فكر اليمين الأمريكي: هارفي مانسفيلد نموذجاً
::cck::2614::/cck::
::introtext::
الهزيمة التي لحقت بالحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر 2006 التشريعية الأمريكية يجب ألا تقلل من اهتمام الباحثين في أمريكا وخارجها بمحاولة فهم الجذور السياسية والفكرية للحزب الجمهوري ولقوى اليمين الأمريكي المساندة له والتي تشكل جزءاً رئيسياً من القوى السياسية في الولايات المتحدة.من هذا المنطلق رأينا أن نتناول في هذا المقال فكر أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هارفي مانسفيلد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية – أعرق الجامعات الأمريكية، والذي ينظر إليه على أنه إحدى أهم القلاع الأكاديمية المحافظة في أمريكا، وأحد أقدر الكتّاب الأمريكيين القادرين على تأصيل السياسات اليمينية فكرياً وفلسفياً، إضافة إلى نشاط مانسفيلد في دوائر المحافظين الجدد ومشاركاته المستمرة في عدد كبير من المعارك الفكرية السياسية الجارية في أمريكا. النفوذ الفكري والسياسي لهارفي مانسفيلدبدأ هارفي مانسفيلد حياته الجامعية في جامعة هارفرد الأمريكية في عام 1962، ولا يزال يعمل أستاذاً بالجامعة الأمريكية العريقة حتى الآن، حيث اشتهر كأستاذ للفلسفة السياسية الكلاسيكية وبتعمقه في فهم وتحليل أفكار فلاسفة كبار مثل ميكيافيللي وجون لوك ودي توكفيل، كما شغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة هارفرد خلال الفترة (1973-1977).
::/introtext::
::fulltext::
الهزيمة التي لحقت بالحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر 2006 التشريعية الأمريكية يجب ألا تقلل من اهتمام الباحثين في أمريكا وخارجها بمحاولة فهم الجذور السياسية والفكرية للحزب الجمهوري ولقوى اليمين الأمريكي المساندة له والتي تشكل جزءاً رئيسياً من القوى السياسية في الولايات المتحدة.
من هذا المنطلق رأينا أن نتناول في هذا المقال فكر أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هارفي مانسفيلد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية – أعرق الجامعات الأمريكية، والذي ينظر إليه على أنه إحدى أهم القلاع الأكاديمية المحافظة في أمريكا، وأحد أقدر الكتّاب الأمريكيين القادرين على تأصيل السياسات اليمينية فكرياً وفلسفياً، إضافة إلى نشاط مانسفيلد في دوائر المحافظين الجدد ومشاركاته المستمرة في عدد كبير من المعارك الفكرية السياسية الجارية في أمريكا.
النفوذ الفكري والسياسي لهارفي مانسفيلدبدأ هارفي مانسفيلد حياته الجامعية في جامعة هارفرد الأمريكية في عام 1962، ولا يزال يعمل أستاذاً بالجامعة الأمريكية العريقة حتى الآن، حيث اشتهر كأستاذ للفلسفة السياسية الكلاسيكية وبتعمقه في فهم وتحليل أفكار فلاسفة كبار مثل ميكيافيللي وجون لوك ودي توكفيل، كما شغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة هارفرد خلال الفترة (1973-1977).وانتخب في عام 2004 عضواً في مجلس إدارة الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، وقلده الرئيس جورج دبليو بوش – في العام نفسه (2004) – الميدالية الوطنية للعلوم الإنسانية وهي وسام رفيع يمنح للعلماء الذين ساهموا في تطوير فهم أمريكا للعلوم الإنسانية.كفاءة مانسفيلد وإنجازاته العلمية تضعنا أمام مفكر أكاديمي ذي قدرات خاصة ورؤية مركبة ذات أبعاد تاريخية وفلسفية عميقة، وهو أمر يرشح مانسفيلد أكثر من غيره كنموذج مفيد في فهم بعض جوانب الفكر السياسي اليميني الأمريكي المعاصر.
هذا إضافة إلى ورود اسم مانسفيلد بشكل متكرر في الكتابات الخاصة بالجذور الفكرية للمحافظين الجدد، حيث يرى البعض أن مانسفيلد هو أحد أبرز أتباع المفكر الأمريكي الألماني الأصل ليو ستراوس الذي ينظر له على أنه الأب الفكري والفلسفي لتيار المحافظين الجدد بأمريكا.فعلى سبيل المثال ترى آن نورتون – في كتابها الصادر في عام 2004 بعنوان (ليو ستراوس وسياسات الإمبراطورية الأمريكية) – أن مانسفيلد هو أحد أهم المفكرين التابعين لليو ستراوس بالساحل الشرقي للولايات المتحدة.وهنا تبرز نورتون حقيقة أن مانسفيلد تولى بدوره التدريس لاثنين من أبرز المفكرين التابعين لتيار المحافظين الجدد حالياً وهما ويليام كريستول رئيس تحرير مجلة (ويكلي ستاندارد) وهي أبرز المجلات المعبرة عن تيار المحافظين الجدد حالياً والكاتب المعروف فرانسيس فوكوياما الذي اشتهر بكتابه (نهاية التاريخ). علاقة هارفي مانسفيلد بليو ستراوس وبالمحافظين الجدد هي علاقة لا ينكرها، بل على العكس يفتخر بها، إذ يتحدث مانسفيلد بشكل متكرر في كتاباته عن ليو سترواس كأستاذه ومرشده الفكري الذي يقتفي آثاره الفكرية أينما يذهب ويجد أفكاره موجودة قائمة في كل مساحة فكرية جديدة يعثر عليها مانسفيلد، وبهذا الخصوص يذكر مانسفيلد – في إحدى كتاباته – عن ستراوس ما يلي:(كل مرة يـقفز بي على جزيرة (فكرية) لا يعيش عليها أحد وأعتقد أنها (جديدة) لم يعثر عليها أحد (من قبل)، سرعان ما أعثر على لافتة صغيرة (على شاكلة لافتات مواقف السيارات بالطرق العمومية) تقول (ضع بعض النقود هنا). وبعد أن أطيع، أجد أمامي لافتة عملاقة مضيئة بأضواء (النيون) كان يمكن قراءتها من مسافة بعيدة مكتوبة عليها الرسالة التالية (ليو ستراوس كان هنا)). كما يتحدث مانسفيلد بكل أعجاب وتقدير في أحد مقالاته عن إيرفينج كريستول الذي يطلق عليه الكثيرون لقب (الأب الروحي) للمحافظين الجدد لدوره الكبير في تطوير أفكار المحافظين الجدد ونشرها فكرياً وسياسياً، وهنا يجدر الإشارة إلى أن إيرفينج كريستول لم يكن مفكراً وباحثاً ناجحاً فحسب ولكنه كان أيضاً ناجحاً في بناء المؤسسات الفكرية المعبرة عن أفكار المحافظين الجدد وفي لعب دور الوسيط بين أثرياء المحافظين والمؤسسات الفكرية والباحثين المعبرين عن أفكار المحافظين الجدد، الأمر الذي دعم دور إيرفينج كريستول المركزي في تطوير تيار المحافظين الجدد.
لذا لا يغيب على مانسفيلد مديح إيرفينج كريستول لأفكار ولدوره في (إنقاذ) عدد من طلابه (المحافظين) ومساعدتهم في بداية حياتهم الفكرية والسياسية، كما يفتخر مانسفيلد بأنه رد الجميل لإيرفينج كريستول من خلال تعليم ابنه ويليام والذي كان أحد طلاب مانسفيلد، كما يمتدح مانسفيلد المحافظين الجدد حيث يرى أنهم ساهموا في تطوير أفكار اليمين الأمريكي التقليدي وفي تطوير نقد اليمين لليسار بالولايات المتحدة مما جعل المحافظين الجدد يستحقون مكاناً ثابتاً وسط اليمين الأمريكي.سبب ثالث هو طبيعة كتابات مانسفيلد نفسها التي تجذبك من الوهلة الأولى لما تتميز به من طبيعة فكرية مخالفة عن الأفكار الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة، فعند المرور على كتابات هارفي مانسفيلد يجد القارئ نفسه أمام مجموعة من الأفكار المهتمة بميكيافيللي والمعارضة لمطالب الحركات النسوية وحركات التعددية الثقافية التي ترفض المساواة وتخشى على أمريكا من الديمقراطية المفرطة، وهو ما يذكر القارئ بحديث المحافظين الجدد المستمر عن الواقع وكيف أنهم أقدر من غيرهم على فهم الواقع والشر ومواجهتهما.بمعنى آخر يجد القارئ نفسه أمام منظومة فكرية يمينية مختلفة عن الفكر الليبرالي الشائع عن الولايات المتحدة، وهي منظومة تعدك بأنها أكثر قدرة على تسليحك بالأدوات التي تمكنك من مواجهة العالم والواقع بما يملأهما من مآس والتعامل معهما، وهو وعد أدعو القارئ إلى أن يضعه في حسبانه خلال قراءته لهذا المقال. الأفكار الفلسفية الكبرى لو حاولنا أن نلخص فكر هارفي مانسفيلد في عدة أفكار أساسية لقلنا إن أفكار مانسفيلد تنطلق من فكرة رئيسية أولى وهي أهمية الفكر والفلسفة في الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة. والواضح أن جذور هذه الفكرة لدى مانسفيلد تعود إلى ليو ستراوس ذاته الذي رفض سيطرة المدرسة السلوكية على العلوم السياسية بأمريكا خلال منتصف القرن العشرين لأنها تنادي بسيطرة الحياد والموضوعية على المعرفة السياسية، حيث رأى ستراوس أن هناك صواباً وخطأ، وحقيقة وباطلاً، وأن وظيفة المعرفة هي التفرقة بين القطبين السابقين واكتشاف الشر ومحاربته، فلو وقف المفكر السياسي موقف الحياد تجاه الظواهر لما تمكن الغرب من مكافحة النازية.لذا فإن ستراوس دعا طلابه إلى الاهتمام بالفلسفة السياسية بشكل عام وبالفلسفة السياسية الكلاسيكية بشكل خاص، لذا يكن هارفي مانسفيلد وغيره من أتباع ستراوس قدراً كبيراً من الاحترام لفلاسفة اليونان وفلاسفة العصور الوسطى ويعودون إليهم بشكل متكرر عند دراسة الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة لدرجة تحير بعض الكتّاب والمفكرين الأمريكيين الذين لا يعرفون الكثير عن الفلسفة الكلاسيكية ويفضلون مقارنة الواقع الأمريكي بأفكار وتجارب سياسية معاصرة.وتترتب على ذلك – في فكر مانسفيلد بشكل خاص وفكر أتباع ستراوس بصفة عامة – قناعتان مهمتان، أولهما الإيمان بتفوق الفكر الكلاسيكي القديم وباحتوائه على حقائق وحلول مهمة للمشكلات المعاصرة، أما القناعة الثانية فهي قدرة العقل البشري على اكتشاف الحقيقة من خلال التفاعل مع الكتابات الفكرية والتراثية المهمة.لذا فإن مانسفيلد يبدي إعجابه بأساتذة الجامعات الذين يعرفون اللاتينية ويمتلكون فكراً فلسفياً شاملاً نحو الحياة يعكسونه في كتاباتهم، ويحاولون الدمج بين العصري والقديم في مؤلفاتهم.وعندما قرر بعض طلاب هارفي مانسفيلد ومن بينهم ويليام كريستول الاحتفال بأستاذهم قاموا في عام 2000 بكتابة عدة أبحاث عن فلاسفة العصور الوسطى والحديثة والإسهام الذي يمكن أن تقدمه أفكارهم في فهم السياسة الأمريكية الراهنة وجمعوها في كتاب بعنوان (تعليم الأمير) في إشارة إلى كتاب (الأمير) لميكيافيللي الذي يهتم به هارفي مانسفيلد اهتماماً خاصاً معتبراً إياه مؤسس علم السياسة الحديث. كما تتميز كتابات مانسفيلد المختلفة بما في ذلك مقالاته القصيرة التي ينشرها في بعض المجلات والصحف الأمريكية بسعيه الدائم للبحث عن حلول للمشكلات والمسائل السياسية الراهنة في فلسفة كبار المفكرين الغربيين وعلى رأسهم فلاسفة اليونان، وفلاسفة العصور الوسطى، وأفكار الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. الفضيلة ورفض النسبية الركيزة الثانية في فكر هارفي مانسفيلد هي إيمانه بوجود الفضيلة كقيمة يجب أن تسعى المجتمعات لتحقيقها وزرع حبها بين مواطنيها بما يترتب عليها من مسؤوليات للفرد تجاه المجتمع، حيث يرفض مانسفيلد الهجوم الذي تتعرض له فكرة وجود الفضيلة من الجماعات التي تعارض الفكرة وتدعو للحياد أو النسبية كبديل للفضيلة.بمعنى آخر يؤمن مانسفيلد بوجود حقيقة وباطل وبوجود صواب وخطأ، ويطالب المجتمع الأمريكي بالعودة للفضيلة التي يرى أنها ترتبط بالأفكار والمؤسسات التقليدية والتي تعرضت لهجوم واسع من قبل اليسار الأمريكي الجديد السائد منذ عقد الستينات من القرن العشرين، وهنا يرى مانسفيلد أن الهجوم على الفضيلة أفقد المجتمع الأمريكي شيئاً ما يصفه عادة بأنه الاحترام والمسؤولية.
ويترتب على إيمان مانسفيلد بوجود الفضيلة إيمانه برفض المهادنة والنسبية، حيث يهاجم مانسفيلد الادعاء بالحياد والنسبية على أساس إنه ادعاء خطير لا يمكن تحقيقه في جوهره، ويترتب عليه استبعاد الآخرين دون الإقرار بهذا الاستبعاد، لأن الكاتب الذي يدعي النسبية التي يستحيل تحقيقها – من وجهة نظر مانسفيلد – ينتهي به الأمر برفض كل المختلفين معه في ذلك الرأي من دون أن يقر حتى برفضهم.وهنا يرى مانسفيلد أن الليبرالية الأمريكية التي تدعي النسبية تقبل بكل شيء ما عدا القبول بالأفكار المحافظة المخالفة لها مما يتعارض مع مقولة النسبية ذاتها، كما يرى مانسفيلد أن السياسة جزء من كل شيء، فكل شيء له أصدقاء وله أعداء، فلو كانت الفضيلة نسبية، وكان كل شيء متغيراً غير ثابت لما تمكن الإنسان نفسه من الوجود.وهنا يجب الإشارة إلى أن مانسفيلد لا يعارض استخدام الدين كوازع لنشر الفضيلة في المجتمع، فهو يرى أن الدين أداة إيجابية في تحقيق هذا الأمر، ولكنه يتبنى تعريفاً أكثر علمانية للفضيلة مما يميزه عن التيارات الأمريكية اليمينية المتدينة، فيمينية مانسفيلد هي يمينية علمانية بالأساس.الفردية والتنافس دعائم الديمقراطية يرى مانسفيلد – مستشهداً بأفكار المفكر الفرنسي المعروف دي توكفيل – أن أساس الحياة بأي مجتمع ديمقراطي هو التحزب وسعي كل فرد لتعظيم مصلحته الخاصة مما يشكل ضمانة أساسية للديمقراطية، حيث يرى مانسفيلد أن المساواة هي قيمة مثالية يستحيل تحقيقها، في المقابل يرى أن التحزب والسعي لتحقيق المصلحة الخاصة هما من خصائص الطبيعة البشرية، كما يرى أن الطبيعة البشرية ذاتها مشغولة لدرجة ما بتحقيق المصلحة العامة.لذا يرى مانسفيلد أن وظيفة المجتمعات الديمقراطية لا تكمن في تحقيق المساواة وإنما تكمن في توفير مناخ الحرية الذي يمكن كل فرد من مضاعفة طاقته لتحقيق مكاسبه، فالفرد في المجتمع الديمقراطي – كما يرى مانسفيلد – يشعر بالضرورة بضعفه نظراً لفرديته مما يمثل دافعاً قوياً له للعمل لتعظيم مصلحته وقوته، ويترتب على فردية الأفراد وطموحهم الشخصي لتحقيق منافعهم الخاصة الحد من سلطة الدولة والحفاظ على الديمقراطية، لأن من مصلحة الأفراد الأقوياء الحد من سلطة الدولة وتوفير الحرية لأنفسهم لتعظيم مكاسبهم.ولهذا يرى مانسفيلد أن الفردية والسعي لتحقيق المصلحة الخاصة هما فضائل أساسية بالمجتمع الديمقراطي أكثر قدرة على حماية الديمقراطية من عوامل أخرى كالدين واقتصاد السوق الحر التي يتمسك بها اليمين الأمريكي. ولكن كيف تتحقق المصلحة العامة في مجتمع يسود فيه التنافس بين أفراد وجماعات قوية تسعى لتحقيق مصلحتها الخاصة والحد من دور الدولة؟ هنا يشير البعض إلى إيمان هارفي مانسفيلد بفلسفة أرسطية (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو)، وهي فلسفة ترى أنه ينبغي بناء المجتمعات الديمقراطية على أساس من التنافس بين فئاتها المختلفة والسماح للفئات الأقوى للوصول إلى الحكم، بمعنى آخر أن الفئات الأقوى والأصلح هي التي تصل إلى الحكم وتبقى فيه مادامت هي الأقوى، وبهذا تمكن الفردية والمنافسة والحرية المجتمع من أن يحكم بأقوى أبنائه.وعند وصول جماعة ما للحكم، فإنه ينبغي حماية هذه الجماعة – كما يرى مانسفيلد – من النزعات الجماهيرية الشعوبية التي تنادي بالمساواة وإشراك الجماهير في الحكم، حيث يؤمن مانسفيلد بالحكومة القوية ويرفض الثورات الجماهيرية والحركات الشعبية على مدى التاريخ حيث يرى أن هذه الحركات تؤمن في عادتها بفكرة المساواة وتحاول فرض سلطتها على الحكومة وبناء مؤسسات سياسية ضعيفة ترضخ لإرادة الجماهير الضعيفة المشتتة، ومن ثم تحتاج أي ديمقراطية لوضع دساتير وبناء مؤسسات سياسية تضمن الفصل النسبي بين الساسة والجماهير فور وصول الساسة للحكم، فلو خضع الحكام في كل شيء للجماهير بنزواتها العديدة المتناقضة الاشتراكية لضعفت الفردية والطموح الشخصي والتنافس وانتهت الديمقراطية.كما ينتقد مانسفيلد في كتاباته الأديان والأيديولوجيات التي تنادي بالمساواة بين الأفراد وفقاً لحقوق طبيعية، حيث يرى أن إقناع الأفراد بالمساواة غير القائمة والمستحيلة – من وجهة نظره – من شأنه أن يضعف من قدرتهم على المنافسة وبناء مجتمع ديمقراطي، حيث يرى أن انتشار المسيحية في العصور الوسطى أدى إلى إضعاف الديمقراطية، ولعل هذا يفسر تقدير مانسفيلد الكبير لميكيافيللي والذي فصل بين الدين والفضيلة مما ساعد على تأسيس علم السياسة الحديث من وجهة نظر مانسفيلد.كما يمتدح مانسفيلد الديمقراطية الأمريكية لأنها قائمة على التنافس والفردية مع قدر من الاحترام للدين وعدم الخصام معه بشكل يضمن استخدامه كأداة لنشر الفضيلة بالمجتمع، في الوقت نفسه تقوم الديمقراطية الأمريكية على مؤسسات قوية كالكونجرس والبيت الأبيض والقضاء، لذا يعارض مانسفيلد الحركات الليبرالية بسبب مطالبها المستمرة بالمساواة، كما ينتقد الحركات اليمينية التقليدية بسبب عدائها – المبالغ فيه أحياناً – لسلطة الدولة، كما ينتقد المساعي الرامية للحد من سلطات أعضاء الحكومة والسلطة التشريعية وتقييدها من خلال وضع حد لمدة خدمة أعضاء الكونجرس على سبيل المثال وهي دعاوى نشرها الجمهوريون في منتصف التسعينات من القرن العشرين، إذ يرى مانسفيلد أن الميول والحركات الشعبية مضرة بالديمقراطية.
ولكن هذا لا يعني أن مانسفيلد يؤمن بالحكومة المطلقة غير المقيدة، فمانسفيلد – على النقيض – يؤمن بحكومة صغيرة ولكنها قوية، فهو يؤمن بديمقراطية تضمن الحرية للجميع، وتضمن أيضاً وصول الأقوى والأصلح للحكم، وتمنح النخبة التي تصل للحكم القوة المناسبة لحماية نفسها من غوغائية الجماهير، فديمقراطية مانسفيلد تسمح بصعود ارستقراطية طبيعية.فغاية الديمقراطية – كما يراها مانسفيلد – هي بناء نظام جماهيري شعبوي، لذا ينبغي الحد من مخاطرها من خلال استخدام الديمقراطية في بناء أرستقراطية طبيعية.كما دفعت المعتقدات السابقة مانسفيلد إلى نقد من يريدون الحد من سلطة الحكومة الأمريكية في الحرب على الإرهاب خاصة في مجال التعامل مع أعداء أمريكا الخارجيين، حيث يرى مانسفيلد أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة أرادوا بناء نظام سياسي يتيح قيام سلطة تنفيذية قوية، سلطة تخضع للرقابة والمحاسبة من قبل السلطة التشريعية ولكنها لا تتقيد بها، وهنا يرى مانسفيلد أن الفلسفة الأمريكية العامة تؤمن بوضع السلطة في يد شخص واحد وهو الرئيس ومحاسبة الرئيس إذا أخطأ، ولكنها لا تؤمن بتقييد يد هذا الرئيس أو بإضعاف سلطته وقدرته على التصرف من خلال وضع عدد كبير من القيود التشريعية على تصرفات الرئيس. ويقول مانسفيلد إن عدم تقييد حرية الرئيس في الحركة ضرورة خاصة في أوقات الأزمات والضرورة وهي أوقات يجب ألا تتقيد فيها الحكومة بالقوانين والأخلاق كما يرى مانسفيلد مستشهداً بميكيافيللي.ميكيافيللي والدين وفضائل السياسي لا يستطيع الباحث دراسة أفكار هارفي مانسفيلد من دون أن يلاحظ مدى حبه وتقديره لميكيافيللي، حتى إن الصحفيين والكتّاب الذين كتبوا عن مانسفيلد لم يفوتهم الإشارة إلى أنه يزين مكتبه بصور ميكيافيللي وليو ستراوس وجون لوك.كما أن حب ميكيافيللي دفع مانسفيلد إلى نقد أستاذه ومعلمه الأول ليو ستراوس لشعور مانسفيلد بأن ستراوس ظلم ميكيافيللي ولم يعطه حقه الكافي نظراً لعدم اهتمام ستراوس الكافي بمفكري الحداثة.أما سبب حب مانسفيلد لميكيافيللي فيعود لاعتقاد مانسفيلد بأن ميكيافيللي هو من وضع حجر أساس علم السياسة الحديث بثورته على هيمنة الدين على تعريف الفضيلة، إذ يرى مانسفيلد أن الفلاسفة الكلاسيكيين كانوا متقدمين في فهم السياسة بسبب تبنيهم مفهوم غير ديني للفضيلة قائم على الصراع والتنافس والحرية، وأن انتشار المسيحية في العصور الوسطى أدى إلى تعطيل الفهم الإنساني للسياسة، لأن المسيحية نشرت مفهوماً للفضيلة غلب عليه الطابع الديني المثالي الذي ينادي بأن الأفراد ولدوا متساوين ويعطي سلطة كبيرة للكنيسة، ويقول مانسفيلد إن فهم المسيحية للفضيلة كان مليئاً بالمشكلات إذ عطل قدرة الأفراد على فهم الواقع والشر والسياسة، كما أنه أعطى سلطة كبيرة للكنيسة وقاد للاستبداد.لذا فإن ميكيافيللي أحدث ثورة في تطور الفكر البشري للسياسة عندما رفض الربط بين الفضيلة والدين، إذ قسم ميكيافيللي الفضائل إلى نوعين، فضائل بعيدة يصعب تحقيقها لارتباطها بمبادئ دينية وفلسفية كبرى، وفضائل صغيرة دنيوية يسهل تحقيقها في الحياة الدنيا، وجعل ميكيافيللي هم المفكر السياسي هو الانشغال بتحقيق الفضائل الصغرى مما مكنه من تحرير المفكر السياسي ورجل السياسة والمواطن من الانشغال بالمبادئ الكبرى.وبهذا تمكن ميكيافيللي من الحديث عن نوع جديد من الفضائل التي يجب أن يتميز بها الحاكم مثل القوة والدهاء والبطش والقدرة على الخداع، والتي كان ينظر إليها في الماضي على أنها خصال سلبية بعيدة عن الفضيلة، وهنا يرى مانسفيلد أن صورة الحاكم التي رسمها ميكيافيللي هي الأقرب لصورة الحاكم الذي نعرفه اليوم وهي الأكثر قدرة على مساعدة الباحث السياسي على فهم السياسة وأسلوب الحكم.وعندما يتحدث مانسفيلد عن نموذج مثالي للحكام الأمريكيين المعاصرين فإنه يضرب المثل بالرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان، حيث يصف مانسفيلد فضائل ريغان بأنه كان رجلا ذا قناعات قوية ورغبة في التحزب مساندة لأفكار حزبه حتى إن تحزب ريغان القوي دفع الحزب الديمقراطي لتبني أفكار يمينية. حيث يرى مانسفيلد أن ريغان امتلك أفكاراً خاصة به وضعها في خطاباته مقللا اعتماده على نصائح المفكرين والمثقفين، كما تميزت خطابات ريغان بالسهولة والوضوح للأمريكي العادي في الوقت الذي تميز فيه ريغان بالقدرة على الخطابة والإقناع، كما فضل ريغان خيار مواجهة الاتحاد السوفييتي وإشعال الصراع والتنافس معه على خيار المهادنة والرد، وهو تعبير عن رغبة ريغان الدائمة في التحزب والهجوم والانتصار لأفكاره وهي نزعة يفضلها مانسفيلد على خصال المهادنة والتعددية. كما يشيد مانسفيلد بأن ريغان كان دائم الابتسام والتفاؤل والحديث بشكل متفائل عن أمريكا وتراثها ومستقبلها والبعد عن النقد مما جعله شخصية محبوبة من المواطن الأمريكي لأن ريغان أشعر المواطن الأمريكي بالرضا عن نفسه مقارنة بالرؤساء المتشائمين الناقدين مثل جيمي كارتر.وتوضح الأفكار السابقة موقف مانسفيلد من الدين فهو يرى أن الدين أداة جيدة لنشر الروح والفضيلة والقيم في المجتمع على المستوى الاجتماعي، ولكنه يرفض سيطرة الدين على تعريف الفضيلة في المجتمع، الأمر الذي يضع مانسفيلد في موضع خلافي مع الجماعات المسيحية المتدينة ذات التأثير المتنامي في أوساط اليمين الأمريكي.
نقد اليسار الأمريكي الجديدمن الواضح أن هارفي مانسفيلد معارض قوي للتيار الليبرالي السائد في أمريكا حالياً، ويبدأ مانسفيلد نقده لليسار الأمريكي بالقول إن اليسار الأمريكي لا يعبر عن الليبرالية الغربية الحقيقية ولكنه يعبر عن نوع من الليبرالية الخاطئة التي انتشرت في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وبهذا يفرق مانسفيلد بين اليسار الأمريكي الجديد والليبرالية الغربية الموجودة في كتابات جون لوك وجون ستيوارت ميل وويليام كانط والآباء المؤسسين للولايات المتحدة، حيث يرى مانسفيلد أنه – هو نفسه – أكثر تعبيراً عن كتابات آباء الفكر الليبرالي مقارنة بمناصري اليسار الأمريكي الجديد.وبالنسبة لأسباب عدم رضا مانسفيلد عن اليسار الجديد فهي عديدة، وغالباً ما تبدأ هذه الأسباب برفض مانسفيلد لتعريف اليسار الجديد للفضيلة، حيث يؤمن اليسار الجديد بمفهوم نسبي للفضيلة مما يجعلهم يشجعون النسبية التي تقود إلى العبثية من وجهة نظر مانسفيلد، كما يشجعون المساواة بين الناس ويحاولون فرض المساواة مستخدمين المحاكم وسلطة الدولة والقانون لفرض المساواة فرضاً على المواطنين الأمريكيين، مما يوجد حالة عدم رضا دائمة لدى الفقراء عن حياتهم وعن الطبقات الأغنى منهم، إضافة إلى سعي اليساريين الجدد الدائم لبناء حكومة كبيرة قادرة على تقديم خدمات الرفاهية للمواطنين الفقراء.كما يعيب مانسفيلد على اليسار الجديد هجومه الدائم على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة واتهامهم بالنفاق وبرذائل عديدة على رأسها عدم محاربة العبودية، وهنا يرى مانسفيلد أن هجوم اليسار الجديد المستمر على التراث الأمريكي والغربي هو خطر داهم يهدد المجتمع الأمريكي والحضارة الغربية.
كما يرفض مانسفيلد تركيز اليسار الأمريكي على نقد الديمقراطية الأمريكية ومسار العملية السياسية بالولايات المتحدة والمبالغة في نقد مؤسسات الدولة والسعي لتقييد حريتها، ويرى مانسفيلد أن مواقف اليسار الأمريكي السابقة من شأنها إضعاف إيمان المواطن الأمريكي البسيط في مؤسساته الديمقراطية وفي حكومته وبلده، حيث يرى مانسفيلد أن هذه المؤسسات تتميز بقدر عال من التعقيد الذي يصعب على المواطن العادي فهمه، كما أنها مؤسسات تقوم على الطبيعة التنافسية سعياً للأصلح ومن ثم يصبح التنافس والتصارع ميزة لا عيباً ما لم يتم التضخيم في نقده من قبل اليسار.كما يعيب مانسفيلد على اليسار الجديد تحالفهم الدائم مع الأقليات والمهاجرين والطبقات الفقيرة ونشرهم ثقافة عدم الرضا بين تلك الطبقات، وهي ثقافة قائمة على فكرة أن الأفراد يولدون متساوين، وأن الحقوق هي شيء يولد الإنسان به، في حين يؤمن مانسفيلد بأن الحقوق لابد أن تكتسب عن طريق الكفاح والعمل الجاد.لذا يرى مانسفيلد أن انتشار أفكار اليسار الجديد في المجتمع لابد أن تقود لانهيار الفضيلة فيه، لأن من شأن انتشار هذه الأفكار إعلاء الاتكالية وإضعاف فضائل الاستقلالية والاعتماد على النفس والمنافسة، كما أن أفكار اليسار الجديد مكلفة وفاشلة – من وجهة نظر مانسفيلد – فاليسار الجديد يسعى لبناء برامج حكومية مكلفة لتقديم الخدمات للمواطنين وتحقيق المساواة بينهم، في حين يستحيل – كما يرى مانسفيلد – أن تتمكن الحكومة من إرضاء كافة احتياجات مواطنيها، ومن ثم لابد أن يؤول مصير كل تلك البرامج إلى الفشل. إضافة إلى نقد مانسفيلد لليسار الجديد على المستوى الثقافي، حيث يرى مانسفيلد أن اليسار الجديد ينشر عدداً كبيراً من القيم الأخلاقية المدمرة للثقافة الأمريكية التقليدية مثل مساندة الشواذ، ومثل الهجوم على التراث الغربي والأمريكي والمطالبة بالتعددية الثقافية، والمطالبة بتعريف جديد للتسامح يطالب الفرد باحترام الجماعات والأفكار غير التقليدية، وهنا يرى مانسفيلد أن التسامح كان في الماضي يعني عدم التعامل العنيف مع الجماعات المخالفة – الشواذ على سبيل المثال – أما احترام هذه الجماعات والتعاطف معها فهو أمر لم يكن جزءاً من تعريف التسامح في الماضي، ويجب عدم نشره – كما يفعل اليسار الجديد – في الفترة الحالية.الصراع على الجامعات الأمريكية يعطي مانسفيلد اهتماماً خاصاً – عبر كتاباته المختلفة – لنقد تأثير اليسار الأمريكي الجديد على المجتمع الأمريكي على مستويين رئيسيين، أولهما هو تأثير اليسار الأمريكي في العملية التعليمية بالجامعات الأمريكية، وثانيهما تأثير اليسار الجدد في العلاقة بين الرجل والمرأة بالمجتمع الأمريكي، وسوف نغطي النقطة الثانية بالجزء التالي من المقال.
إن تأثير اليسار الجديد في العملية التعليمية بالجامعات الأمريكية يمثل مصدر قلق بالغ دائم لهارفي مانسفيلد، وربما يعود ذلك إلى كون التأثير في التعليم الجامعي هو أداة مهمة للتأثير في مسار مجتمع ما، كما قد يعود لهيمنة اليسار الجديد وسيطرته على الجامعات الأمريكية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أنه في كل جامعة أمريكية يوجد فيها أكاديمي جمهوري واحد يوجد في المقابل له سبعة أكاديميين ديمقراطيين وذلك في مجالات العلوم الاجتماعية وهي نسبة قابلة للزيادة في العديد من الجامعات بما في ذلك أكبر الجامعات الأمريكية، مما يجعل من الجامعات – كما يرى بعض المحللين – أقوى قلاع اليسار بالولايات المتحدة.لذا فإن مانسفيلد ينتقد المحافظين الأمريكيين لعدم اهتمامهم بالشكل الكافي بالسياسات التعليمية في الولايات المتحدة، حيث يرى مانسفيلد أن عدم الاهتمام هذا أعطى فرصة لليسار الأمريكي الجديد للهيمنة على المؤسسات والسياسات التعليمية بالولايات المتحدة، حيث ينتقد مانسفيلد هذه الهيمنة وأثارها لأسباب متعددة، على رأسها نشر اليسار الجديد لقيمة المساواة على مختلف مستويات العملية التعليمية الأمريكية.فاليسار الأمريكي يؤمن بالمساواة عند اختيار الطلاب مما جعله يفرض قوانين تفرض على الجامعات اختيار عدد معين من الطلاب المنتمين للأقليات – حتى لا تتهم الجامعات بالتمييز – بغض النظر عن مستوى هؤلاء الطلاب، كما يؤمن اليسار بالمساواة عند وضع المناهج واختيار الموضوعات التي تدرس مما جعله يهاجم المواد التي تركز على التراث السياسي والغربي ويطالب بتدريس مواد تروج للحركات النسوية وللشواذ وللتعددية الثقافية وكأن هناك مساواة بين هذه الثقافات الفرعية والثقافة الأمريكية الغربية الرئيسية السائدة كما يراها مانسفيلد.وبهذا ترتكب الحركات الليبرالية مجموعة أخطاء مركبة في حق الطلاب والجامعات والمجتمع بالولايات المتحدة، فهي تنشر فكرة المساواة المستحيلة، وتحارب الثقافة الأصلية، وتنشر شعوراً بوجود مساواة بين الثقافة الأصلية والثقافات الجديدة على المجتمع الأمريكي، ومن شأن كل هذه الأخطاء أن تضعف فضيلة المنافسة والكفاح لدى الطلاب مما يقود إلى بناء جيل جديد ضعيف ليس لديه الرغبة في السعي للمخاطرة أو لتحقيق بطولات جديدة.كما أضعفت الحركات اليسارية من سلطة الأستاذ على تلاميذه لدرجة أن الأساتذة أصبحوا يخشون من تقييم وتقويم تلامذتهم علمياً خشية من أن يتهموا بالتمييز، ما أدى لتضخم الدرجات التعليمية الأمريكية ومعدلات التخرج بدرجات عالية بشكل كبير لا يوازيه مستوى تعليم حقيقي، ناهيك عن اضطرار الأساتذة لمنح الطلاب أبناء الأقليات درجات أعلى من مستواهم خوفاً من اتهامهم بالتمييز.كما جعل الليبراليون من الجامعات قلاعاً لصناعة ونشر الأفكار الليبرالية المثالية البعيدة عن الواقع بغض النظر عن صحتها ومن دون خوف من محاسبة أو مراجعة، لذا ظهر جيل جديد من أساتذة الجامعات المثاليين الذين لا يعرفون المهادنة مع مبادئهم المثالية، وذلك لأن الجامعات أصبحت قلاعاً منعزلة تضمن أن توفر لهم الدعم المالي اللازم لتطوير نظرياتهم المثالية، ومن ثم أصبحت الجامعات أداة في يد اليسار الجديد ينشر من خلالها أفكاره ومعتقداته المثالية، وأصبح الأكاديمي المحافظ أقلية مضطهدة بالجامعات الأمريكي ليس مسموحاً له بالتعبير عن أفكاره.ولهذه الأسباب مجتمعة وقعت الجامعات الأمريكية فريسة في يد الحركات اليسارية الراديكالية، التي ابتدعت تخصصات جديدة مثل دراسات المرأة والأقليات والتعددية الثقافية، وحاربت تدريس التراث الغربي القديم ودعت إلى تفكيكه، ونادت في المقابل بتدريس كتابات راديكالية ناقدة للغرب وأمريكا هي أقل جودة وأقل بعداً عن الواقع والحقيقة من الكتابات الكلاسيكية الغربية الكبرى كما يرى مانسفيلد، وبهذا تراجعت قيمة الجامعات والعملية التعليمية الأمريكية. الصراع مع الحركة النسويةعلى المستوى الفكري الاجتماعي يكن هارفي مانسفيلد قدراً كبيراً من النقد للحركات النسوية خصص له عدداً ليس بقليل من مقالاته، وقد يعود ذلك إلى انتشار الأكاديميات المنتميات للحركات النسوية بالجامعات حيث يعبر مانسفيلد – في أحد مقالاته – عن اعتقاده بأن نصف أساتذة الجامعات ينتمون للحركات اليسارية والنسوية، أما النصف الثاني فهو ليبرالي معتدل لا يمتلك أجندة خاصة ولكنه يخشى معارضة الجماعات اليسارية والنسوية المسيسة والمنظمة وذات النفوذ والسطوة وغير المتسامحة كما يراها مانسفيلد.وعلى المستوى الفلسفي يرفض مانسفيلد الحركات النسوية لكونها تمثل تجسيداً لأخطاء اليسار الأمريكي الفلسفية لسببين رئيسيين، أولهما مناداة الحركات النسوية بالمساواة بين الجنسين، وهو مبدأ يرفضه مانسفيلد ويرى أنه مصدر شرور عديدة سوف نشرحها فيما بعد، وثانيهما مناداة الحركات النسوية بعدم وجود فروق طبيعية بين الرجل والمرأة، وأن الفروق القائمة بينهما بالمجتمعات المختلفة هي فروق ناتجة عن الظروف الاجتماعية وهو فكر يدعم النسبية التي تفتح الباب لغياب الفضيلة بالمجتمع.
أما خطر الحركات النسوية الرئيسي – كما يراه مانسفيلد – فيكمن في هجوم الحركات النسوية العقلاني على فضيلة الرجولة، وهنا يوضح مانسفيلد أن الحركات النسوية لا تهاجم الرجولة كفضيلة في حد ذاتها ولكنها تهاجمها لاقتصارها على الرجال، فالحركات النسوية تريد ألا يقتصر الرجل على فضيلة الرجولة، وأن تعيد تعريف الرجولة كفضيلة مفتوحة أمام الرجال والنساء إلى درجة سمحت فيها بالنساء بالمشاركة في الحرب جنباً إلى جنب مع الرجل وهو ما يرفضه مانسفيلد الذي يرى أن الرجولة فضيلة ضرورية بأي مجتمع يقتصر بها الرجل كما تقتصر المرأة بفضيلة الأنوثة.فشل الحركات النسوية في تحقيق الرجولة دفع بهم إلى نقد الرجولة نقداً غير عقلاني وتصويرها على أنها فضيلة سلبية، إذ يرحب مانسفيلد بالنقد الذكي لفضيلة الرجولة وهي رفض يقبل بالرجولة كفضيلة إيجابية تقتصر على الرجال ويسعى لتقويمها من داخلها، فالرجولة تؤدي للبطولة ولكنها قد تؤدي أيضاً – على سبيل المثال – إلى الرغبة في تحدي الآخرين لإثبات الرجولة مما يتطلب تقويمها، ولكن هذا النقد – كما يرى مانسفيلد – غائب عن الحركات النسوية التي لا تطالب النساء بفهم الرجال والرجولة، ولكنها تصر على المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء وتضغط على الرجل لكي يشعر بالخزي من رجولته ولكي يعطي المرأة حقوقها ولكي يكون أكثر حساسية لاحتياجات المرأة وأكثر تشجيعا له على أن تتساوى معه وتتفوق عليه، في الوقت الذي تزرع فيه الحركات النسوية الرغبة داخل المرأة في الاستقلال وعدم الاعتماد على الرجل والسعي لتحقيق المساواة مع الرجل في كل شيء.وهنا يرى مانسفيلد أن الرجولة فضيلة ضرورية بأي مجتمع، فالتاريخ هو من صناعة رجال أقوياء أصحاب رجولة، كما أن الرجولة هي فضيلة ضرورية بالمجتمع الرأسمالي الحر، فالديمقراطية بالمجتمع الأمريكي تحتاج للرجولة، فهي تقوم على حب المخاطرة والتنافس والصراع من أجل البطولة، وهي قيم يمكن أن تنمى ولكن لا يمكن زراعتها بمن لا يمتلكونها، كما تترتب على الرجولة مسؤولية وفضائل مثل الرغبة في تحقيق الذات والشرف والمكانة والرغبة في تحمل المسؤولية.ويقول مانسفيلد إن هجوم الحركات النسوية المستمر على الرجولة صعّب من عملية تعليمها ونقلها للأجيال الأمريكية الجديدة التي أصبحت تعاني من نقص منها، كما حولت الحركات النسوية الرجولة إلى رد فعل وإلى فضيلة يخجل الفرد منها ويحاول إخفاءها والتقليل منها، كل هذا أدى إلى إضعاف فضيلة الرجولة بالمجتمع الأمريكي، إذ أصبح الرجل الأمريكي غير راغب في تحمل مسؤوليات الرجولة الباهظة، وتحملت المرأة الأمريكية أعباء ضخمة مستمرة لإثبات مساواتها بالرجل، بل وقعت المرأة فريسة للرجل ولنزواته، فالرجل وجد في الهجوم على الرجولة فرصة للتخلص من أعباء الزواج ومسؤولياته وأصبح يفضل العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وبسبب تكوينه البيولوجي وعدم تحديد فترة خصوبة الرجل بفترة زمنية معينة على عكس المرأة أصبح لدى الرجل هامش حرية أعلى بكثير من المرأة التي تحتاج لبناء علاقات مستقرة خلال فترة شبابها إذا كانت راغبة في الاستقرار والزواج والإنجاب، وبهذا انتشرت حوادث هروب الأزواج من أسرهم ورفضهم تحمل المسؤولية وزادت أعداد الأسر التي تتحمل فيها الأم أعباء المعيشة بمفردها، وساءت نظرة المجتمع الأمريكي للأم غير العاملة، في حين زادت أعباء المرأة العاملة بدرجات غير مسبوقة وغير محتملة في كثير من الأحيان.لذا ينادي مانسفيلد بالعودة للأفكار التي سادت عن المرأة والرجل في الفترة التي سبقت ظهور الحركات النسوية، لأن انتشار الحركات النسوية أضعف من انتشار فضيلة الرجولة بالمجتمع الأمريكي، في حين أن انتشار فضيلة الرجولة في مجتمع ما يمثل فرصة لنقدها وتقويمها وتحسينها، أما غيابها فيمثل نقمة على الرجل والمرأة على حد سواء، لذا يتهم مانسفيلد النساء المؤمنات بفكر الحركات النسوية بأنهن أقل ذكاء من النساء التقليديات.دور المثقف وشخصية مانسفيلديعيب مانسفيلد على الأكاديميين عدم فهمهم لعقلية الجماهير ولعقلية المواطن العادي المحب لبلده، فالمواطن العادي يؤمن بالبطولة والحب والتحيز لبلده، أما عالم السياسة والأكاديمي فهو يؤمن بالحقيقة ويفني حياته في البحث عنها ويرحب بنقد ذاته وبلده، مما يجعل من عالم السياسة بمثابة مواطن سيئ في عيون المواطنين العاديين، لذا يطالب مانسفيلد علماء السياسة – في أحد مقالاته – بلعب دور أكبر في دعم قيم المواطنة داخل مجتمعاتهم من خلال تقدير حب المواطن لبلده واحترام بساطة هذا الحب وتشجيع المواطن على المشاركة في شؤون بلاده وتوعيته بأخطاء عدم المشاركة. حتى إن مانسفيلد دعا – في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه بعد انتخابات عام 2000 الرئاسية والتي فجرت جدلاً سياسياً واسعاً حول جدوى الأسلوب الذي تتم به الانتخابات الرئاسية الأمريكية – إلى التوقف عن نقد الديمقراطية الأمريكية وتشجيع الناس على المشاركة في الديمقراطية الأمريكية والاستمتاع بها ودعمها بدلاً من نقدها.كما يعيب مانسفيلد على أساتذة الجامعات الانعزال عن المجتمع وإهمال تأثير السياسة في مختلف جوانبه بما في ذلك الجامعات والسياسات داخلها، فهو يرى أن الانعزال عن الواقع لن يؤدي إلا إلى المبالغة في المثالية والأفكار الراديكالية.
مانسفيلد والإسلام والحرب على الإرهابمقالات مانسفيلد المنشورة وأحاديثه إلى وسائل الإعلام الأمريكية لا تركز بشكل كاف على موقف مانسفيلد الراهن تجاه العالم الإسلامي والحرب على الإرهاب وسياسات أمريكا الخارجية الراهنة، وإن كان يمكن القول بصفة عامة إن مانسفيلد مساند قوي لسياسات الجمهوريين واليمين الأمريكي والإدارة الأمريكية الحالية والمحافظين الجدد، حيث يرى مانسفيلد بصفة عامة أن اليمين الأمريكي أكثر تمثيلا للتراث الأمريكي وأكثر قدرة على حماية أمريكا كدولة وتراث ومجتمع. ويفيدنا على هذا الصعيد مقال كتبه مانسفيلد في الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في مجلة (بوسطن جلوب) واسعة الانتشار ينتقد فيه مانسفيلد موقف الجامعات الأمريكية من الحرب على الإرهاب، حيث يرى مانسفيلد أن سيطرة التيارات اليسارية الليبرالية على تلك الجامعات جعلت منها منابر يسارية تبالغ في نقد الحكومة الأمريكية وسياساتها وفي تعبئة الطلاب سياسياً بدلاً من التركيز على وظيفتها الأساسية وهي تعليم الطلاب، وتوعيتهم بالقضايا الكبرى، وهنا تظهر الازدواجية في أفكار هارفي مانسفيلد، فهو يرى أن الجامعات الأمريكية يجب أن تسلح طلابها بفهم الواقع والأحداث الكبرى التي تدور حولهم. أما بخصوص هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فيقول مانسفيلد (الهجمات أوضحت أن لنا أعداء يكرهوننا لأنهم يكرهون قيمنا وممارساتنا، إنهم يحتقرون أسلوب حياتنا ليس لأننا لا نعلي قيمنا الخاصة بالحرية والديمقراطية والتسامح، ولكن لأننا نفعل ذلك)، وبهذا يضع مانسفيلد نفسه في معسكر من يؤمنون بأن المشكلة التي تتعرض لها شعبية أمريكا في العالم ناتجة من كراهية الآخرين لأمريكا وليس بسبب سياسات الولايات المتحدة نفسها وهو معسكر يضم قيادات اليمين الأمريكي الفكرية والسياسية من أمثال المستشرق الأمريكي المعروف برنارد لويس.كما يلوم مانسفيلد على الحركات النسوية هجومها المستمر على الثقافة الأمريكية وتحيزها ضد المرأة في الوقت الذي تقف فيه تلك الحركات صامته أمام (الإهمال الكامل لحقوق النساء من قبل الإسلام الراديكالي)، ويقول إن الحركات النسوية الأمريكية مدفوعة في موقفها هذا بإيمانها بالتعددية الثقافية التي تنادي بالمساواة بين الثقافات، وبهذا تقوم الحركات النسوية الأمريكية (بعض طرفها عن أوضاع النساء بمجتمعات تنكر حقوق المرأة (يقصد المجتمعات الإسلامية)، وتوجه انتقاداتها لمجتمعات تؤمن بحقوق المرأة (يقصد المجتمعات الغربية)، بالطبع من الأسهل أن تنتقد شخصاً يستمع إليك ولا يقوم فوراً بقطع رقبتك). وينتقل مانسفيلد بعد ذلك إلى قضية الحريات المدنية داخل أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث يقول إن (دعاة الحريات المدنية على اليمين واليسار يفترضون أن الحكومة هي هدف نقمتهم، وأن الأقليات تحتاج لعناية خاصة، وقد يبدو هذا صحيحاً في أوقات السلام، ولكن في حالة الحرب الحكومة هي صديقك الأول، كما يجب حماية الأغلبية)، ويمضي مانسفيلد قائلا (دعوة الإسلام الراديكالي هي في الحقيقة (خطر واضح وحاضر)، ونحن في حاجة إلى قمعه). كما يقول إن (الجهاديين يقولون إنهم سوف ينتصرون لأنهم يؤمنون بالموت في حين أننا نؤمن بالحياة، هذا ليس صحيحاً، نحن نؤمن بالحياة ولكن ليس تحت أي تكلفة، نحن أيضاً نقدر التضحية والشرف من أجل الأهداف السامية، ولكننا نترك جنودنا ليتحدثوا نيابة عنا، أساتذة الجامعات – وهم من يفترض أن يتحدثوا نيابة عنا – لم يتعلموا شيئاً من جنودنا، وليس لديهم ما يقولونه لكي يشرحوا لهؤلاء الجنود لماذا يضحون بحياتهم). والواضح هنا أن مانسفيلد يكرر مجدداً بعض الأفكار الشائعة في أوساط الدوائر السياسية والأكاديمية المتشددة من أمثال الكاتب الأمريكي المتشدد دانيال بايبس، وهي أفكار لاقت استهجانا واسعاً من قبل قراء جريدة (بوسطن جلوب) الذين راسلوا الصحيفة ينتقدون مقال مانسفيلد والحجج الواردة فيه.وبغض النظر على الخلاف أو الاتفاق مع أفكار هارفي مانسفيلد، التي سعينا إلى عرضها في هذا المقال بدقة وموضوعية، يجب التأكيد في خاتمة هذا المقال على الأفكار التالية:أولاً: دراسة أفكار هارفي مانسفيلد توفر نافذة مهمة على أفكار اليمين الأمريكي بالولايات المتحدة، وهو أحد التيارين السياسيين المسيطرين على السياسة الأمريكية في الفترة الحالية، والذي سوف يبقى متواجداً قوياً في السنوات المقبلة حتى لو استمر الجمهوريون في تراجعهم السياسي في الانتخابات الأمريكية المقبلة في عام 2008.ثانياً: توضح أفكار مانسفيلد جوانب مختلفة من الفكر السياسي اليمين في الولايات المتحدة خاصة في ما يتعلق بجذوره الفلسفية والاجتماعية، وهي جذور لا تنال حظها من الاهتمام في كتابات أمريكية وأجنبية عديدة والتي تركز في العادة على أفكار ومواقف الجمهوريين واليمينيين السياسية تجاه القضايا السيارة وتهمل جذور تلك الأفكار والمواقف.ثالثاً: من الواضح أن معرفة هارفي مانسفيلد بالإسلام والعالم الإسلامي محدودة، وأن أفكاره التي عبر عنها تجاههما هي انعكاس لمواقفه وفلسفته السياسية العامة القريبة من التيار اليميني المتشدد أكثر منها انعكاساً لمعرفة مانسفيلد القريبة بالإسلام وبالمسلمين، كما أنها تعكس بعض مفكري المحافظين الجدد واليمين الأمريكي المتشدد القريبين من مانسفيلد، كما أنها تضر بسمعة أكاديمي له وزنه الفكري والفلسفي على وزن مانسفيلد. أخيراً: تقدم أفكار مانسفيلد نافذة مهمة على أفكار اليمين الأمريكية والمحافظين الجدد، وهي أفكار تدعي القدرة على فهم الواقع والتعامل مع من منظور واقعي يختلف كلية عن الفكر الليبرالي الشائع في الولايات المتحدة، ونحن نأمل أن يمثل هذا المقال جزءاً من توجه أوسع للتعرف إلى الفكر السياسي الأمريكي المعاصر بتوجهاته الأيديولوجية المختلفة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2614::/cck::
::introtext::
الهزيمة التي لحقت بالحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر 2006 التشريعية الأمريكية يجب ألا تقلل من اهتمام الباحثين في أمريكا وخارجها بمحاولة فهم الجذور السياسية والفكرية للحزب الجمهوري ولقوى اليمين الأمريكي المساندة له والتي تشكل جزءاً رئيسياً من القوى السياسية في الولايات المتحدة.من هذا المنطلق رأينا أن نتناول في هذا المقال فكر أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هارفي مانسفيلد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية – أعرق الجامعات الأمريكية، والذي ينظر إليه على أنه إحدى أهم القلاع الأكاديمية المحافظة في أمريكا، وأحد أقدر الكتّاب الأمريكيين القادرين على تأصيل السياسات اليمينية فكرياً وفلسفياً، إضافة إلى نشاط مانسفيلد في دوائر المحافظين الجدد ومشاركاته المستمرة في عدد كبير من المعارك الفكرية السياسية الجارية في أمريكا. النفوذ الفكري والسياسي لهارفي مانسفيلدبدأ هارفي مانسفيلد حياته الجامعية في جامعة هارفرد الأمريكية في عام 1962، ولا يزال يعمل أستاذاً بالجامعة الأمريكية العريقة حتى الآن، حيث اشتهر كأستاذ للفلسفة السياسية الكلاسيكية وبتعمقه في فهم وتحليل أفكار فلاسفة كبار مثل ميكيافيللي وجون لوك ودي توكفيل، كما شغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة هارفرد خلال الفترة (1973-1977).
::/introtext::
::fulltext::
الهزيمة التي لحقت بالحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر 2006 التشريعية الأمريكية يجب ألا تقلل من اهتمام الباحثين في أمريكا وخارجها بمحاولة فهم الجذور السياسية والفكرية للحزب الجمهوري ولقوى اليمين الأمريكي المساندة له والتي تشكل جزءاً رئيسياً من القوى السياسية في الولايات المتحدة.
من هذا المنطلق رأينا أن نتناول في هذا المقال فكر أحد أبرز المفكرين السياسيين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو هارفي مانسفيلد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد الأمريكية – أعرق الجامعات الأمريكية، والذي ينظر إليه على أنه إحدى أهم القلاع الأكاديمية المحافظة في أمريكا، وأحد أقدر الكتّاب الأمريكيين القادرين على تأصيل السياسات اليمينية فكرياً وفلسفياً، إضافة إلى نشاط مانسفيلد في دوائر المحافظين الجدد ومشاركاته المستمرة في عدد كبير من المعارك الفكرية السياسية الجارية في أمريكا.
النفوذ الفكري والسياسي لهارفي مانسفيلدبدأ هارفي مانسفيلد حياته الجامعية في جامعة هارفرد الأمريكية في عام 1962، ولا يزال يعمل أستاذاً بالجامعة الأمريكية العريقة حتى الآن، حيث اشتهر كأستاذ للفلسفة السياسية الكلاسيكية وبتعمقه في فهم وتحليل أفكار فلاسفة كبار مثل ميكيافيللي وجون لوك ودي توكفيل، كما شغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة هارفرد خلال الفترة (1973-1977).وانتخب في عام 2004 عضواً في مجلس إدارة الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، وقلده الرئيس جورج دبليو بوش – في العام نفسه (2004) – الميدالية الوطنية للعلوم الإنسانية وهي وسام رفيع يمنح للعلماء الذين ساهموا في تطوير فهم أمريكا للعلوم الإنسانية.كفاءة مانسفيلد وإنجازاته العلمية تضعنا أمام مفكر أكاديمي ذي قدرات خاصة ورؤية مركبة ذات أبعاد تاريخية وفلسفية عميقة، وهو أمر يرشح مانسفيلد أكثر من غيره كنموذج مفيد في فهم بعض جوانب الفكر السياسي اليميني الأمريكي المعاصر.
هذا إضافة إلى ورود اسم مانسفيلد بشكل متكرر في الكتابات الخاصة بالجذور الفكرية للمحافظين الجدد، حيث يرى البعض أن مانسفيلد هو أحد أبرز أتباع المفكر الأمريكي الألماني الأصل ليو ستراوس الذي ينظر له على أنه الأب الفكري والفلسفي لتيار المحافظين الجدد بأمريكا.فعلى سبيل المثال ترى آن نورتون – في كتابها الصادر في عام 2004 بعنوان (ليو ستراوس وسياسات الإمبراطورية الأمريكية) – أن مانسفيلد هو أحد أهم المفكرين التابعين لليو ستراوس بالساحل الشرقي للولايات المتحدة.وهنا تبرز نورتون حقيقة أن مانسفيلد تولى بدوره التدريس لاثنين من أبرز المفكرين التابعين لتيار المحافظين الجدد حالياً وهما ويليام كريستول رئيس تحرير مجلة (ويكلي ستاندارد) وهي أبرز المجلات المعبرة عن تيار المحافظين الجدد حالياً والكاتب المعروف فرانسيس فوكوياما الذي اشتهر بكتابه (نهاية التاريخ). علاقة هارفي مانسفيلد بليو ستراوس وبالمحافظين الجدد هي علاقة لا ينكرها، بل على العكس يفتخر بها، إذ يتحدث مانسفيلد بشكل متكرر في كتاباته عن ليو سترواس كأستاذه ومرشده الفكري الذي يقتفي آثاره الفكرية أينما يذهب ويجد أفكاره موجودة قائمة في كل مساحة فكرية جديدة يعثر عليها مانسفيلد، وبهذا الخصوص يذكر مانسفيلد – في إحدى كتاباته – عن ستراوس ما يلي:(كل مرة يـقفز بي على جزيرة (فكرية) لا يعيش عليها أحد وأعتقد أنها (جديدة) لم يعثر عليها أحد (من قبل)، سرعان ما أعثر على لافتة صغيرة (على شاكلة لافتات مواقف السيارات بالطرق العمومية) تقول (ضع بعض النقود هنا). وبعد أن أطيع، أجد أمامي لافتة عملاقة مضيئة بأضواء (النيون) كان يمكن قراءتها من مسافة بعيدة مكتوبة عليها الرسالة التالية (ليو ستراوس كان هنا)). كما يتحدث مانسفيلد بكل أعجاب وتقدير في أحد مقالاته عن إيرفينج كريستول الذي يطلق عليه الكثيرون لقب (الأب الروحي) للمحافظين الجدد لدوره الكبير في تطوير أفكار المحافظين الجدد ونشرها فكرياً وسياسياً، وهنا يجدر الإشارة إلى أن إيرفينج كريستول لم يكن مفكراً وباحثاً ناجحاً فحسب ولكنه كان أيضاً ناجحاً في بناء المؤسسات الفكرية المعبرة عن أفكار المحافظين الجدد وفي لعب دور الوسيط بين أثرياء المحافظين والمؤسسات الفكرية والباحثين المعبرين عن أفكار المحافظين الجدد، الأمر الذي دعم دور إيرفينج كريستول المركزي في تطوير تيار المحافظين الجدد.
لذا لا يغيب على مانسفيلد مديح إيرفينج كريستول لأفكار ولدوره في (إنقاذ) عدد من طلابه (المحافظين) ومساعدتهم في بداية حياتهم الفكرية والسياسية، كما يفتخر مانسفيلد بأنه رد الجميل لإيرفينج كريستول من خلال تعليم ابنه ويليام والذي كان أحد طلاب مانسفيلد، كما يمتدح مانسفيلد المحافظين الجدد حيث يرى أنهم ساهموا في تطوير أفكار اليمين الأمريكي التقليدي وفي تطوير نقد اليمين لليسار بالولايات المتحدة مما جعل المحافظين الجدد يستحقون مكاناً ثابتاً وسط اليمين الأمريكي.سبب ثالث هو طبيعة كتابات مانسفيلد نفسها التي تجذبك من الوهلة الأولى لما تتميز به من طبيعة فكرية مخالفة عن الأفكار الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة، فعند المرور على كتابات هارفي مانسفيلد يجد القارئ نفسه أمام مجموعة من الأفكار المهتمة بميكيافيللي والمعارضة لمطالب الحركات النسوية وحركات التعددية الثقافية التي ترفض المساواة وتخشى على أمريكا من الديمقراطية المفرطة، وهو ما يذكر القارئ بحديث المحافظين الجدد المستمر عن الواقع وكيف أنهم أقدر من غيرهم على فهم الواقع والشر ومواجهتهما.بمعنى آخر يجد القارئ نفسه أمام منظومة فكرية يمينية مختلفة عن الفكر الليبرالي الشائع عن الولايات المتحدة، وهي منظومة تعدك بأنها أكثر قدرة على تسليحك بالأدوات التي تمكنك من مواجهة العالم والواقع بما يملأهما من مآس والتعامل معهما، وهو وعد أدعو القارئ إلى أن يضعه في حسبانه خلال قراءته لهذا المقال. الأفكار الفلسفية الكبرى لو حاولنا أن نلخص فكر هارفي مانسفيلد في عدة أفكار أساسية لقلنا إن أفكار مانسفيلد تنطلق من فكرة رئيسية أولى وهي أهمية الفكر والفلسفة في الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة. والواضح أن جذور هذه الفكرة لدى مانسفيلد تعود إلى ليو ستراوس ذاته الذي رفض سيطرة المدرسة السلوكية على العلوم السياسية بأمريكا خلال منتصف القرن العشرين لأنها تنادي بسيطرة الحياد والموضوعية على المعرفة السياسية، حيث رأى ستراوس أن هناك صواباً وخطأ، وحقيقة وباطلاً، وأن وظيفة المعرفة هي التفرقة بين القطبين السابقين واكتشاف الشر ومحاربته، فلو وقف المفكر السياسي موقف الحياد تجاه الظواهر لما تمكن الغرب من مكافحة النازية.لذا فإن ستراوس دعا طلابه إلى الاهتمام بالفلسفة السياسية بشكل عام وبالفلسفة السياسية الكلاسيكية بشكل خاص، لذا يكن هارفي مانسفيلد وغيره من أتباع ستراوس قدراً كبيراً من الاحترام لفلاسفة اليونان وفلاسفة العصور الوسطى ويعودون إليهم بشكل متكرر عند دراسة الحياة السياسية الأمريكية المعاصرة لدرجة تحير بعض الكتّاب والمفكرين الأمريكيين الذين لا يعرفون الكثير عن الفلسفة الكلاسيكية ويفضلون مقارنة الواقع الأمريكي بأفكار وتجارب سياسية معاصرة.وتترتب على ذلك – في فكر مانسفيلد بشكل خاص وفكر أتباع ستراوس بصفة عامة – قناعتان مهمتان، أولهما الإيمان بتفوق الفكر الكلاسيكي القديم وباحتوائه على حقائق وحلول مهمة للمشكلات المعاصرة، أما القناعة الثانية فهي قدرة العقل البشري على اكتشاف الحقيقة من خلال التفاعل مع الكتابات الفكرية والتراثية المهمة.لذا فإن مانسفيلد يبدي إعجابه بأساتذة الجامعات الذين يعرفون اللاتينية ويمتلكون فكراً فلسفياً شاملاً نحو الحياة يعكسونه في كتاباتهم، ويحاولون الدمج بين العصري والقديم في مؤلفاتهم.وعندما قرر بعض طلاب هارفي مانسفيلد ومن بينهم ويليام كريستول الاحتفال بأستاذهم قاموا في عام 2000 بكتابة عدة أبحاث عن فلاسفة العصور الوسطى والحديثة والإسهام الذي يمكن أن تقدمه أفكارهم في فهم السياسة الأمريكية الراهنة وجمعوها في كتاب بعنوان (تعليم الأمير) في إشارة إلى كتاب (الأمير) لميكيافيللي الذي يهتم به هارفي مانسفيلد اهتماماً خاصاً معتبراً إياه مؤسس علم السياسة الحديث. كما تتميز كتابات مانسفيلد المختلفة بما في ذلك مقالاته القصيرة التي ينشرها في بعض المجلات والصحف الأمريكية بسعيه الدائم للبحث عن حلول للمشكلات والمسائل السياسية الراهنة في فلسفة كبار المفكرين الغربيين وعلى رأسهم فلاسفة اليونان، وفلاسفة العصور الوسطى، وأفكار الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. الفضيلة ورفض النسبية الركيزة الثانية في فكر هارفي مانسفيلد هي إيمانه بوجود الفضيلة كقيمة يجب أن تسعى المجتمعات لتحقيقها وزرع حبها بين مواطنيها بما يترتب عليها من مسؤوليات للفرد تجاه المجتمع، حيث يرفض مانسفيلد الهجوم الذي تتعرض له فكرة وجود الفضيلة من الجماعات التي تعارض الفكرة وتدعو للحياد أو النسبية كبديل للفضيلة.بمعنى آخر يؤمن مانسفيلد بوجود حقيقة وباطل وبوجود صواب وخطأ، ويطالب المجتمع الأمريكي بالعودة للفضيلة التي يرى أنها ترتبط بالأفكار والمؤسسات التقليدية والتي تعرضت لهجوم واسع من قبل اليسار الأمريكي الجديد السائد منذ عقد الستينات من القرن العشرين، وهنا يرى مانسفيلد أن الهجوم على الفضيلة أفقد المجتمع الأمريكي شيئاً ما يصفه عادة بأنه الاحترام والمسؤولية.
ويترتب على إيمان مانسفيلد بوجود الفضيلة إيمانه برفض المهادنة والنسبية، حيث يهاجم مانسفيلد الادعاء بالحياد والنسبية على أساس إنه ادعاء خطير لا يمكن تحقيقه في جوهره، ويترتب عليه استبعاد الآخرين دون الإقرار بهذا الاستبعاد، لأن الكاتب الذي يدعي النسبية التي يستحيل تحقيقها – من وجهة نظر مانسفيلد – ينتهي به الأمر برفض كل المختلفين معه في ذلك الرأي من دون أن يقر حتى برفضهم.وهنا يرى مانسفيلد أن الليبرالية الأمريكية التي تدعي النسبية تقبل بكل شيء ما عدا القبول بالأفكار المحافظة المخالفة لها مما يتعارض مع مقولة النسبية ذاتها، كما يرى مانسفيلد أن السياسة جزء من كل شيء، فكل شيء له أصدقاء وله أعداء، فلو كانت الفضيلة نسبية، وكان كل شيء متغيراً غير ثابت لما تمكن الإنسان نفسه من الوجود.وهنا يجب الإشارة إلى أن مانسفيلد لا يعارض استخدام الدين كوازع لنشر الفضيلة في المجتمع، فهو يرى أن الدين أداة إيجابية في تحقيق هذا الأمر، ولكنه يتبنى تعريفاً أكثر علمانية للفضيلة مما يميزه عن التيارات الأمريكية اليمينية المتدينة، فيمينية مانسفيلد هي يمينية علمانية بالأساس.الفردية والتنافس دعائم الديمقراطية يرى مانسفيلد – مستشهداً بأفكار المفكر الفرنسي المعروف دي توكفيل – أن أساس الحياة بأي مجتمع ديمقراطي هو التحزب وسعي كل فرد لتعظيم مصلحته الخاصة مما يشكل ضمانة أساسية للديمقراطية، حيث يرى مانسفيلد أن المساواة هي قيمة مثالية يستحيل تحقيقها، في المقابل يرى أن التحزب والسعي لتحقيق المصلحة الخاصة هما من خصائص الطبيعة البشرية، كما يرى أن الطبيعة البشرية ذاتها مشغولة لدرجة ما بتحقيق المصلحة العامة.لذا يرى مانسفيلد أن وظيفة المجتمعات الديمقراطية لا تكمن في تحقيق المساواة وإنما تكمن في توفير مناخ الحرية الذي يمكن كل فرد من مضاعفة طاقته لتحقيق مكاسبه، فالفرد في المجتمع الديمقراطي – كما يرى مانسفيلد – يشعر بالضرورة بضعفه نظراً لفرديته مما يمثل دافعاً قوياً له للعمل لتعظيم مصلحته وقوته، ويترتب على فردية الأفراد وطموحهم الشخصي لتحقيق منافعهم الخاصة الحد من سلطة الدولة والحفاظ على الديمقراطية، لأن من مصلحة الأفراد الأقوياء الحد من سلطة الدولة وتوفير الحرية لأنفسهم لتعظيم مكاسبهم.ولهذا يرى مانسفيلد أن الفردية والسعي لتحقيق المصلحة الخاصة هما فضائل أساسية بالمجتمع الديمقراطي أكثر قدرة على حماية الديمقراطية من عوامل أخرى كالدين واقتصاد السوق الحر التي يتمسك بها اليمين الأمريكي. ولكن كيف تتحقق المصلحة العامة في مجتمع يسود فيه التنافس بين أفراد وجماعات قوية تسعى لتحقيق مصلحتها الخاصة والحد من دور الدولة؟ هنا يشير البعض إلى إيمان هارفي مانسفيلد بفلسفة أرسطية (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو)، وهي فلسفة ترى أنه ينبغي بناء المجتمعات الديمقراطية على أساس من التنافس بين فئاتها المختلفة والسماح للفئات الأقوى للوصول إلى الحكم، بمعنى آخر أن الفئات الأقوى والأصلح هي التي تصل إلى الحكم وتبقى فيه مادامت هي الأقوى، وبهذا تمكن الفردية والمنافسة والحرية المجتمع من أن يحكم بأقوى أبنائه.وعند وصول جماعة ما للحكم، فإنه ينبغي حماية هذه الجماعة – كما يرى مانسفيلد – من النزعات الجماهيرية الشعوبية التي تنادي بالمساواة وإشراك الجماهير في الحكم، حيث يؤمن مانسفيلد بالحكومة القوية ويرفض الثورات الجماهيرية والحركات الشعبية على مدى التاريخ حيث يرى أن هذه الحركات تؤمن في عادتها بفكرة المساواة وتحاول فرض سلطتها على الحكومة وبناء مؤسسات سياسية ضعيفة ترضخ لإرادة الجماهير الضعيفة المشتتة، ومن ثم تحتاج أي ديمقراطية لوضع دساتير وبناء مؤسسات سياسية تضمن الفصل النسبي بين الساسة والجماهير فور وصول الساسة للحكم، فلو خضع الحكام في كل شيء للجماهير بنزواتها العديدة المتناقضة الاشتراكية لضعفت الفردية والطموح الشخصي والتنافس وانتهت الديمقراطية.كما ينتقد مانسفيلد في كتاباته الأديان والأيديولوجيات التي تنادي بالمساواة بين الأفراد وفقاً لحقوق طبيعية، حيث يرى أن إقناع الأفراد بالمساواة غير القائمة والمستحيلة – من وجهة نظره – من شأنه أن يضعف من قدرتهم على المنافسة وبناء مجتمع ديمقراطي، حيث يرى أن انتشار المسيحية في العصور الوسطى أدى إلى إضعاف الديمقراطية، ولعل هذا يفسر تقدير مانسفيلد الكبير لميكيافيللي والذي فصل بين الدين والفضيلة مما ساعد على تأسيس علم السياسة الحديث من وجهة نظر مانسفيلد.كما يمتدح مانسفيلد الديمقراطية الأمريكية لأنها قائمة على التنافس والفردية مع قدر من الاحترام للدين وعدم الخصام معه بشكل يضمن استخدامه كأداة لنشر الفضيلة بالمجتمع، في الوقت نفسه تقوم الديمقراطية الأمريكية على مؤسسات قوية كالكونجرس والبيت الأبيض والقضاء، لذا يعارض مانسفيلد الحركات الليبرالية بسبب مطالبها المستمرة بالمساواة، كما ينتقد الحركات اليمينية التقليدية بسبب عدائها – المبالغ فيه أحياناً – لسلطة الدولة، كما ينتقد المساعي الرامية للحد من سلطات أعضاء الحكومة والسلطة التشريعية وتقييدها من خلال وضع حد لمدة خدمة أعضاء الكونجرس على سبيل المثال وهي دعاوى نشرها الجمهوريون في منتصف التسعينات من القرن العشرين، إذ يرى مانسفيلد أن الميول والحركات الشعبية مضرة بالديمقراطية.
ولكن هذا لا يعني أن مانسفيلد يؤمن بالحكومة المطلقة غير المقيدة، فمانسفيلد – على النقيض – يؤمن بحكومة صغيرة ولكنها قوية، فهو يؤمن بديمقراطية تضمن الحرية للجميع، وتضمن أيضاً وصول الأقوى والأصلح للحكم، وتمنح النخبة التي تصل للحكم القوة المناسبة لحماية نفسها من غوغائية الجماهير، فديمقراطية مانسفيلد تسمح بصعود ارستقراطية طبيعية.فغاية الديمقراطية – كما يراها مانسفيلد – هي بناء نظام جماهيري شعبوي، لذا ينبغي الحد من مخاطرها من خلال استخدام الديمقراطية في بناء أرستقراطية طبيعية.كما دفعت المعتقدات السابقة مانسفيلد إلى نقد من يريدون الحد من سلطة الحكومة الأمريكية في الحرب على الإرهاب خاصة في مجال التعامل مع أعداء أمريكا الخارجيين، حيث يرى مانسفيلد أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة أرادوا بناء نظام سياسي يتيح قيام سلطة تنفيذية قوية، سلطة تخضع للرقابة والمحاسبة من قبل السلطة التشريعية ولكنها لا تتقيد بها، وهنا يرى مانسفيلد أن الفلسفة الأمريكية العامة تؤمن بوضع السلطة في يد شخص واحد وهو الرئيس ومحاسبة الرئيس إذا أخطأ، ولكنها لا تؤمن بتقييد يد هذا الرئيس أو بإضعاف سلطته وقدرته على التصرف من خلال وضع عدد كبير من القيود التشريعية على تصرفات الرئيس. ويقول مانسفيلد إن عدم تقييد حرية الرئيس في الحركة ضرورة خاصة في أوقات الأزمات والضرورة وهي أوقات يجب ألا تتقيد فيها الحكومة بالقوانين والأخلاق كما يرى مانسفيلد مستشهداً بميكيافيللي.ميكيافيللي والدين وفضائل السياسي لا يستطيع الباحث دراسة أفكار هارفي مانسفيلد من دون أن يلاحظ مدى حبه وتقديره لميكيافيللي، حتى إن الصحفيين والكتّاب الذين كتبوا عن مانسفيلد لم يفوتهم الإشارة إلى أنه يزين مكتبه بصور ميكيافيللي وليو ستراوس وجون لوك.كما أن حب ميكيافيللي دفع مانسفيلد إلى نقد أستاذه ومعلمه الأول ليو ستراوس لشعور مانسفيلد بأن ستراوس ظلم ميكيافيللي ولم يعطه حقه الكافي نظراً لعدم اهتمام ستراوس الكافي بمفكري الحداثة.أما سبب حب مانسفيلد لميكيافيللي فيعود لاعتقاد مانسفيلد بأن ميكيافيللي هو من وضع حجر أساس علم السياسة الحديث بثورته على هيمنة الدين على تعريف الفضيلة، إذ يرى مانسفيلد أن الفلاسفة الكلاسيكيين كانوا متقدمين في فهم السياسة بسبب تبنيهم مفهوم غير ديني للفضيلة قائم على الصراع والتنافس والحرية، وأن انتشار المسيحية في العصور الوسطى أدى إلى تعطيل الفهم الإنساني للسياسة، لأن المسيحية نشرت مفهوماً للفضيلة غلب عليه الطابع الديني المثالي الذي ينادي بأن الأفراد ولدوا متساوين ويعطي سلطة كبيرة للكنيسة، ويقول مانسفيلد إن فهم المسيحية للفضيلة كان مليئاً بالمشكلات إذ عطل قدرة الأفراد على فهم الواقع والشر والسياسة، كما أنه أعطى سلطة كبيرة للكنيسة وقاد للاستبداد.لذا فإن ميكيافيللي أحدث ثورة في تطور الفكر البشري للسياسة عندما رفض الربط بين الفضيلة والدين، إذ قسم ميكيافيللي الفضائل إلى نوعين، فضائل بعيدة يصعب تحقيقها لارتباطها بمبادئ دينية وفلسفية كبرى، وفضائل صغيرة دنيوية يسهل تحقيقها في الحياة الدنيا، وجعل ميكيافيللي هم المفكر السياسي هو الانشغال بتحقيق الفضائل الصغرى مما مكنه من تحرير المفكر السياسي ورجل السياسة والمواطن من الانشغال بالمبادئ الكبرى.وبهذا تمكن ميكيافيللي من الحديث عن نوع جديد من الفضائل التي يجب أن يتميز بها الحاكم مثل القوة والدهاء والبطش والقدرة على الخداع، والتي كان ينظر إليها في الماضي على أنها خصال سلبية بعيدة عن الفضيلة، وهنا يرى مانسفيلد أن صورة الحاكم التي رسمها ميكيافيللي هي الأقرب لصورة الحاكم الذي نعرفه اليوم وهي الأكثر قدرة على مساعدة الباحث السياسي على فهم السياسة وأسلوب الحكم.وعندما يتحدث مانسفيلد عن نموذج مثالي للحكام الأمريكيين المعاصرين فإنه يضرب المثل بالرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان، حيث يصف مانسفيلد فضائل ريغان بأنه كان رجلا ذا قناعات قوية ورغبة في التحزب مساندة لأفكار حزبه حتى إن تحزب ريغان القوي دفع الحزب الديمقراطي لتبني أفكار يمينية. حيث يرى مانسفيلد أن ريغان امتلك أفكاراً خاصة به وضعها في خطاباته مقللا اعتماده على نصائح المفكرين والمثقفين، كما تميزت خطابات ريغان بالسهولة والوضوح للأمريكي العادي في الوقت الذي تميز فيه ريغان بالقدرة على الخطابة والإقناع، كما فضل ريغان خيار مواجهة الاتحاد السوفييتي وإشعال الصراع والتنافس معه على خيار المهادنة والرد، وهو تعبير عن رغبة ريغان الدائمة في التحزب والهجوم والانتصار لأفكاره وهي نزعة يفضلها مانسفيلد على خصال المهادنة والتعددية. كما يشيد مانسفيلد بأن ريغان كان دائم الابتسام والتفاؤل والحديث بشكل متفائل عن أمريكا وتراثها ومستقبلها والبعد عن النقد مما جعله شخصية محبوبة من المواطن الأمريكي لأن ريغان أشعر المواطن الأمريكي بالرضا عن نفسه مقارنة بالرؤساء المتشائمين الناقدين مثل جيمي كارتر.وتوضح الأفكار السابقة موقف مانسفيلد من الدين فهو يرى أن الدين أداة جيدة لنشر الروح والفضيلة والقيم في المجتمع على المستوى الاجتماعي، ولكنه يرفض سيطرة الدين على تعريف الفضيلة في المجتمع، الأمر الذي يضع مانسفيلد في موضع خلافي مع الجماعات المسيحية المتدينة ذات التأثير المتنامي في أوساط اليمين الأمريكي.
نقد اليسار الأمريكي الجديدمن الواضح أن هارفي مانسفيلد معارض قوي للتيار الليبرالي السائد في أمريكا حالياً، ويبدأ مانسفيلد نقده لليسار الأمريكي بالقول إن اليسار الأمريكي لا يعبر عن الليبرالية الغربية الحقيقية ولكنه يعبر عن نوع من الليبرالية الخاطئة التي انتشرت في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وبهذا يفرق مانسفيلد بين اليسار الأمريكي الجديد والليبرالية الغربية الموجودة في كتابات جون لوك وجون ستيوارت ميل وويليام كانط والآباء المؤسسين للولايات المتحدة، حيث يرى مانسفيلد أنه – هو نفسه – أكثر تعبيراً عن كتابات آباء الفكر الليبرالي مقارنة بمناصري اليسار الأمريكي الجديد.وبالنسبة لأسباب عدم رضا مانسفيلد عن اليسار الجديد فهي عديدة، وغالباً ما تبدأ هذه الأسباب برفض مانسفيلد لتعريف اليسار الجديد للفضيلة، حيث يؤمن اليسار الجديد بمفهوم نسبي للفضيلة مما يجعلهم يشجعون النسبية التي تقود إلى العبثية من وجهة نظر مانسفيلد، كما يشجعون المساواة بين الناس ويحاولون فرض المساواة مستخدمين المحاكم وسلطة الدولة والقانون لفرض المساواة فرضاً على المواطنين الأمريكيين، مما يوجد حالة عدم رضا دائمة لدى الفقراء عن حياتهم وعن الطبقات الأغنى منهم، إضافة إلى سعي اليساريين الجدد الدائم لبناء حكومة كبيرة قادرة على تقديم خدمات الرفاهية للمواطنين الفقراء.كما يعيب مانسفيلد على اليسار الجديد هجومه الدائم على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة واتهامهم بالنفاق وبرذائل عديدة على رأسها عدم محاربة العبودية، وهنا يرى مانسفيلد أن هجوم اليسار الجديد المستمر على التراث الأمريكي والغربي هو خطر داهم يهدد المجتمع الأمريكي والحضارة الغربية.
كما يرفض مانسفيلد تركيز اليسار الأمريكي على نقد الديمقراطية الأمريكية ومسار العملية السياسية بالولايات المتحدة والمبالغة في نقد مؤسسات الدولة والسعي لتقييد حريتها، ويرى مانسفيلد أن مواقف اليسار الأمريكي السابقة من شأنها إضعاف إيمان المواطن الأمريكي البسيط في مؤسساته الديمقراطية وفي حكومته وبلده، حيث يرى مانسفيلد أن هذه المؤسسات تتميز بقدر عال من التعقيد الذي يصعب على المواطن العادي فهمه، كما أنها مؤسسات تقوم على الطبيعة التنافسية سعياً للأصلح ومن ثم يصبح التنافس والتصارع ميزة لا عيباً ما لم يتم التضخيم في نقده من قبل اليسار.كما يعيب مانسفيلد على اليسار الجديد تحالفهم الدائم مع الأقليات والمهاجرين والطبقات الفقيرة ونشرهم ثقافة عدم الرضا بين تلك الطبقات، وهي ثقافة قائمة على فكرة أن الأفراد يولدون متساوين، وأن الحقوق هي شيء يولد الإنسان به، في حين يؤمن مانسفيلد بأن الحقوق لابد أن تكتسب عن طريق الكفاح والعمل الجاد.لذا يرى مانسفيلد أن انتشار أفكار اليسار الجديد في المجتمع لابد أن تقود لانهيار الفضيلة فيه، لأن من شأن انتشار هذه الأفكار إعلاء الاتكالية وإضعاف فضائل الاستقلالية والاعتماد على النفس والمنافسة، كما أن أفكار اليسار الجديد مكلفة وفاشلة – من وجهة نظر مانسفيلد – فاليسار الجديد يسعى لبناء برامج حكومية مكلفة لتقديم الخدمات للمواطنين وتحقيق المساواة بينهم، في حين يستحيل – كما يرى مانسفيلد – أن تتمكن الحكومة من إرضاء كافة احتياجات مواطنيها، ومن ثم لابد أن يؤول مصير كل تلك البرامج إلى الفشل. إضافة إلى نقد مانسفيلد لليسار الجديد على المستوى الثقافي، حيث يرى مانسفيلد أن اليسار الجديد ينشر عدداً كبيراً من القيم الأخلاقية المدمرة للثقافة الأمريكية التقليدية مثل مساندة الشواذ، ومثل الهجوم على التراث الغربي والأمريكي والمطالبة بالتعددية الثقافية، والمطالبة بتعريف جديد للتسامح يطالب الفرد باحترام الجماعات والأفكار غير التقليدية، وهنا يرى مانسفيلد أن التسامح كان في الماضي يعني عدم التعامل العنيف مع الجماعات المخالفة – الشواذ على سبيل المثال – أما احترام هذه الجماعات والتعاطف معها فهو أمر لم يكن جزءاً من تعريف التسامح في الماضي، ويجب عدم نشره – كما يفعل اليسار الجديد – في الفترة الحالية.الصراع على الجامعات الأمريكية يعطي مانسفيلد اهتماماً خاصاً – عبر كتاباته المختلفة – لنقد تأثير اليسار الأمريكي الجديد على المجتمع الأمريكي على مستويين رئيسيين، أولهما هو تأثير اليسار الأمريكي في العملية التعليمية بالجامعات الأمريكية، وثانيهما تأثير اليسار الجدد في العلاقة بين الرجل والمرأة بالمجتمع الأمريكي، وسوف نغطي النقطة الثانية بالجزء التالي من المقال.
إن تأثير اليسار الجديد في العملية التعليمية بالجامعات الأمريكية يمثل مصدر قلق بالغ دائم لهارفي مانسفيلد، وربما يعود ذلك إلى كون التأثير في التعليم الجامعي هو أداة مهمة للتأثير في مسار مجتمع ما، كما قد يعود لهيمنة اليسار الجديد وسيطرته على الجامعات الأمريكية، حيث تشير إحدى الدراسات إلى أنه في كل جامعة أمريكية يوجد فيها أكاديمي جمهوري واحد يوجد في المقابل له سبعة أكاديميين ديمقراطيين وذلك في مجالات العلوم الاجتماعية وهي نسبة قابلة للزيادة في العديد من الجامعات بما في ذلك أكبر الجامعات الأمريكية، مما يجعل من الجامعات – كما يرى بعض المحللين – أقوى قلاع اليسار بالولايات المتحدة.لذا فإن مانسفيلد ينتقد المحافظين الأمريكيين لعدم اهتمامهم بالشكل الكافي بالسياسات التعليمية في الولايات المتحدة، حيث يرى مانسفيلد أن عدم الاهتمام هذا أعطى فرصة لليسار الأمريكي الجديد للهيمنة على المؤسسات والسياسات التعليمية بالولايات المتحدة، حيث ينتقد مانسفيلد هذه الهيمنة وأثارها لأسباب متعددة، على رأسها نشر اليسار الجديد لقيمة المساواة على مختلف مستويات العملية التعليمية الأمريكية.فاليسار الأمريكي يؤمن بالمساواة عند اختيار الطلاب مما جعله يفرض قوانين تفرض على الجامعات اختيار عدد معين من الطلاب المنتمين للأقليات – حتى لا تتهم الجامعات بالتمييز – بغض النظر عن مستوى هؤلاء الطلاب، كما يؤمن اليسار بالمساواة عند وضع المناهج واختيار الموضوعات التي تدرس مما جعله يهاجم المواد التي تركز على التراث السياسي والغربي ويطالب بتدريس مواد تروج للحركات النسوية وللشواذ وللتعددية الثقافية وكأن هناك مساواة بين هذه الثقافات الفرعية والثقافة الأمريكية الغربية الرئيسية السائدة كما يراها مانسفيلد.وبهذا ترتكب الحركات الليبرالية مجموعة أخطاء مركبة في حق الطلاب والجامعات والمجتمع بالولايات المتحدة، فهي تنشر فكرة المساواة المستحيلة، وتحارب الثقافة الأصلية، وتنشر شعوراً بوجود مساواة بين الثقافة الأصلية والثقافات الجديدة على المجتمع الأمريكي، ومن شأن كل هذه الأخطاء أن تضعف فضيلة المنافسة والكفاح لدى الطلاب مما يقود إلى بناء جيل جديد ضعيف ليس لديه الرغبة في السعي للمخاطرة أو لتحقيق بطولات جديدة.كما أضعفت الحركات اليسارية من سلطة الأستاذ على تلاميذه لدرجة أن الأساتذة أصبحوا يخشون من تقييم وتقويم تلامذتهم علمياً خشية من أن يتهموا بالتمييز، ما أدى لتضخم الدرجات التعليمية الأمريكية ومعدلات التخرج بدرجات عالية بشكل كبير لا يوازيه مستوى تعليم حقيقي، ناهيك عن اضطرار الأساتذة لمنح الطلاب أبناء الأقليات درجات أعلى من مستواهم خوفاً من اتهامهم بالتمييز.كما جعل الليبراليون من الجامعات قلاعاً لصناعة ونشر الأفكار الليبرالية المثالية البعيدة عن الواقع بغض النظر عن صحتها ومن دون خوف من محاسبة أو مراجعة، لذا ظهر جيل جديد من أساتذة الجامعات المثاليين الذين لا يعرفون المهادنة مع مبادئهم المثالية، وذلك لأن الجامعات أصبحت قلاعاً منعزلة تضمن أن توفر لهم الدعم المالي اللازم لتطوير نظرياتهم المثالية، ومن ثم أصبحت الجامعات أداة في يد اليسار الجديد ينشر من خلالها أفكاره ومعتقداته المثالية، وأصبح الأكاديمي المحافظ أقلية مضطهدة بالجامعات الأمريكي ليس مسموحاً له بالتعبير عن أفكاره.ولهذه الأسباب مجتمعة وقعت الجامعات الأمريكية فريسة في يد الحركات اليسارية الراديكالية، التي ابتدعت تخصصات جديدة مثل دراسات المرأة والأقليات والتعددية الثقافية، وحاربت تدريس التراث الغربي القديم ودعت إلى تفكيكه، ونادت في المقابل بتدريس كتابات راديكالية ناقدة للغرب وأمريكا هي أقل جودة وأقل بعداً عن الواقع والحقيقة من الكتابات الكلاسيكية الغربية الكبرى كما يرى مانسفيلد، وبهذا تراجعت قيمة الجامعات والعملية التعليمية الأمريكية. الصراع مع الحركة النسويةعلى المستوى الفكري الاجتماعي يكن هارفي مانسفيلد قدراً كبيراً من النقد للحركات النسوية خصص له عدداً ليس بقليل من مقالاته، وقد يعود ذلك إلى انتشار الأكاديميات المنتميات للحركات النسوية بالجامعات حيث يعبر مانسفيلد – في أحد مقالاته – عن اعتقاده بأن نصف أساتذة الجامعات ينتمون للحركات اليسارية والنسوية، أما النصف الثاني فهو ليبرالي معتدل لا يمتلك أجندة خاصة ولكنه يخشى معارضة الجماعات اليسارية والنسوية المسيسة والمنظمة وذات النفوذ والسطوة وغير المتسامحة كما يراها مانسفيلد.وعلى المستوى الفلسفي يرفض مانسفيلد الحركات النسوية لكونها تمثل تجسيداً لأخطاء اليسار الأمريكي الفلسفية لسببين رئيسيين، أولهما مناداة الحركات النسوية بالمساواة بين الجنسين، وهو مبدأ يرفضه مانسفيلد ويرى أنه مصدر شرور عديدة سوف نشرحها فيما بعد، وثانيهما مناداة الحركات النسوية بعدم وجود فروق طبيعية بين الرجل والمرأة، وأن الفروق القائمة بينهما بالمجتمعات المختلفة هي فروق ناتجة عن الظروف الاجتماعية وهو فكر يدعم النسبية التي تفتح الباب لغياب الفضيلة بالمجتمع.
أما خطر الحركات النسوية الرئيسي – كما يراه مانسفيلد – فيكمن في هجوم الحركات النسوية العقلاني على فضيلة الرجولة، وهنا يوضح مانسفيلد أن الحركات النسوية لا تهاجم الرجولة كفضيلة في حد ذاتها ولكنها تهاجمها لاقتصارها على الرجال، فالحركات النسوية تريد ألا يقتصر الرجل على فضيلة الرجولة، وأن تعيد تعريف الرجولة كفضيلة مفتوحة أمام الرجال والنساء إلى درجة سمحت فيها بالنساء بالمشاركة في الحرب جنباً إلى جنب مع الرجل وهو ما يرفضه مانسفيلد الذي يرى أن الرجولة فضيلة ضرورية بأي مجتمع يقتصر بها الرجل كما تقتصر المرأة بفضيلة الأنوثة.فشل الحركات النسوية في تحقيق الرجولة دفع بهم إلى نقد الرجولة نقداً غير عقلاني وتصويرها على أنها فضيلة سلبية، إذ يرحب مانسفيلد بالنقد الذكي لفضيلة الرجولة وهي رفض يقبل بالرجولة كفضيلة إيجابية تقتصر على الرجال ويسعى لتقويمها من داخلها، فالرجولة تؤدي للبطولة ولكنها قد تؤدي أيضاً – على سبيل المثال – إلى الرغبة في تحدي الآخرين لإثبات الرجولة مما يتطلب تقويمها، ولكن هذا النقد – كما يرى مانسفيلد – غائب عن الحركات النسوية التي لا تطالب النساء بفهم الرجال والرجولة، ولكنها تصر على المساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء وتضغط على الرجل لكي يشعر بالخزي من رجولته ولكي يعطي المرأة حقوقها ولكي يكون أكثر حساسية لاحتياجات المرأة وأكثر تشجيعا له على أن تتساوى معه وتتفوق عليه، في الوقت الذي تزرع فيه الحركات النسوية الرغبة داخل المرأة في الاستقلال وعدم الاعتماد على الرجل والسعي لتحقيق المساواة مع الرجل في كل شيء.وهنا يرى مانسفيلد أن الرجولة فضيلة ضرورية بأي مجتمع، فالتاريخ هو من صناعة رجال أقوياء أصحاب رجولة، كما أن الرجولة هي فضيلة ضرورية بالمجتمع الرأسمالي الحر، فالديمقراطية بالمجتمع الأمريكي تحتاج للرجولة، فهي تقوم على حب المخاطرة والتنافس والصراع من أجل البطولة، وهي قيم يمكن أن تنمى ولكن لا يمكن زراعتها بمن لا يمتلكونها، كما تترتب على الرجولة مسؤولية وفضائل مثل الرغبة في تحقيق الذات والشرف والمكانة والرغبة في تحمل المسؤولية.ويقول مانسفيلد إن هجوم الحركات النسوية المستمر على الرجولة صعّب من عملية تعليمها ونقلها للأجيال الأمريكية الجديدة التي أصبحت تعاني من نقص منها، كما حولت الحركات النسوية الرجولة إلى رد فعل وإلى فضيلة يخجل الفرد منها ويحاول إخفاءها والتقليل منها، كل هذا أدى إلى إضعاف فضيلة الرجولة بالمجتمع الأمريكي، إذ أصبح الرجل الأمريكي غير راغب في تحمل مسؤوليات الرجولة الباهظة، وتحملت المرأة الأمريكية أعباء ضخمة مستمرة لإثبات مساواتها بالرجل، بل وقعت المرأة فريسة للرجل ولنزواته، فالرجل وجد في الهجوم على الرجولة فرصة للتخلص من أعباء الزواج ومسؤولياته وأصبح يفضل العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وبسبب تكوينه البيولوجي وعدم تحديد فترة خصوبة الرجل بفترة زمنية معينة على عكس المرأة أصبح لدى الرجل هامش حرية أعلى بكثير من المرأة التي تحتاج لبناء علاقات مستقرة خلال فترة شبابها إذا كانت راغبة في الاستقرار والزواج والإنجاب، وبهذا انتشرت حوادث هروب الأزواج من أسرهم ورفضهم تحمل المسؤولية وزادت أعداد الأسر التي تتحمل فيها الأم أعباء المعيشة بمفردها، وساءت نظرة المجتمع الأمريكي للأم غير العاملة، في حين زادت أعباء المرأة العاملة بدرجات غير مسبوقة وغير محتملة في كثير من الأحيان.لذا ينادي مانسفيلد بالعودة للأفكار التي سادت عن المرأة والرجل في الفترة التي سبقت ظهور الحركات النسوية، لأن انتشار الحركات النسوية أضعف من انتشار فضيلة الرجولة بالمجتمع الأمريكي، في حين أن انتشار فضيلة الرجولة في مجتمع ما يمثل فرصة لنقدها وتقويمها وتحسينها، أما غيابها فيمثل نقمة على الرجل والمرأة على حد سواء، لذا يتهم مانسفيلد النساء المؤمنات بفكر الحركات النسوية بأنهن أقل ذكاء من النساء التقليديات.دور المثقف وشخصية مانسفيلديعيب مانسفيلد على الأكاديميين عدم فهمهم لعقلية الجماهير ولعقلية المواطن العادي المحب لبلده، فالمواطن العادي يؤمن بالبطولة والحب والتحيز لبلده، أما عالم السياسة والأكاديمي فهو يؤمن بالحقيقة ويفني حياته في البحث عنها ويرحب بنقد ذاته وبلده، مما يجعل من عالم السياسة بمثابة مواطن سيئ في عيون المواطنين العاديين، لذا يطالب مانسفيلد علماء السياسة – في أحد مقالاته – بلعب دور أكبر في دعم قيم المواطنة داخل مجتمعاتهم من خلال تقدير حب المواطن لبلده واحترام بساطة هذا الحب وتشجيع المواطن على المشاركة في شؤون بلاده وتوعيته بأخطاء عدم المشاركة. حتى إن مانسفيلد دعا – في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه بعد انتخابات عام 2000 الرئاسية والتي فجرت جدلاً سياسياً واسعاً حول جدوى الأسلوب الذي تتم به الانتخابات الرئاسية الأمريكية – إلى التوقف عن نقد الديمقراطية الأمريكية وتشجيع الناس على المشاركة في الديمقراطية الأمريكية والاستمتاع بها ودعمها بدلاً من نقدها.كما يعيب مانسفيلد على أساتذة الجامعات الانعزال عن المجتمع وإهمال تأثير السياسة في مختلف جوانبه بما في ذلك الجامعات والسياسات داخلها، فهو يرى أن الانعزال عن الواقع لن يؤدي إلا إلى المبالغة في المثالية والأفكار الراديكالية.
مانسفيلد والإسلام والحرب على الإرهابمقالات مانسفيلد المنشورة وأحاديثه إلى وسائل الإعلام الأمريكية لا تركز بشكل كاف على موقف مانسفيلد الراهن تجاه العالم الإسلامي والحرب على الإرهاب وسياسات أمريكا الخارجية الراهنة، وإن كان يمكن القول بصفة عامة إن مانسفيلد مساند قوي لسياسات الجمهوريين واليمين الأمريكي والإدارة الأمريكية الحالية والمحافظين الجدد، حيث يرى مانسفيلد بصفة عامة أن اليمين الأمريكي أكثر تمثيلا للتراث الأمريكي وأكثر قدرة على حماية أمريكا كدولة وتراث ومجتمع. ويفيدنا على هذا الصعيد مقال كتبه مانسفيلد في الذكرى الخامسة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في مجلة (بوسطن جلوب) واسعة الانتشار ينتقد فيه مانسفيلد موقف الجامعات الأمريكية من الحرب على الإرهاب، حيث يرى مانسفيلد أن سيطرة التيارات اليسارية الليبرالية على تلك الجامعات جعلت منها منابر يسارية تبالغ في نقد الحكومة الأمريكية وسياساتها وفي تعبئة الطلاب سياسياً بدلاً من التركيز على وظيفتها الأساسية وهي تعليم الطلاب، وتوعيتهم بالقضايا الكبرى، وهنا تظهر الازدواجية في أفكار هارفي مانسفيلد، فهو يرى أن الجامعات الأمريكية يجب أن تسلح طلابها بفهم الواقع والأحداث الكبرى التي تدور حولهم. أما بخصوص هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فيقول مانسفيلد (الهجمات أوضحت أن لنا أعداء يكرهوننا لأنهم يكرهون قيمنا وممارساتنا، إنهم يحتقرون أسلوب حياتنا ليس لأننا لا نعلي قيمنا الخاصة بالحرية والديمقراطية والتسامح، ولكن لأننا نفعل ذلك)، وبهذا يضع مانسفيلد نفسه في معسكر من يؤمنون بأن المشكلة التي تتعرض لها شعبية أمريكا في العالم ناتجة من كراهية الآخرين لأمريكا وليس بسبب سياسات الولايات المتحدة نفسها وهو معسكر يضم قيادات اليمين الأمريكي الفكرية والسياسية من أمثال المستشرق الأمريكي المعروف برنارد لويس.كما يلوم مانسفيلد على الحركات النسوية هجومها المستمر على الثقافة الأمريكية وتحيزها ضد المرأة في الوقت الذي تقف فيه تلك الحركات صامته أمام (الإهمال الكامل لحقوق النساء من قبل الإسلام الراديكالي)، ويقول إن الحركات النسوية الأمريكية مدفوعة في موقفها هذا بإيمانها بالتعددية الثقافية التي تنادي بالمساواة بين الثقافات، وبهذا تقوم الحركات النسوية الأمريكية (بعض طرفها عن أوضاع النساء بمجتمعات تنكر حقوق المرأة (يقصد المجتمعات الإسلامية)، وتوجه انتقاداتها لمجتمعات تؤمن بحقوق المرأة (يقصد المجتمعات الغربية)، بالطبع من الأسهل أن تنتقد شخصاً يستمع إليك ولا يقوم فوراً بقطع رقبتك). وينتقل مانسفيلد بعد ذلك إلى قضية الحريات المدنية داخل أمريكا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث يقول إن (دعاة الحريات المدنية على اليمين واليسار يفترضون أن الحكومة هي هدف نقمتهم، وأن الأقليات تحتاج لعناية خاصة، وقد يبدو هذا صحيحاً في أوقات السلام، ولكن في حالة الحرب الحكومة هي صديقك الأول، كما يجب حماية الأغلبية)، ويمضي مانسفيلد قائلا (دعوة الإسلام الراديكالي هي في الحقيقة (خطر واضح وحاضر)، ونحن في حاجة إلى قمعه). كما يقول إن (الجهاديين يقولون إنهم سوف ينتصرون لأنهم يؤمنون بالموت في حين أننا نؤمن بالحياة، هذا ليس صحيحاً، نحن نؤمن بالحياة ولكن ليس تحت أي تكلفة، نحن أيضاً نقدر التضحية والشرف من أجل الأهداف السامية، ولكننا نترك جنودنا ليتحدثوا نيابة عنا، أساتذة الجامعات – وهم من يفترض أن يتحدثوا نيابة عنا – لم يتعلموا شيئاً من جنودنا، وليس لديهم ما يقولونه لكي يشرحوا لهؤلاء الجنود لماذا يضحون بحياتهم). والواضح هنا أن مانسفيلد يكرر مجدداً بعض الأفكار الشائعة في أوساط الدوائر السياسية والأكاديمية المتشددة من أمثال الكاتب الأمريكي المتشدد دانيال بايبس، وهي أفكار لاقت استهجانا واسعاً من قبل قراء جريدة (بوسطن جلوب) الذين راسلوا الصحيفة ينتقدون مقال مانسفيلد والحجج الواردة فيه.وبغض النظر على الخلاف أو الاتفاق مع أفكار هارفي مانسفيلد، التي سعينا إلى عرضها في هذا المقال بدقة وموضوعية، يجب التأكيد في خاتمة هذا المقال على الأفكار التالية:أولاً: دراسة أفكار هارفي مانسفيلد توفر نافذة مهمة على أفكار اليمين الأمريكي بالولايات المتحدة، وهو أحد التيارين السياسيين المسيطرين على السياسة الأمريكية في الفترة الحالية، والذي سوف يبقى متواجداً قوياً في السنوات المقبلة حتى لو استمر الجمهوريون في تراجعهم السياسي في الانتخابات الأمريكية المقبلة في عام 2008.ثانياً: توضح أفكار مانسفيلد جوانب مختلفة من الفكر السياسي اليمين في الولايات المتحدة خاصة في ما يتعلق بجذوره الفلسفية والاجتماعية، وهي جذور لا تنال حظها من الاهتمام في كتابات أمريكية وأجنبية عديدة والتي تركز في العادة على أفكار ومواقف الجمهوريين واليمينيين السياسية تجاه القضايا السيارة وتهمل جذور تلك الأفكار والمواقف.ثالثاً: من الواضح أن معرفة هارفي مانسفيلد بالإسلام والعالم الإسلامي محدودة، وأن أفكاره التي عبر عنها تجاههما هي انعكاس لمواقفه وفلسفته السياسية العامة القريبة من التيار اليميني المتشدد أكثر منها انعكاساً لمعرفة مانسفيلد القريبة بالإسلام وبالمسلمين، كما أنها تعكس بعض مفكري المحافظين الجدد واليمين الأمريكي المتشدد القريبين من مانسفيلد، كما أنها تضر بسمعة أكاديمي له وزنه الفكري والفلسفي على وزن مانسفيلد. أخيراً: تقدم أفكار مانسفيلد نافذة مهمة على أفكار اليمين الأمريكية والمحافظين الجدد، وهي أفكار تدعي القدرة على فهم الواقع والتعامل مع من منظور واقعي يختلف كلية عن الفكر الليبرالي الشائع في الولايات المتحدة، ونحن نأمل أن يمثل هذا المقال جزءاً من توجه أوسع للتعرف إلى الفكر السياسي الأمريكي المعاصر بتوجهاته الأيديولوجية المختلفة.
::/fulltext::
::cck::2614::/cck::
