ايران في الحسابات الاستراتيجية للصين
::cck::2584::/cck::
::introtext::
تظل الصين وإيران شريكين مهمين على الصعيد الجيوسياسي، فالنمو الذي طرأ مؤخراً في قوة هاتين الدولتين وزيادة نفوذهما يمثلان تحدياً للتوسع الإقليمي والعالمي لدور الولايات المتحدة. وتبدو العلاقات بين هاتين الدولتين متطورة ومعقدة في تكوينها، فهي تستند إلى روابط تاريخية عريقة وضرورات اقتصادية ورغبة سياسية في إنشاء نظام سياسي متعدد القطبية. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة لا تُعَد حلفاً، بل هي تجسيد لمجموعة من المصالح المشتركة بين الطرفين.
::/introtext::
::fulltext::
تظل الصين وإيران شريكين مهمين على الصعيد الجيوسياسي، فالنمو الذي طرأ مؤخراً في قوة هاتين الدولتين وزيادة نفوذهما يمثلان تحدياً للتوسع الإقليمي والعالمي لدور الولايات المتحدة. وتبدو العلاقات بين هاتين الدولتين متطورة ومعقدة في تكوينها، فهي تستند إلى روابط تاريخية عريقة وضرورات اقتصادية ورغبة سياسية في إنشاء نظام سياسي متعدد القطبية. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة لا تُعَد حلفاً، بل هي تجسيد لمجموعة من المصالح المشتركة بين الطرفين.
إن الصين التي خرجت لتوها من عقود طويلة من العزلة الدولية والحريصة على تغيير تبعات (عقد من المذلة)، تسعى لدور إقليمي وعالمي يعكس ثقلها ويعبر عن تطلعاتها. فقد ظلت بكين ولفترة طويلة تمثل ما سماه المؤرخ جون غيتنغز (قوة وضع راهن تمارس دوراً يقل في معظم الحالات عن ثقلها الحقيقي في السياسة الدولية). وتشترك الصين وإيران في أنهما خاضتا تجارب تاريخية متشابهة تنطلق من انهيار حكم سلالات ملكية عريقة، وهي التجارب التي مثلت المخاوف والتوقعات المعاصرة للدولتين، وخاصة تخوفهما من القوى الأجنبية الساعية لحرمانهما من تبوؤ مكانتهما المستحقة في العالم. ويعتقد مختلف القادة الصينيين والإيرانيين أن النظام العالمي الحالي الذي تهيمن عليه القوى الغربية غير منصف بقدر كبير، وهو الذي يوجه انشغالهما واهتمامهما الكبير بالحفاظ على استقلالهما والتمسك بسيادتهما.
علاوة على ذلك، تسعى الصين لاكتساب موطئ قدم في منطقة بدأت تعبر عن امتعاضها المتزايد من الوجود الأمريكي فيها. وبذلك تأمل الصين في أن تتحدى على نحو حصيف وهادئ النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط (وفي إفريقيا وأمريكا اللاتينية) عن طريق الجهود الدبلوماسية وتعزيز الروابط والعلاقات بين الشعوب وتوسيع شبكات الأعمال والاستثمارات، وبذلك تستكمل وتعبر عن الطموحات العالمية للصين. وبالقدر نفسه، تتمتع الصين بميزة أنها لا تحمل أي عبء استعماري بغيض. ومن خلال انتهاج بكين لأسلوب استخدام النفوذ غير المباشر وعدم التدخل الفاضح في شؤون الدول الأخرى والرغبة في التعامل مع الدول التي تسعى الدول الغربية لعزلها (مثل كوريا الشمالية وزيمبابوي)، أصبحت الصين شريكاً جاذباً لإيران التي ترى أنها تواجه افتراءات متزايدة من الأسرة الدولية.
مع ذلك، فإن الأولويات الأساسية لبكين هي تلبية حاجات اقتصاد الصين الذي يشهد نمواً متسارعاً، ويحتاج إلى موارد الطاقة بصفة متواصلة، بالإضافة إلى المحافظة على علاقات جيدة مع أكبر شريك تجاري للصين (وأكبر ضامن اقتصادي لها)، وهو الولايات المتحدة. كما تواجه الصين ضغوطاً من قبل الولايات المتحدة للتصرف بوصفها (طرفاً مسؤولاً في الشؤون الدولية). إن تصويت الصين ضد إيران (وكوريا الشمالية) في مجلس الأمن، والتزامها الصمت في الشأن المتعلق بحرب العراق، كلها شواهد على تحفظات بكين وسعيها لحماية نفسها في مواجهة رأي دولي موحد بشأن هذه القضايا. وبالقدر نفسه، تدرك بكين أن استقرارها الداخلي يعتمد على استمرار نموها وتطورها الاقتصادي، وهي جوانب ترتبط مباشرة بزيادة متطلباتها من موارد الطاقة.
بروز دور الصين
تحقق بروز مكانة الصين من خلال ارتفاع معدل نموها الاقتصادي إلى 10 في المائة في السنة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ففي عام 2006، استهلكت الصين سبعة ملايين برميل من النفط يومياً، وهي كمية تعادل نحو ثلث مستوى الاستهلاك الأمريكي الذي يبلغ 20.8 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع أن يزداد حجم الاستهلاك الصيني بمعدل مليون برميل يومياً كل عام. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2030 سوف تكون واردات الصين من النفط مساوية لنظيرتها الأمريكية. وقبل ذلك التاريخ بوقت طويل، أي بحلول عام 2015، سوف تتم تلبية 65 في المائة من حاجات الصين من الطاقة عن طريق مصادر خارجية. وبحلول عام 2030، ستصل هذه النسبة إلى 80 في المائة، وهو الأمر الذي يقتضي من الصين أن تضمن توفير مصادر متنوعة لإمدادات آمنة ومستقرة من النفط. وفي الوقت الراهن، تحصل الصين على 61 في المائة من وارداتها النفطية من دول الشرق الأوسط.
وأظهرت اللجنة الصينية للتنمية والإصلاحات الوطنية تنامي استهلاك الصين للنفط، وقالت إن تقديراتها تشير إلى أنه بحلول عام 2010 سوف يمثل النفط ما بين 51.4 في المائة و52.6 في المائة من حاجات الصين من الطاقة، أي بزيادة تبلغ 29.1 في المائة مقارنة بحجم الحاجات خلال عام 2000. ويزداد استهلاك الصين من الغاز بسرعة أكبر، حيث من المتوقع أن يرتفع حجم الواردات من لا شيء خلال عام 2000 إلى 20 ـ 25 مليون متر مكعب بحلول عام 2010.
وفي الواقع، فإن هذا التصاعد في حجم الطلب يسبب مشكلات داخلية في الصين. فالأحداث والتطورات في إقليمي جواندونغ ويونان تمثل بوادر تحذير للقيادة الصينية، فقد أدى تزايد الطلب على الطاقة إلى نقص في إمدادات النفط وارتفاع معدلات التضخم، وتم إغلاق أكثر من 128 محطة وقود في مدينة شينـزن وحدها خلال شهر أغسطس الماضي. بالإضافة إلى ذلك، سوف يرتفع عدد السيارات المملوكة لأفراد ليصل إلى 130 مليون سيارة بحلول عام 2020، وهو ما يفرض عبئاً إضافياً في هذا الخصوص.
علاقات الطاقة
نتيجة لهذا الارتفاع الكبير في الطلب على الطاقة، ظلت الصين تعمل على توسيع شراكات الطاقة مع الدول الأخرى. وتمثل إيران الآن مرتكزاً مهماً في أمن الطاقة للصين. وكانت إيران تحتل المركز الثالث من حيث أكبر مصدّر للنفط إلى الصين خلال عام 2005، إذ كانت تمدها بنحو 14 في المائة من واردات النفط. وبعد التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات مؤخراً، التي سيرد ذكرها لاحقاً، أصبحت إيران أحد أكبر موردي النفط للصين. ويجسد هذا الجانب هدف طهران الذي عبر عنه وزير النفط الإيراني السابق بيجن زنغنة، حين قال في عام 2004 (إن اليابان تمثل المستورد الأول للنفط بالنسبة لنا، وذلك نظراً إلى أسباب تاريخية .. غير أننا نرغب في إعطاء الأفضلية للصادرات إلى الصين).
إن انجذاب إيران نحو الصين ليس أمراً مدهشاً؛ وطبقاً لمجلة النفط والغاز تبلغ الاحتياطيات النفطية التي تملكها إيران 125.8 مليار برميل، أي ما يعادل نحو 10 في المائة من إجمالي احتياطيات العالم من النفط. وتملك إيران أيضاً نحو 940 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، أو نحو 16 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وتعادل هذه الكمية من الغاز نحو 155 مليار برميل من النفط. علاوة على ذلك، فإن غياب المنافسة الأمريكية والأوروبية، بسبب العقوبات الأمريكية التي تمنع الشركات الأمريكية من الاستثمار في إيران، أعطى الشركات الصينية والروسية أفضلية واضحة على غيرها من نظيراتها الأخرى.
ومنذ تسعينات القرن العشرين، ظلت الشركات الصينية تشارك في تطوير حقول النفط في بحر قزوين وتمديد خط الأنابيب من ميناء (نكا) على ضفاف بحر قزوين الجنوبية، التي تُعَد جزءاً من سواحل إيران الشمالية، بالإضافة إلى بناء مصافي تكرير النفط في طهران وتبرير في شمال غرب إيران. كما أعطت طهران أولوية للشركات الصينية لكي تساعد على تطوير تقنيات المياه العميقة اللازمة لعمليات الحفر المستقبلية في بحر قزوين.
ومؤخراً، أعلنت الصين وإيران سلسلة من الصفقات الكبيرة التي قد تتجاوز قيمتها المتوقعة نحو 200 مليار دولار. وكانت إيران قد طلبت من مجموعة شركات (سينوبك) (التي تتكون منها شركة البترول والكيميائيات الصينية) إعداد خطة أساسية لتطوير موارد الطاقة في إيران. وتتضمن هذه الخطة الاستكشاف والتنقيب وتطوير الصناعات البتروكيميائية والغاز الطبيعي.
وفي أكتوبر 2004، وقعت مجموعة سينوبك الصينية وإيران عقداً بقيمة تُقدَّر بنحو 100 مليار دولار للحصول على 250 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال و150 ألف برميل يومياً من النفط الخام على مدى 25 سنة، وهي إحدى أكبر صفقات الطاقة حتى الآن. وتمنح هذه الاتفاقية لمجموعة سينوبك حصة بنسبة 51 في المائة في حقل يادافاران النفطي القريب من الحدود مع العراق.
وفي عام 2004 أيضاً، وافقت شركة النفط الوطنية الصينية المملوكة للدولة على صفقة شراء أكثر من 110 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال من إيران على مدى 25 سنة، وتبلغ قيمتها 20 مليار دولار. وتحصل هذه الشركة الصينية حالياً على 303 آلاف برميل من النفط الخام يومياً من إيران، وذلك بموجب اتفاق لمدة عشر سنوات.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الدولتان مشروعاً مشتركاً لبناء ناقلات لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى الصين، وذلك مقابل مبلغ لم يُفصح عنه. ومؤخراً، وتحديداً في يوليو 2006، وقعت بكين وطهران على عقد بقيمة 2.8 مليار دولار لتوسيع مصفاة التكرير في أراك.
وفي ديسمبر 2006، وقعت شركة النفط الوطنية الصينية للاستثمار في الخارج اتفاقاً بقيمة ستة مليارات دولار لتطوير حقل غاز شمال فارس الضخم في إيران وإنشاء مصانع لتسييل الغاز الطبيعي. ويستغرق بناء هذا المشروع وإكماله نحو ثماني سنوات، على أن تحصل الشركة الصينية على 50 في المائة من الغاز الذي سيتم إنتاجه. وبما أن الاحتياطيات النفطية في هذا الحقل تُقدَّر بنحو 17 مليار برميل، فإن نصيب الصين من التشغيل قد يكون أكثر من 100 مليار دولار.
وجاءت أحدث صفقة بين الدولتين في نهاية مارس من العام الحالي، إذ وافقت أكبر شركة للطاقة في الصين، وهي مؤسسة البترول الوطنية الصينية على مضاعفة استثماراتها في أحد أهم حقول الطاقة في إيران. وبموجب هذه الاتفاقية الجديدة، سوف تنفق هذه المؤسسة 150 مليون دولار لتحديث وتطوير حقل مسجد سليمان النفطي في إيران. وبمجرد الانتهاء من هذا المشروع فمن المتوقع أن تحصل الصين منه على 25 ألف برميل يومياً.
تملك إيران والصين خططاً لإنشاء خط أنابيب طوله 386 كيلومتراً لنقل النفط الإيراني إلى بحر قزوين، وهو خط يحقق الربط مع خط أنابيب آخر مشترك بين الصين وكازاخستان لا يزال قيد الإنشاء حالياً. وفي الوقت نفسه، تقوم الصين ببناء موانئ في كل من جواندونغ وشنغهاي وفوجيان لاستقبال واردات النفط، وهو جزء من المشروع الذي أطلق عليه البعض اسم (سلسلة اللؤلؤ) المؤثرة.
وتحظى هذه الاستثمارات بترحيب كبير في إيران. فقد قال علي أكبر صالحي مندوب إيران السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن الدولتين (الصين وإيران) (يكمل بعضهما بعضاً، فالصينيون لديهم قدرات الصناعة، ونحن نملك موارد الطاقة). إن طهران التي لا تزال تسدد فواتير إعادة الإعمار بعد حربها الدموية على العراق، وهي تواجه عزلة متنامية، تحتاج إلى تحديث منشآتها النفطية العتيقة بصورة عاجلة لكي تحافظ على قدرتها وطاقتها التصديرية. وبالقدر نفسه، تسعى إيران لتعزيز إنتاجها النفطي ليصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2009، وهو رقم كبير يتطلب الحصول على مساعدة من الخارج.
العلاقات التجارية
في الوقت نفسه، فقد ازداد حجم التبادل التجاري بين إيران والصين بسرعة، وذلك على الرغم من أنه لا يزال محدوداً نسبياً، حيث ارتفع من 1.2 مليار دولار في عام 1998 إلى نحو 10 مليارات دولار خلال عام 2005، ثم قفز إلى 14 مليار دولار خلال عام 2006.
وكانت حصة الصين في السوق الإيرانية قد قفزت من النسبة الضئيلة التي تبلغ واحداً في المائة خلال عام 1997 إلى 8 في المائة خلال عام 2003، وذلك بعد إضافة تصدير الأدوات المنـزلية والسلع الرأسمالية. ويبدو الأمر الأهم أن هناك المئات من الشركات الصينية العاملة في إيران. فقد حصلت شركة الصناعات الشمالية الصينية على عقد لتشييد أول خطين لقطارات الأنفاق (المترو) في طهران، وذلك ضمن صفقة قيمتها 836 مليون دولار. وتخطط بكين لاستثمار أكثر من 200 مليون دولار للمساعدة على تمويل طريق مرور سريع جديد يربط طهران ببحر قزوين، بالإضافة إلى بناء سد يقع إلى الشمال من طهران.
علاوة على ذلك، قامت شركة (شيري) الصينية للسيارات بفتح أول مصنع خارجي لها في إيران، وهي تصنع الآن أكثر من 20 ألف سيارة سنوياً، كما دخلت الشركة في اتفاق مع شركة (إيران خودرو) بقيمة 370 مليون دولار.
تحقيق العمق الاستراتيجي
يُعَد التزام طهران الصمت إزاء تصاعد دور الصين في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إلى جانب تعاونها الاقتصادي مع إيران، أمراً له انعكاسات جيوسياسية واسعة. فمن وجهة نظر بكين، تمثل إيران موطئ قدم بحرياً محتملاً للبحرية الصينية في المحيط الهندي والخليج. وكانت الخطوات التمهيدية الأولى في هذا الخصوص قد تمت بعد أن قامت الصين بتطوير ميناء غوادار في باكستان. ويقع هذا الميناء على الساحل الجنوبي الغربي لباكستان بالقرب من مضيق هرمز المهم، وفي المنطقة الواقعة بين دول الخليج الغنية بالنفط ومنطقة جنوب آسيا ذات الكثافة السكانية ومنطقة آسيا الوسطى الغنية بالموارد والمزدهرة اقتصادياً. وأنفقت الصين 198 مليون دولار خلال المرحلة الأولى في مشروع يُصنَّف ضمن أكبر موانئ المياه العميقة حجماً على مستوى العالم. كما استثمرت الصين 200 مليون دولار أخرى في بناء طريق مرور سريع بمحاذاة الساحل يربط ميناء غوادار بمدينة كراتشي. وستقوم الصين بتمويل المرحلة الثانية من المشروع التي تتضمن بناء تسعة مراسٍ إضافية للسفن ومحطات للسفر بتكلفة تقدر بنحو 528 مليون دولار، كما سيُزوَّد الموقع نفسه بقدرات للمراقبة.
ويتزامن هذا الجهد مع الخطوات التي اتخذتها الصين لتحديث قواتها البحرية، فقد باشرت الصين بتطوير قواتها المسلحة وإنشاء قواعد على امتداد المسارات البحرية من منطقة الشرق الأوسط، وذلك لإظهار قوتها في الخارج وحماية شحنات النفط المتجهة إليها. وحتى الآن، لم تعبر بكين عن أي رغبة في أن تكون شرطي منطقة الخليج. غير أن للصين دوافع واضحة في تعزيز وجودها في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي. وتماشياً مع مكانة الصين كقوة صاعدة، فإنها قد تسعى يوماً ما لتأكيد حضورها ووجودها البحري في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما إذا أخذنا في الحسبان الرحلة الطويلة التي تستغرقها صادرات النفط في الانتقال من منطقة الخليج إلى الصين.
وترتبط بهذا الجانب رغبة الصين في تعزيز علاقاتها التجارية مع إيران لكي ترسخ وجودها في آسيا الوسطى. وسوف يساعد هذا الجانب على تسهيل حصول الصين على موارد الطاقة من بحر قزوين وتقليص اعتمادها على واردات النفط المنقولة عبر البحر من منطقة الخليج، وبذلك تضمن بصورة أفضل التدفق المتواصل لإمدادات النفط. ويتناغم هذا مع سلسلة من الاتفاقيات التي تم التوصل إليها فعلاً، ومن ضمنها اتفاقية خط أنابيب الصين ـ كازاخستان الذي تقدر قيمته بنحو 3.5 مليار دولار، وجهود الصين الواسعة لتقليص اعتمادها على نفط منطقة الشرق الأوسط.
وبالقدر نفسه، فإن توسع علاقات الصين مع إيران (ومع المملكة العربية السعودية) يوفر لبكين نوعاً من الضمان في حالة تدهور علاقاتها مع الهند و/ أو اليابان. وبالنسبة إلى إيران التي تواجه عزلة متزايدة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الصين (وروسيا) تزوّدان طهران بمنفذ يتيح لها استمرار التواصل مع العالم. علاوة على ذلك، فإن إيران التي تتمتع حالياً بوضعية المراقب فقط في منظمة شنغهاي للتعاون تسعى لنيل عضوية هذه المنظمة. وترى واشنطن أن هذه المنظمة هي إلى حد كبير مجرد تجمع صيني ـ روسي لاحتواء الوجود الأمريكي المتزايد في آسيا الوسطى. كما أن الوضع الإقليمي يمثل مصدر قلق لإيران التي تجمعها حدود مشتركة مع باكستان وأفغانستان المدعومتين من قبل الولايات المتحدة، ولذلك تفضل طهران مساهمة صينية وروسية أكبر في شؤون المنطقة بدلاً من الولايات المتحدة.
شركاء الصين الآخرون في المنطقة
على الرغم من التقاء هذه المصالح المشتركة، فإن العلاقات الصينية ـ الإيرانية لا يمكن تعريفها على أساس أنها تُعَد حلفاً بين الدولتين. وبينما أعلن الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زيمين (شراكة نفطية استراتيجية) مع المملكة العربية السعودية في عام 1999، فإنه لم يصدر أي تصريح صيني بكلمات كهذه بشأن العلاقة مع إيران. وعلى الرغم من أن الرئيس الصيني هو جنتاو يُعَد من أكثر زعماء العالم تنقلاً في زياراته الخارجية التي شملت خمسين دولة حتى الآن، ومن ضمنها جولات على دول أمريكا اللاتينية وزيارات رسمية لدول إفريقية كثيرة، فإن إيران لم تدخل حتى الآن ضمن خط سير الرئيس الصيني في هذه الزيارات الخارجية.
كما أن إيران لم تكن من ضمن الدول المدرجة في قائمة صينية صدرت مؤخراً بالدول المنتجة للنفط التي حددتها الصين بوصفها دولاً ملائمة للاستثمار فيها عن طريق شركات النفط الوطنية الصينية. وتستطيع الشركات الصينية الحصول على إعفاءات ضريبية نظير الاستثمار في قطاع النفط وصناعات الغاز في كل من بوليفيا والإكوادور والكويت وليبيا والمغرب والنيجر والنرويج وسلطنة عُمان وقطر، وذلك طبقاً لما أوردته هيئة التخطيط الصينية التي تُسَمى لجنة التنمية والإصلاح الوطنية.
وعلى أي حال، فإن إيران تمثل مجرد طرف واحد، وإن كان مهماً، ضمن شبكة علاقات بكين، وهو الأمر الذي يعكس مدى ثقة الصين في التعبير عن مواقفها. وفي الواقع، فقد وقعت الصين مؤخراً على اتفاقيات طاقة مع أنغولا وأستراليا ونيجيريا والسودان وفنـزويلا، وهو ما يوضح بحث الصين عن النفط في مناطق أخرى غير منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها إفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. كما سعت الصين للتعاون مع روسيا؛ وتظهر الأرقام أن واردات النفط للصين من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثلت نحو 10 في المائة من إجمالي واردات البلاد خلال عام 2004، وهي نسبة أكبر كثيراً من نظيرتها البالغة 3.1 في المائة خلال عام 2000. ومثلت الواردات من روسيا وحدها نحو 8.8 في المائة من إجمالي الواردات خلال عام 2004، وهي زيادة على نسبة 2.1 في المائة التي كانت خلال عام 2000.
إن الحصول على النفط من إفريقيا يُعَد هدفاً مهماً للصين التي تحاول تقليل اعتمادها على النفط القادم من منطقة الشرق الأوسط. وتحتفظ الصين بعلاقات ودية مع الدول الإفريقية التي تفضل بدورها الاستثمارات الصينية في القارة. وفي التاسع من يناير من هذا العام، أعلنت شركة النفط الوطنية الصينية للاستثمار في الخارج أنها سوف تشتري حصة تعادل 45 في المائة في حقل نفط بحري في نيجيريا مقابل مبلغ قدره 2.27 مليار دولار. وللصين وجود فعلي كبير في كثير من الدول الإفريقية، ويُعَد السودان الذي تذهب 64 في المائة من صادراته النفطية إلى الصين من أبرز هذه الدول. وعلى المنوال نفسه، أتت أنغولا قبل المملكة العربية السعودية من حيث الترتيب خلال شهر فبراير 2006 بوصفها مصدراً أساسياً لواردات النفط الخام للصين، حيث بلغت شحنات النفط الخام منها إلى الصين نحو 2.12 مليون طن، وذلك مقارنة بـ 1.98 مليون طن من النفط الخام من المملكة العربية السعودية.
وتحتفظ الصين أيضاً بعلاقات اقتصادية نشطة مع جيران طهران من دول الخليج العربية، التي تُعَد الخصم التقليدي لإيران، فقد قفز حجم التجارة البينية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 35 مليار دولار خلال عام 2005، وهناك خطط لتعزيز التبادل التجاري بين الطرفين ليصل إلى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات. وفي عام 2004، باشرت الصين ودول مجلس التعاون الخليجي مفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة الحرة. ويُعَد (متجر التنين) والمجمع السكني التابع له في إمارة دبي أكبر حاضنة تجارية لبيع البضائع الصينية بالجملة خارج الصين. وبلغت الاستثمارات الخليجية في الصين نحو عشرين مليار دولار في العام الماضي، كما تم تعزيز العلاقات الثقافية من خلال إنشاء المنتدى الصيني ـ العربي، الذي يتضمن حواراً بين الصين وجامعة الدول العربية.
كما أقامت الصين علاقات اقتصادية وعسكرية مع إسرائيل التي تُعَد العدو اللدود لإيران، وهو الأمر الذي ينفي صحة الآراء التي تحدثت عن استبعاد إمكان أي تحالف صيني ـ إيراني استراتيجي بسبب علاقة الصين بإسرائيل. فقد وصل حجم التجارة البينية بين الصين وإسرائيل إلى ثلاثة مليارات دولار خلال عام 2005، وخلال زيارة مدتها ثلاثة أيام إلى الصين في يناير من هذا العام، عـبّـر رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت عن دهشته من المفاجأة، وأعلن ارتياحهم تشجيعاً خلال المحادثات مع الرئيس هو جنتاو ورئيس الوزراء وين جياباو بعد أن أعلن الاثنان معارضتهما التامة لامتلاك إيران لأي أسلحة نووية. علاوة على ذلك، فإن حجم تبادلات العلاقة العسكرية الإسرائيلية ـ الصينية يساوي مليارات الدولارات، حيث أصبحت إسرائيل ثاني أكبر مزود مصدر للسلاح إلى الصين قبل وقت ليس ببعيد.
الصين والمأزق النووي
أدت أزمة الملف النووي الإيراني الجارية حالياً إلى وضع الصين في موقف حرج. فقد قامت الصين التي كانت الشريك النووي الرئيسي لإيران خلال الفترة بين عامي 1985 و1997 بإيقاف هذا التعاون مع طهران بعد ضغوط أمريكية بهذا الشأن. وعلى الرغم من ذلك، فإنه تم وضع عدد من الشركات الصينية في القائمة السوداء من قبل واشنطن، وذلك لقيامها بنقل تقنيات لتصنيع الصواريخ البالستية إلى إيران. وفي يناير 2005، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ثماني شركات صينية تشمل شركتين مرتبطتين بجيش التحرير الشعبي الصيني، وبعض المؤسسات الصناعية ذات الصلة بسور الصين العظيم، ومؤسسة الصناعات الشمالية الصينية (نورينكو).
وبينما ظلت الصين تردد مراراً أن إيران بوصفها دولة موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لديها الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فقد أكدت بكين أيضاً أن (على إيران أن تفي بالتزاماتها وتعهداتها (الخاصة بعدم تطوير أسلحة نووية)، وأن إيران سوف تظل تواجه الضغوط لكي تثبت جدارتها بأنها (طرف على قدر هذه المسؤولية).
وظلت الصين طوال هذه الأزمة تسعى لتخفيف الإجراءات الصارمة التي فرضتها الأسرة الدولية على إيران. ففي يناير 2006، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية (نرى أن قضية البرنامج النووي الإيراني ينبغي حلها ضمن إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية). ومع ذلك، فقد سمحت بكين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن توجه توبيخاً لإيران وتحيل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي بعد ستة أشهر، وذلك على الرغم من معارضتها المتكررة لهذه الخطوة في معظم الأحيان. وقال وانغ جوانغيا سفير الصين لدى الأمم المتحدة في رد فعله على الضغوط الغربية الداعية لفرض العقوبات على إيران، (أعتقد أنه وكمسألة مبدأ، فإن الصين لا تؤيد مطلقاً فرض العقوبات كأسلوب لممارسة الضغوط، وذلك لأن الشعوب دائماً هي التي ستتضرر منها). ومع ذلك، فإنه في ديسمبر من العام الماضي، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع، وبموافقة الصين، على فرض عقوبات محدودة على إيران. ويأمر القرار الذي تم إصداره كل الدول بحظر توريد مواد وتقنيات محددة قد تساهم في برامج إيران النووية والصاروخية، بالإضافة إلى تجميد أصول شركات كبرى وأفراد لهم صلة ببرامج إيران النووية. وأقرت الصين بأنها قد تمكنت من تخفيف صرامة العقوبات المقترحة في مسودة مشروع القرار المبدئية، غير أن هذا الموقف لا يشير إلى تحفظ الصين وتصرفها كطرف يعمل على إفساد الإجراءات التي تتخذها الأمم المتحدة.
علاوة على ذلك، فإن روسيا تُعَد حليفاً للصين، فقد أكد مساعد وزير الخارجية الصيني لي هوي قائلاً (إن مواقف الصين وروسيا في ما يتعلق بقضية البرنامج النووي الإيراني واضحة للجميع، ولديهما اهتمامات مشتركة ومواقف مكملة بعضها لبعض في هذا الشأن)، ولكن لم يتضح بعد كيف ستتصرف الصين من دون دعم موسكو في هذا الخصوص.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2584::/cck::
::introtext::
تظل الصين وإيران شريكين مهمين على الصعيد الجيوسياسي، فالنمو الذي طرأ مؤخراً في قوة هاتين الدولتين وزيادة نفوذهما يمثلان تحدياً للتوسع الإقليمي والعالمي لدور الولايات المتحدة. وتبدو العلاقات بين هاتين الدولتين متطورة ومعقدة في تكوينها، فهي تستند إلى روابط تاريخية عريقة وضرورات اقتصادية ورغبة سياسية في إنشاء نظام سياسي متعدد القطبية. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة لا تُعَد حلفاً، بل هي تجسيد لمجموعة من المصالح المشتركة بين الطرفين.
::/introtext::
::fulltext::
تظل الصين وإيران شريكين مهمين على الصعيد الجيوسياسي، فالنمو الذي طرأ مؤخراً في قوة هاتين الدولتين وزيادة نفوذهما يمثلان تحدياً للتوسع الإقليمي والعالمي لدور الولايات المتحدة. وتبدو العلاقات بين هاتين الدولتين متطورة ومعقدة في تكوينها، فهي تستند إلى روابط تاريخية عريقة وضرورات اقتصادية ورغبة سياسية في إنشاء نظام سياسي متعدد القطبية. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة لا تُعَد حلفاً، بل هي تجسيد لمجموعة من المصالح المشتركة بين الطرفين.
إن الصين التي خرجت لتوها من عقود طويلة من العزلة الدولية والحريصة على تغيير تبعات (عقد من المذلة)، تسعى لدور إقليمي وعالمي يعكس ثقلها ويعبر عن تطلعاتها. فقد ظلت بكين ولفترة طويلة تمثل ما سماه المؤرخ جون غيتنغز (قوة وضع راهن تمارس دوراً يقل في معظم الحالات عن ثقلها الحقيقي في السياسة الدولية). وتشترك الصين وإيران في أنهما خاضتا تجارب تاريخية متشابهة تنطلق من انهيار حكم سلالات ملكية عريقة، وهي التجارب التي مثلت المخاوف والتوقعات المعاصرة للدولتين، وخاصة تخوفهما من القوى الأجنبية الساعية لحرمانهما من تبوؤ مكانتهما المستحقة في العالم. ويعتقد مختلف القادة الصينيين والإيرانيين أن النظام العالمي الحالي الذي تهيمن عليه القوى الغربية غير منصف بقدر كبير، وهو الذي يوجه انشغالهما واهتمامهما الكبير بالحفاظ على استقلالهما والتمسك بسيادتهما.
علاوة على ذلك، تسعى الصين لاكتساب موطئ قدم في منطقة بدأت تعبر عن امتعاضها المتزايد من الوجود الأمريكي فيها. وبذلك تأمل الصين في أن تتحدى على نحو حصيف وهادئ النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط (وفي إفريقيا وأمريكا اللاتينية) عن طريق الجهود الدبلوماسية وتعزيز الروابط والعلاقات بين الشعوب وتوسيع شبكات الأعمال والاستثمارات، وبذلك تستكمل وتعبر عن الطموحات العالمية للصين. وبالقدر نفسه، تتمتع الصين بميزة أنها لا تحمل أي عبء استعماري بغيض. ومن خلال انتهاج بكين لأسلوب استخدام النفوذ غير المباشر وعدم التدخل الفاضح في شؤون الدول الأخرى والرغبة في التعامل مع الدول التي تسعى الدول الغربية لعزلها (مثل كوريا الشمالية وزيمبابوي)، أصبحت الصين شريكاً جاذباً لإيران التي ترى أنها تواجه افتراءات متزايدة من الأسرة الدولية.
مع ذلك، فإن الأولويات الأساسية لبكين هي تلبية حاجات اقتصاد الصين الذي يشهد نمواً متسارعاً، ويحتاج إلى موارد الطاقة بصفة متواصلة، بالإضافة إلى المحافظة على علاقات جيدة مع أكبر شريك تجاري للصين (وأكبر ضامن اقتصادي لها)، وهو الولايات المتحدة. كما تواجه الصين ضغوطاً من قبل الولايات المتحدة للتصرف بوصفها (طرفاً مسؤولاً في الشؤون الدولية). إن تصويت الصين ضد إيران (وكوريا الشمالية) في مجلس الأمن، والتزامها الصمت في الشأن المتعلق بحرب العراق، كلها شواهد على تحفظات بكين وسعيها لحماية نفسها في مواجهة رأي دولي موحد بشأن هذه القضايا. وبالقدر نفسه، تدرك بكين أن استقرارها الداخلي يعتمد على استمرار نموها وتطورها الاقتصادي، وهي جوانب ترتبط مباشرة بزيادة متطلباتها من موارد الطاقة.
بروز دور الصين
تحقق بروز مكانة الصين من خلال ارتفاع معدل نموها الاقتصادي إلى 10 في المائة في السنة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ففي عام 2006، استهلكت الصين سبعة ملايين برميل من النفط يومياً، وهي كمية تعادل نحو ثلث مستوى الاستهلاك الأمريكي الذي يبلغ 20.8 مليون برميل يومياً. ومن المتوقع أن يزداد حجم الاستهلاك الصيني بمعدل مليون برميل يومياً كل عام. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2030 سوف تكون واردات الصين من النفط مساوية لنظيرتها الأمريكية. وقبل ذلك التاريخ بوقت طويل، أي بحلول عام 2015، سوف تتم تلبية 65 في المائة من حاجات الصين من الطاقة عن طريق مصادر خارجية. وبحلول عام 2030، ستصل هذه النسبة إلى 80 في المائة، وهو الأمر الذي يقتضي من الصين أن تضمن توفير مصادر متنوعة لإمدادات آمنة ومستقرة من النفط. وفي الوقت الراهن، تحصل الصين على 61 في المائة من وارداتها النفطية من دول الشرق الأوسط.
وأظهرت اللجنة الصينية للتنمية والإصلاحات الوطنية تنامي استهلاك الصين للنفط، وقالت إن تقديراتها تشير إلى أنه بحلول عام 2010 سوف يمثل النفط ما بين 51.4 في المائة و52.6 في المائة من حاجات الصين من الطاقة، أي بزيادة تبلغ 29.1 في المائة مقارنة بحجم الحاجات خلال عام 2000. ويزداد استهلاك الصين من الغاز بسرعة أكبر، حيث من المتوقع أن يرتفع حجم الواردات من لا شيء خلال عام 2000 إلى 20 ـ 25 مليون متر مكعب بحلول عام 2010.
وفي الواقع، فإن هذا التصاعد في حجم الطلب يسبب مشكلات داخلية في الصين. فالأحداث والتطورات في إقليمي جواندونغ ويونان تمثل بوادر تحذير للقيادة الصينية، فقد أدى تزايد الطلب على الطاقة إلى نقص في إمدادات النفط وارتفاع معدلات التضخم، وتم إغلاق أكثر من 128 محطة وقود في مدينة شينـزن وحدها خلال شهر أغسطس الماضي. بالإضافة إلى ذلك، سوف يرتفع عدد السيارات المملوكة لأفراد ليصل إلى 130 مليون سيارة بحلول عام 2020، وهو ما يفرض عبئاً إضافياً في هذا الخصوص.
علاقات الطاقة
نتيجة لهذا الارتفاع الكبير في الطلب على الطاقة، ظلت الصين تعمل على توسيع شراكات الطاقة مع الدول الأخرى. وتمثل إيران الآن مرتكزاً مهماً في أمن الطاقة للصين. وكانت إيران تحتل المركز الثالث من حيث أكبر مصدّر للنفط إلى الصين خلال عام 2005، إذ كانت تمدها بنحو 14 في المائة من واردات النفط. وبعد التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات مؤخراً، التي سيرد ذكرها لاحقاً، أصبحت إيران أحد أكبر موردي النفط للصين. ويجسد هذا الجانب هدف طهران الذي عبر عنه وزير النفط الإيراني السابق بيجن زنغنة، حين قال في عام 2004 (إن اليابان تمثل المستورد الأول للنفط بالنسبة لنا، وذلك نظراً إلى أسباب تاريخية .. غير أننا نرغب في إعطاء الأفضلية للصادرات إلى الصين).
إن انجذاب إيران نحو الصين ليس أمراً مدهشاً؛ وطبقاً لمجلة النفط والغاز تبلغ الاحتياطيات النفطية التي تملكها إيران 125.8 مليار برميل، أي ما يعادل نحو 10 في المائة من إجمالي احتياطيات العالم من النفط. وتملك إيران أيضاً نحو 940 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، أو نحو 16 في المائة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، وتعادل هذه الكمية من الغاز نحو 155 مليار برميل من النفط. علاوة على ذلك، فإن غياب المنافسة الأمريكية والأوروبية، بسبب العقوبات الأمريكية التي تمنع الشركات الأمريكية من الاستثمار في إيران، أعطى الشركات الصينية والروسية أفضلية واضحة على غيرها من نظيراتها الأخرى.
ومنذ تسعينات القرن العشرين، ظلت الشركات الصينية تشارك في تطوير حقول النفط في بحر قزوين وتمديد خط الأنابيب من ميناء (نكا) على ضفاف بحر قزوين الجنوبية، التي تُعَد جزءاً من سواحل إيران الشمالية، بالإضافة إلى بناء مصافي تكرير النفط في طهران وتبرير في شمال غرب إيران. كما أعطت طهران أولوية للشركات الصينية لكي تساعد على تطوير تقنيات المياه العميقة اللازمة لعمليات الحفر المستقبلية في بحر قزوين.
ومؤخراً، أعلنت الصين وإيران سلسلة من الصفقات الكبيرة التي قد تتجاوز قيمتها المتوقعة نحو 200 مليار دولار. وكانت إيران قد طلبت من مجموعة شركات (سينوبك) (التي تتكون منها شركة البترول والكيميائيات الصينية) إعداد خطة أساسية لتطوير موارد الطاقة في إيران. وتتضمن هذه الخطة الاستكشاف والتنقيب وتطوير الصناعات البتروكيميائية والغاز الطبيعي.
وفي أكتوبر 2004، وقعت مجموعة سينوبك الصينية وإيران عقداً بقيمة تُقدَّر بنحو 100 مليار دولار للحصول على 250 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال و150 ألف برميل يومياً من النفط الخام على مدى 25 سنة، وهي إحدى أكبر صفقات الطاقة حتى الآن. وتمنح هذه الاتفاقية لمجموعة سينوبك حصة بنسبة 51 في المائة في حقل يادافاران النفطي القريب من الحدود مع العراق.
وفي عام 2004 أيضاً، وافقت شركة النفط الوطنية الصينية المملوكة للدولة على صفقة شراء أكثر من 110 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال من إيران على مدى 25 سنة، وتبلغ قيمتها 20 مليار دولار. وتحصل هذه الشركة الصينية حالياً على 303 آلاف برميل من النفط الخام يومياً من إيران، وذلك بموجب اتفاق لمدة عشر سنوات.
وفي الوقت نفسه، أعلنت الدولتان مشروعاً مشتركاً لبناء ناقلات لنقل الغاز الطبيعي المسال إلى الصين، وذلك مقابل مبلغ لم يُفصح عنه. ومؤخراً، وتحديداً في يوليو 2006، وقعت بكين وطهران على عقد بقيمة 2.8 مليار دولار لتوسيع مصفاة التكرير في أراك.
وفي ديسمبر 2006، وقعت شركة النفط الوطنية الصينية للاستثمار في الخارج اتفاقاً بقيمة ستة مليارات دولار لتطوير حقل غاز شمال فارس الضخم في إيران وإنشاء مصانع لتسييل الغاز الطبيعي. ويستغرق بناء هذا المشروع وإكماله نحو ثماني سنوات، على أن تحصل الشركة الصينية على 50 في المائة من الغاز الذي سيتم إنتاجه. وبما أن الاحتياطيات النفطية في هذا الحقل تُقدَّر بنحو 17 مليار برميل، فإن نصيب الصين من التشغيل قد يكون أكثر من 100 مليار دولار.
وجاءت أحدث صفقة بين الدولتين في نهاية مارس من العام الحالي، إذ وافقت أكبر شركة للطاقة في الصين، وهي مؤسسة البترول الوطنية الصينية على مضاعفة استثماراتها في أحد أهم حقول الطاقة في إيران. وبموجب هذه الاتفاقية الجديدة، سوف تنفق هذه المؤسسة 150 مليون دولار لتحديث وتطوير حقل مسجد سليمان النفطي في إيران. وبمجرد الانتهاء من هذا المشروع فمن المتوقع أن تحصل الصين منه على 25 ألف برميل يومياً.
تملك إيران والصين خططاً لإنشاء خط أنابيب طوله 386 كيلومتراً لنقل النفط الإيراني إلى بحر قزوين، وهو خط يحقق الربط مع خط أنابيب آخر مشترك بين الصين وكازاخستان لا يزال قيد الإنشاء حالياً. وفي الوقت نفسه، تقوم الصين ببناء موانئ في كل من جواندونغ وشنغهاي وفوجيان لاستقبال واردات النفط، وهو جزء من المشروع الذي أطلق عليه البعض اسم (سلسلة اللؤلؤ) المؤثرة.
وتحظى هذه الاستثمارات بترحيب كبير في إيران. فقد قال علي أكبر صالحي مندوب إيران السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن الدولتين (الصين وإيران) (يكمل بعضهما بعضاً، فالصينيون لديهم قدرات الصناعة، ونحن نملك موارد الطاقة). إن طهران التي لا تزال تسدد فواتير إعادة الإعمار بعد حربها الدموية على العراق، وهي تواجه عزلة متنامية، تحتاج إلى تحديث منشآتها النفطية العتيقة بصورة عاجلة لكي تحافظ على قدرتها وطاقتها التصديرية. وبالقدر نفسه، تسعى إيران لتعزيز إنتاجها النفطي ليصل إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2009، وهو رقم كبير يتطلب الحصول على مساعدة من الخارج.
العلاقات التجارية
في الوقت نفسه، فقد ازداد حجم التبادل التجاري بين إيران والصين بسرعة، وذلك على الرغم من أنه لا يزال محدوداً نسبياً، حيث ارتفع من 1.2 مليار دولار في عام 1998 إلى نحو 10 مليارات دولار خلال عام 2005، ثم قفز إلى 14 مليار دولار خلال عام 2006.
وكانت حصة الصين في السوق الإيرانية قد قفزت من النسبة الضئيلة التي تبلغ واحداً في المائة خلال عام 1997 إلى 8 في المائة خلال عام 2003، وذلك بعد إضافة تصدير الأدوات المنـزلية والسلع الرأسمالية. ويبدو الأمر الأهم أن هناك المئات من الشركات الصينية العاملة في إيران. فقد حصلت شركة الصناعات الشمالية الصينية على عقد لتشييد أول خطين لقطارات الأنفاق (المترو) في طهران، وذلك ضمن صفقة قيمتها 836 مليون دولار. وتخطط بكين لاستثمار أكثر من 200 مليون دولار للمساعدة على تمويل طريق مرور سريع جديد يربط طهران ببحر قزوين، بالإضافة إلى بناء سد يقع إلى الشمال من طهران.
علاوة على ذلك، قامت شركة (شيري) الصينية للسيارات بفتح أول مصنع خارجي لها في إيران، وهي تصنع الآن أكثر من 20 ألف سيارة سنوياً، كما دخلت الشركة في اتفاق مع شركة (إيران خودرو) بقيمة 370 مليون دولار.
تحقيق العمق الاستراتيجي
يُعَد التزام طهران الصمت إزاء تصاعد دور الصين في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، إلى جانب تعاونها الاقتصادي مع إيران، أمراً له انعكاسات جيوسياسية واسعة. فمن وجهة نظر بكين، تمثل إيران موطئ قدم بحرياً محتملاً للبحرية الصينية في المحيط الهندي والخليج. وكانت الخطوات التمهيدية الأولى في هذا الخصوص قد تمت بعد أن قامت الصين بتطوير ميناء غوادار في باكستان. ويقع هذا الميناء على الساحل الجنوبي الغربي لباكستان بالقرب من مضيق هرمز المهم، وفي المنطقة الواقعة بين دول الخليج الغنية بالنفط ومنطقة جنوب آسيا ذات الكثافة السكانية ومنطقة آسيا الوسطى الغنية بالموارد والمزدهرة اقتصادياً. وأنفقت الصين 198 مليون دولار خلال المرحلة الأولى في مشروع يُصنَّف ضمن أكبر موانئ المياه العميقة حجماً على مستوى العالم. كما استثمرت الصين 200 مليون دولار أخرى في بناء طريق مرور سريع بمحاذاة الساحل يربط ميناء غوادار بمدينة كراتشي. وستقوم الصين بتمويل المرحلة الثانية من المشروع التي تتضمن بناء تسعة مراسٍ إضافية للسفن ومحطات للسفر بتكلفة تقدر بنحو 528 مليون دولار، كما سيُزوَّد الموقع نفسه بقدرات للمراقبة.
ويتزامن هذا الجهد مع الخطوات التي اتخذتها الصين لتحديث قواتها البحرية، فقد باشرت الصين بتطوير قواتها المسلحة وإنشاء قواعد على امتداد المسارات البحرية من منطقة الشرق الأوسط، وذلك لإظهار قوتها في الخارج وحماية شحنات النفط المتجهة إليها. وحتى الآن، لم تعبر بكين عن أي رغبة في أن تكون شرطي منطقة الخليج. غير أن للصين دوافع واضحة في تعزيز وجودها في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي. وتماشياً مع مكانة الصين كقوة صاعدة، فإنها قد تسعى يوماً ما لتأكيد حضورها ووجودها البحري في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما إذا أخذنا في الحسبان الرحلة الطويلة التي تستغرقها صادرات النفط في الانتقال من منطقة الخليج إلى الصين.
وترتبط بهذا الجانب رغبة الصين في تعزيز علاقاتها التجارية مع إيران لكي ترسخ وجودها في آسيا الوسطى. وسوف يساعد هذا الجانب على تسهيل حصول الصين على موارد الطاقة من بحر قزوين وتقليص اعتمادها على واردات النفط المنقولة عبر البحر من منطقة الخليج، وبذلك تضمن بصورة أفضل التدفق المتواصل لإمدادات النفط. ويتناغم هذا مع سلسلة من الاتفاقيات التي تم التوصل إليها فعلاً، ومن ضمنها اتفاقية خط أنابيب الصين ـ كازاخستان الذي تقدر قيمته بنحو 3.5 مليار دولار، وجهود الصين الواسعة لتقليص اعتمادها على نفط منطقة الشرق الأوسط.
وبالقدر نفسه، فإن توسع علاقات الصين مع إيران (ومع المملكة العربية السعودية) يوفر لبكين نوعاً من الضمان في حالة تدهور علاقاتها مع الهند و/ أو اليابان. وبالنسبة إلى إيران التي تواجه عزلة متزايدة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، فإن الصين (وروسيا) تزوّدان طهران بمنفذ يتيح لها استمرار التواصل مع العالم. علاوة على ذلك، فإن إيران التي تتمتع حالياً بوضعية المراقب فقط في منظمة شنغهاي للتعاون تسعى لنيل عضوية هذه المنظمة. وترى واشنطن أن هذه المنظمة هي إلى حد كبير مجرد تجمع صيني ـ روسي لاحتواء الوجود الأمريكي المتزايد في آسيا الوسطى. كما أن الوضع الإقليمي يمثل مصدر قلق لإيران التي تجمعها حدود مشتركة مع باكستان وأفغانستان المدعومتين من قبل الولايات المتحدة، ولذلك تفضل طهران مساهمة صينية وروسية أكبر في شؤون المنطقة بدلاً من الولايات المتحدة.
شركاء الصين الآخرون في المنطقة
على الرغم من التقاء هذه المصالح المشتركة، فإن العلاقات الصينية ـ الإيرانية لا يمكن تعريفها على أساس أنها تُعَد حلفاً بين الدولتين. وبينما أعلن الرئيس الصيني الأسبق جيانغ زيمين (شراكة نفطية استراتيجية) مع المملكة العربية السعودية في عام 1999، فإنه لم يصدر أي تصريح صيني بكلمات كهذه بشأن العلاقة مع إيران. وعلى الرغم من أن الرئيس الصيني هو جنتاو يُعَد من أكثر زعماء العالم تنقلاً في زياراته الخارجية التي شملت خمسين دولة حتى الآن، ومن ضمنها جولات على دول أمريكا اللاتينية وزيارات رسمية لدول إفريقية كثيرة، فإن إيران لم تدخل حتى الآن ضمن خط سير الرئيس الصيني في هذه الزيارات الخارجية.
كما أن إيران لم تكن من ضمن الدول المدرجة في قائمة صينية صدرت مؤخراً بالدول المنتجة للنفط التي حددتها الصين بوصفها دولاً ملائمة للاستثمار فيها عن طريق شركات النفط الوطنية الصينية. وتستطيع الشركات الصينية الحصول على إعفاءات ضريبية نظير الاستثمار في قطاع النفط وصناعات الغاز في كل من بوليفيا والإكوادور والكويت وليبيا والمغرب والنيجر والنرويج وسلطنة عُمان وقطر، وذلك طبقاً لما أوردته هيئة التخطيط الصينية التي تُسَمى لجنة التنمية والإصلاح الوطنية.
وعلى أي حال، فإن إيران تمثل مجرد طرف واحد، وإن كان مهماً، ضمن شبكة علاقات بكين، وهو الأمر الذي يعكس مدى ثقة الصين في التعبير عن مواقفها. وفي الواقع، فقد وقعت الصين مؤخراً على اتفاقيات طاقة مع أنغولا وأستراليا ونيجيريا والسودان وفنـزويلا، وهو ما يوضح بحث الصين عن النفط في مناطق أخرى غير منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها إفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية. كما سعت الصين للتعاون مع روسيا؛ وتظهر الأرقام أن واردات النفط للصين من روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثلت نحو 10 في المائة من إجمالي واردات البلاد خلال عام 2004، وهي نسبة أكبر كثيراً من نظيرتها البالغة 3.1 في المائة خلال عام 2000. ومثلت الواردات من روسيا وحدها نحو 8.8 في المائة من إجمالي الواردات خلال عام 2004، وهي زيادة على نسبة 2.1 في المائة التي كانت خلال عام 2000.
إن الحصول على النفط من إفريقيا يُعَد هدفاً مهماً للصين التي تحاول تقليل اعتمادها على النفط القادم من منطقة الشرق الأوسط. وتحتفظ الصين بعلاقات ودية مع الدول الإفريقية التي تفضل بدورها الاستثمارات الصينية في القارة. وفي التاسع من يناير من هذا العام، أعلنت شركة النفط الوطنية الصينية للاستثمار في الخارج أنها سوف تشتري حصة تعادل 45 في المائة في حقل نفط بحري في نيجيريا مقابل مبلغ قدره 2.27 مليار دولار. وللصين وجود فعلي كبير في كثير من الدول الإفريقية، ويُعَد السودان الذي تذهب 64 في المائة من صادراته النفطية إلى الصين من أبرز هذه الدول. وعلى المنوال نفسه، أتت أنغولا قبل المملكة العربية السعودية من حيث الترتيب خلال شهر فبراير 2006 بوصفها مصدراً أساسياً لواردات النفط الخام للصين، حيث بلغت شحنات النفط الخام منها إلى الصين نحو 2.12 مليون طن، وذلك مقارنة بـ 1.98 مليون طن من النفط الخام من المملكة العربية السعودية.
وتحتفظ الصين أيضاً بعلاقات اقتصادية نشطة مع جيران طهران من دول الخليج العربية، التي تُعَد الخصم التقليدي لإيران، فقد قفز حجم التجارة البينية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 35 مليار دولار خلال عام 2005، وهناك خطط لتعزيز التبادل التجاري بين الطرفين ليصل إلى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات. وفي عام 2004، باشرت الصين ودول مجلس التعاون الخليجي مفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة الحرة. ويُعَد (متجر التنين) والمجمع السكني التابع له في إمارة دبي أكبر حاضنة تجارية لبيع البضائع الصينية بالجملة خارج الصين. وبلغت الاستثمارات الخليجية في الصين نحو عشرين مليار دولار في العام الماضي، كما تم تعزيز العلاقات الثقافية من خلال إنشاء المنتدى الصيني ـ العربي، الذي يتضمن حواراً بين الصين وجامعة الدول العربية.
كما أقامت الصين علاقات اقتصادية وعسكرية مع إسرائيل التي تُعَد العدو اللدود لإيران، وهو الأمر الذي ينفي صحة الآراء التي تحدثت عن استبعاد إمكان أي تحالف صيني ـ إيراني استراتيجي بسبب علاقة الصين بإسرائيل. فقد وصل حجم التجارة البينية بين الصين وإسرائيل إلى ثلاثة مليارات دولار خلال عام 2005، وخلال زيارة مدتها ثلاثة أيام إلى الصين في يناير من هذا العام، عـبّـر رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت عن دهشته من المفاجأة، وأعلن ارتياحهم تشجيعاً خلال المحادثات مع الرئيس هو جنتاو ورئيس الوزراء وين جياباو بعد أن أعلن الاثنان معارضتهما التامة لامتلاك إيران لأي أسلحة نووية. علاوة على ذلك، فإن حجم تبادلات العلاقة العسكرية الإسرائيلية ـ الصينية يساوي مليارات الدولارات، حيث أصبحت إسرائيل ثاني أكبر مزود مصدر للسلاح إلى الصين قبل وقت ليس ببعيد.
الصين والمأزق النووي
أدت أزمة الملف النووي الإيراني الجارية حالياً إلى وضع الصين في موقف حرج. فقد قامت الصين التي كانت الشريك النووي الرئيسي لإيران خلال الفترة بين عامي 1985 و1997 بإيقاف هذا التعاون مع طهران بعد ضغوط أمريكية بهذا الشأن. وعلى الرغم من ذلك، فإنه تم وضع عدد من الشركات الصينية في القائمة السوداء من قبل واشنطن، وذلك لقيامها بنقل تقنيات لتصنيع الصواريخ البالستية إلى إيران. وفي يناير 2005، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ثماني شركات صينية تشمل شركتين مرتبطتين بجيش التحرير الشعبي الصيني، وبعض المؤسسات الصناعية ذات الصلة بسور الصين العظيم، ومؤسسة الصناعات الشمالية الصينية (نورينكو).
وبينما ظلت الصين تردد مراراً أن إيران بوصفها دولة موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لديها الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فقد أكدت بكين أيضاً أن (على إيران أن تفي بالتزاماتها وتعهداتها (الخاصة بعدم تطوير أسلحة نووية)، وأن إيران سوف تظل تواجه الضغوط لكي تثبت جدارتها بأنها (طرف على قدر هذه المسؤولية).
وظلت الصين طوال هذه الأزمة تسعى لتخفيف الإجراءات الصارمة التي فرضتها الأسرة الدولية على إيران. ففي يناير 2006، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية (نرى أن قضية البرنامج النووي الإيراني ينبغي حلها ضمن إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية). ومع ذلك، فقد سمحت بكين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن توجه توبيخاً لإيران وتحيل ملفها إلى مجلس الأمن الدولي بعد ستة أشهر، وذلك على الرغم من معارضتها المتكررة لهذه الخطوة في معظم الأحيان. وقال وانغ جوانغيا سفير الصين لدى الأمم المتحدة في رد فعله على الضغوط الغربية الداعية لفرض العقوبات على إيران، (أعتقد أنه وكمسألة مبدأ، فإن الصين لا تؤيد مطلقاً فرض العقوبات كأسلوب لممارسة الضغوط، وذلك لأن الشعوب دائماً هي التي ستتضرر منها). ومع ذلك، فإنه في ديسمبر من العام الماضي، صوّت مجلس الأمن الدولي بالإجماع، وبموافقة الصين، على فرض عقوبات محدودة على إيران. ويأمر القرار الذي تم إصداره كل الدول بحظر توريد مواد وتقنيات محددة قد تساهم في برامج إيران النووية والصاروخية، بالإضافة إلى تجميد أصول شركات كبرى وأفراد لهم صلة ببرامج إيران النووية. وأقرت الصين بأنها قد تمكنت من تخفيف صرامة العقوبات المقترحة في مسودة مشروع القرار المبدئية، غير أن هذا الموقف لا يشير إلى تحفظ الصين وتصرفها كطرف يعمل على إفساد الإجراءات التي تتخذها الأمم المتحدة.
علاوة على ذلك، فإن روسيا تُعَد حليفاً للصين، فقد أكد مساعد وزير الخارجية الصيني لي هوي قائلاً (إن مواقف الصين وروسيا في ما يتعلق بقضية البرنامج النووي الإيراني واضحة للجميع، ولديهما اهتمامات مشتركة ومواقف مكملة بعضها لبعض في هذا الشأن)، ولكن لم يتضح بعد كيف ستتصرف الصين من دون دعم موسكو في هذا الخصوص.
::/fulltext::
::cck::2584::/cck::
