ماذا وراء تأجيل واشنطن صفقة الأسلحة المتقدمة لدول الخليج بعد الاعتراضات الإسرائيلية على إتمامها؟
::cck::2592::/cck::
::introtext::
إلى متى يبقى القرار الأمريكي في كثير من المناحي الاستراتيجية في العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية رهناً بالرضا الإسرائيلي أو الغضب القادم من تل أبيب؟
::/introtext::
::fulltext::
إلى متى يبقى القرار الأمريكي في كثير من المناحي الاستراتيجية في العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية رهناً بالرضا الإسرائيلي أو الغضب القادم من تل أبيب؟
هذا التساؤل الجوهري طرح على الملأ في الآونة الأخيرة التي كانت فيها إسرائيل تمثل حجر عثرة في صفقة تسليح أمريكية جديدة لعدد من دول الخليج، صفقة لا تهدد بحال من الأحوال كيان إسرائيل المتفردة في الشرق الأوسط بحيازة أكثر من مائتي رأس نووي، ناهيك عن جيش تقليدي متقدم في مقدمته سلاح جوي يمثل الذراع الطولى لإسرائيل، وهي صفقة لدول لا يوجد بينها وبين إسرائيل صراع أو أراض مغتصبة، كما أنها لم تكن يوماً من دول الطوق أو دول المجابهة أو المواجهة كما كان يطلق عليها.
ولعله من المفيد تنشيط الذاكرة بفلسفة بيع السلاح الأمريكي للعالم عامة ودول الخليج خاصة لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 قبل طرح التساؤل الجوهري موضوع المقال ماذا وراء تأجيل واشنطن صفقة الأسلحة لدول الخليج؟
واشنطن ودعم الحلفاء عسكرياً
كان من الواضح أن إدارة الرئيس بوش تعمد إلى القيام بتقديم المزيد من الدعم العسكري لحلفائها في إطار حملتها غير المحددة المعالم على الإرهاب، وتمثل هذا الدعم في صور متعددة منها تزويد جيوش الدول الحليفة بأسلحة ذات تكنولوجيا عالية ومتقدمة إضافة لمساعدات مالية عسكرية والمشاركة في التدريبات والمناورات، ورغم أنه تقليدياً كانت الولايات المتحدة تمتنع عن تزويد الدول الخارجة على سياق الديمقراطية أو تلك التي تتعرض فيها حقوق الإنسان لانتقادات وانتهاكات جلية بالسلاح، كما أنها كانت تمتنع عن تزويد أي دول بالسلاح إذا كان سيضعف عمليات التحول الديمقراطي أو يشجع فرص الانقلابات العسكرية أو يصعد سباقات التسلح فإن ما جرى بعد (الثلاثاء الأسود) جعل الولايات المتحدة تغض الطرف عن كثير من تلك المعايير، وأضحت تسلح دولاً بعينها بهدف الاستعانة بها في خطتها الرامية لمحاربة الإرهاب حتى لو كانت سجلات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات فيها سوداء ودون المستوى العالمي المطلوب، فعلى سبيل المثال فإنه وفقاً لبيانات وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2005 فإن أكثر من نصف عدد الدول التي تلقت مساعدات عسكرية من أمريكا شهدت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من جانب حكومات تلك الدول ومؤسساتها الأمنية ومن بين تلك الدول تأتي جمهورية أوزبكستان التي وصفها تقرير حقوق الإنسان الأخير الصادر عن الخارجية الأمريكية بأنها من الدول التي لا تقيم وزناً للاعتبارات الآدمية ومع ذلك بلغ حجم الزيادة في المساعدات العسكرية الأمريكية لأوزبكستان منذ عام 2001 حوالي عشرة أضعاف إجمالي ما حصلت عليه خلال السنوات الاثنتي عشرة السابقة على أحداث سبتمبر، والتساؤل المطروح هو لماذا نهتم بإلقاء الضوء على تلك الفلسفة الجديدة؟
الإجابة لكي نشير بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية لا معيار لها في التعاملات إلا مصلحتها المطلقة دون التوقف كثيراً عند ما تتشدق به من أحاديث الحريات والاستقرار والابتعاد عن القلاقل العسكرية والخوف من الانقلابات وهي الذرائع التي ستستخدمها إسرائيل لاحقاً في محاولة منها لإبطال صفقة تسليح دول الخليج.
إسرائيل وعرقلة الصفقة الجديدة
في أوائل شهر إبريل المنصرم كانت صحيفة الـ (نيويورك تايمز) الأمريكية و(يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية تشيران إلى أن اعتراضات إسرائيل على صفقة تسليح لبعض دول الخليج أدت إلى تأجيلها بسبب القول إنها ستخل بالميزان العسكري بين العرب وإسرائيل وربما تؤدي إلى تفوق دول الخليج على إسرائيل، وتقول الـ (نيويورك تايمز) إن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمتهم وزير الحرب السابق شاؤول موفاز زاروا واشنطن مؤخراً لعرض وجهة نظرهم ضد أجزاء من الصفقة لاسيما تلك التي تتعلق بنقل تكنولوجيا الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية والتي ستمنح الطائرات التي ستشملها الصفقة مزيداً من الدقة في ضرب الأهداف، على الرغم أن الولايات المتحدة كانت قد باعت بالفعل كميات قليلة من تلك الأسلحة لعدد من دول الخليج من قبل وهي تكنولوجيا تمتلكها إسرائيل بالفعل منذ الستينات واستخدمتها بكثافة في يوليو من عام 2006 ضد قوات حزب الله في الجنوب اللبناني، أما ملامح الصفقة فتتشكل من خليط من تسليح سلاح الجو السعودي بالصواريخ والقنابل الموجهة بالقمر الصناعي (JDAM) التي تحسن جداً قدرة إصابة الأهداف، وقد طلبت السعودية هذه القنابل الذكية التي تلقتها إسرائيل في نهاية التسعينات واستخدمتها استخداماً واسعاً في حرب لبنان الثانية، إضافة إلى دبابات وسفن حربية وأنظمة إنذار جوي متطورة ومعدات رؤية، وكان يفترض بالصفقات أن تتم في إطار خطة أمريكية لتسليح جيوش دول الخليج كخطوة تردع إيران وتعزز الالتزام الأمريكي نحو أنظمة حكم سنية في الشرق الأوسط، وتبلغ القيمة الإجمالية للصفقة نحو 10,5 مليار دولار.
والملاحظ أن الاعتراضات الإسرائيلية لم تتوقف عند شاؤول موفاز كمرسل من قبل الحكومة الإسرائيلية، بل تخطتها إلى وزير الحرب الحالي في إسرائيل عمير بيرتس الذي نقل هواجس إسرائيل لوزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في آخر لقاء بينهما.
وتدعي إسرائيل أن هناك عدداً من المبررات التي يجب بموجبها وقف هذه الصفقة وكلها تتمحور في الرؤية ذاتها التي ترى (أن العرب هم الأعداء) وهو الشعار الذي سارت على دربه منذ تأسيسها، وأنه لابد لها من التفوق النوعي والكمي عليهم.
والأمر الآخر المثير للجدل هو تذرع إسرائيل بالخوف من وقوع تلك الأسلحة في يد الإسلاميين الانقلابيين حال قدّر لهم الاستيلاء على الحكم ما يعني القيام بحركات ثورية للإطاحة بالأنظمة الحاكمة في عدد من دول المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
والمؤكد أن المملكة، على وجه التحديد، تجد نفسها ومن جديد في مواجهة حديث جديد قديم يتعلق بمحاولات إسرائيل لعرقلة أي صفقات سلاح أمريكية لها.
صفقة الأسلحة وتكرار لازمة (الأواكس)
الشيء المؤكد أن اليوم يشبه الأمس في بعض الوجوه وربما يختلف عنها في بعضها الآخر، غير أن حزازات الصدور تجاه المملكة العربية السعودية تبقى على الدوام سواء أكانت المملكة في طليعة الدول الرافضة لوجود إسرائيل بسبب احتلالها للأراضي العربية أم حين تمد اليد للسلام منذ عام 2002. ما معنى هذا للحديث؟
في شهر يونيو من العام 1980 كانت المملكة العربية السعودية قد تقدمت إلى الحكومة الأمريكية التي يرأسها جيمي كارتر بطلب شراء صواريخ ومنصات للقذائف وخزانات وقود إضافة لعدد من طائرات (ك س 135) وذلك لتزويد طائراتها من طراز (إف 15) بالوقود وهي في الجو إضافة لشراء عدد من طائرات الإنذار المبكر (الأواكس) التي تساعد على توجيه الطائرات خلال القتال وفي تلك الأثناء تولى (توماس أ. داين) إدارة اللوبي الأسطوري الموالي لإسرائيل (إيباك) والذي قاد حملة رئيس وزراء إسرائيل في ذاك الوقت مناحيم بيغن الرافضة لتلك الصفقة، وكانت الحجة وقتها أن تلك الصفقة يجب ألا تتم لأن المتلقي دولة (تهدد السلام) في الشرق الأوسط وتنادي بالجهاد ضد إسرائيل، ليس هذا فحسب، بل إن اليهود الأمريكيين والمراقبين لأوضاع الشرق الأوسط يشكون في رسوخ النظام في المملكة العربية السعودية، وأن هناك مخاوف من أن يكون مصير تلك الأسلحة مثل مصير أنظمة صواريخ (فينكس) وطائرات (إف 15) التي بيعت لشاه إيران صديق أمريكا السابق والتي وقعت لاحقاً في أيدي آية الله الخميني عدو أمريكا اللدود.
ومع مرور ربع قرن من الزمان على أحداث تلك الصفقة التي انتصرت فيها المملكة العربية السعودية بعد أن وافق الكونغرس على إتمامها باثنين وخمسين صوتاً مقابل ثمانية وأربعين يتكرر المشهد رغم أن المملكة لم تعد مهدداً لأمن إسرائيل كما لم تكن أبداً، بل أضحت حجر الرحى في أعمق وأشمل مبادرة عربية للسلام مع إسرائيل التي تتلاعب بالطروحات الدعائية.
والمثير للتأمل في المشهد أن الولايات المتحدة في حقيقة الأمر لا تقوم بتسليح دول الخليج حباً وكرامة أو تزلفاً، إنما يأتي هذا في إطار سياسة أوسع كشفت عنها ورقة صادرة عن هيئة خدمات بحوث الكونغرس فماذا عن تلك الورقة؟
تسليح دول الخليج وقلاقل المنطقة
تعد هيئة خدمات بحوث الكونغرس (Congressional Research Services) إحدى هيئات دعم القرار بالكونغرس الأمريكي، وفي تقريرها الأخير الذي يقيّم العلاقات الأمريكية مع دول مجلس التعاون الخليجي تذهب إلى أن هناك طائفة من الأسباب التي تقف وراء تسليح أمريكا لدول المنطقة عسكرياً لاسيما في الفترة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين وتتركز هذه المخاطر الأمنية في:
1-الخوف من تزايد نفوذ إيران في المنطقة: فعند كينيث كاتسمان كاتب التقرير أن غالبية دول الخليج تنتابها حالة من الهواجس تجاه إيران التي تسعى إلى تعظيم دورها الإقليمي والتي ربما تتطلع مستقبلاً لاستخدام برنامجها النووي كأداة تهديد ضد دول مجلس التعاون الخليجي، وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا قامت عدة دول خليجية في عام 2006 بتجديد عقود دفاعها المشترك مع الولايات المتحدة لاسيما أن عدداً وافراً منها يبدي استعداداً ـ على حد قول التقرير ـ لمساندة أمريكا في أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة لإيران مهما حمل ذلك من مخاطر ردود الفعل الإيرانية.
2-تأثيرات النفوذ الشيعي في العراق: وهو يعني بوضوح أنه مع سقوط نظام صدام حسين وعودة شيعة العراق إلى صدارة وواجهة الحكم فإن ذلك ربما يشجع الرعايا الشيعة في دول الخليج على تعزيز مطالباتهم بدور كبير في الحكم في البلاد التي يعيشون فيها والمطالبة بتوسيع رقعة حقوقهم السياسية ودورهم في الحياة الاقتصادية.
3-أزمة العنف التي يمكن أن تضرب الخليج: ثالث الأسباب التي من أجلها تحاول الولايات المتحدة (عسكرة) دول الخليج هو خوف تلك الدول من انتشار وباء العنف والإرهاب المتسرب من العراق إلى صفوفها رغم وجود القوات الأمريكية في العراق، والتساؤل كيف ستكون الحال إذا قررت الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق؟ومما لاشك فيه أن الولايات المتحدة تحقق من خلال مبيعات السلاح لدول الخليج إلى جانب الحفاظ على أمنها عدة أهداف استراتيجية أولها ضمان وجود أسواق قادرة على استيعاب منتجاتها العسكرية ما يعني استمرار دوران العمل في المصانع العسكرية الأمريكية التي تشكل نفوذاً واسعاً لدى صانع القرار الأمريكي، هذا النفوذ الذي سبق وحذر منه الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور من أنه يوماً ما ربما يتحكم بمستقبل الديمقراطية الأمريكية وهو ما نراه الآن واقع حال بالفعل، إضافة إلى ذلك فإن التسليح الأمريكي لدول الخليج إنما يصب في إحدى الخانتين اللتين تمثلان سقف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وغير الخاضعتين لأي مساومة، أي أمن وأمان دول الخليج لضمان تدفق النفط للولايات المتحدة والحفاظ على أمن إسرائيل من أي تهديدات خارجية.
والمؤكد هو أن أسس التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة تقوم على مجموعة اتفاقيات تعاون دفاعي تسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بقواعد عسكرية وتدريبات مشتركة ومبيعات كبيرة من الأسلحة داخل هذه البلاد.
موقف الخارجية الأمريكية المثير
والحق أنه إذا كان المشهد على هذا النحو وأن الولايات المتحدة بتسليحها لدول الخليج إنما تنظر إلى ما هو أبعد، أي إلى التهديدات الإيرانية فإن إسرائيل هنا وإن لم ترحب بهذا التسليح لكنها تلتزم الصمت على الأقل انطلاقاً من أنه يحقق لها مصلحة استراتيجية قوامها كسر شوكة النفوذ الإيراني الطاغي على حد المفهوم الأمريكي للدور الإيراني في الخليج، لا أن تقف حجر عثرة في طريق هذا التسليح.
غير أن ما تجلى من أدوار إسرائيلية أدت إلى تأجيل عرض (البنتاغون) لأوراق الصفقة الأخيرة على الكونغرس الأمريكي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النوايا الإسرائيلية لا يوجد في داخلها مكان لسلام عادل وشامل، فرغم أن دول الخليج قاطبة رحبت بمبادرة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد) في بيروت عام 2002 بإقرار سلام وتطبيع مع إسرائيل مقابل عودة الأراضي المغتصبة وقيام دولة فلسطينية وانسحاب إسرائيل إلى ما وراء حدود الخامس من يونيو 1967 فإن إسرائيل هي التي تخشى من تفوق عسكري خليجي عليها وهو بطبائع الأمور أمر غير مطروح ولا أحد يسعى إليه، فدول الخليج لم ولن تتطلع يوماً لحرب مع إسرائيل، لكنها العقلية الإسرائيلية التي تريد الانقضاض على الفرقاء واحداً تلو الآخر، فبعد العراق يأتي الدور على إيران ومن يدري ماذا سيكون من شأن دول مجلس التعاون الخليجي التي تظهر النوايا الإسرائيلية السيئة تجاهها كما جرى مؤخراً.
وبرغم أن ذلك أمر طبيعي ومتوقع من إسرائيل فإن تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية في هذا الشأن يستحق التوقف أمامها ملياً، فعلى لسان شون ماكورماك تؤكد أمريكا على حفاظها الدائم على أمن إسرائيل وهذا أمر مفروغ منه ولا غش فيه، وأنه حال تفكير الولايات المتحدة في إتمام مثل هذه الصفقة فإن واشنطن ستحرص على تزويد إسرائيل بأسلحة تفوقها في التقدم التكنولوجي وهذا بدوره يفهم في سياق الالتزام (الطوباوي) الأمريكي بسيادة إسرائيل، غير أن ما يثير الجدل بدرجة كبيرة هو ما قال به ماكورماك من أن الولايات المتحدة تزود إسرائيل بأسلحة متطورة بهدف السماح لها بالقيام بمخاطر محسوبة لتحقيق السلام مع جيرانها العرب.
والحق أن المرء يحار من هذه العبارة وماهية تلك المخاطر المحسوبة فهل هي تزويد إسرائيل بالقنابل العنقودية التي تم شحنها مباشرة لها من إيطاليا في هجماتها ضد المدنيين في لبنان في يوليو الماضي، أم أنها المخاطر التي أراد بيغن أن يبلغها لساكن البيت الأبيض الذي وافق على صفقة (الأواكس) من خلال عملية السابع من يونيو 1981 التي استخدم فيها طائرات (إف 16) الإسرائيلية – الأمريكية الصنع في ضرب المفاعل النووي العراقي؟
لقد سعى بيغن، كما يسعى عمير بيرتس وشاؤول موفاز اليوم، ليحذر مواطنيه من أن السعوديين سوف يستخدمون (الأواكس) للتجسس عليهم في بيوتهم، في حين أن المملكة اليوم لم يعد لديها ما تخبئه بعد أن أبدت رغبتها الصادقة في تحقيق سلام عادل وشامل، لكن الولايات المتحدة التي احتجت في ذلك الوقت بأن الغارة سوف تزيد من خطر الحرب في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل خرقت اتفاق بيع طائرات (إف 16) الممنوع استخدامها إلا في الدفاع عن النفس يبدو أنها تهيئ الأجواء لضربة إسرائيلية جديدة في المنطقة، وتبحث لها عن مبررات وذرائع ومن أسف فإنها تتحدث عن السلام بلغة القتل والدمار.
ومهما يكن من شأن هذه الصفقة فإنه يجدر التذكير بأنه في غمرة السخط الذي أثارته الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي جرت واقعة تدعو للسخرية ولم ينتبه إليها أحد وهي أن طائرات (إف 16) الإسرائيلية وطائرات (إف 15) المرافقة لها عبرت أجواء الأردن والمملكة العربية السعودية من غير أن ترصدها طائرات (الأواكس) التي كانت تقوم بدوريات في أجواء شمال شرق المملكة – والعهدة هنا على الراوي وهو الكاتب الأمريكي إدوارد تيفنن في كتابه الشهير (اللوبي.. اليهود وسياسة أمريكا الخارجية) – ما يعكس أن تلك الطائرات انتزعت منها فاعليتها الرئيسية لخدمة إسرائيل وسيطرتها العسكرية في المنطقة.
ويبقى أخيراً التذكير بما أوردته صحيفة (الكريستيان ساينس مونيتور) في أحد أعدادها الأخيرة من أن التسليح الأمريكي لإسرائيل هو الذي يزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط بعد أن تكلفت الولايات المتحدة مالياً منذ عام 1973 وحتى الآن وما قيمته 1,6 تريليون دولار أي 1600 مليار دولار، أي أن كل مواطن أمريكي دفع 5700 دولار لدعم إسرائيل وهو ما يمثل ضعف تكلفة الحرب في فيتنام وذلك حتى لا يحقق العرب نصراً آخر كنصر يوم الغفران، وفي ضوء ما تقدم يحق لنا التساؤل هل يمكن أن يثق أحد بنزاهة أمريكا كوسيط لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2592::/cck::
::introtext::
إلى متى يبقى القرار الأمريكي في كثير من المناحي الاستراتيجية في العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية رهناً بالرضا الإسرائيلي أو الغضب القادم من تل أبيب؟
::/introtext::
::fulltext::
إلى متى يبقى القرار الأمريكي في كثير من المناحي الاستراتيجية في العلاقة بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية رهناً بالرضا الإسرائيلي أو الغضب القادم من تل أبيب؟
هذا التساؤل الجوهري طرح على الملأ في الآونة الأخيرة التي كانت فيها إسرائيل تمثل حجر عثرة في صفقة تسليح أمريكية جديدة لعدد من دول الخليج، صفقة لا تهدد بحال من الأحوال كيان إسرائيل المتفردة في الشرق الأوسط بحيازة أكثر من مائتي رأس نووي، ناهيك عن جيش تقليدي متقدم في مقدمته سلاح جوي يمثل الذراع الطولى لإسرائيل، وهي صفقة لدول لا يوجد بينها وبين إسرائيل صراع أو أراض مغتصبة، كما أنها لم تكن يوماً من دول الطوق أو دول المجابهة أو المواجهة كما كان يطلق عليها.
ولعله من المفيد تنشيط الذاكرة بفلسفة بيع السلاح الأمريكي للعالم عامة ودول الخليج خاصة لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 قبل طرح التساؤل الجوهري موضوع المقال ماذا وراء تأجيل واشنطن صفقة الأسلحة لدول الخليج؟
واشنطن ودعم الحلفاء عسكرياً
كان من الواضح أن إدارة الرئيس بوش تعمد إلى القيام بتقديم المزيد من الدعم العسكري لحلفائها في إطار حملتها غير المحددة المعالم على الإرهاب، وتمثل هذا الدعم في صور متعددة منها تزويد جيوش الدول الحليفة بأسلحة ذات تكنولوجيا عالية ومتقدمة إضافة لمساعدات مالية عسكرية والمشاركة في التدريبات والمناورات، ورغم أنه تقليدياً كانت الولايات المتحدة تمتنع عن تزويد الدول الخارجة على سياق الديمقراطية أو تلك التي تتعرض فيها حقوق الإنسان لانتقادات وانتهاكات جلية بالسلاح، كما أنها كانت تمتنع عن تزويد أي دول بالسلاح إذا كان سيضعف عمليات التحول الديمقراطي أو يشجع فرص الانقلابات العسكرية أو يصعد سباقات التسلح فإن ما جرى بعد (الثلاثاء الأسود) جعل الولايات المتحدة تغض الطرف عن كثير من تلك المعايير، وأضحت تسلح دولاً بعينها بهدف الاستعانة بها في خطتها الرامية لمحاربة الإرهاب حتى لو كانت سجلات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات فيها سوداء ودون المستوى العالمي المطلوب، فعلى سبيل المثال فإنه وفقاً لبيانات وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2005 فإن أكثر من نصف عدد الدول التي تلقت مساعدات عسكرية من أمريكا شهدت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان من جانب حكومات تلك الدول ومؤسساتها الأمنية ومن بين تلك الدول تأتي جمهورية أوزبكستان التي وصفها تقرير حقوق الإنسان الأخير الصادر عن الخارجية الأمريكية بأنها من الدول التي لا تقيم وزناً للاعتبارات الآدمية ومع ذلك بلغ حجم الزيادة في المساعدات العسكرية الأمريكية لأوزبكستان منذ عام 2001 حوالي عشرة أضعاف إجمالي ما حصلت عليه خلال السنوات الاثنتي عشرة السابقة على أحداث سبتمبر، والتساؤل المطروح هو لماذا نهتم بإلقاء الضوء على تلك الفلسفة الجديدة؟
الإجابة لكي نشير بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية لا معيار لها في التعاملات إلا مصلحتها المطلقة دون التوقف كثيراً عند ما تتشدق به من أحاديث الحريات والاستقرار والابتعاد عن القلاقل العسكرية والخوف من الانقلابات وهي الذرائع التي ستستخدمها إسرائيل لاحقاً في محاولة منها لإبطال صفقة تسليح دول الخليج.
إسرائيل وعرقلة الصفقة الجديدة
في أوائل شهر إبريل المنصرم كانت صحيفة الـ (نيويورك تايمز) الأمريكية و(يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية تشيران إلى أن اعتراضات إسرائيل على صفقة تسليح لبعض دول الخليج أدت إلى تأجيلها بسبب القول إنها ستخل بالميزان العسكري بين العرب وإسرائيل وربما تؤدي إلى تفوق دول الخليج على إسرائيل، وتقول الـ (نيويورك تايمز) إن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمتهم وزير الحرب السابق شاؤول موفاز زاروا واشنطن مؤخراً لعرض وجهة نظرهم ضد أجزاء من الصفقة لاسيما تلك التي تتعلق بنقل تكنولوجيا الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية والتي ستمنح الطائرات التي ستشملها الصفقة مزيداً من الدقة في ضرب الأهداف، على الرغم أن الولايات المتحدة كانت قد باعت بالفعل كميات قليلة من تلك الأسلحة لعدد من دول الخليج من قبل وهي تكنولوجيا تمتلكها إسرائيل بالفعل منذ الستينات واستخدمتها بكثافة في يوليو من عام 2006 ضد قوات حزب الله في الجنوب اللبناني، أما ملامح الصفقة فتتشكل من خليط من تسليح سلاح الجو السعودي بالصواريخ والقنابل الموجهة بالقمر الصناعي (JDAM) التي تحسن جداً قدرة إصابة الأهداف، وقد طلبت السعودية هذه القنابل الذكية التي تلقتها إسرائيل في نهاية التسعينات واستخدمتها استخداماً واسعاً في حرب لبنان الثانية، إضافة إلى دبابات وسفن حربية وأنظمة إنذار جوي متطورة ومعدات رؤية، وكان يفترض بالصفقات أن تتم في إطار خطة أمريكية لتسليح جيوش دول الخليج كخطوة تردع إيران وتعزز الالتزام الأمريكي نحو أنظمة حكم سنية في الشرق الأوسط، وتبلغ القيمة الإجمالية للصفقة نحو 10,5 مليار دولار.
والملاحظ أن الاعتراضات الإسرائيلية لم تتوقف عند شاؤول موفاز كمرسل من قبل الحكومة الإسرائيلية، بل تخطتها إلى وزير الحرب الحالي في إسرائيل عمير بيرتس الذي نقل هواجس إسرائيل لوزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في آخر لقاء بينهما.
وتدعي إسرائيل أن هناك عدداً من المبررات التي يجب بموجبها وقف هذه الصفقة وكلها تتمحور في الرؤية ذاتها التي ترى (أن العرب هم الأعداء) وهو الشعار الذي سارت على دربه منذ تأسيسها، وأنه لابد لها من التفوق النوعي والكمي عليهم.
والأمر الآخر المثير للجدل هو تذرع إسرائيل بالخوف من وقوع تلك الأسلحة في يد الإسلاميين الانقلابيين حال قدّر لهم الاستيلاء على الحكم ما يعني القيام بحركات ثورية للإطاحة بالأنظمة الحاكمة في عدد من دول المنطقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
والمؤكد أن المملكة، على وجه التحديد، تجد نفسها ومن جديد في مواجهة حديث جديد قديم يتعلق بمحاولات إسرائيل لعرقلة أي صفقات سلاح أمريكية لها.
صفقة الأسلحة وتكرار لازمة (الأواكس)
الشيء المؤكد أن اليوم يشبه الأمس في بعض الوجوه وربما يختلف عنها في بعضها الآخر، غير أن حزازات الصدور تجاه المملكة العربية السعودية تبقى على الدوام سواء أكانت المملكة في طليعة الدول الرافضة لوجود إسرائيل بسبب احتلالها للأراضي العربية أم حين تمد اليد للسلام منذ عام 2002. ما معنى هذا للحديث؟
في شهر يونيو من العام 1980 كانت المملكة العربية السعودية قد تقدمت إلى الحكومة الأمريكية التي يرأسها جيمي كارتر بطلب شراء صواريخ ومنصات للقذائف وخزانات وقود إضافة لعدد من طائرات (ك س 135) وذلك لتزويد طائراتها من طراز (إف 15) بالوقود وهي في الجو إضافة لشراء عدد من طائرات الإنذار المبكر (الأواكس) التي تساعد على توجيه الطائرات خلال القتال وفي تلك الأثناء تولى (توماس أ. داين) إدارة اللوبي الأسطوري الموالي لإسرائيل (إيباك) والذي قاد حملة رئيس وزراء إسرائيل في ذاك الوقت مناحيم بيغن الرافضة لتلك الصفقة، وكانت الحجة وقتها أن تلك الصفقة يجب ألا تتم لأن المتلقي دولة (تهدد السلام) في الشرق الأوسط وتنادي بالجهاد ضد إسرائيل، ليس هذا فحسب، بل إن اليهود الأمريكيين والمراقبين لأوضاع الشرق الأوسط يشكون في رسوخ النظام في المملكة العربية السعودية، وأن هناك مخاوف من أن يكون مصير تلك الأسلحة مثل مصير أنظمة صواريخ (فينكس) وطائرات (إف 15) التي بيعت لشاه إيران صديق أمريكا السابق والتي وقعت لاحقاً في أيدي آية الله الخميني عدو أمريكا اللدود.
ومع مرور ربع قرن من الزمان على أحداث تلك الصفقة التي انتصرت فيها المملكة العربية السعودية بعد أن وافق الكونغرس على إتمامها باثنين وخمسين صوتاً مقابل ثمانية وأربعين يتكرر المشهد رغم أن المملكة لم تعد مهدداً لأمن إسرائيل كما لم تكن أبداً، بل أضحت حجر الرحى في أعمق وأشمل مبادرة عربية للسلام مع إسرائيل التي تتلاعب بالطروحات الدعائية.
والمثير للتأمل في المشهد أن الولايات المتحدة في حقيقة الأمر لا تقوم بتسليح دول الخليج حباً وكرامة أو تزلفاً، إنما يأتي هذا في إطار سياسة أوسع كشفت عنها ورقة صادرة عن هيئة خدمات بحوث الكونغرس فماذا عن تلك الورقة؟
تسليح دول الخليج وقلاقل المنطقة
تعد هيئة خدمات بحوث الكونغرس (Congressional Research Services) إحدى هيئات دعم القرار بالكونغرس الأمريكي، وفي تقريرها الأخير الذي يقيّم العلاقات الأمريكية مع دول مجلس التعاون الخليجي تذهب إلى أن هناك طائفة من الأسباب التي تقف وراء تسليح أمريكا لدول المنطقة عسكرياً لاسيما في الفترة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين وتتركز هذه المخاطر الأمنية في:
1-الخوف من تزايد نفوذ إيران في المنطقة: فعند كينيث كاتسمان كاتب التقرير أن غالبية دول الخليج تنتابها حالة من الهواجس تجاه إيران التي تسعى إلى تعظيم دورها الإقليمي والتي ربما تتطلع مستقبلاً لاستخدام برنامجها النووي كأداة تهديد ضد دول مجلس التعاون الخليجي، وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا قامت عدة دول خليجية في عام 2006 بتجديد عقود دفاعها المشترك مع الولايات المتحدة لاسيما أن عدداً وافراً منها يبدي استعداداً ـ على حد قول التقرير ـ لمساندة أمريكا في أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة لإيران مهما حمل ذلك من مخاطر ردود الفعل الإيرانية.
2-تأثيرات النفوذ الشيعي في العراق: وهو يعني بوضوح أنه مع سقوط نظام صدام حسين وعودة شيعة العراق إلى صدارة وواجهة الحكم فإن ذلك ربما يشجع الرعايا الشيعة في دول الخليج على تعزيز مطالباتهم بدور كبير في الحكم في البلاد التي يعيشون فيها والمطالبة بتوسيع رقعة حقوقهم السياسية ودورهم في الحياة الاقتصادية.
3-أزمة العنف التي يمكن أن تضرب الخليج: ثالث الأسباب التي من أجلها تحاول الولايات المتحدة (عسكرة) دول الخليج هو خوف تلك الدول من انتشار وباء العنف والإرهاب المتسرب من العراق إلى صفوفها رغم وجود القوات الأمريكية في العراق، والتساؤل كيف ستكون الحال إذا قررت الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق؟ومما لاشك فيه أن الولايات المتحدة تحقق من خلال مبيعات السلاح لدول الخليج إلى جانب الحفاظ على أمنها عدة أهداف استراتيجية أولها ضمان وجود أسواق قادرة على استيعاب منتجاتها العسكرية ما يعني استمرار دوران العمل في المصانع العسكرية الأمريكية التي تشكل نفوذاً واسعاً لدى صانع القرار الأمريكي، هذا النفوذ الذي سبق وحذر منه الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور من أنه يوماً ما ربما يتحكم بمستقبل الديمقراطية الأمريكية وهو ما نراه الآن واقع حال بالفعل، إضافة إلى ذلك فإن التسليح الأمريكي لدول الخليج إنما يصب في إحدى الخانتين اللتين تمثلان سقف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط وغير الخاضعتين لأي مساومة، أي أمن وأمان دول الخليج لضمان تدفق النفط للولايات المتحدة والحفاظ على أمن إسرائيل من أي تهديدات خارجية.
والمؤكد هو أن أسس التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة تقوم على مجموعة اتفاقيات تعاون دفاعي تسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بقواعد عسكرية وتدريبات مشتركة ومبيعات كبيرة من الأسلحة داخل هذه البلاد.
موقف الخارجية الأمريكية المثير
والحق أنه إذا كان المشهد على هذا النحو وأن الولايات المتحدة بتسليحها لدول الخليج إنما تنظر إلى ما هو أبعد، أي إلى التهديدات الإيرانية فإن إسرائيل هنا وإن لم ترحب بهذا التسليح لكنها تلتزم الصمت على الأقل انطلاقاً من أنه يحقق لها مصلحة استراتيجية قوامها كسر شوكة النفوذ الإيراني الطاغي على حد المفهوم الأمريكي للدور الإيراني في الخليج، لا أن تقف حجر عثرة في طريق هذا التسليح.
غير أن ما تجلى من أدوار إسرائيلية أدت إلى تأجيل عرض (البنتاغون) لأوراق الصفقة الأخيرة على الكونغرس الأمريكي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن النوايا الإسرائيلية لا يوجد في داخلها مكان لسلام عادل وشامل، فرغم أن دول الخليج قاطبة رحبت بمبادرة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد) في بيروت عام 2002 بإقرار سلام وتطبيع مع إسرائيل مقابل عودة الأراضي المغتصبة وقيام دولة فلسطينية وانسحاب إسرائيل إلى ما وراء حدود الخامس من يونيو 1967 فإن إسرائيل هي التي تخشى من تفوق عسكري خليجي عليها وهو بطبائع الأمور أمر غير مطروح ولا أحد يسعى إليه، فدول الخليج لم ولن تتطلع يوماً لحرب مع إسرائيل، لكنها العقلية الإسرائيلية التي تريد الانقضاض على الفرقاء واحداً تلو الآخر، فبعد العراق يأتي الدور على إيران ومن يدري ماذا سيكون من شأن دول مجلس التعاون الخليجي التي تظهر النوايا الإسرائيلية السيئة تجاهها كما جرى مؤخراً.
وبرغم أن ذلك أمر طبيعي ومتوقع من إسرائيل فإن تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية في هذا الشأن يستحق التوقف أمامها ملياً، فعلى لسان شون ماكورماك تؤكد أمريكا على حفاظها الدائم على أمن إسرائيل وهذا أمر مفروغ منه ولا غش فيه، وأنه حال تفكير الولايات المتحدة في إتمام مثل هذه الصفقة فإن واشنطن ستحرص على تزويد إسرائيل بأسلحة تفوقها في التقدم التكنولوجي وهذا بدوره يفهم في سياق الالتزام (الطوباوي) الأمريكي بسيادة إسرائيل، غير أن ما يثير الجدل بدرجة كبيرة هو ما قال به ماكورماك من أن الولايات المتحدة تزود إسرائيل بأسلحة متطورة بهدف السماح لها بالقيام بمخاطر محسوبة لتحقيق السلام مع جيرانها العرب.
والحق أن المرء يحار من هذه العبارة وماهية تلك المخاطر المحسوبة فهل هي تزويد إسرائيل بالقنابل العنقودية التي تم شحنها مباشرة لها من إيطاليا في هجماتها ضد المدنيين في لبنان في يوليو الماضي، أم أنها المخاطر التي أراد بيغن أن يبلغها لساكن البيت الأبيض الذي وافق على صفقة (الأواكس) من خلال عملية السابع من يونيو 1981 التي استخدم فيها طائرات (إف 16) الإسرائيلية – الأمريكية الصنع في ضرب المفاعل النووي العراقي؟
لقد سعى بيغن، كما يسعى عمير بيرتس وشاؤول موفاز اليوم، ليحذر مواطنيه من أن السعوديين سوف يستخدمون (الأواكس) للتجسس عليهم في بيوتهم، في حين أن المملكة اليوم لم يعد لديها ما تخبئه بعد أن أبدت رغبتها الصادقة في تحقيق سلام عادل وشامل، لكن الولايات المتحدة التي احتجت في ذلك الوقت بأن الغارة سوف تزيد من خطر الحرب في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل خرقت اتفاق بيع طائرات (إف 16) الممنوع استخدامها إلا في الدفاع عن النفس يبدو أنها تهيئ الأجواء لضربة إسرائيلية جديدة في المنطقة، وتبحث لها عن مبررات وذرائع ومن أسف فإنها تتحدث عن السلام بلغة القتل والدمار.
ومهما يكن من شأن هذه الصفقة فإنه يجدر التذكير بأنه في غمرة السخط الذي أثارته الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي جرت واقعة تدعو للسخرية ولم ينتبه إليها أحد وهي أن طائرات (إف 16) الإسرائيلية وطائرات (إف 15) المرافقة لها عبرت أجواء الأردن والمملكة العربية السعودية من غير أن ترصدها طائرات (الأواكس) التي كانت تقوم بدوريات في أجواء شمال شرق المملكة – والعهدة هنا على الراوي وهو الكاتب الأمريكي إدوارد تيفنن في كتابه الشهير (اللوبي.. اليهود وسياسة أمريكا الخارجية) – ما يعكس أن تلك الطائرات انتزعت منها فاعليتها الرئيسية لخدمة إسرائيل وسيطرتها العسكرية في المنطقة.
ويبقى أخيراً التذكير بما أوردته صحيفة (الكريستيان ساينس مونيتور) في أحد أعدادها الأخيرة من أن التسليح الأمريكي لإسرائيل هو الذي يزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط بعد أن تكلفت الولايات المتحدة مالياً منذ عام 1973 وحتى الآن وما قيمته 1,6 تريليون دولار أي 1600 مليار دولار، أي أن كل مواطن أمريكي دفع 5700 دولار لدعم إسرائيل وهو ما يمثل ضعف تكلفة الحرب في فيتنام وذلك حتى لا يحقق العرب نصراً آخر كنصر يوم الغفران، وفي ضوء ما تقدم يحق لنا التساؤل هل يمكن أن يثق أحد بنزاهة أمريكا كوسيط لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي؟
::/fulltext::
::cck::2592::/cck::
