نحو سياسة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدول مجلس التعاون
::cck::2562::/cck::
::introtext::
تبعاً لمعيار تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بطبعته الثالثة في عام 1999، يعرف الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعكس هدف الحصول على مصلحة دائمة لمنشأة مقيمة باقتصاد معين (المستثمر المباشر) في منشأة أخرى مقيمة في اقتصاد آخر (منشأة الاستثمار المباشر).
::/introtext::
::fulltext::
تبعاً لمعيار تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بطبعته الثالثة في عام 1999، يعرف الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعكس هدف الحصول على مصلحة دائمة لمنشأة مقيمة باقتصاد معين (المستثمر المباشر) في منشأة أخرى مقيمة في اقتصاد آخر (منشأة الاستثمار المباشر). تعني المصلحة الدائمة وجود علاقة على المدى الطويل بين المستثمر المباشر والمنشأة المستهدفة تتميز بالقدرة على التأثير في إدارة المنشأة المستهدفة. والاستثمار المباشر يشتمل على التعاملات الأولية بين كلا الطرفين، وكل ما يلي ذلك من تعاملات رأسمالية بين الجهات المرتبطة، سواء أكانت مؤسسة أم تحت التأسيس، كما جاء تعريف معيار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للاستثمار الأجنبي المباشر (الطبعة الثالثة). ومن نافلة القول، إن مربط الفرس في التعريف السابق هو وجود المصلحة الدائمة للمستثمر الأجنبي المباشر على المدى الطويل، وهو ما يميزه عن غيره من المستثمرين كاستثمارات المحافظ الاستثمارية واستثمارات الأسهم الأجنبية وغيرها من استثمارات التمويل سواء بشراء المستثمر الأجنبي لسندات مطروحة محلياً أم عن طريق منح قروض، كما أن وجود مصلحة للمستثمر الأجنبي على المدى الطويل يشير إلى التزام المستثمر بالبقاء في السوق المستهدفة، وتوظيف التقنية، وبناء القدرات البشرية المحلية. وتبعاً لتطور الأدبيات الاقتصادية وأطروحات نظرية التنمية التي تأتي مواكبة للتغيرات على الساحة الدولية ومؤثرة فيها، فقد تحولت فلسفة التنمية لدى معظم دول العالم الناشئة للاعتماد على منظومة اقتصاد السوق وأدوات النمو التي تقترحها هذه المنظومة، ومن ضمنها الاستثمار الأجنبي المباشر. ولا ريب في أن الاستثمار الأجنبي المباشر هو من محركات العولمة في الوقت ذاته الذي يعتبر من مسبباتها، فاتجاه السببية بين الاستثمار الأجنبي المباشر والعولمة متداخل ليؤثر كل منهما على الآخر. بيد أن إفرازات العولمة كإنشاء التكتلات الاقتصادية، منظمة التجارة العالمية، ومناطق التجارة الحرة هي من أهم الأسباب التي أدت إلى التوجه المحموم من قبل الشركات متعددة الجنسية وعابرة القارات لتوظيف الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت نفسه الذي أدت إلى تنافس الدول على جذب هذه الاستثمارات. فحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد) ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً من 55 مليار دولار في عام 1980 إلى 865 مليار دولار في عام 1999، أي بارتفاع يناهز خمسة عشر ضعفاً. ونسبياً من نحو 3 في المائة من قيمة الصادرات عالمياً إلى نحو 15 في المائة من قيمة الصادرات العالمية في عام 1999، أي أن ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي عالمياً جاء مترافقاً يداً بيد مع ارتفاع موجة العولمة والتوجه نحو تحرير التجارة وإزالة قيود تنقل عناصر الإنتاج. ففي عملية الاستثمار الأجنبي المباشر هناك طرفان للمعادلة هما المستثمر الأجنبي والدولة المستهدفة بالاستثمار. فحين يتخذ الطرف الأول ممثلاً بالمستثمر الأجنبي الهادف للربح قرار الاستثمار في دولة معينة، فإنه يكون مبنياً على عدة أسباب يجب أن تؤثر في نهاية المطاف على الجدوى الاقتصادية من الاستثمار وأهدافه. وتبعاً لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد – 1998)، بالإمكان تقسيم أسباب استهداف الاستثمار الأجنبي المباشر لدول معينة إلى:• توفر الموارد: المواد الخام، عناصر الإنتاج المكملة، والبنية التحتية المساندة.• خصائص السوق المستهدف: حجم السوق، نمو السوق، والتكامل الإقليمي للسوق المستهدف.• التأثير في الكفاءة: تناسب تكلفة العمالة مع معدلات الإنتاجية، توفر كم كاف من العمالة الماهرة والمدربة، توفر خدمات الأعمال المساندة والسياسة التجارية. وبالانتقال للطرف الثاني من المعادلة ممثلاً بالدول المستهدفة بالاستثمار، فإن عوائد الاستثمار الأجنبي المثبتة مغرية جداً، كتأثيره في النمو الاقتصادي من خلال عدة قنوات منها مشاركة المستثمر الأجنبي في تحمل مخاطر الاستثمار، نقل التقنية من الخارج وتوطينها، توطين نظم الأعمال الإدارية والفنية، رفع معدلات الإنتاجية، تغيير أنماط العمل المحلية لتتناسب مع الأنماط الدولية، توفير الفرص الوظيفية والتدريبية، وتأثير الفائض الناتج عن عمليات الدعم العمودية والأفقية للاستثمار الأجنبي من قبل وحدات الأعمال الوطنية. وعلى الرغم من ذلك، فإن محددات الاستثمار الأجنبي تأخذ في التغير لتتأقلم مع المستجدات وأهداف المستثمر الأجنبي، حيث إن القرب من السوق المستهدف أصبح محدداً أقل أهمية من محددات أخرى كالتنافسية في معدلات الإنتاجية والكفاءة لمدخلات الإنتاج المرتبطة بالفلسفة التنموية إذا ما كانت مبنية على إحلال الواردات أم تشجيع الصادرات، وذلك نظراً لتطور تقنيات الاتصالات والمواصلات. إذاً، بالإمكان توصيف طرفي الاستثمار بأن المستثمر الأجنبي يمثل الزبون بينما الدول المستهدفة بالاستثمار تمثل البائع نظراً لأسباب ونتائج الاستثمار الأجنبي المذكورة أعلاه، فعلى البائع جذب الزبون.وبإلقاء نظرة على حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في دول مجلس التعاون تبعاً لإحصائيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فقد بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية التراكمية لدول المجلس نحو 73.4 مليار دولار في عام 2005 مقارنة بنحو 25 مليار دولار في عام 1990، أي بارتفاع نسبته نحو 193 في المائة حازت السعودية على النصيب الأكبر منها بنحو 58.7 في المائة، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 14.2 في المائة، البحرين بنحو 13.3 في المائة، ثم عمان بنحو 7.5 في المائة، قطر بنحو 5.3 في المائة، ثم الكويت بنحو 1.1 في المائة. ومن المهم الإشارة إلى أن الاستثمارات الأجنبية التراكمية تأخذ في الحسبان ما تم تحصيله للدولة المعنية منذ فترة بداية تجميع الإحصائيات، لذلك نجد ارتفاع نصيب المملكة العربية السعودية من الإجمالي نظراً لكبر حجم الاقتصاد وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في النصف الأول من الثمانينات إبان توفر الوفورات النفطية.وللوصول إلى الصورة الأكبر والأكثر دقة، من المهم تناول تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لكونها أكثر ارتباطاً بالتوقعات المستقبلية، فقد بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدول مجلس التعاون نحو 55.3 مليار دولار للسنوات (1990-2005) كان نصيب الإمارات العربية المتحدة منها نحو 49.4 في المائة، تلتها السعودية بنحو 19.9 في المائة، البحرين بنحو 14.1 في المائة، ثم قطر بنحو 11 في المائة، عمان 4.4 في المائة، وأخيراً الكويت بنحو 1.2 في المائة. وبتناول التفصيل السنوي، فقد تركز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات (2000-2005) حيث ارتفع بأكثر من خمسين مرة، أي أن فترة التسعينات كانت فترة ركود لتدفق الاستثمارات الأجنبية لدول المجلس بينما شهد مطلع الألفية تدفقات استثمارية مباشرة كبيرة بقيادة دولة الإمارات. وعليه، فبقراءة الاستثمارات الأجنبية التراكمية مقارنة بالتدفقات بين الأعوام (1990-2005)، نلاحظ بروز الإمارات وقطر كجهتين جاذبتين للاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع المملكة العربية السعودية في جانب التدفقات، بينما نجد احتفاظ البحرين بمعدلات متقاربة وتنامي نصيب عُمان نسبياً مع احتفاظها هي والكويت بمرتبتيهما. وهذه الإحصائيات منطقية، فقد شهدت الإمارات العربية المتحدة ثورة استثمارية كبيرة في السنوات الخمس الماضية محركاتها القطاع العقاري، القطاع الصناعي، والخدمات بينما شهدت قطر مشاريع عملاقة متعلقة بالغاز الطبيعي. بيد أن الحكم على الحجم المطلق للاستثمار الأجنبي عند عقد المقارنات بين اقتصاديات أحجامها مختلفة يجب أن يبنى على حجم الاقتصاد، فليس من المنطقي مقارنة القدرة على جذب الاستثمار الأجنبي لدوله حجم ناتجها الإجمالي يبلغ أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي لنظيرتها. لذلك، وتبعاً لنسبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي، تبين إحصائيات عام 2005 أن البحرين احتلت المرتبة الأولى بنسبة 64.1 في المائة، تلتها الإمارات بنحو 21.1 في المائة، قطر 16.2 في المائة، عمان 13.3 في المائة، السعودية بنحو 8.5 في المائة، والكويت بنحو 1 في المائة. لذا، نستنتج أن البحرين والإمارات وقطر وعُمان تعتمد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل كبير للمساهمة في الاقتصاد الكلي، ولا تزال تحافظ على معدلات الاستثمار الأجنبي بالرغم من تغير المعايير بين التراكمية، التدفقات والنسبة إلى الاقتصاد، بينما نجد أن السعودية تحافظ على معدل من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات العشر السابقة تقل عن معدلات الثمانينات، أما الكويت فلا تزال البيانات تبين انخفاض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر فيها. ومن الضروري التنبه إلى أن نسبة حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي قد ترتفع نظراً إلى ارتفاع الاستثمارات، أو بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لذلك ينبغي توخي الحيطة والحذر عند التحليل لمعرفة أي المسببين هو وراء تباين النسب المئوية. وبعد هذه المقارنات السريعة لواقع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من الضروري التساؤل عن سياسات جذب المزيد من الاستثمارات لتساهم في نمو اقتصادات دول المجلس. ويجب أن تركز سياسات جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من قبل دول المجلس على محورين، الأول معرفة متطلبات المستثمر الأجنبي، والثاني معرفة تنافسية الاقتصاد الحالية وسبل تطويرها لتكون مغرية للمستثمر الأجنبي. إن معرفة احتياجات الاستثمار الأجنبي المباشر كالوصول إلى مدخلات الإنتاج ممثلة بالنفط والغاز الطبيعي في دول المجلس، والوصول إلى السوق الإقليمية عموماً، والحاجة إلى الكفاءة بمكونات هذه الاحتياجات التي تم تفصيلها سابقاً تعتبر الخطوة الأولى. فعلى سبيل المثال حين يكون هدف المستثمر الأجنبي الوصول إلى مدخلات العملية الإنتاجية من المواد الخام، فمن المهم توفير عناصر الإنتاج المكملة والبنية التحتية المساندة من خلال استثمار دول المجلس في هذه المحفزات. وبالنسبة للاحتياج الثاني للمستثمر الأجنبي والمتمثل بحجم السوق، فنمو السوق يظل بطيئاً ومرتبطاً بالنمو السكاني ومعدلات الدخل، لذلك من الأجدى عرض السوق الخليجية ككتلة واحدة. ومن الطرق الأخرى للتعامل مع حجم السوق للدول الخليجية ذات الأسواق المحدودة، فإن إقامة اتفاقيات تجارة مشتركة مع الدول الإقليمية ذات الأسواق الكبيرة بحيث تكون الدول الخليجية مراكز تصنيع وتصدير لتلك الأسواق هي من الخيارات المحفزة للاستثمارات الأجنبية والنمو الاقتصادي المدفوع بالصادرات. وبالنسبة للمسبب الثالث للاستثمار الأجنبي المتمثل بالتأثير في معدلات الكفاءة، فيجب أن تتركز سياسات دول المجلس على توفير العمالة الوطنية الكفؤة والمدربة، إلى جانب إنشاء معاهد التدريب الفني والتقني بالتعاون واستشارة المستثمر الأجنبي لتلبية احتياجه.وبتناول المحور الثاني لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن تقييماً صريحاً دقيقاً يجب أن يتم لمعرفة تنافسية الاقتصادات الخليجية مقارنة بغيرها لجذب الاستثمارات في الوقت نفسه الذي يجب على دول المجلس معرفة ما تريده من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدراسة الفوائد مقارنة بالتكاليف. فمن الواجب التساؤل عن القيمة المضافة للاستثمار الأجنبي، وماذا ستضيف؟ وبماذا ستفيد الاقتصاد على المدى الطويل؟ فمثلاً يجب أن يتم تصميم استراتيجيات لكافة دول المجلس تعتمد على الميزة التنافسية لكل منها، وتتضمن معايير أداء لمقارنة النتائج بتطورات الاستثمار، وتبعاً للتطورات يتم تعديل الاستراتيجيات وتصميمها لتعظيم المنفعة وتقليل الهدر. وهناك عدة أدوات لتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها تحرير التشريعات والأنظمة للاستثمار الأجنبي، التخلص من البيروقراطية، تسهيل عملية الاستثمار من خلال توفير شركاء وحوافز ضريبية، تحرير التجارة، ورفع معدل الشفافية. وختاماً، تساهم برامج التخصيص بشكل كبير في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع بدايات تحرير الاقتصاد وهيكلته في العديد من الاقتصادات الناشئة، إلا أن السيولة المتوافرة في السنوات الحالية في دول الخليج تحتم اتباع نموذج يتناسب مع مصلحتها من خلال توفير عمليات التخصيص لمواطني ومقيمي دول المجلس. كما أن توفير الإحصائيات الدقيقة وبقدر كبير من الشفافية من شأنه أن يخلق المزيد من قنوات الاستثمار الأجنبي كعمليات الدمج والاستحواذ التي تسيطر على نماذج الاستثمار الأجنبي في الدول الصناعية. وفوق ذلك كله، يجب أن يتم التنسيق بدقة بين السياسات النقدية، المالية، والتشريعية في دول مجلس التعاون لتوفير مناخ ملائم يتم تصميمه ليكون محفزاً ومتناسباً مع دراسات جدوى المستثمر الأجنبي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2562::/cck::
::introtext::
تبعاً لمعيار تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بطبعته الثالثة في عام 1999، يعرف الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعكس هدف الحصول على مصلحة دائمة لمنشأة مقيمة باقتصاد معين (المستثمر المباشر) في منشأة أخرى مقيمة في اقتصاد آخر (منشأة الاستثمار المباشر).
::/introtext::
::fulltext::
تبعاً لمعيار تعريف الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بطبعته الثالثة في عام 1999، يعرف الاستثمار الأجنبي المباشر على أنه الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يعكس هدف الحصول على مصلحة دائمة لمنشأة مقيمة باقتصاد معين (المستثمر المباشر) في منشأة أخرى مقيمة في اقتصاد آخر (منشأة الاستثمار المباشر). تعني المصلحة الدائمة وجود علاقة على المدى الطويل بين المستثمر المباشر والمنشأة المستهدفة تتميز بالقدرة على التأثير في إدارة المنشأة المستهدفة. والاستثمار المباشر يشتمل على التعاملات الأولية بين كلا الطرفين، وكل ما يلي ذلك من تعاملات رأسمالية بين الجهات المرتبطة، سواء أكانت مؤسسة أم تحت التأسيس، كما جاء تعريف معيار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للاستثمار الأجنبي المباشر (الطبعة الثالثة). ومن نافلة القول، إن مربط الفرس في التعريف السابق هو وجود المصلحة الدائمة للمستثمر الأجنبي المباشر على المدى الطويل، وهو ما يميزه عن غيره من المستثمرين كاستثمارات المحافظ الاستثمارية واستثمارات الأسهم الأجنبية وغيرها من استثمارات التمويل سواء بشراء المستثمر الأجنبي لسندات مطروحة محلياً أم عن طريق منح قروض، كما أن وجود مصلحة للمستثمر الأجنبي على المدى الطويل يشير إلى التزام المستثمر بالبقاء في السوق المستهدفة، وتوظيف التقنية، وبناء القدرات البشرية المحلية. وتبعاً لتطور الأدبيات الاقتصادية وأطروحات نظرية التنمية التي تأتي مواكبة للتغيرات على الساحة الدولية ومؤثرة فيها، فقد تحولت فلسفة التنمية لدى معظم دول العالم الناشئة للاعتماد على منظومة اقتصاد السوق وأدوات النمو التي تقترحها هذه المنظومة، ومن ضمنها الاستثمار الأجنبي المباشر. ولا ريب في أن الاستثمار الأجنبي المباشر هو من محركات العولمة في الوقت ذاته الذي يعتبر من مسبباتها، فاتجاه السببية بين الاستثمار الأجنبي المباشر والعولمة متداخل ليؤثر كل منهما على الآخر. بيد أن إفرازات العولمة كإنشاء التكتلات الاقتصادية، منظمة التجارة العالمية، ومناطق التجارة الحرة هي من أهم الأسباب التي أدت إلى التوجه المحموم من قبل الشركات متعددة الجنسية وعابرة القارات لتوظيف الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت نفسه الذي أدت إلى تنافس الدول على جذب هذه الاستثمارات. فحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد) ارتفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً من 55 مليار دولار في عام 1980 إلى 865 مليار دولار في عام 1999، أي بارتفاع يناهز خمسة عشر ضعفاً. ونسبياً من نحو 3 في المائة من قيمة الصادرات عالمياً إلى نحو 15 في المائة من قيمة الصادرات العالمية في عام 1999، أي أن ارتفاع معدلات الاستثمار الأجنبي عالمياً جاء مترافقاً يداً بيد مع ارتفاع موجة العولمة والتوجه نحو تحرير التجارة وإزالة قيود تنقل عناصر الإنتاج. ففي عملية الاستثمار الأجنبي المباشر هناك طرفان للمعادلة هما المستثمر الأجنبي والدولة المستهدفة بالاستثمار. فحين يتخذ الطرف الأول ممثلاً بالمستثمر الأجنبي الهادف للربح قرار الاستثمار في دولة معينة، فإنه يكون مبنياً على عدة أسباب يجب أن تؤثر في نهاية المطاف على الجدوى الاقتصادية من الاستثمار وأهدافه. وتبعاً لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (يونكتاد – 1998)، بالإمكان تقسيم أسباب استهداف الاستثمار الأجنبي المباشر لدول معينة إلى:• توفر الموارد: المواد الخام، عناصر الإنتاج المكملة، والبنية التحتية المساندة.• خصائص السوق المستهدف: حجم السوق، نمو السوق، والتكامل الإقليمي للسوق المستهدف.• التأثير في الكفاءة: تناسب تكلفة العمالة مع معدلات الإنتاجية، توفر كم كاف من العمالة الماهرة والمدربة، توفر خدمات الأعمال المساندة والسياسة التجارية. وبالانتقال للطرف الثاني من المعادلة ممثلاً بالدول المستهدفة بالاستثمار، فإن عوائد الاستثمار الأجنبي المثبتة مغرية جداً، كتأثيره في النمو الاقتصادي من خلال عدة قنوات منها مشاركة المستثمر الأجنبي في تحمل مخاطر الاستثمار، نقل التقنية من الخارج وتوطينها، توطين نظم الأعمال الإدارية والفنية، رفع معدلات الإنتاجية، تغيير أنماط العمل المحلية لتتناسب مع الأنماط الدولية، توفير الفرص الوظيفية والتدريبية، وتأثير الفائض الناتج عن عمليات الدعم العمودية والأفقية للاستثمار الأجنبي من قبل وحدات الأعمال الوطنية. وعلى الرغم من ذلك، فإن محددات الاستثمار الأجنبي تأخذ في التغير لتتأقلم مع المستجدات وأهداف المستثمر الأجنبي، حيث إن القرب من السوق المستهدف أصبح محدداً أقل أهمية من محددات أخرى كالتنافسية في معدلات الإنتاجية والكفاءة لمدخلات الإنتاج المرتبطة بالفلسفة التنموية إذا ما كانت مبنية على إحلال الواردات أم تشجيع الصادرات، وذلك نظراً لتطور تقنيات الاتصالات والمواصلات. إذاً، بالإمكان توصيف طرفي الاستثمار بأن المستثمر الأجنبي يمثل الزبون بينما الدول المستهدفة بالاستثمار تمثل البائع نظراً لأسباب ونتائج الاستثمار الأجنبي المذكورة أعلاه، فعلى البائع جذب الزبون.وبإلقاء نظرة على حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في دول مجلس التعاون تبعاً لإحصائيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، فقد بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية التراكمية لدول المجلس نحو 73.4 مليار دولار في عام 2005 مقارنة بنحو 25 مليار دولار في عام 1990، أي بارتفاع نسبته نحو 193 في المائة حازت السعودية على النصيب الأكبر منها بنحو 58.7 في المائة، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 14.2 في المائة، البحرين بنحو 13.3 في المائة، ثم عمان بنحو 7.5 في المائة، قطر بنحو 5.3 في المائة، ثم الكويت بنحو 1.1 في المائة. ومن المهم الإشارة إلى أن الاستثمارات الأجنبية التراكمية تأخذ في الحسبان ما تم تحصيله للدولة المعنية منذ فترة بداية تجميع الإحصائيات، لذلك نجد ارتفاع نصيب المملكة العربية السعودية من الإجمالي نظراً لكبر حجم الاقتصاد وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في النصف الأول من الثمانينات إبان توفر الوفورات النفطية.وللوصول إلى الصورة الأكبر والأكثر دقة، من المهم تناول تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لكونها أكثر ارتباطاً بالتوقعات المستقبلية، فقد بلغ إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدول مجلس التعاون نحو 55.3 مليار دولار للسنوات (1990-2005) كان نصيب الإمارات العربية المتحدة منها نحو 49.4 في المائة، تلتها السعودية بنحو 19.9 في المائة، البحرين بنحو 14.1 في المائة، ثم قطر بنحو 11 في المائة، عمان 4.4 في المائة، وأخيراً الكويت بنحو 1.2 في المائة. وبتناول التفصيل السنوي، فقد تركز تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات (2000-2005) حيث ارتفع بأكثر من خمسين مرة، أي أن فترة التسعينات كانت فترة ركود لتدفق الاستثمارات الأجنبية لدول المجلس بينما شهد مطلع الألفية تدفقات استثمارية مباشرة كبيرة بقيادة دولة الإمارات. وعليه، فبقراءة الاستثمارات الأجنبية التراكمية مقارنة بالتدفقات بين الأعوام (1990-2005)، نلاحظ بروز الإمارات وقطر كجهتين جاذبتين للاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع المملكة العربية السعودية في جانب التدفقات، بينما نجد احتفاظ البحرين بمعدلات متقاربة وتنامي نصيب عُمان نسبياً مع احتفاظها هي والكويت بمرتبتيهما. وهذه الإحصائيات منطقية، فقد شهدت الإمارات العربية المتحدة ثورة استثمارية كبيرة في السنوات الخمس الماضية محركاتها القطاع العقاري، القطاع الصناعي، والخدمات بينما شهدت قطر مشاريع عملاقة متعلقة بالغاز الطبيعي. بيد أن الحكم على الحجم المطلق للاستثمار الأجنبي عند عقد المقارنات بين اقتصاديات أحجامها مختلفة يجب أن يبنى على حجم الاقتصاد، فليس من المنطقي مقارنة القدرة على جذب الاستثمار الأجنبي لدوله حجم ناتجها الإجمالي يبلغ أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي لنظيرتها. لذلك، وتبعاً لنسبة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي، تبين إحصائيات عام 2005 أن البحرين احتلت المرتبة الأولى بنسبة 64.1 في المائة، تلتها الإمارات بنحو 21.1 في المائة، قطر 16.2 في المائة، عمان 13.3 في المائة، السعودية بنحو 8.5 في المائة، والكويت بنحو 1 في المائة. لذا، نستنتج أن البحرين والإمارات وقطر وعُمان تعتمد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل كبير للمساهمة في الاقتصاد الكلي، ولا تزال تحافظ على معدلات الاستثمار الأجنبي بالرغم من تغير المعايير بين التراكمية، التدفقات والنسبة إلى الاقتصاد، بينما نجد أن السعودية تحافظ على معدل من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات العشر السابقة تقل عن معدلات الثمانينات، أما الكويت فلا تزال البيانات تبين انخفاض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر فيها. ومن الضروري التنبه إلى أن نسبة حجم تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي قد ترتفع نظراً إلى ارتفاع الاستثمارات، أو بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لذلك ينبغي توخي الحيطة والحذر عند التحليل لمعرفة أي المسببين هو وراء تباين النسب المئوية. وبعد هذه المقارنات السريعة لواقع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، من الضروري التساؤل عن سياسات جذب المزيد من الاستثمارات لتساهم في نمو اقتصادات دول المجلس. ويجب أن تركز سياسات جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة من قبل دول المجلس على محورين، الأول معرفة متطلبات المستثمر الأجنبي، والثاني معرفة تنافسية الاقتصاد الحالية وسبل تطويرها لتكون مغرية للمستثمر الأجنبي. إن معرفة احتياجات الاستثمار الأجنبي المباشر كالوصول إلى مدخلات الإنتاج ممثلة بالنفط والغاز الطبيعي في دول المجلس، والوصول إلى السوق الإقليمية عموماً، والحاجة إلى الكفاءة بمكونات هذه الاحتياجات التي تم تفصيلها سابقاً تعتبر الخطوة الأولى. فعلى سبيل المثال حين يكون هدف المستثمر الأجنبي الوصول إلى مدخلات العملية الإنتاجية من المواد الخام، فمن المهم توفير عناصر الإنتاج المكملة والبنية التحتية المساندة من خلال استثمار دول المجلس في هذه المحفزات. وبالنسبة للاحتياج الثاني للمستثمر الأجنبي والمتمثل بحجم السوق، فنمو السوق يظل بطيئاً ومرتبطاً بالنمو السكاني ومعدلات الدخل، لذلك من الأجدى عرض السوق الخليجية ككتلة واحدة. ومن الطرق الأخرى للتعامل مع حجم السوق للدول الخليجية ذات الأسواق المحدودة، فإن إقامة اتفاقيات تجارة مشتركة مع الدول الإقليمية ذات الأسواق الكبيرة بحيث تكون الدول الخليجية مراكز تصنيع وتصدير لتلك الأسواق هي من الخيارات المحفزة للاستثمارات الأجنبية والنمو الاقتصادي المدفوع بالصادرات. وبالنسبة للمسبب الثالث للاستثمار الأجنبي المتمثل بالتأثير في معدلات الكفاءة، فيجب أن تتركز سياسات دول المجلس على توفير العمالة الوطنية الكفؤة والمدربة، إلى جانب إنشاء معاهد التدريب الفني والتقني بالتعاون واستشارة المستثمر الأجنبي لتلبية احتياجه.وبتناول المحور الثاني لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإن تقييماً صريحاً دقيقاً يجب أن يتم لمعرفة تنافسية الاقتصادات الخليجية مقارنة بغيرها لجذب الاستثمارات في الوقت نفسه الذي يجب على دول المجلس معرفة ما تريده من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدراسة الفوائد مقارنة بالتكاليف. فمن الواجب التساؤل عن القيمة المضافة للاستثمار الأجنبي، وماذا ستضيف؟ وبماذا ستفيد الاقتصاد على المدى الطويل؟ فمثلاً يجب أن يتم تصميم استراتيجيات لكافة دول المجلس تعتمد على الميزة التنافسية لكل منها، وتتضمن معايير أداء لمقارنة النتائج بتطورات الاستثمار، وتبعاً للتطورات يتم تعديل الاستراتيجيات وتصميمها لتعظيم المنفعة وتقليل الهدر. وهناك عدة أدوات لتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها تحرير التشريعات والأنظمة للاستثمار الأجنبي، التخلص من البيروقراطية، تسهيل عملية الاستثمار من خلال توفير شركاء وحوافز ضريبية، تحرير التجارة، ورفع معدل الشفافية. وختاماً، تساهم برامج التخصيص بشكل كبير في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة مع بدايات تحرير الاقتصاد وهيكلته في العديد من الاقتصادات الناشئة، إلا أن السيولة المتوافرة في السنوات الحالية في دول الخليج تحتم اتباع نموذج يتناسب مع مصلحتها من خلال توفير عمليات التخصيص لمواطني ومقيمي دول المجلس. كما أن توفير الإحصائيات الدقيقة وبقدر كبير من الشفافية من شأنه أن يخلق المزيد من قنوات الاستثمار الأجنبي كعمليات الدمج والاستحواذ التي تسيطر على نماذج الاستثمار الأجنبي في الدول الصناعية. وفوق ذلك كله، يجب أن يتم التنسيق بدقة بين السياسات النقدية، المالية، والتشريعية في دول مجلس التعاون لتوفير مناخ ملائم يتم تصميمه ليكون محفزاً ومتناسباً مع دراسات جدوى المستثمر الأجنبي.
::/fulltext::
::cck::2562::/cck::
