوى بالتدخل في الشؤون العربية، فوقف محاولات التدخل يجب أن يتمثل في دعم المشروع النهضوي العربي، وتحصين المنطقة وإخراجها من حالة الضعف والهشاشة التي تجعل منها هدفاً لقوى خارجية تسعى إلى فرض هيمنتها لتحقيق مصالحها.

::/introtext::
::fulltext::

إن توظيف نقد الذات العربي من قوى خارجية يجب ألا يدفع باتجاه الدعوة إلى التوقف عن هذا النقد بحجة عدم منح الفرصة لهذه القوى بالتدخل في الشؤون العربية، فوقف محاولات التدخل يجب أن يتمثل في دعم المشروع النهضوي العربي، وتحصين المنطقة وإخراجها من حالة الضعف والهشاشة التي تجعل منها هدفاً لقوى خارجية تسعى إلى فرض هيمنتها لتحقيق مصالحها.

إن الجميع يتفق على أن المواطنة تصبح منقوصة إذا لم تقترن كرامة الإنسان بالحقوق، ومتفقون على أننا نعاني من نواقص كثيرة تتمثل في كل ما جاءت به تقارير التنمية البشرية الثلاثة منذ عام 2002 بتأكيد نقص المعرفة والحقوق السياسية وعدم تمكين المرأة، أو على نحو مفصل عام 2003 في تناول قضايا المعرفة ووضع رؤية استراتيجية لتطويرها، إلى التقرير الثالث الذي يهدف إلى معالجة متعمقة لنقص الحرية والحكم الصالح.

كنا دائماً نلقي باللائمة على النخب العربية المستقلة لعدم قدرتها على تقديم تحليلات موضوعية ورؤى استشرافية وتصورات علمية تضع الأصبع على الجرح، وتقدم حلولاً لصناع القرار، وترشدهم إلى سبل النهوض إذا أرادوا إصلاحاً، ومساعدتهم بما يحقق ليس النهضة المطلوبة فقط، وإنما منحهم أدوات المنعة التي تكفل كف يد القوى الخارجية عن التدخل في شؤون المنطقة. ونعتقد أن الحوار الذي ينشأ عن نقد الذات، يجب أن يفضي إلى وضع استراتيجيات من الحكومات العربية للخروج من حالة الجمود والتقوقع، والتخلص من الخوف والقلق من إحداث التغيير.

هناك حقائق لا يمكن تجاوزها، ولا سبيل إلا الاعتراف بالحاجة إليها، فعلى الرغم من وجود رأسمال بشري عربي يمكن أن يكون بنية أساسية قوية لقيام نهضة معرفية، إلا أن هناك ضعفاً كبيراً في نشر المعرفة وإنتاجها في البلدان العربية. إن تقرير التنمية البشرية لا يقدم الداء فقط، وإنما يصف الدواء أيضاً، فعندما تم طرح مشكلة ضعف نشر المعرفة تم تقديم رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة، وقامت هذه الرؤية على أركان خمسة هي إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح، والنشر الكامل للتعليم راقي النوعية مع إيلاء عناية خاصة لطرفي المتصل التعليمي في التعليم العالي والطفولة المبكرة، وللتعلم المستمر مدى الحياة، وتعميم البحث والتطوير التقاني في جميع النشاطات المجتمعية، واللحاق بعصر المعلومات، والتحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية الاجتماعية والاقتصادية العربية، وتأسيس نموذج معرفي عربي عام أصيل منفتح ومستنير يقوم على العودة إلى صحيح الدين وتخليصه من التوظيف المغرض، وحفز الاجتهاد وتكريمه، والنهوض باللغة العربية، واستحضار إضاءات التراث المعرفي العربي، وإثراء التنوع الثقافي في داخل الأمة ودعمه والاحتفاء به والانفتاح على الثقافات الإنسانية الأخرى.

المطلوب إذن تحقيق نهضة إنسانية في المنطقة العربية، تشتمل أولاً على إصلاح السياق السياسي على كافة الصعد، وتتفق النخب مع عامة الناس في البلدان العربية على أن القيد السياسي يقف عائقاً كبيراً أمام تحقيق النهضة. فما معنى أن يصف مراسلون بلا حدود المنطقة العربية باعتبارها ثاني أكبر سجن للصحافيين في العالم سوى أننا نعاني من كبت في الحريات، وبخاصة حرية الرأي والتعبير؟ ثم ما معنى أن تعيد الانتخابات في البلدان العربية إنتاج الفئات الحاكمة نفسها من دون أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تداول حقيقي للسلطة؟ ما معنى ذلك سوى أن هناك خللاً واضحاً في أسس الديمقراطية ما يؤكد احتكار السلطة. وما معنى أن تفقد الأمة حق عزل وتولية الحكام، الذي نصّ عليه الدين الإسلامي الحنيف؟ وما معنى أن تتولى السلطة التنفيذية مهمة تعيين القضاة ونقلهم وعزلهم وإغرائهم سوى إفسادهم والحيلولة دون استقلالية السلطة القضائية، وجمع السلطات الثلاث بيد سلطة واحدة؟ وما معنى أن يعيش شعب عربي في حالة طوارئ لمدة عقود من الزمن إلى درجة أنه ينسى مع تراكم السنين أنه يعيش في هذه الحالة، فيخطئ ويقول لا إن القانون في بلاده قد وضع على الرف منذ سنين، وأن ما سيطبق عليه هو قانون حالة الطوارئ؟!

والحقيقة أن القادة العرب يتفقون مع النخب والأمة برمتها على النواقص، وإلا فلماذا أطلق القادة العرب في القمة العربية التي عقدت في مايو 2004 بيان مسيرة التطوير والتحديث في الوطن العربي والذي أكد ضرورة تعميق أسس الديمقراطية والشورى وتوسيع المشاركة في المجال السياسي، وتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير، إضافة إلى الاهتمام بالطفولة والشباب، ومواصلة النهوض بدور المرأة وتدعيم حقوقها، والدعوة إلى وضع استراتيجية عربية شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية بقصد ترسيخ مفاهيم الحكم الرشيد ومعالجة ظاهرة الفقر والأمية وحماية البيئة وتحديث البنية الاجتماعية، وتطوير قواعد المعرفة.. وغير ذلك كثير!

إذاً، فهناك اتفاق على وجود خلل كبير على كافة الصعد، فما الذي يعيق إحداث النهضة؟ ببساطة أقول عدم الجدية والمصداقية من قبل صناع القرار، والفجوة القائمة بين النخب العربية المستقلة والسلطة الحاكمة، وفي ظروف أفضل فإن هناك تباطؤاً وتململاً في السير بهذا الاتجاه. ونحن نقبل في أسوأ الظروف تحقيق إصلاحات (جنينية) صغيرة ومحدودة شريطة أن تتم على أسس تكفل عدم تدخل السلطة في فترة لاحقة لقتل (الجنين الوليد) بعد أن ينمو قليلاً، بمعنى أن تجري السلطة عملية إجهاض لما أنتجته. فالمطلوب هو وجود نطاق مستقر من الحقوق والحريات، وأن نعطى الحق الدائم في رفض أي سلوك غير إنساني في سلطة يجب أن تكون غير مطلقة. والمطلوب أيضاً من الأمة، في مرحلة يقال إنها لا تقبل التوفيق والتلفيق، أن تبحث عن أفضل السبل وأكثرها قدرة على الاستمرار للانتقال من حالة الضعف إلى القوة، ومن الكبت إلى الحرية، ومن سيادة حكم الفرد إلى سيادة القانون، ومن دولة العشيرة إلى دولة المؤسسات، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الاستباحة إلى المنعة، ومن الاستبداد والاستئثار بالحكم والرأي إلى التعددية والديمقراطية والشورى، ومن التنظير إلى العمل، ومن تلبية مطالب الشعب إلى مشاركته في صناعة القرار والاستقرار!

 

::/fulltext::
::cck::2537::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *