منطقة الخليج العربي واحتمالات الحرب الرابعة
::cck::2623::/cck::
::introtext::
في الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن ملف إيران النووي سيحال مرة أخرى إلى مجلس الأمن، حيث أعلن نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن على إيران أن تتوقع قرار عقوبات جديداً في مجلس الأمن إذا لم تتوقف عن تخصيب اليورانيوم، أعربت باريس عن رغبتها في أن يتم فرض عقوبات إضافية على طهران من قبل مجلس الأمن، وخاصة أن الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي ستكون هديته الأولى الانتخابية إلى إسرائيل هي التشدد في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. هذا التناغم الفرنسي – الأمريكي في لغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الموحدة يهدف إلى إبلاغ طهران رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي عازم على الحد من طموحات برامجها النووية، وأن عتبة النادي النووي لا تزال أعلى من إمكاناتها، ومن غير الممكن أن يكون أحد أعضائه في وضع إقليمي ودولي لا يسمح بذلك، وهو ما صرح به نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عندما أكد أنه من الخطأ السماح لإيران بأن تصبح قوة نووية.
::/introtext::
::fulltext::
في الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن ملف إيران النووي سيحال مرة أخرى إلى مجلس الأمن، حيث أعلن نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن على إيران أن تتوقع قرار عقوبات جديداً في مجلس الأمن إذا لم تتوقف عن تخصيب اليورانيوم، أعربت باريس عن رغبتها في أن يتم فرض عقوبات إضافية على طهران من قبل مجلس الأمن، وخاصة أن الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي ستكون هديته الأولى الانتخابية إلى إسرائيل هي التشدد في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني.
هذا التناغم الفرنسي – الأمريكي في لغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الموحدة يهدف إلى إبلاغ طهران رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي عازم على الحد من طموحات برامجها النووية، وأن عتبة النادي النووي لا تزال أعلى من إمكاناتها، ومن غير الممكن أن يكون أحد أعضائه في وضع إقليمي ودولي لا يسمح بذلك، وهو ما صرح به نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عندما أكد أنه من الخطأ السماح لإيران بأن تصبح قوة نووية. وإذا كانت وكالة الطاقة الذرية قد أعلنت على لسان مديرها العام محمد البرادعي أن ما هو مطروح بصدد الملف الإيراني يمكن حله عن طريق التفاوض، وكذلك ما ركز عليه هانز بليكس الذي أعلن من فيينا أن سياسة الجزرة في أغلب الأحيان أكثر نجاعة من سياسة العصا، فإن ما تم تسريبه من احتمالات الخيار العسكري فيما إذا لم تستجب طهران لإرادة المجتمع الدولي ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم، يمكن أن يكون بهدف الضغط، ويمكن أيضاً أن يحمل في طياته إصراراً أمريكياً- إسرائيلياً على ضرب إيران، حيث إن تجربة الملف العراقي في مجلس الأمن قبل شن الحرب على العراق أعطت للدبلوماسية الأمريكية ولإدارة الرئيس جورج بوش دروساً جديدة، تاركة المجال للحل العسكري يسير وفق آليات محددة تستبعد كل السلبيات والإخفاقات التي رافقت التحضير للحرب على العراق. وعلى الرغم من الفارق الواضح بين الملفين إلا أن النظامين الإيراني الحالي والعراقي السابق يشتركان في عداوتها للولايات المتحدة والممانعة لسياستها الشرق أوسطية، وتصورها لأمن الخليج العربي. وفي الواقع، فإن من أكبر الكوابح الشاخصة أمام إقدام الولايات المتحدة على اللجوء إلى الخيار العسكري لحسم الملف النووي الإيراني والتخلص من النظام نفسه، هو الكابح الذي تضغط به دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أن هذا الخيار سيخلصها من “عدو إقليمي” ذي نزعة دينية أيديولوجية متعارضة معها، كما خلصتها الحرب الأمريكية على العراق من نظام سياسي “ذي نزعة أيديولوجية عسكرية”، استنزف كل مواردها بسبب الحروب والتسلح الإجباري. إذ يرى قادة دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من الاستعدادات لمواجهة احتمالات العمل العسكري، أنه ليس من مصلحة نظمها السياسية ومكونات مجتمعاتها أن تعم الفوضى مرة أخرى في المنطقة، ويكفيها ما يجري في العراق، حيث الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الولايات المتحدة،
ولا تزال تأثيراته وتداعياته ترمي بثقلها على دول المجلس، وخاصة العنف الطائفي، الذي إذا ما تطور إلى حرب أهلية شاملة فإن تأثيرها سوف لن ينحصر في العراق وإنما سيعم دول المنطقة وتغرق في دوامة من الحرب الأهلية، وعدم الاستقرار السياسي، لا بل حالة من الفوضى، ولكن ليس الفوضى “ البناءة “، أو “الخلاقة”، وإنما الجارفة والمدمرة لكل ثروات المنطقة وطاقاتها البشرية. وإذا ما انساقت إدارة الرئيس بوش مرة أخرى وراء أفكار وطروحات المحافظين الجدد وحولت فكرة “الفوضى البناءة” إلى سياسة ثابتة تنتهجها نحو دول المنطقة وأنظمتها السياسية المعارضة للمصالح الأمريكية، من خلال تأكيدها على أن مجتمعات ونظم هذه المنطقة راكدة سياسياً ولكي يتحرك ركودها هذا لا بد من إحداث شيء من الفوضى والخلخلة حتى يحصل التغير في هذه الدولة نحو “الأفضل”، فإن هذه الإدارة سترتكب خطأ تاريخياً جسيماً واستراتيجياً، ليس سيفقدها مكانتها الدولية وقوتها العسكرية والاقتصادية والمالية فقط، وإنما سيحول المنطقة إلى ساحة صراع وعنف طائفي لن يستثني أية دولة أو شعباً من شعوب المنطقة من موريتانيا حتى باكستان والهند.
إذ إن غزوها واحتلالها للعراق لم يكشفا زيف وبطلان كل المبررات والحجج التي سوقتها قبل الحرب، وإنما فشل نظرية (الدومينو) وكل الأفكار والطروحات التي نظّر لها المحافظون الجدد وتحولت (الفوضى البناءة) إلى مستنقع غاصت فيه أقدام الولايات المتحدة في العراق واتسع عداء شعوب المنطقة للولايات المتحدة بشكل كبير، لا بل إن سياستها العدائية للشعب الفلسطيني وانحيازها إلى جانب إسرائيل في تحديها للشرعية الدولية، ساهما في زيادة التطرف الديني بين شعوب العالمين العربي والإسلامي، وانجذاب شباب شعوب المنطقة نحو الحركات والمنظمات التي وضعتها الولايات المتحدة في “قائمتها الإرهابية”. وإذا كانت الولايات المتحدة قد وظّفت كل إمكاناتها وخلال عقد التسعينات لاحتواء العراق، وشغلها الشاغل كان كيفية إسقاط نظامه، فإنها تجاهلت إيران التي استفادت من انهيار الاتحاد السوفييتي واستقطاب علمائه في بناء قدراتها العسكرية والنووية. وبالمقابل فإن النظام العراقي السابق بكل جهازه القمعي وسلطته البوليسية والعسكرية موجه نحو صد النفوذ الإيراني ليس في العراق وحده، وإنما في المنطقة كلها من خلال جهاز مخابراته الذي تتبع كل تحرك إيراني. فلقد كان الشغل الشاغل أيضاً للنظام العراقي السابق وكل تفكيره وسياسته هو التصدي لإيران بأي شكل كان ومطاردة الأحزاب والتنظيمات السياسية العراقية التي وجدت في الساحة الإيرانية مجالاً لنشاطها السياسي ضده. وبسقوط هذا النظام فإن كل الأبواب أضحت مشرعة أمام إيران في داخل العراق ومن خلاله نحو دول المنطقة، وعززت من حضوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والسياحي وفتحت أبوابها للعراقيين، في الوقت الذي أغلقت فيه بعض الدول العربية أبوابها بوجه العراقيين، وفرضت عليهم شروطاً قاسية في تأشيرة الدخول والإقامة، لا بل إن هناك دولاً رفضت دخولهم أصلاً، إن لم تكن تحجزهم في المطارات والحدود لأيام، في الوقت الذي يدخل فيه الأمريكي والإسرائيلي والبريطاني وجنسيات أخرى بحرية تامة إلى بعض الدول العربية. وأعتقد أن أي نظام مثل النظام الإيراني الذي يجاور العراق بحدود أكثر من ألف كيلو متر، يقوم بنفس ما تحاول طهران القيام به الآن من بسط النفوذ والعمل على عدم تكرار ما حصل في سبتمبر 1980.
وفي الواقع أن ما حصل في العراق أربك الأوضاع السياسية والاجتماعية في منطقة الخليج العربي، وخاصة أنه أثار مسألة التغيير الديمقراطي والإصلاح السياسي والمواطنة المتساوية لغير العرب، وعمل على إظهار بوادر التمييز الطائفي ورفعها إلى سطح الواقع الاجتماعي بشكل أقوى من السابق، وينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتم تداركها بإجراءات سياسية واجتماعية، لكنه بالمقابل فإن ما حصل في العراق أسدى خدمة كبيرة لإيران ليس إنه أزاح من أمامها أكبر عدو ومنافس إقليمي فقط، وإنما أسقط كل أسس النظام الأمني الخليجي الذي شيدته الولايات المتحدة بعد حرب 1991، وجعل منها القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة في ظل غياب عربي منافس لها.
لقد حاولت إيران بكل الطرق حتى من خلال إطالة الحرب إلى هذه السنوات الثماني إزاحة النظام العراقي من أمامها إلا أنها لم تنجح، واستبشرت خيراً بغزوه للكويت الذي رأت فيه هذه المرة نهاية النظام، ووقفت على “الحياد” حيث كافأها البنك الدولي بقرض قيمته 250 مليون دولار إلا أن سقوط النظام تأجل إلى حين.
وسقط النظام السياسي العراقي في حرب 2003 من دون أن تقدم إيران على إطلاق طلقة واحدة أو تخسر شيئاً من ثرواتها، بالعكس فقد حققت طهران فوائد اقتصادية ومالية وعسكرية وأمنية لم تحلم بها إطلاقاً، يكفي أن تشاهد عبر الحدود عراقاً ممزقاً إلى طوائف ومذاهب وأقاليم، والولايات المتحدة عدوها اللدود غارقة في وحل حرب الاستنزاف ومحشورة في مأزق لا مخرج منه، وتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الأمريكية – الإيرانية، الأمر الذي حدا بلجنة دراسة العراق (تقرير بيكر – هاميلتون) أن توصي وتؤكد على ضرورة التفاوض مع طهران لحل المعضلة الأمنية في العراق. وفي الواقع أن هذا الوضع المعقد الذي تواجهه الولايات المتحدة في المنطقة والضغوط الداخلية من الديمقراطيين، جعلا إدارة بوش تعيد حساباتها من تكرار التجربة العراقية سواء كان مع إيران أو مع سوريا. ولكن في افتراض أن إدارة البيت الأبيض ركبت قطار المغامرة وانساقت وراء الخيار العسكري الذي يمكن أن تقوم به في الأشهر الأخيرة من سنة 2008 لكي تورط الديمقراطيين، وعلى الأكثر القيام بقصف صاروخي وجوي، فإن الرد الإيراني سوف لا يكون أحسن حالاً من الرد العراقي في قصف 1998 أو في حرب 2003، ولكن طهران يمكن أن تلجأ إلى أعمال عسكرية انتقامية في الخليج أو على الساحة العراقية، حيث تكون بمواجهة مباشرة مع الجيش الأمريكي، وسيصبح (عدو عدوي صديقي)، وهنا هي الكارثة التي سيدفع ثمنها غالياً الشعب العراقي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2623::/cck::
::introtext::
في الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن ملف إيران النووي سيحال مرة أخرى إلى مجلس الأمن، حيث أعلن نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن على إيران أن تتوقع قرار عقوبات جديداً في مجلس الأمن إذا لم تتوقف عن تخصيب اليورانيوم، أعربت باريس عن رغبتها في أن يتم فرض عقوبات إضافية على طهران من قبل مجلس الأمن، وخاصة أن الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي ستكون هديته الأولى الانتخابية إلى إسرائيل هي التشدد في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني. هذا التناغم الفرنسي – الأمريكي في لغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الموحدة يهدف إلى إبلاغ طهران رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي عازم على الحد من طموحات برامجها النووية، وأن عتبة النادي النووي لا تزال أعلى من إمكاناتها، ومن غير الممكن أن يكون أحد أعضائه في وضع إقليمي ودولي لا يسمح بذلك، وهو ما صرح به نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عندما أكد أنه من الخطأ السماح لإيران بأن تصبح قوة نووية.
::/introtext::
::fulltext::
في الوقت الذي أعلنت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أن ملف إيران النووي سيحال مرة أخرى إلى مجلس الأمن، حيث أعلن نيكولاس بيرنز مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية أن على إيران أن تتوقع قرار عقوبات جديداً في مجلس الأمن إذا لم تتوقف عن تخصيب اليورانيوم، أعربت باريس عن رغبتها في أن يتم فرض عقوبات إضافية على طهران من قبل مجلس الأمن، وخاصة أن الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي ستكون هديته الأولى الانتخابية إلى إسرائيل هي التشدد في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني.
هذا التناغم الفرنسي – الأمريكي في لغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الموحدة يهدف إلى إبلاغ طهران رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي عازم على الحد من طموحات برامجها النووية، وأن عتبة النادي النووي لا تزال أعلى من إمكاناتها، ومن غير الممكن أن يكون أحد أعضائه في وضع إقليمي ودولي لا يسمح بذلك، وهو ما صرح به نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عندما أكد أنه من الخطأ السماح لإيران بأن تصبح قوة نووية. وإذا كانت وكالة الطاقة الذرية قد أعلنت على لسان مديرها العام محمد البرادعي أن ما هو مطروح بصدد الملف الإيراني يمكن حله عن طريق التفاوض، وكذلك ما ركز عليه هانز بليكس الذي أعلن من فيينا أن سياسة الجزرة في أغلب الأحيان أكثر نجاعة من سياسة العصا، فإن ما تم تسريبه من احتمالات الخيار العسكري فيما إذا لم تستجب طهران لإرادة المجتمع الدولي ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم، يمكن أن يكون بهدف الضغط، ويمكن أيضاً أن يحمل في طياته إصراراً أمريكياً- إسرائيلياً على ضرب إيران، حيث إن تجربة الملف العراقي في مجلس الأمن قبل شن الحرب على العراق أعطت للدبلوماسية الأمريكية ولإدارة الرئيس جورج بوش دروساً جديدة، تاركة المجال للحل العسكري يسير وفق آليات محددة تستبعد كل السلبيات والإخفاقات التي رافقت التحضير للحرب على العراق. وعلى الرغم من الفارق الواضح بين الملفين إلا أن النظامين الإيراني الحالي والعراقي السابق يشتركان في عداوتها للولايات المتحدة والممانعة لسياستها الشرق أوسطية، وتصورها لأمن الخليج العربي. وفي الواقع، فإن من أكبر الكوابح الشاخصة أمام إقدام الولايات المتحدة على اللجوء إلى الخيار العسكري لحسم الملف النووي الإيراني والتخلص من النظام نفسه، هو الكابح الذي تضغط به دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أن هذا الخيار سيخلصها من “عدو إقليمي” ذي نزعة دينية أيديولوجية متعارضة معها، كما خلصتها الحرب الأمريكية على العراق من نظام سياسي “ذي نزعة أيديولوجية عسكرية”، استنزف كل مواردها بسبب الحروب والتسلح الإجباري. إذ يرى قادة دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من الاستعدادات لمواجهة احتمالات العمل العسكري، أنه ليس من مصلحة نظمها السياسية ومكونات مجتمعاتها أن تعم الفوضى مرة أخرى في المنطقة، ويكفيها ما يجري في العراق، حيث الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الولايات المتحدة،
ولا تزال تأثيراته وتداعياته ترمي بثقلها على دول المجلس، وخاصة العنف الطائفي، الذي إذا ما تطور إلى حرب أهلية شاملة فإن تأثيرها سوف لن ينحصر في العراق وإنما سيعم دول المنطقة وتغرق في دوامة من الحرب الأهلية، وعدم الاستقرار السياسي، لا بل حالة من الفوضى، ولكن ليس الفوضى “ البناءة “، أو “الخلاقة”، وإنما الجارفة والمدمرة لكل ثروات المنطقة وطاقاتها البشرية. وإذا ما انساقت إدارة الرئيس بوش مرة أخرى وراء أفكار وطروحات المحافظين الجدد وحولت فكرة “الفوضى البناءة” إلى سياسة ثابتة تنتهجها نحو دول المنطقة وأنظمتها السياسية المعارضة للمصالح الأمريكية، من خلال تأكيدها على أن مجتمعات ونظم هذه المنطقة راكدة سياسياً ولكي يتحرك ركودها هذا لا بد من إحداث شيء من الفوضى والخلخلة حتى يحصل التغير في هذه الدولة نحو “الأفضل”، فإن هذه الإدارة سترتكب خطأ تاريخياً جسيماً واستراتيجياً، ليس سيفقدها مكانتها الدولية وقوتها العسكرية والاقتصادية والمالية فقط، وإنما سيحول المنطقة إلى ساحة صراع وعنف طائفي لن يستثني أية دولة أو شعباً من شعوب المنطقة من موريتانيا حتى باكستان والهند.
إذ إن غزوها واحتلالها للعراق لم يكشفا زيف وبطلان كل المبررات والحجج التي سوقتها قبل الحرب، وإنما فشل نظرية (الدومينو) وكل الأفكار والطروحات التي نظّر لها المحافظون الجدد وتحولت (الفوضى البناءة) إلى مستنقع غاصت فيه أقدام الولايات المتحدة في العراق واتسع عداء شعوب المنطقة للولايات المتحدة بشكل كبير، لا بل إن سياستها العدائية للشعب الفلسطيني وانحيازها إلى جانب إسرائيل في تحديها للشرعية الدولية، ساهما في زيادة التطرف الديني بين شعوب العالمين العربي والإسلامي، وانجذاب شباب شعوب المنطقة نحو الحركات والمنظمات التي وضعتها الولايات المتحدة في “قائمتها الإرهابية”. وإذا كانت الولايات المتحدة قد وظّفت كل إمكاناتها وخلال عقد التسعينات لاحتواء العراق، وشغلها الشاغل كان كيفية إسقاط نظامه، فإنها تجاهلت إيران التي استفادت من انهيار الاتحاد السوفييتي واستقطاب علمائه في بناء قدراتها العسكرية والنووية. وبالمقابل فإن النظام العراقي السابق بكل جهازه القمعي وسلطته البوليسية والعسكرية موجه نحو صد النفوذ الإيراني ليس في العراق وحده، وإنما في المنطقة كلها من خلال جهاز مخابراته الذي تتبع كل تحرك إيراني. فلقد كان الشغل الشاغل أيضاً للنظام العراقي السابق وكل تفكيره وسياسته هو التصدي لإيران بأي شكل كان ومطاردة الأحزاب والتنظيمات السياسية العراقية التي وجدت في الساحة الإيرانية مجالاً لنشاطها السياسي ضده. وبسقوط هذا النظام فإن كل الأبواب أضحت مشرعة أمام إيران في داخل العراق ومن خلاله نحو دول المنطقة، وعززت من حضوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والسياحي وفتحت أبوابها للعراقيين، في الوقت الذي أغلقت فيه بعض الدول العربية أبوابها بوجه العراقيين، وفرضت عليهم شروطاً قاسية في تأشيرة الدخول والإقامة، لا بل إن هناك دولاً رفضت دخولهم أصلاً، إن لم تكن تحجزهم في المطارات والحدود لأيام، في الوقت الذي يدخل فيه الأمريكي والإسرائيلي والبريطاني وجنسيات أخرى بحرية تامة إلى بعض الدول العربية. وأعتقد أن أي نظام مثل النظام الإيراني الذي يجاور العراق بحدود أكثر من ألف كيلو متر، يقوم بنفس ما تحاول طهران القيام به الآن من بسط النفوذ والعمل على عدم تكرار ما حصل في سبتمبر 1980.
وفي الواقع أن ما حصل في العراق أربك الأوضاع السياسية والاجتماعية في منطقة الخليج العربي، وخاصة أنه أثار مسألة التغيير الديمقراطي والإصلاح السياسي والمواطنة المتساوية لغير العرب، وعمل على إظهار بوادر التمييز الطائفي ورفعها إلى سطح الواقع الاجتماعي بشكل أقوى من السابق، وينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتم تداركها بإجراءات سياسية واجتماعية، لكنه بالمقابل فإن ما حصل في العراق أسدى خدمة كبيرة لإيران ليس إنه أزاح من أمامها أكبر عدو ومنافس إقليمي فقط، وإنما أسقط كل أسس النظام الأمني الخليجي الذي شيدته الولايات المتحدة بعد حرب 1991، وجعل منها القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة في ظل غياب عربي منافس لها.
لقد حاولت إيران بكل الطرق حتى من خلال إطالة الحرب إلى هذه السنوات الثماني إزاحة النظام العراقي من أمامها إلا أنها لم تنجح، واستبشرت خيراً بغزوه للكويت الذي رأت فيه هذه المرة نهاية النظام، ووقفت على “الحياد” حيث كافأها البنك الدولي بقرض قيمته 250 مليون دولار إلا أن سقوط النظام تأجل إلى حين.
وسقط النظام السياسي العراقي في حرب 2003 من دون أن تقدم إيران على إطلاق طلقة واحدة أو تخسر شيئاً من ثرواتها، بالعكس فقد حققت طهران فوائد اقتصادية ومالية وعسكرية وأمنية لم تحلم بها إطلاقاً، يكفي أن تشاهد عبر الحدود عراقاً ممزقاً إلى طوائف ومذاهب وأقاليم، والولايات المتحدة عدوها اللدود غارقة في وحل حرب الاستنزاف ومحشورة في مأزق لا مخرج منه، وتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الأمريكية – الإيرانية، الأمر الذي حدا بلجنة دراسة العراق (تقرير بيكر – هاميلتون) أن توصي وتؤكد على ضرورة التفاوض مع طهران لحل المعضلة الأمنية في العراق. وفي الواقع أن هذا الوضع المعقد الذي تواجهه الولايات المتحدة في المنطقة والضغوط الداخلية من الديمقراطيين، جعلا إدارة بوش تعيد حساباتها من تكرار التجربة العراقية سواء كان مع إيران أو مع سوريا. ولكن في افتراض أن إدارة البيت الأبيض ركبت قطار المغامرة وانساقت وراء الخيار العسكري الذي يمكن أن تقوم به في الأشهر الأخيرة من سنة 2008 لكي تورط الديمقراطيين، وعلى الأكثر القيام بقصف صاروخي وجوي، فإن الرد الإيراني سوف لا يكون أحسن حالاً من الرد العراقي في قصف 1998 أو في حرب 2003، ولكن طهران يمكن أن تلجأ إلى أعمال عسكرية انتقامية في الخليج أو على الساحة العراقية، حيث تكون بمواجهة مباشرة مع الجيش الأمريكي، وسيصبح (عدو عدوي صديقي)، وهنا هي الكارثة التي سيدفع ثمنها غالياً الشعب العراقي.
::/fulltext::
::cck::2623::/cck::
