صورة الإعلام العربي في القرن الواحد والعشرين
::cck::2676::/cck::
::introtext::
لابد من الإقرار بأن استمرار الهوة التكنولوجية الإعلامية بين الدول المتقدمة والدول النامية سيبقي الهيمنة الإعلامية للدول الصناعية في مجال المعلومات والإعلام لسنوات طويلة، وستتضرر الدول النامية من جراء هذه الهيمنة، بحيث تكون غير قادرة على الحفاظ على استقلالها السياسي وأمنها الثقافي بسبب التفوق التكنولوجي للغرب، بل إنها ستصبح معرضة لاختراقات مستمرة وحادة لمعتقدات وأفكار وأيديولوجيات تتعارض مع أنظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
لابد من الإقرار بأن استمرار الهوة التكنولوجية الإعلامية بين الدول المتقدمة والدول النامية سيبقي الهيمنة الإعلامية للدول الصناعية في مجال المعلومات والإعلام لسنوات طويلة، وستتضرر الدول النامية من جراء هذه الهيمنة، بحيث تكون غير قادرة على الحفاظ على استقلالها السياسي وأمنها الثقافي بسبب التفوق التكنولوجي للغرب، بل إنها ستصبح معرضة لاختراقات مستمرة وحادة لمعتقدات وأفكار وأيديولوجيات تتعارض مع أنظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
ولهذا علينا أن نقر من البداية بأن دراسة الإعلام العربي والخليجي تقترن بمحددات موضوعية ترتبط بعوامل كثيرة أهمها الفجوة الكبيرة في تكنولوجيا الاتصال والإعلام بين العرب والغرب، وضعف الامتلاك في مجال أجهزة وسائل الإعلام، وضآلة حصة العرب من سكان العالم بما يتعلق بالمنتوجات الإعلامية ووسائل الإعلام الجماهيري.
الإعلام العربي الرسمي: تأصيل نظري للمشكلات
إذا ما تم اختبار الفرضيات التي وضعها عدد كبير من الباحثين العرب حول واقع الإعلام العربي، والتي تتلخص في نقاط جوهرية أبرزها عدم فعالية الإعلام العربي في تحديث المجتمعات العربية، وعدم قدرته على استيعاب المعطيات الحضارية والتطور التكنولوجي الدولي وضعف محتواه وأساليبه التعبيرية، ووضع فرضية مركزية تتلخص بأن الإعلام العربي يسير وفق طابع غير علمي ولا يحكمه سوى الأسلوب النمطي المقلوب، فهو يتجه إلى السطحية وعدم الجدية بسبب افتقاره إلى التخطيط، فهذه سمة عامة تميزه من ناحية المنهج والأداء والتعبير. ولابد من الإقرار بأن مفهوم الإعلام ووظائفه بقيت متخلفة وغير واضحة في ضوء التطور الحضاري الإعلامي، بل إن المفهوم التقليدي بقي يشكل قاعدة عامة في منهجية الإعلام العربي وتوجهاته ووظائفه، بحيث اختلطت المفاهيم والمنهجية في سياقات نمطية أدت إلى إفراز معطيات أصبحت من التقاليد اليومية للخطاب الإعلامي، ومن هذه المعطيات:
1- إن العرب يتناولون الإعلام في سياقه السياسي أكثر مما يتناولونه في سياقه الحضاري سواء أكان ذلك على الصعيد الوطني أو القومي أو الدولي.
2- الإعلام العربي الداخلي ليست له في الأقطار العربية تقاليد سوى قاعدة واحدة مطلقة وهي ذات شقين: النظر إلى المواطن العربي على أنه غير جدير بالثقة، والنظر إلى رجل الإعلام على أنه أداة للتصفيق الحاد.
3- الإعلام العربي لايزال في مجموعه يرى في الإعلام الخارجي امتداداً للإعلام الداخلي، ولا تزال جميع صور الإعلام تخضع لمنطق واحد أساسه منطق الاتصال الداخلي.
4- الإعلام العربي سلطوي التوجه والتعبير ويفتقر إلى المشاركة الجماهيرية في صنع القرار الإعلامي.
5- الإعلام العربي يتمركز في العاصمة والمدن الكبرى، فحينما تكون السلطة تكون وسائل الإعلام، لذلك فالإعلام العربي حضري ولا يشبع رغبات وأذواق واحتياجات أهل الريف الذين يشكلون الأكثرية في المجتمع العربي.
إن من الضروري في دراسة الإعلام العربي الإجابة عن بعض التساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة علمية لمعرفة أبعاد ومشكلات الإعلام العربي. فمن المهم توضيح العلاقات وصيغ التفاعل بين وسائل الإعلام والسلطة مع التعمق في موضوعيّ الحرية والمسؤولية الإعلامية بصفة خاصة، وموضوع التشريعات الوطنية العربية المختلفة والنصوص المتعلقة بالأخلاقيّة المهنية، وقضية اللامركزية الإعلامية وعلاقتها باللامركزية الاقتصادية والثقافية، وكذلك السياسات الإعلامية الوطنية والقومية التي تحتاج الكثير من الوضوح والدقة.
كما لابد من استجلاء مزايا وسلبيات التكنولوجيا الجديدة وتأثيرها في الوطن العربي وعلى التدفق الإعلامي بين العرب وبقية أنحاء العالم، مع ضرورة إبراز علاقات التأثير والتفاعل بين الإعلام والتنمية بكافة تفرعاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن الإعلام العربي السائد يفتقد أبسط شروط العمل الإعلامي الناجح في الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، وتلبية حاجاتهم الاجتماعية والنفسية والثقافية، ولعل أبرز هذه الشروط ما يلي:
الخطة: إن إعلاماً لا يقوم على أسس خطة إعلامية متكاملة لا يستطيع إنجاز الأهداف المطلوبة منه في حشد القوى الداخلية حوله، وفي تعبئة الرأي العام إلى جانب قضاياه. وبديهي أن غياب الخطة الإعلامية إنما هو انعكاس لغياب الخط السياسي المحدد والواضح.
التغطية الإعلامية: لاشك أن أول ما يشد المواطن إلى الأجهزة الإعلامية هو الحصول على المعلومات، وخاصة الإخبارية، والملاحظ أن الإعلام العربي في معظمه لا علاقة له بضرورة توفير التغطية الإخبارية لمواطنيه، فهو يمكن أن يتجاهل خبراً يحتل صدارة الأخبار في العالم أو هو يقزّمه إلى أدنى حد، كما يشاء، ولهذا السبب يتجه المواطن العربي إلى الإذاعات الأجنبية.
الصدق: الإعلام العربي يكذب كثيراً، ويكذب كما قال أحد الباحثين حتى في النشرة الجوية وأنباء الطقس. ولأن الكذب حبله قصير فإن المواطن سرعان ما يكشف الحقيقة، ومع تكرار الكذب لا يلبث المواطن العربي أن ينصرف عن أجهزته الإعلامية بحثاً عن مصادر أكثر ثقة وصدقاً، ذلك لأن ثقة المواطن العربي بإعلامه شرط أساسي من شروط تواصله مع هذا الإعلام.
التعددية: في معظم الأقطار العربية هناك أكثر من صحيفة في كل قطر ولكنها جميعاً ليست سوى نسخ كربون عن بعضها وعن وكالة الأنباء الرسمية، وهي تتشابه إلى حد الملل مع الإذاعة والتلفاز، وهذا أحد مظاهر غياب الحياة الديمقراطية، وغياب المنابر الإعلامية المتعددة التي تجعل المواطن قادراً على محاكمة الرأي والرأي الآخر.
السياسة الإعلامية والوظيفة الحضارية: عربياً وخليجياً
الملاحظ أن السياسة الإعلامية المحلية كثيراً ما تكون بديلاً عن السياسة الإعلامية القومية وكذلك عن السياسة الإعلامية العربية الدولية، وهذا التداخل يؤدي إلى خلق أكثر من سياسة إعلامية لا تحقق إلا التناقض وتشتت الجهود السياسية والإعلامية بحيث لا تصبح قادرة على التأثير في الرأي العام ومجابهة الإعلام المعادي. فالمنطقة العربية بسبب اشتراكها في خصائص ثقافية واحدة وجذور حضارية مشتركة ولغة واحدة برغم تباين اللهجات، واتصالها مع بعضها جغرافياً، فإنها بحاجة إلى سياسة إعلامية قومية أكثر من سواها من المجموعات الدولية الأخرى لمجابهة التحديات الحضارية المعاصرة.
والثابت من خلال الاتجاهات العامة لسياسات الإعلام وممارساته في المنطقة العربية بروز أكثر من اتجاه في هذه السياسة أهمها:
1- تسود المركزية الشديدة ممارسات الإعلام في الأقطار العربية سواء بالنسبة للتوزيع الجغرافي أو بالنسبة للإدارة.
2- الاهتمام الزائد بممارسات الإعلام والاتصال بالنشاط السياسي والدعائي الموجه، وما يقابله من نشاط ترفيهي على حساب وظائف الاتصال الأخرى.
3- الاعتماد على المنتجات الإعلامية الخارجية لسد النقص في الإنتاج المحلي، ولا ينطبق هذا على التلفاز وحده، وإنما يمتد أيضاً إلى الصحافة ووكالات الأنباء.
وإذا ما حاولنا أن نحدد ثوابت السياسة الإعلامية على المستويين القطري والقومي فإننا سنجد أن هناك أكثر من هدف واستراتيجية تتناقض مع بعضها أحياناً، وسنجد أيضاً ثوابت ومحددات تعيق الرسائل الإعلامية العربية، فالسياسة الإعلامية على المستوى القطري تتحدد بمفاهيم محددة أبرزها: سياسات ينقصها التنسيق والتفاعل مع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية مما يجعلها تعاني من التناقض والتكرار، كما أنها سياسات تحكمها النظرة القطرية الضيقة في كثير من توجهاتها، وليس لها ارتباط وتنسيق مع السياسة الإعلامية العربية، وهذا يفقدها عنصر التفاعل والحيوية، إضافة إلى أنها سياسات دون جهة تتولى رسم خططها وتنظيمها ودون جهاز متطور من التخطيط والمتابعة.
أما السياسة الإعلامية على المستوى القومي فإنها تعاني من مشكلات أبرزها: تداخل هذه السياسة الإعلامية مع السياسة الإعلامية القطرية، وعدم وضوح الرؤية السياسية للكثير من القضايا العربية المشتركة، وضعف في التخطيط والمتابعة الصادقة، وعدم استيعاب الوضع الدولي ومتغيراته، وثورات تكنولوجيا الاتصال والإعلام، كما أنها سياسات تنقصها الوظيفة الحضارية في التعامل مع الرأي العام.
والأهم، كما نرى أن السياسة الإعلامية العربية تتأطر بإشكاليات منهجية من ناحية العلاقة مع المواطن العربي المتمثلة بمبدأ (حق الاتصال) و(ديمقراطية الإعلام) فهناك فجوة واضحة بين الإعلام العربي كرسالة حضارية وبين المواطن وهذه الفجوة تتجسد في أكثر من اتجاه منها:
التناقض بين التشريعات الإعلامية والسياسية والتطبيق، وضعف حق الاتصال في الوطن العربي، فالدساتير العربية جميعها تنص على مبدأ حرية التعبير وحرية النشر وحرية الصحافة والإعلام، وأفردت لها بنوداً خاصة في تشريعاتها المختلفة متضمنة عبارات تؤكد حق الإنسان العربي بالاتصال والإعلام وممارسة دوره الإنساني عبر أجهزة الإعلام، غير أن هذه النصوص جميعها مقيدة بعبارة في حدود القانون، وهذا يعني أن هناك نصوصاً قانونية تؤطر هذه الحرية وتحميها ضمن رؤية النظام السياسي للقطر العربي.
ومن الواضح ضمن هذه المعطيات أن السياسات الإعلامية العربية لا تزال قاصرة على فهم دلالات حق الاتصال وديمقراطيته وأهميته للمجتمع العربي، بدليل أن هذه السياسات لا تزال بعيدة عن الواقع الدولي ومتغيراته، وعن الحاجات النفسية والاجتماعية للإنسان العربي لتفجير طاقاته الإبداعية في مجالات الحياة. ويقيناً إن هذه السياسات التي هي انعكاس لسياسة النظام السياسي ستجد نفسها ضمن المتغيرات الجديدة لعصر العولمة بحاجة إلى استراتيجية واضحة للعمل الإعلامي القطري والقومي تستند إلى أسس ديمقراطية بحيث تعطي حرية أكبر للإنسان العربي في حق الاتصال وحرية الرأي والتعبير.
السياسة الإعلامية الخليجية
برزت في الحياة العربية ظواهر إيجابية كثيرة على مستوى العمل الإعلامي لمجابهة التحديات الخارجية وحصانة الإنسان العربي من التيارات الثقافية والفكرية التي تجتاح المنطقة العربية. ولعل أبرز هذه الظواهر الإعلامية ظهور التعاون الإقليمي الخليجي في مجالات الإعلام والاتصال لتدارس قضايا تنمية الإعلام وتطويره في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وتوحيد الكلمة الإعلامية وترصينها لمجابهة التحديات الحضارية والغزو الإعلامي والثقافي ضد شعوب منطقة الخليج العربي من أجل تهديد سيادتها وأمنها وتمزيق شخصيتها العربية ووحدتها الثقافية.
إن تجارب التعاون الخليجي في مجال الإعلام خلال السنوات الماضية تؤكد أهمية تعميق التعاون والتنسيق لفائدة المنطقة، كما تؤكد أهمية دور المؤسسات الإعلامية الخليجية في تعزيز الإنتاج المشترك في مجال البرامج التلفازية والتدريب الإذاعي والتوثيق والمعلومات والتراث الشعبي وفي التعاون الإخباري والمعلوماتي من خلال وكالة أنباء الخليج. وبالرغم من أن هذه النشاطات لاتزال دون مستوى الطموح والدعم وتنقصها الملاكات البشرية العلمية المتخصصة والفعالية الديناميكية لابتداع البرامج الإعلامية الذكية التي تناسب الواقع الاجتماعي وتلبي احتياجاتها التعليمية والتنموية والثقافية. ويعود الاهتمام الأول لميدان التنسيق الإعلامي بين دول الخليج العربية إلى المؤتمر الأول لوزراء الإعلام الذي عقد في (أبوظبي عام 1976) حيث برزت الأهمية إلى إنشاء عدة مؤسسات خليجية مشتركة تقوم كل منها بوظيفة إعلامية أساسية، وتنسيق عملها مع بقية المؤسسات الخليجية.
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي التي اقترحت هذا التعاون بصيغة جماعية لتوثيق الروابط (تحقيق التكامل بين دول الخليج العربية في مجال الإعلام والتوجيه). حيث تضمنت المقترحات دراسة إنشاء مؤسسات إعلامية أهمها:
1- دراسة إنشاء وكالة أنباء الخليج كوكالة إقليمية.
2- دراسة إنشاء شبكة تلفزيونية للربط والتبادل البرامجي عن طريق الميكروويف ووسائل الربط الأخرى.
3- مشروع إنشاء مركز أو مؤسسة الإنتاج البرامجي في دول الخليج.
4- مشروع إنشاء مؤسسة أو وكالة لتسويق البرامج الأجنبية للإذاعة والتلفزيون.
5- دراسة توزيع مراكز التدريب والتوثيق والمؤسسات الأخرى مع المنظمات الدولية.
واستجابت الدول الخليجية (الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الجمهورية العراقية، قطر، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان) لهذه الدعوة لأهميتها وأبعادها على مستقبل العمل الإعلامي والثقافي المشترك حيث اتفق في المؤتمر الأول الذي عقد في دولة الإمارات عام 1976 على (أن يكون اجتماع وزراء إعلام دول الخليج العربية سنوياً) كما اتخذت قرارات وتوصيات في ما يتعلق بالمقترحات الخاصة بإنشاء المؤسسات الإعلامية من قبل دولة الإمارات.
وبالرغم من وجود مؤسسات خليجية بأهدافها ومنطلقاتها، إلاّ أن وزراء إعلام دول الخليج العربية ينظرون إليها على أنها عمل مكمل ومساند للعمل العربي على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وفي ما يتعلق بالسياسة الإعلامية للتعاون الخليجي، فإننا نجد أن هناك خطوطاً عامة تضمنتها الأهداف الرئيسية للمؤسسات الخليجية المختلفة، حيث نجد التنوع في وظائف الإعلام الخليجي، كالتركيز على الشخصية الوطنية الخليجية، وإبراز الوحدة الحضارية والتاريخية والثقافية المشتركة لمنطقة الخليج العربي، والتعبير عن السياسات الخليجية في مختلف الأنشطة، وعكس مظاهر التقدم في الحياة في هذه المنطقة، ودعم العمل العربي المشترك، وخلق أفضل الروابط القومية مع الأقطار العربية.
إن التعاون الإعلامي الخليجي حقق أكثر من نتيجة إيجابية، ولكنه بحاجة إلى استراتيجية واضحة للسياسة الإعلامية الخليجية لإبراز المؤسسات الإعلامية الخليجية كمثال على صعيد التعاون الإقليمي بهدف التواصل مع الجهود الإقليمية في الوطن العربي لتكوين تعاون قومي قادر على تجاوز الصعوبات التي تفرضها السياسات الاتصالية الحكومية.
ومن خلال متابعتنا لنشاطات المؤسسات الخليجية ومسيرة الإعلام فيها نرى ما يلي:
• الحاجة إلى تخطيط إعلامي طويل المدى يأخذ في الاعتبار حاجة المنطقة وظروفها ومتغيراتها.
• الحاجة إلى تخطيط برامجي في عهد القمر الصناعي العربي يساعد على عمليات تبادل البرامج بشكل فعال في منطقة الخليج العربي، فهذه المنطقة لم تستثمر خدمات هذا القمر لتلبية حاجاتها إعلامياً واجتماعياً وثقافياً برغم مرور سنوات على إطلاق القمر.
• الحاجة إلى إقامة إذاعة موحدة تعبر عن طموحات واحتياجات المنطقة وإنشاء قناة تلفزيونية خليجية ووكالة أنباء مرئية، وكل هذه المشاريع من شأنها أن تقدم الحلول الكبيرة لمشكلة عدم التوازن الإعلامي واحتكار الدول الكبرى لمصادر المعلومات في العالم.
• الحاجة إلى إقامة شبكة حقيقية لتلفزيون الخليج العربي على نمط (شبكة المغرب فزيون) لربط أبناء المنطقة ببعضهم البعض، وتوفير حقيبة إخبارية خليجية موحدة للداخل والخارج.
• الحاجة إلى الإسراع بتنفيذ توجيهات المؤتمرات الإعلامية السابقة بشأن إنشاء أكاديمية للفنون الإعلامية تابعة لجامعة الخليج، وإنشاء جامعة مفتوحة، وإقامة المهرجانات الثقافية والفنية بشكل منتظم وأكثر فاعلية.
إن منطقة الخليج العربي بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية تشهد تحديات عسكرية وإعلامية وثقافية تحتاج إلى وضع استراتيجية إعلامية واضحة تحافظ على أمن الخليج فكرياً وعلى مستقبل أبناء المنطقة وتراثهم الثقافي الأصيل.
التلفزيون العربي: ثقافة الترفيه
اللافت للنظر أن المحطات التلفزيونية العربية (الأرضية والفضائية) تساهم بشكل فعال مع القنوات الفضائية الأجنبية في نشر المادة الأجنبية ذات الطابع الثقافي الهابط، التي لا تتلاءم مع الواقع الاجتماعي، وتتعارض مع التنشئة الاجتماعية العربية ومقوماتها، فهي تكرس صور الحياة الاستهلاكية، وتعرض مقومات الشخصية العربية والثقافية والقومية للتشويه والمسخ والاغتراب الحاد، حيث تتسابق هذه المحطات العربية لإرضاء الجمهور العربي، وخاصة الشباب، واجتذابه لهم بأي صورة من خلال المواد الترفيهية، وعرض الأفلام والمسلسلات المملوءة بالعنف والجريمة وقصص الحب والمغامرة العاطفية والإثارة، بل إن بعض القنوات الفضائية العربية أصبحت أشبه بـ (نوادٍ ليلية) تقدم لجمهورها أنواع فنون الإثارة وبمواصفات قد لا نجدها حتى في القنوات الفضائية الأجنبية، كما أنها لا تتورع عن تقديم أنواع من الأفلام الأجنبية من دون (مقص الرقيب)، ودون اعتبارات للواقع الاجتماعي ومتطلباته.
والملاحظ بروز ظاهرة جديدة في بعض القنوات الفضائية العربية الخاصة، تتمثل بظهور ما يسمى (تلفزيون الواقع) الذي يعرض نسخاً معّربة من برامج أمريكية وأوروبية، تقوم فكرتها على جمع عدد من الفتيان والفتيات في بيوت للعيش معاً، ضمن ظروف محددة أمام كاميرات تلفزيون تثبت في غرف هذه البيوت ليعيشوا حياة طبيعية، مثل برنامج (ستار أكاديمي) و(على الهوا سوا) و(الرئيس)، وكلها برامج تتسابق لإرضاء الجمهور العربي، وخاصة الشباب لأسباب تجارية مادية، بالإضافة بروز ظاهرة دخول المال العربي، بشكل سلبي، إلى الإنتاج الإعلامي والفني دون اعتبارات للواقع الاجتماعي، بحيث أصبح الاستثمار في هذا المجال يأخذ مداه السلبي في تعميق ثقافة الإثارة. مع ما قد تحمله من توجهات سياسية وفكرية ملغومة تريد تدمير الواقع العربي وبنيته الاجتماعية وثقافته وقيمه.
باختصار هناك صناعة ثقافية إعلامية لا تعتمد على المقاييس الفنية والجمالية بقدر اعتمادها على الجذب والإثارة لتسطيح الفكر والحياة، وخلق الوعي المشوه والمبسط، وهدر الوقت وإضاعته، وإضعاف مشاركة الشباب المثمرة في النشاطات المختلفة.
وما يزيد القلق هو نتائج البحوث العربية التي أجمعت على أن الإنتاج الأجنبي المستورد يشكل أكثر من نصف ما تبثه التلفزيونات العربية حيث تشكل المادة الترفيهية الجزء الأعظم من ساعات البث اليومي. وهناك القضية الأخرى المثيرة للقلق وهي تعرّض المنطقة العربية لكم هائل من القنوات الأجنبية التي تستخدم أقماراً صناعية، يغطي بها هذه المنطقة حيث تستخدم أقمار (عربسات) و(آساسيات) و(ويوتلسات) من أجل توصيل برامجها للمشاهد العربي الذي تنامى حجمه بسبب الإقبال على امتلاك أطباق الالتقاط الفضائية أو الاشتراك في نظم توزيع الإشارة التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية من خلال شبكات الكوابل والألياف البصرية والميكروويف.
وكان طبيعياً أن يكون أحد مواقع الرهان الأساسية للتنافس القائم اليوم بين مراكز الإنتاج والتسويق الفاعلة على الساحة العالمية في مجال الصناعات الاتصالية (أجهزة ومضامين وخدمات) يكمن في كسب الشباب في العالم عبر رسائل تلفزيونية متنوعة ومشوقة ومثيرة تقترب من حاجاتهم وهمومهم وتطلعاتهم.
وبقدر ما تعتبر ظاهرة الشباب عالمية في علاقتها بثقافة الصورة، فإن الشباب والمراهقين الذين يمثلون وزناً ديموغرافياً مهماً في المجتمع العربي يستمدون الكثير من أنماط السلوك والمثل والقيم من وسائل الإعلام الحديثة، والتلفزيون خاصة، حيث أصبحت هذه الوسائل تنافس العائلة والمدرسة والنظم الاجتماعية. فاتساع الحقل الاجتماعي للمشاهدة في علاقته بالتحديث وما واكبه من تحولات في ملء أوقات الفراغ يمثل أحد العوامل الفاعلة في التحولات التي شملت جوانب الحياة المختلفة، ومن ضمنها العلاقة القوية بالثقافة والإعلام والتربية وتأثيراتها النفسية.
إن الموقف يشير إلى إقبال واهتمام الشباب ببرامج القنوات الفضائية الأجنبية، وربما لأسباب كثيرة، فهي أحياناً تغذي لديهم شعوراً بالنقص الكبير الذي ينعكس على سلوكهم سلباً لقوة البرامج الأجنبية من ناحية التشويق والإثارة والتنوع وقربها من رغباتهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى هروبهم من برامجهم التلفزيونية الوطنية، بل وهروبهم من محيطهم الاجتماعي المتناقض، مما قد يؤدي أيضاً إلى تكوين خصائص سلوكية مضطربة تجعله ينتقل من مساهمة الفعل إلى موقع الانفعال ومن ميدان التأثير إلى خانة التأثر والاستيلاب.
والملاحظ أن القاسم المشترك لبرامج القنوات الفضائية الأجنبية هو المادة الترفيهية وأفلام الجريمة والعنف والرعب والإثارة. أي أن ثقافة الصورة تطغى عليها أكثر من ظاهرة : الاغتراب، القلق، إثارة الغريزة، الفردية، العدوانية، دافعية الانحراف، سلطة المال والنساء، حب الاستهلاك، الأنانية، عدم الاكتراث، والتمرد، وكلها مفردات حياتية تتأسس في إدراك الفرد وسلوكه ومعارفه، حيث تتحول أحياناً صورة ذهنية إلى نشاط عملي عن طريق المحاكاة والتقليد وعمليات التطبيع الاجتماعي.
لهذا نتوقع مستقبلاً أن تنشأ مشكلات اجتماعية تأخذ أبعاداً واضحة في الحياة العربية، ويتأثر فيها الأطفال والمراهقون والشبان بنتائجها السلبية، فمن المحتمل أن تخلق برامج الفضائيات الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار في العلاقات الاجتماعية، وتعميق المشاعر الذاتية أكثر من الالتزام الجماعي، وإضعاف الولاء للمجتمع والوطن، وتنمية الفردية والروح الاستهلاكية، وتقويض أركان التماسك الاجتماعي، وتعميق الإحساس بالاغتراب، والهروب من التصدي لواقع الحياة، وتوسيع الفجوة بين الأجيال دون محاولة تذويب الاختلاف، والانبهار بالموديل الأجنبي، وإشاعة مشاعر الاستسلام للواقع، وتوطين العجز في النفوس، وإضعاف الروابط الأسرية وقيمها، وتعميق الانعزالية بين الشباب وسحبهم إلى معارك ضارية مع النظم الاجتماعية بدءاً من الأسرة وانتهاء بالدولة والأمة، وإحجام الشباب عن ممارسة الأنشطة الإنتاجية والترويحية، والتأثير في مهارات الطفل المرتبطة بالمدرسة وفي الكفاية المعرفية بصوره عامة، وازدياد السلوك المنحرف والأمراض الاجتماعية.
والأهم، كما أرى مستقبلاً، ضعف دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية مقابل الدور الكبير والمؤثر لوسائل الإعلام والمعلومات على اتجاهات التنشئة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية.
الصحافة العربية والخليجية: أزمة الديمقراطية
هناك جدل واسع بين رجال الإعلام والصحافة، وعدد كبير من الباحثين والأكاديميين حول دور الصحافة العربية المعاصرة في تحديث المجتمعات العربية وتطورها، وفي خلق الأنماط الإيجابية في الحياة السياسة والاجتماعية، إضافة إلى الجدل الواسع حول تطورها من ناحية الشكل والمضمون والتقنية، والتحديات التي تواجهها في عصر العولمة والاحتكارات الإعلامية الدولية الكبرى، وقد لخصت ندوة علمية أبرز هذه الصعوبات والمشكلات والتحديات بالنقاط التالية:
1- يمكن تقسيم المشهد الصحفي العربي إلى ثلاثة مشاهد رئيسية نسبة إلى الأوضاع السياسية المحلية وهي:
المشهد الأول: هناك الصحافة العربية الأيديولوجية التي انخرطت في الدعاية لأنظمة حكم وطنية وقومية على أثر تصاعد وتيرة الخطاب القومي السياسي، وبروز الأنظمة السياسية ذات الأطر العقائدية، وهناك الصحافة الحزبية التي تخلت عن فن المهنة الحقيقي لصالح الخطاب السياسي، وصارت إدارة للسلطة، وهي لا تزال كذلك في كثير من الأحيان.
المشهد الثاني: صحافة بلدان الخليج، التي انعكست عليها إثارة الطفرة النفطية، فتطورت تقنياً ومهنياً إلى حد ما، وإن ظلت في أغلب دول الخليج وخارجها صوت حكومتها، ولم تتمكن بعد من تقديم نفسها كصحافة مستقلة غير تابعة أو خاضعة بعكس دول تمكنت فيها صحافتها من أن تنال حظاً أوفر من الاستقلالية كما هي الحال في الكويت.
المشهد الثالث: صحافة استفادت من توفير أجواء الانفتاح الديمقراطي فتطورت مهنياً وتقنياً، وتفاعلت مع الأحداث ومحيطها وقرائها والمستهدفين بطريقة جعلت منها صحافة تنبئ بالكثير في المستقبل، وتعد بما هو أفضل، كحال لبنان والكويت والإمارات.
2- تكاد الصحف في كل قطر عربي أن تكون نسخاً متشابهة مع استثناءات محدودة، لأن مصدر الأخبار واحد، وهو في الغالب الأعم أجنبي، وهناك صحف محلية في كل بلد عربي تهتم بهذا القدر أو ذاك بالأخبار العربية لكن اهتمام المتلقي وليس صانع الخبر أو المساهم فيه.
3- انشغلت الصحافة العربية بالهم السياسي، الداخلي والخارجي، على حساب تطور دورها وأدائها، وعلى حساب تطور المهنة أيضاً، مما أفقدها المصداقية في الكثير من الأحيان وذلك من خلال الظواهر التالية:
• تحول الصحافة إلى أداة للسلطة العربية وتخليها عن دورها الصحفي المعروف بوصفها أداة تأثير في مسار الأحداث حيث كرست الخطاب الإعلامي المؤدلج والمبرمج لمصلحة الحكومات أكثر مما هو لمصلحة التنمية وقضايا الناس.
• افتقادها لحرية التعبير، وهبوط حاد في مستوى الضمانات والحمايات الإخبارية والقانونية والنقابية، مع تحالف في التشريعات الإعلامية، وعدم انسجامها مع عصر العولمة.
• صعوبة حرية انتقال وتبادل المعلومات، وغياب الشفافية الاجتماعية والسياسية، ونقص واضح في حق الاتصال وديمقراطية الإعلام والمعلومات.
4- أزمة حرية الصحافة العربية، وهي أزمة الديمقراطية العربية سواء كانت ديمقراطية مغيبة تماماً في بعض البلدان أو كانت ديمقراطية منقوصة ومقيدة في بلدان عربية أخرى حيث بعض الأشكال والمؤسسات الديمقراطية مثل الانتخابات الموجهة، والصحافة الموجهة عن قرب أو بعد.
5- التشريعات القانونية الصحفية في معظم الأقطار العربية تقيد حرية الصحافة بشكل أو آخر، سواء بفرض الرقابة أو التحكم بحرية إصدار الصحف وملكيتها أو بالسيطرة الحكومية على الصحف والإعلام أو بتشديد العقوبات في قضايا الرأي والنشر وصولاً لعقوبة الحبس والغرامات المالية الباهظة أو بانفراد السلطة التنفيذية بحق إغلاق الصحف ومصادرتها بإجراءات إدارية دون اللجوء إلى القضاء.
6- تعاني معظم الصحف في الوطن العربي من ضعف في إدارة المؤسسات الصحفية، حيث نلاحظ ضعف الأداء، خاصة في الصحف الحكومية بسبب عوامل البيروقراطية والولاء على حساب المهنية.
7- حدث تطور كبير في صحافة بعض البلدان على الصعيد التقني ولكن لم يرافقه التطور الموازي على صعيد الأداء المهني، والدور المجسد للوظيفة السياسية للصحافة، حيث أخذت الصحافة العربية بأسباب التحديث في ما يتعلق بالإعداد الفني للصفحات وطباعتها، وكذلك في تلقي الأخبار والصور والمراسلات عبر المكاتب التابعة لها، ولكن التطور على مستوى الفعالية السياسية والاجتماعية لا يزال محدوداً للغاية.
8- معظم الإعلانات في الصحف العربية أجنبية المصدر، وهي بضائع أجنبية من المجوهرات والسجائر والمكياج وصولاً إلى الملابس وفساتين الموضة والسيارات. والإعلان في الصحف العربية هو سلطة تجارية لكنه قابل للاستغلال سياسياً، بمعنى أن مصادر الإعلان يمكن أن تؤثر في الصحف إذا لم تتماش مع مصالحها السياسية والاقتصادية.
التحديات التي تواجه الصحافة العربية
في زمن العولمة والشركات الاحتكارية الإعلامية الكبرى في أمريكا والغرب، والتطور التكنولوجي والتقني في الصحافة والإعلام، والثورة المعلوماتية عبر الانترنت، تواجه الصحافة العربية تحديات كثيرة أبرزها:
1- الصحف العربية تواجه تحديات العولمة الإعلامية وتأثيراتها حيث التحديات السياسية والمعرفية والحضارية والتكنولوجية والإنتاجية التي ستجعل من هذه الصحافة أمام امتحان صعب للغاية، وتواجه أيضاً الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال وغزو المعلومات والإعلام وطوفان الأخبار وهو مأزق كبير لصحافة لا تعيش في بيئة صحية وتشريعات قانونية متطورة.
2- تحدي مسايرة الديمقراطية التي تسود العالم في زمن العولمة. فإذا كانت الحرية ضرورة من ضرورات التقدم الإنساني، فإن ديمقراطية الإعلام وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي هي المقدمة الضرورية لباقي الحريات، وخصوصاً في مجتمعاتنا التي تعاني من نظم حكم فردية.
3- تغيير خريطة الاستقطاب الصحفي والإعلامي لصالح مراكز إعلامية جديدة مؤثرة بدلاً من المراكز التقليدية كالقاهرة وبيروت، مثل الكويت والإمارات وقطر ولندن، كعواصم ذات ثقل صحفي وإعلامي واضح، حيث فقدان الصحافة المستمر لأبنائها الصحفيين، إما عن طريق هجرة المهنة أو عن طريق الهجرة إلى الخارج (أوروبا والخليج العربي).
4- تحدي الهجوم الإعلامي الأجنبي الذي يأخذ أشكالاً عديدة عبر الاحتكارات الدولية عابرة القارات، وذلك من خلال تكريس مفهوم الإعلام الغربي الحر، وتعديل مناهج التعليم والثقافة، وإنشاء إذاعات وشبكات تلفزيون، وإصدار صحف ومجلات في العواصم العربية لجذب الرأي العام.
5- بروز ظاهرة الطبعات الدولية من خارج المنطقة إلى داخلها، الأمر الذي أدى أيضاً إلى اضمحلال القوة التأثيرية لبعض الصحف الأجنبية المعروفة بترجمات عربية.
6- تحدي ثورة وسائل الاتصال الأخرى كالفضائيات وشبكة الانترنت ودخولها على خط المنافسة مع الصحافة المكتوبة مما أثر في حضورها القومي.
7- بروز الفضائيات الخبرية كـ (الجزيرة والعربية والإخبارية) وغيرها في استقطاب الجمهور بسبب تقاليدها الإعلامية الجديدة وتطور مضامينها وأشكالها الإعلامية وأدائها المهني وتمتعها بالحرية الإعلامية، مقابل جمود التقاليد الصحفية في الصحافة العربية من ناحية المضمون والشكل والأداء والممارسة الديمقراطية.
وهنا يُطرح السؤال الكبير: ما السبيل للإعلام العربي لمواجهة عصر العولمة؟
1- المواجهة الخارجية بالعمل الإعلامي العربي المشترك.
2- المواجهة الداخلية بالتغيير الشامل للحياة العربية سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وإعلامياً.
أ- المواجهة الخارجية : العمل الإعلامي العربي المشترك
ان السياسة الإعلامية الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن حقيقة التطور الحضاري الإعلامي، لأن السياسة الإعلامية وجه من وجوه السياسة الحضارية، والإعلام هو محور جوهري من محاور هذه الصناعة الكبيرة. وبغض النظر عن الاعتبارات الثقافية والروحية واللغوية والتاريخية التي تربط أبناء الأمة العربية فإن العمل القومي ينبغي أن يأخذ مداه في الممارسات والسياسات الإعلامية العربية، فشبكات الاتصال والصناعات الإعلامية والإنتاج التلفزيوني والإذاعي والصحف والدوريات لابد أن تتحقق فيها الجدوى الاقتصادية والاجتماعية على مستوى التأثير الفكري والثقافي وعلى مستوى ضمان السوق الإعلامي والتوزيع.
إن تنفيذ مشروع القمر الصناعي العربي (عربسات) وقيام المؤسسات الإعلامية القومية في مجال التدريب الصحفي والإذاعي، وقيام اتحاد إذاعات الدول العربية ومراكز التبادل الإخباري التلفزيوني وغيرها من الهياكل التنظيمية المتمثلة بالمنظمات والاتحادات العربية العاملة في مجال الإعلام، تؤكد أن البعد القومي حقيقة لابد منها لمجابهة التحديات الحضارية والثقافية.
إن السياسة الإعلامية العربية تحتاج إلى مرتكزات قوية أهمها:
1) تطوير مؤسسات الإعلام والاتصال داخل الوطن العربي، انطلاقاً من مبدأ الاعتماد على الذات وعدم الركون إلى ما يمكن أن يقدمه الآخرون كالدول الصناعية التي تقف ضد عملية تطوير هذه المؤسسات الإعلامية وقواها البشرية وقواعدها الفنية ، بحجة أن الإعلام في العالم الثالث بوجه عام لا يتمتع بالحرية وأنه تحت سيطرة الحكومات.
2) النظر إلى قطاع الإعلام في النظام العربي (السياسي والاقتصادي والقانوني…إلخ) كجزء حيوي وقطاع منتج شأنه شأن أي قطاع آخر من القطاعات الإنتاجية في المجتمع العربي، لابد من حشد الإمكانات العربية المتوفرة أمام تحديات الثورة التكنولوجية في مجال الإعلام ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة.
3) تجاوز القضايا القطرية لكل دولة عربية للتركيز على بناء (نظام عربي إعلامي) يهتم بالنوعية القومية بخصوص وحدة الأمة والوطن العربي وأمنه القومي.
4) الاعتماد على التخطيط العلمي البعيد المدى لعملها داخل الوطن العربي وخارجه، وأن تستفيد من جهود المنظمات والاتحادات العربية الرسمية وخاصة العاملة في مجال الإعلام والاتصال، وأن تشترك الصناديق ومؤسسات العون العربي الخارجي في دعم الإعلام الخارجي وضمان تدفق المعلومات من الوطن العربي.
إن مجابهة الدعاية الدولية تحتاج إلى عمل إعلامي مشترك يقترن بالعلمية والتخطيط، وإيجاد نظام إعلامي جديد كفيل بتكوين رأي عام عربي موحد لدعم خطط التنمية وتطوير الشخصية الثقافية وحماية الهوية القومية من الاختراق الثقافي ومجابهة الحرب النفسية وخططها الدعائية الموجهة إلى العرب. لذا فإن مواجهة التحديات تتم عن طريق خلق مثل هذا النظام الإعلامي القومي الذي يساعد على تطوير السياسات الإعلامية العربية، وتنمية وسائلها الإعلامية، ومواجهة تحديات العولمة.
ب- المواجهة الداخلية : عصرنة المجتمع.. عصرنة الإعلام
من المؤكد أن الإعلام العربي، كوسائل ومؤسسات، حاول أن يؤسس خلال مسيرته الطويلة بعض التقاليد الإعلامية، ويرسخ لنفسه أسساً منهجية في التعامل مع المواطن، ويطور تقنياته الإعلامية والاتصالية، ولكن هذا الاتجاه بقي ضمن ثوابت تقليدية، ومعطيات لا تتناسب مع التطور الحضاري الإعلامي والحياة السياسية المعاصرة، فهناك توسع كمي اضطراري في استخدام وسائل الإعلام أو إنتاتجها على حساب النوع والإبداع، وهناك إخفاق في إحداث الثورة التواصلية الحضارية الإعلامية العربية، وطنية وقومية ودولية. وهناك أيضاً مشكلات كبيرة يعاني منها الإعلام العربي مثل:
1- فقدان التخطيط والمبادرة، وعدم وجود استراتيجية واضحة، وعدم ثبات الأهداف السياسية الرئيسية للمجموعة الإعلامية العربية في نطاق مؤسسات العمل القومي، وعدم ثبات الدور المناط بالإعلام العربي في مواجهة التحديات وتحديث المجتمع.
2- بروز ظواهر سلبية في الحياة الإعلامية العربية أثرت في آلية عمل الإعلام العربي ومضامينه ومصداقيته بحيث أفرزت الكثير من الأنماط الإعلامية التي لا تتناسب مع الوظيفة الحضارية للإعلام المعاصر. أهمها: بروز مبدأ سياسة إخفاء المعلومات وتهويل الأحداث والوقائع بطريقة بدائية، وانتهاج سياسة الممنوعات الإعلامية، واعتماد مبدأ المسار الواحد في المنهج الإعلامي، وتقليص حرية تدفق الأخبار والمعلومات، وضعف مصداقية المواطن العربي بإعلامه، وبروز النسق الإعلامي التقليدي المملوء بالعموميات، ونمطية الرسالة الإعلامية العربية شكلاً ومضموناً وابتعادها عن حاجات ومشكلات المواطن العربي واقترابها من السلطة.
والسؤال الجوهري: ما العمل؟
إن نجاح عملية الاتصال يتوقف على مقدار الانسجام بين أطراف الاتصال وعلى أوضاعهم من ناحية الزمان والمكان، وعلى موضوع الاتصال، أي الرسالة التي تنتقل فيما بينهم، ثم على قدرة وسيلة الاتصال (القناة) على النقل، وهو مبدأ يجسد الحقيقة التي تقول إن الجمهور يميل إلى انتقاء المواد الإعلامية التي تدعم معتقداته وتعزز آراءه ومواقفه.. وعندما يختار شخص ما وسيلة إعلام لا تتفق مع اتجاهه فإنه غالبا ما ينظر إليها بارتياب). لذلك فإن الإعلام العربي بحاجة إلى توطيد الثقة بجمهوره وتعميق المصداقية بمعلوماته، وهذا لا يتم إلا بالدراسات الميدانية للجمهور العربي من خلال معرفة حاجاته ورغباته واتجاهاته واحترام إرادته، وتوسيع مشاركته في صنع القرارات.
إن الوضع الإعلامي العربي بحاجة إلى ثورة حضارية إعلامية، تتم فيها عصرنة الإعلام العربي من خلال فهم جديد للرسالة الإعلامية وللأهداف الحضارية له من خلال المعطيات التالية:
تقنياً، لابد من إعادة الأساس التقني للإعلام العربي بصفة (الاستيعاب) وليس (النقل الآلي) وأن يوفر الملاك البشري الكفوء في قدراته العقلية لاستيعاب تكنولوجيا الإعلام معلوماتياً ونفسياً.
إن أوضح مظاهر التخلف هو استخدام أدوات التقنية الحديثة بشكل مظهري وساذج يفرغها من محتواها العلمي ويحولها إلى رموز (طوطمية) تؤدي إلى عكس الغرض منها، لذلك من الأفضل البحث عن تقنية تؤدي وظيفة واقعية لمتطلبات الإنسان العربي ومرحلته وبيئته بدلاً من اللهاث وراء تقنية معقدة لا تحل رموزها إلا بطريقة بدائية.
سياسياً، لابد من تطوير النظام السياسي العربي وجعله ملبياً لطموحات الإنسان العربي وحريته، وجعل الجماهير هي صاحبة السلطة والقرار، لأن أي تقييم موضوعي لدور الإعلام لابد أن يأخذ في الاعتبار الشروط التي يعمل في ظلها، كما أن انعدام السياسة الخارجية الموحدة والنظرية السياسية العربية، وغياب العقل العربي في ساحة الصراع يحدان من فاعلية دور الإعلام العربي، الذي لابد له من أن يحسم قضايا تتعلق بالسياسة الإعلامية المعبرة عن النظام السياسي من خلال:
1- توفير وسائل الاتصال والمعلومات لجميع القوى الاجتماعية دون تمييز بسبب الجنس واللغة أو الدين أو الانتماء السياسي.
2- تحقيق أكبر قدر من المشاركة الجماهيرية في عمليات الاتصال والإعلام بحيث لا يقتصر دور الجماهير على التلقي والاستقبال السلبي للوسائل الإعلامية.
3- إعادة النظر في كافة التشريعات الإعلامية السائدة في الوقت الحاضر، والعمل على تنقيتها من كل العوائق والقيود، وحتى تتوفر الأرضية لتوفير ديمقراطية الاتصال في الوطن العربي لابد من توفر عدد من العناصر أبرزها: تقليص ظاهرة الاحتكار لوسائل الاتصال بقصد إفساح المجال أمام مشاركة أوسع للأفراد والجماعات، واعتماد اللامركزية من أجل أن تساعد في التعبير عن مختلف المصالح والأحداث المحلية، وإلغاء الرقابة السياسية على الإعلام، والنظر في مسألة التمويل بما يحقق استقلالية وسائل الاتصال، والتنوع والاختيار في محتوى الاتصال، ومعالجة علاقة السلطة السياسية بوسائل الاتصال بنوعيه التقليدي والمعاصر.
وأخيراً اقتصادياً، لا يمكن للإعلام العربي أن يتطور على أسس متينة ما لم تقم في أرجاء الوطن العربي صناعات ثقافية واتصالية تشمل صناعة مواد الانتاج الثقافي ووسائله وصولاً إلى تحقيق قومية المعرفة وضمان أمن الأمة الثقافي في إطار تدفق متوازن للإعلام والمعلومات بين أقطار العربي من جهة وبين هذه الأقطار من جهة أخرى.
إن التحديات الكبيرة التي تواجه الإعلام العربي تحديات حضارية وتكنولوجية ومعلوماتية، ويمكن القول إن قوة المواجهة الإعلامية العربية للمتغيرات المستجدة في العالم تتوقف على عاملين متفاعلين في الوطن العربي: أنماط القدرة الذاتية المتجلية في سلوك قومي موحد، وإنماء التنظيم الإعلامي الذي يعبرعن هذا السلوك.
والأهم، كما نرى، تحقيق المزيد من التطور في وعي الإنسان العربي، وتعميق ثقافته وممارسته للديمقراطية لكي يكون قادراً على استيعاب التطور الحضاري والثورة الإعلامية الكبيرة، ومشاركاً فعالاً في تقدم العصر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2676::/cck::
::introtext::
لابد من الإقرار بأن استمرار الهوة التكنولوجية الإعلامية بين الدول المتقدمة والدول النامية سيبقي الهيمنة الإعلامية للدول الصناعية في مجال المعلومات والإعلام لسنوات طويلة، وستتضرر الدول النامية من جراء هذه الهيمنة، بحيث تكون غير قادرة على الحفاظ على استقلالها السياسي وأمنها الثقافي بسبب التفوق التكنولوجي للغرب، بل إنها ستصبح معرضة لاختراقات مستمرة وحادة لمعتقدات وأفكار وأيديولوجيات تتعارض مع أنظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
لابد من الإقرار بأن استمرار الهوة التكنولوجية الإعلامية بين الدول المتقدمة والدول النامية سيبقي الهيمنة الإعلامية للدول الصناعية في مجال المعلومات والإعلام لسنوات طويلة، وستتضرر الدول النامية من جراء هذه الهيمنة، بحيث تكون غير قادرة على الحفاظ على استقلالها السياسي وأمنها الثقافي بسبب التفوق التكنولوجي للغرب، بل إنها ستصبح معرضة لاختراقات مستمرة وحادة لمعتقدات وأفكار وأيديولوجيات تتعارض مع أنظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
ولهذا علينا أن نقر من البداية بأن دراسة الإعلام العربي والخليجي تقترن بمحددات موضوعية ترتبط بعوامل كثيرة أهمها الفجوة الكبيرة في تكنولوجيا الاتصال والإعلام بين العرب والغرب، وضعف الامتلاك في مجال أجهزة وسائل الإعلام، وضآلة حصة العرب من سكان العالم بما يتعلق بالمنتوجات الإعلامية ووسائل الإعلام الجماهيري.
الإعلام العربي الرسمي: تأصيل نظري للمشكلات
إذا ما تم اختبار الفرضيات التي وضعها عدد كبير من الباحثين العرب حول واقع الإعلام العربي، والتي تتلخص في نقاط جوهرية أبرزها عدم فعالية الإعلام العربي في تحديث المجتمعات العربية، وعدم قدرته على استيعاب المعطيات الحضارية والتطور التكنولوجي الدولي وضعف محتواه وأساليبه التعبيرية، ووضع فرضية مركزية تتلخص بأن الإعلام العربي يسير وفق طابع غير علمي ولا يحكمه سوى الأسلوب النمطي المقلوب، فهو يتجه إلى السطحية وعدم الجدية بسبب افتقاره إلى التخطيط، فهذه سمة عامة تميزه من ناحية المنهج والأداء والتعبير. ولابد من الإقرار بأن مفهوم الإعلام ووظائفه بقيت متخلفة وغير واضحة في ضوء التطور الحضاري الإعلامي، بل إن المفهوم التقليدي بقي يشكل قاعدة عامة في منهجية الإعلام العربي وتوجهاته ووظائفه، بحيث اختلطت المفاهيم والمنهجية في سياقات نمطية أدت إلى إفراز معطيات أصبحت من التقاليد اليومية للخطاب الإعلامي، ومن هذه المعطيات:
1- إن العرب يتناولون الإعلام في سياقه السياسي أكثر مما يتناولونه في سياقه الحضاري سواء أكان ذلك على الصعيد الوطني أو القومي أو الدولي.
2- الإعلام العربي الداخلي ليست له في الأقطار العربية تقاليد سوى قاعدة واحدة مطلقة وهي ذات شقين: النظر إلى المواطن العربي على أنه غير جدير بالثقة، والنظر إلى رجل الإعلام على أنه أداة للتصفيق الحاد.
3- الإعلام العربي لايزال في مجموعه يرى في الإعلام الخارجي امتداداً للإعلام الداخلي، ولا تزال جميع صور الإعلام تخضع لمنطق واحد أساسه منطق الاتصال الداخلي.
4- الإعلام العربي سلطوي التوجه والتعبير ويفتقر إلى المشاركة الجماهيرية في صنع القرار الإعلامي.
5- الإعلام العربي يتمركز في العاصمة والمدن الكبرى، فحينما تكون السلطة تكون وسائل الإعلام، لذلك فالإعلام العربي حضري ولا يشبع رغبات وأذواق واحتياجات أهل الريف الذين يشكلون الأكثرية في المجتمع العربي.
إن من الضروري في دراسة الإعلام العربي الإجابة عن بعض التساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة علمية لمعرفة أبعاد ومشكلات الإعلام العربي. فمن المهم توضيح العلاقات وصيغ التفاعل بين وسائل الإعلام والسلطة مع التعمق في موضوعيّ الحرية والمسؤولية الإعلامية بصفة خاصة، وموضوع التشريعات الوطنية العربية المختلفة والنصوص المتعلقة بالأخلاقيّة المهنية، وقضية اللامركزية الإعلامية وعلاقتها باللامركزية الاقتصادية والثقافية، وكذلك السياسات الإعلامية الوطنية والقومية التي تحتاج الكثير من الوضوح والدقة.
كما لابد من استجلاء مزايا وسلبيات التكنولوجيا الجديدة وتأثيرها في الوطن العربي وعلى التدفق الإعلامي بين العرب وبقية أنحاء العالم، مع ضرورة إبراز علاقات التأثير والتفاعل بين الإعلام والتنمية بكافة تفرعاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إن الإعلام العربي السائد يفتقد أبسط شروط العمل الإعلامي الناجح في الوصول إلى الناس والتأثير فيهم، وتلبية حاجاتهم الاجتماعية والنفسية والثقافية، ولعل أبرز هذه الشروط ما يلي:
الخطة: إن إعلاماً لا يقوم على أسس خطة إعلامية متكاملة لا يستطيع إنجاز الأهداف المطلوبة منه في حشد القوى الداخلية حوله، وفي تعبئة الرأي العام إلى جانب قضاياه. وبديهي أن غياب الخطة الإعلامية إنما هو انعكاس لغياب الخط السياسي المحدد والواضح.
التغطية الإعلامية: لاشك أن أول ما يشد المواطن إلى الأجهزة الإعلامية هو الحصول على المعلومات، وخاصة الإخبارية، والملاحظ أن الإعلام العربي في معظمه لا علاقة له بضرورة توفير التغطية الإخبارية لمواطنيه، فهو يمكن أن يتجاهل خبراً يحتل صدارة الأخبار في العالم أو هو يقزّمه إلى أدنى حد، كما يشاء، ولهذا السبب يتجه المواطن العربي إلى الإذاعات الأجنبية.
الصدق: الإعلام العربي يكذب كثيراً، ويكذب كما قال أحد الباحثين حتى في النشرة الجوية وأنباء الطقس. ولأن الكذب حبله قصير فإن المواطن سرعان ما يكشف الحقيقة، ومع تكرار الكذب لا يلبث المواطن العربي أن ينصرف عن أجهزته الإعلامية بحثاً عن مصادر أكثر ثقة وصدقاً، ذلك لأن ثقة المواطن العربي بإعلامه شرط أساسي من شروط تواصله مع هذا الإعلام.
التعددية: في معظم الأقطار العربية هناك أكثر من صحيفة في كل قطر ولكنها جميعاً ليست سوى نسخ كربون عن بعضها وعن وكالة الأنباء الرسمية، وهي تتشابه إلى حد الملل مع الإذاعة والتلفاز، وهذا أحد مظاهر غياب الحياة الديمقراطية، وغياب المنابر الإعلامية المتعددة التي تجعل المواطن قادراً على محاكمة الرأي والرأي الآخر.
السياسة الإعلامية والوظيفة الحضارية: عربياً وخليجياً
الملاحظ أن السياسة الإعلامية المحلية كثيراً ما تكون بديلاً عن السياسة الإعلامية القومية وكذلك عن السياسة الإعلامية العربية الدولية، وهذا التداخل يؤدي إلى خلق أكثر من سياسة إعلامية لا تحقق إلا التناقض وتشتت الجهود السياسية والإعلامية بحيث لا تصبح قادرة على التأثير في الرأي العام ومجابهة الإعلام المعادي. فالمنطقة العربية بسبب اشتراكها في خصائص ثقافية واحدة وجذور حضارية مشتركة ولغة واحدة برغم تباين اللهجات، واتصالها مع بعضها جغرافياً، فإنها بحاجة إلى سياسة إعلامية قومية أكثر من سواها من المجموعات الدولية الأخرى لمجابهة التحديات الحضارية المعاصرة.
والثابت من خلال الاتجاهات العامة لسياسات الإعلام وممارساته في المنطقة العربية بروز أكثر من اتجاه في هذه السياسة أهمها:
1- تسود المركزية الشديدة ممارسات الإعلام في الأقطار العربية سواء بالنسبة للتوزيع الجغرافي أو بالنسبة للإدارة.
2- الاهتمام الزائد بممارسات الإعلام والاتصال بالنشاط السياسي والدعائي الموجه، وما يقابله من نشاط ترفيهي على حساب وظائف الاتصال الأخرى.
3- الاعتماد على المنتجات الإعلامية الخارجية لسد النقص في الإنتاج المحلي، ولا ينطبق هذا على التلفاز وحده، وإنما يمتد أيضاً إلى الصحافة ووكالات الأنباء.
وإذا ما حاولنا أن نحدد ثوابت السياسة الإعلامية على المستويين القطري والقومي فإننا سنجد أن هناك أكثر من هدف واستراتيجية تتناقض مع بعضها أحياناً، وسنجد أيضاً ثوابت ومحددات تعيق الرسائل الإعلامية العربية، فالسياسة الإعلامية على المستوى القطري تتحدد بمفاهيم محددة أبرزها: سياسات ينقصها التنسيق والتفاعل مع المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والثقافية مما يجعلها تعاني من التناقض والتكرار، كما أنها سياسات تحكمها النظرة القطرية الضيقة في كثير من توجهاتها، وليس لها ارتباط وتنسيق مع السياسة الإعلامية العربية، وهذا يفقدها عنصر التفاعل والحيوية، إضافة إلى أنها سياسات دون جهة تتولى رسم خططها وتنظيمها ودون جهاز متطور من التخطيط والمتابعة.
أما السياسة الإعلامية على المستوى القومي فإنها تعاني من مشكلات أبرزها: تداخل هذه السياسة الإعلامية مع السياسة الإعلامية القطرية، وعدم وضوح الرؤية السياسية للكثير من القضايا العربية المشتركة، وضعف في التخطيط والمتابعة الصادقة، وعدم استيعاب الوضع الدولي ومتغيراته، وثورات تكنولوجيا الاتصال والإعلام، كما أنها سياسات تنقصها الوظيفة الحضارية في التعامل مع الرأي العام.
والأهم، كما نرى أن السياسة الإعلامية العربية تتأطر بإشكاليات منهجية من ناحية العلاقة مع المواطن العربي المتمثلة بمبدأ (حق الاتصال) و(ديمقراطية الإعلام) فهناك فجوة واضحة بين الإعلام العربي كرسالة حضارية وبين المواطن وهذه الفجوة تتجسد في أكثر من اتجاه منها:
التناقض بين التشريعات الإعلامية والسياسية والتطبيق، وضعف حق الاتصال في الوطن العربي، فالدساتير العربية جميعها تنص على مبدأ حرية التعبير وحرية النشر وحرية الصحافة والإعلام، وأفردت لها بنوداً خاصة في تشريعاتها المختلفة متضمنة عبارات تؤكد حق الإنسان العربي بالاتصال والإعلام وممارسة دوره الإنساني عبر أجهزة الإعلام، غير أن هذه النصوص جميعها مقيدة بعبارة في حدود القانون، وهذا يعني أن هناك نصوصاً قانونية تؤطر هذه الحرية وتحميها ضمن رؤية النظام السياسي للقطر العربي.
ومن الواضح ضمن هذه المعطيات أن السياسات الإعلامية العربية لا تزال قاصرة على فهم دلالات حق الاتصال وديمقراطيته وأهميته للمجتمع العربي، بدليل أن هذه السياسات لا تزال بعيدة عن الواقع الدولي ومتغيراته، وعن الحاجات النفسية والاجتماعية للإنسان العربي لتفجير طاقاته الإبداعية في مجالات الحياة. ويقيناً إن هذه السياسات التي هي انعكاس لسياسة النظام السياسي ستجد نفسها ضمن المتغيرات الجديدة لعصر العولمة بحاجة إلى استراتيجية واضحة للعمل الإعلامي القطري والقومي تستند إلى أسس ديمقراطية بحيث تعطي حرية أكبر للإنسان العربي في حق الاتصال وحرية الرأي والتعبير.
السياسة الإعلامية الخليجية
برزت في الحياة العربية ظواهر إيجابية كثيرة على مستوى العمل الإعلامي لمجابهة التحديات الخارجية وحصانة الإنسان العربي من التيارات الثقافية والفكرية التي تجتاح المنطقة العربية. ولعل أبرز هذه الظواهر الإعلامية ظهور التعاون الإقليمي الخليجي في مجالات الإعلام والاتصال لتدارس قضايا تنمية الإعلام وتطويره في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وتوحيد الكلمة الإعلامية وترصينها لمجابهة التحديات الحضارية والغزو الإعلامي والثقافي ضد شعوب منطقة الخليج العربي من أجل تهديد سيادتها وأمنها وتمزيق شخصيتها العربية ووحدتها الثقافية.
إن تجارب التعاون الخليجي في مجال الإعلام خلال السنوات الماضية تؤكد أهمية تعميق التعاون والتنسيق لفائدة المنطقة، كما تؤكد أهمية دور المؤسسات الإعلامية الخليجية في تعزيز الإنتاج المشترك في مجال البرامج التلفازية والتدريب الإذاعي والتوثيق والمعلومات والتراث الشعبي وفي التعاون الإخباري والمعلوماتي من خلال وكالة أنباء الخليج. وبالرغم من أن هذه النشاطات لاتزال دون مستوى الطموح والدعم وتنقصها الملاكات البشرية العلمية المتخصصة والفعالية الديناميكية لابتداع البرامج الإعلامية الذكية التي تناسب الواقع الاجتماعي وتلبي احتياجاتها التعليمية والتنموية والثقافية. ويعود الاهتمام الأول لميدان التنسيق الإعلامي بين دول الخليج العربية إلى المؤتمر الأول لوزراء الإعلام الذي عقد في (أبوظبي عام 1976) حيث برزت الأهمية إلى إنشاء عدة مؤسسات خليجية مشتركة تقوم كل منها بوظيفة إعلامية أساسية، وتنسيق عملها مع بقية المؤسسات الخليجية.
وتشير الوثائق الرسمية إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي التي اقترحت هذا التعاون بصيغة جماعية لتوثيق الروابط (تحقيق التكامل بين دول الخليج العربية في مجال الإعلام والتوجيه). حيث تضمنت المقترحات دراسة إنشاء مؤسسات إعلامية أهمها:
1- دراسة إنشاء وكالة أنباء الخليج كوكالة إقليمية.
2- دراسة إنشاء شبكة تلفزيونية للربط والتبادل البرامجي عن طريق الميكروويف ووسائل الربط الأخرى.
3- مشروع إنشاء مركز أو مؤسسة الإنتاج البرامجي في دول الخليج.
4- مشروع إنشاء مؤسسة أو وكالة لتسويق البرامج الأجنبية للإذاعة والتلفزيون.
5- دراسة توزيع مراكز التدريب والتوثيق والمؤسسات الأخرى مع المنظمات الدولية.
واستجابت الدول الخليجية (الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الجمهورية العراقية، قطر، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان) لهذه الدعوة لأهميتها وأبعادها على مستقبل العمل الإعلامي والثقافي المشترك حيث اتفق في المؤتمر الأول الذي عقد في دولة الإمارات عام 1976 على (أن يكون اجتماع وزراء إعلام دول الخليج العربية سنوياً) كما اتخذت قرارات وتوصيات في ما يتعلق بالمقترحات الخاصة بإنشاء المؤسسات الإعلامية من قبل دولة الإمارات.
وبالرغم من وجود مؤسسات خليجية بأهدافها ومنطلقاتها، إلاّ أن وزراء إعلام دول الخليج العربية ينظرون إليها على أنها عمل مكمل ومساند للعمل العربي على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وفي ما يتعلق بالسياسة الإعلامية للتعاون الخليجي، فإننا نجد أن هناك خطوطاً عامة تضمنتها الأهداف الرئيسية للمؤسسات الخليجية المختلفة، حيث نجد التنوع في وظائف الإعلام الخليجي، كالتركيز على الشخصية الوطنية الخليجية، وإبراز الوحدة الحضارية والتاريخية والثقافية المشتركة لمنطقة الخليج العربي، والتعبير عن السياسات الخليجية في مختلف الأنشطة، وعكس مظاهر التقدم في الحياة في هذه المنطقة، ودعم العمل العربي المشترك، وخلق أفضل الروابط القومية مع الأقطار العربية.
إن التعاون الإعلامي الخليجي حقق أكثر من نتيجة إيجابية، ولكنه بحاجة إلى استراتيجية واضحة للسياسة الإعلامية الخليجية لإبراز المؤسسات الإعلامية الخليجية كمثال على صعيد التعاون الإقليمي بهدف التواصل مع الجهود الإقليمية في الوطن العربي لتكوين تعاون قومي قادر على تجاوز الصعوبات التي تفرضها السياسات الاتصالية الحكومية.
ومن خلال متابعتنا لنشاطات المؤسسات الخليجية ومسيرة الإعلام فيها نرى ما يلي:
• الحاجة إلى تخطيط إعلامي طويل المدى يأخذ في الاعتبار حاجة المنطقة وظروفها ومتغيراتها.
• الحاجة إلى تخطيط برامجي في عهد القمر الصناعي العربي يساعد على عمليات تبادل البرامج بشكل فعال في منطقة الخليج العربي، فهذه المنطقة لم تستثمر خدمات هذا القمر لتلبية حاجاتها إعلامياً واجتماعياً وثقافياً برغم مرور سنوات على إطلاق القمر.
• الحاجة إلى إقامة إذاعة موحدة تعبر عن طموحات واحتياجات المنطقة وإنشاء قناة تلفزيونية خليجية ووكالة أنباء مرئية، وكل هذه المشاريع من شأنها أن تقدم الحلول الكبيرة لمشكلة عدم التوازن الإعلامي واحتكار الدول الكبرى لمصادر المعلومات في العالم.
• الحاجة إلى إقامة شبكة حقيقية لتلفزيون الخليج العربي على نمط (شبكة المغرب فزيون) لربط أبناء المنطقة ببعضهم البعض، وتوفير حقيبة إخبارية خليجية موحدة للداخل والخارج.
• الحاجة إلى الإسراع بتنفيذ توجيهات المؤتمرات الإعلامية السابقة بشأن إنشاء أكاديمية للفنون الإعلامية تابعة لجامعة الخليج، وإنشاء جامعة مفتوحة، وإقامة المهرجانات الثقافية والفنية بشكل منتظم وأكثر فاعلية.
إن منطقة الخليج العربي بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاقتصادية تشهد تحديات عسكرية وإعلامية وثقافية تحتاج إلى وضع استراتيجية إعلامية واضحة تحافظ على أمن الخليج فكرياً وعلى مستقبل أبناء المنطقة وتراثهم الثقافي الأصيل.
التلفزيون العربي: ثقافة الترفيه
اللافت للنظر أن المحطات التلفزيونية العربية (الأرضية والفضائية) تساهم بشكل فعال مع القنوات الفضائية الأجنبية في نشر المادة الأجنبية ذات الطابع الثقافي الهابط، التي لا تتلاءم مع الواقع الاجتماعي، وتتعارض مع التنشئة الاجتماعية العربية ومقوماتها، فهي تكرس صور الحياة الاستهلاكية، وتعرض مقومات الشخصية العربية والثقافية والقومية للتشويه والمسخ والاغتراب الحاد، حيث تتسابق هذه المحطات العربية لإرضاء الجمهور العربي، وخاصة الشباب، واجتذابه لهم بأي صورة من خلال المواد الترفيهية، وعرض الأفلام والمسلسلات المملوءة بالعنف والجريمة وقصص الحب والمغامرة العاطفية والإثارة، بل إن بعض القنوات الفضائية العربية أصبحت أشبه بـ (نوادٍ ليلية) تقدم لجمهورها أنواع فنون الإثارة وبمواصفات قد لا نجدها حتى في القنوات الفضائية الأجنبية، كما أنها لا تتورع عن تقديم أنواع من الأفلام الأجنبية من دون (مقص الرقيب)، ودون اعتبارات للواقع الاجتماعي ومتطلباته.
والملاحظ بروز ظاهرة جديدة في بعض القنوات الفضائية العربية الخاصة، تتمثل بظهور ما يسمى (تلفزيون الواقع) الذي يعرض نسخاً معّربة من برامج أمريكية وأوروبية، تقوم فكرتها على جمع عدد من الفتيان والفتيات في بيوت للعيش معاً، ضمن ظروف محددة أمام كاميرات تلفزيون تثبت في غرف هذه البيوت ليعيشوا حياة طبيعية، مثل برنامج (ستار أكاديمي) و(على الهوا سوا) و(الرئيس)، وكلها برامج تتسابق لإرضاء الجمهور العربي، وخاصة الشباب لأسباب تجارية مادية، بالإضافة بروز ظاهرة دخول المال العربي، بشكل سلبي، إلى الإنتاج الإعلامي والفني دون اعتبارات للواقع الاجتماعي، بحيث أصبح الاستثمار في هذا المجال يأخذ مداه السلبي في تعميق ثقافة الإثارة. مع ما قد تحمله من توجهات سياسية وفكرية ملغومة تريد تدمير الواقع العربي وبنيته الاجتماعية وثقافته وقيمه.
باختصار هناك صناعة ثقافية إعلامية لا تعتمد على المقاييس الفنية والجمالية بقدر اعتمادها على الجذب والإثارة لتسطيح الفكر والحياة، وخلق الوعي المشوه والمبسط، وهدر الوقت وإضاعته، وإضعاف مشاركة الشباب المثمرة في النشاطات المختلفة.
وما يزيد القلق هو نتائج البحوث العربية التي أجمعت على أن الإنتاج الأجنبي المستورد يشكل أكثر من نصف ما تبثه التلفزيونات العربية حيث تشكل المادة الترفيهية الجزء الأعظم من ساعات البث اليومي. وهناك القضية الأخرى المثيرة للقلق وهي تعرّض المنطقة العربية لكم هائل من القنوات الأجنبية التي تستخدم أقماراً صناعية، يغطي بها هذه المنطقة حيث تستخدم أقمار (عربسات) و(آساسيات) و(ويوتلسات) من أجل توصيل برامجها للمشاهد العربي الذي تنامى حجمه بسبب الإقبال على امتلاك أطباق الالتقاط الفضائية أو الاشتراك في نظم توزيع الإشارة التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية من خلال شبكات الكوابل والألياف البصرية والميكروويف.
وكان طبيعياً أن يكون أحد مواقع الرهان الأساسية للتنافس القائم اليوم بين مراكز الإنتاج والتسويق الفاعلة على الساحة العالمية في مجال الصناعات الاتصالية (أجهزة ومضامين وخدمات) يكمن في كسب الشباب في العالم عبر رسائل تلفزيونية متنوعة ومشوقة ومثيرة تقترب من حاجاتهم وهمومهم وتطلعاتهم.
وبقدر ما تعتبر ظاهرة الشباب عالمية في علاقتها بثقافة الصورة، فإن الشباب والمراهقين الذين يمثلون وزناً ديموغرافياً مهماً في المجتمع العربي يستمدون الكثير من أنماط السلوك والمثل والقيم من وسائل الإعلام الحديثة، والتلفزيون خاصة، حيث أصبحت هذه الوسائل تنافس العائلة والمدرسة والنظم الاجتماعية. فاتساع الحقل الاجتماعي للمشاهدة في علاقته بالتحديث وما واكبه من تحولات في ملء أوقات الفراغ يمثل أحد العوامل الفاعلة في التحولات التي شملت جوانب الحياة المختلفة، ومن ضمنها العلاقة القوية بالثقافة والإعلام والتربية وتأثيراتها النفسية.
إن الموقف يشير إلى إقبال واهتمام الشباب ببرامج القنوات الفضائية الأجنبية، وربما لأسباب كثيرة، فهي أحياناً تغذي لديهم شعوراً بالنقص الكبير الذي ينعكس على سلوكهم سلباً لقوة البرامج الأجنبية من ناحية التشويق والإثارة والتنوع وقربها من رغباتهم، الأمر الذي قد يؤدي إلى هروبهم من برامجهم التلفزيونية الوطنية، بل وهروبهم من محيطهم الاجتماعي المتناقض، مما قد يؤدي أيضاً إلى تكوين خصائص سلوكية مضطربة تجعله ينتقل من مساهمة الفعل إلى موقع الانفعال ومن ميدان التأثير إلى خانة التأثر والاستيلاب.
والملاحظ أن القاسم المشترك لبرامج القنوات الفضائية الأجنبية هو المادة الترفيهية وأفلام الجريمة والعنف والرعب والإثارة. أي أن ثقافة الصورة تطغى عليها أكثر من ظاهرة : الاغتراب، القلق، إثارة الغريزة، الفردية، العدوانية، دافعية الانحراف، سلطة المال والنساء، حب الاستهلاك، الأنانية، عدم الاكتراث، والتمرد، وكلها مفردات حياتية تتأسس في إدراك الفرد وسلوكه ومعارفه، حيث تتحول أحياناً صورة ذهنية إلى نشاط عملي عن طريق المحاكاة والتقليد وعمليات التطبيع الاجتماعي.
لهذا نتوقع مستقبلاً أن تنشأ مشكلات اجتماعية تأخذ أبعاداً واضحة في الحياة العربية، ويتأثر فيها الأطفال والمراهقون والشبان بنتائجها السلبية، فمن المحتمل أن تخلق برامج الفضائيات الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار في العلاقات الاجتماعية، وتعميق المشاعر الذاتية أكثر من الالتزام الجماعي، وإضعاف الولاء للمجتمع والوطن، وتنمية الفردية والروح الاستهلاكية، وتقويض أركان التماسك الاجتماعي، وتعميق الإحساس بالاغتراب، والهروب من التصدي لواقع الحياة، وتوسيع الفجوة بين الأجيال دون محاولة تذويب الاختلاف، والانبهار بالموديل الأجنبي، وإشاعة مشاعر الاستسلام للواقع، وتوطين العجز في النفوس، وإضعاف الروابط الأسرية وقيمها، وتعميق الانعزالية بين الشباب وسحبهم إلى معارك ضارية مع النظم الاجتماعية بدءاً من الأسرة وانتهاء بالدولة والأمة، وإحجام الشباب عن ممارسة الأنشطة الإنتاجية والترويحية، والتأثير في مهارات الطفل المرتبطة بالمدرسة وفي الكفاية المعرفية بصوره عامة، وازدياد السلوك المنحرف والأمراض الاجتماعية.
والأهم، كما أرى مستقبلاً، ضعف دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية مقابل الدور الكبير والمؤثر لوسائل الإعلام والمعلومات على اتجاهات التنشئة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية.
الصحافة العربية والخليجية: أزمة الديمقراطية
هناك جدل واسع بين رجال الإعلام والصحافة، وعدد كبير من الباحثين والأكاديميين حول دور الصحافة العربية المعاصرة في تحديث المجتمعات العربية وتطورها، وفي خلق الأنماط الإيجابية في الحياة السياسة والاجتماعية، إضافة إلى الجدل الواسع حول تطورها من ناحية الشكل والمضمون والتقنية، والتحديات التي تواجهها في عصر العولمة والاحتكارات الإعلامية الدولية الكبرى، وقد لخصت ندوة علمية أبرز هذه الصعوبات والمشكلات والتحديات بالنقاط التالية:
1- يمكن تقسيم المشهد الصحفي العربي إلى ثلاثة مشاهد رئيسية نسبة إلى الأوضاع السياسية المحلية وهي:
المشهد الأول: هناك الصحافة العربية الأيديولوجية التي انخرطت في الدعاية لأنظمة حكم وطنية وقومية على أثر تصاعد وتيرة الخطاب القومي السياسي، وبروز الأنظمة السياسية ذات الأطر العقائدية، وهناك الصحافة الحزبية التي تخلت عن فن المهنة الحقيقي لصالح الخطاب السياسي، وصارت إدارة للسلطة، وهي لا تزال كذلك في كثير من الأحيان.
المشهد الثاني: صحافة بلدان الخليج، التي انعكست عليها إثارة الطفرة النفطية، فتطورت تقنياً ومهنياً إلى حد ما، وإن ظلت في أغلب دول الخليج وخارجها صوت حكومتها، ولم تتمكن بعد من تقديم نفسها كصحافة مستقلة غير تابعة أو خاضعة بعكس دول تمكنت فيها صحافتها من أن تنال حظاً أوفر من الاستقلالية كما هي الحال في الكويت.
المشهد الثالث: صحافة استفادت من توفير أجواء الانفتاح الديمقراطي فتطورت مهنياً وتقنياً، وتفاعلت مع الأحداث ومحيطها وقرائها والمستهدفين بطريقة جعلت منها صحافة تنبئ بالكثير في المستقبل، وتعد بما هو أفضل، كحال لبنان والكويت والإمارات.
2- تكاد الصحف في كل قطر عربي أن تكون نسخاً متشابهة مع استثناءات محدودة، لأن مصدر الأخبار واحد، وهو في الغالب الأعم أجنبي، وهناك صحف محلية في كل بلد عربي تهتم بهذا القدر أو ذاك بالأخبار العربية لكن اهتمام المتلقي وليس صانع الخبر أو المساهم فيه.
3- انشغلت الصحافة العربية بالهم السياسي، الداخلي والخارجي، على حساب تطور دورها وأدائها، وعلى حساب تطور المهنة أيضاً، مما أفقدها المصداقية في الكثير من الأحيان وذلك من خلال الظواهر التالية:
• تحول الصحافة إلى أداة للسلطة العربية وتخليها عن دورها الصحفي المعروف بوصفها أداة تأثير في مسار الأحداث حيث كرست الخطاب الإعلامي المؤدلج والمبرمج لمصلحة الحكومات أكثر مما هو لمصلحة التنمية وقضايا الناس.
• افتقادها لحرية التعبير، وهبوط حاد في مستوى الضمانات والحمايات الإخبارية والقانونية والنقابية، مع تحالف في التشريعات الإعلامية، وعدم انسجامها مع عصر العولمة.
• صعوبة حرية انتقال وتبادل المعلومات، وغياب الشفافية الاجتماعية والسياسية، ونقص واضح في حق الاتصال وديمقراطية الإعلام والمعلومات.
4- أزمة حرية الصحافة العربية، وهي أزمة الديمقراطية العربية سواء كانت ديمقراطية مغيبة تماماً في بعض البلدان أو كانت ديمقراطية منقوصة ومقيدة في بلدان عربية أخرى حيث بعض الأشكال والمؤسسات الديمقراطية مثل الانتخابات الموجهة، والصحافة الموجهة عن قرب أو بعد.
5- التشريعات القانونية الصحفية في معظم الأقطار العربية تقيد حرية الصحافة بشكل أو آخر، سواء بفرض الرقابة أو التحكم بحرية إصدار الصحف وملكيتها أو بالسيطرة الحكومية على الصحف والإعلام أو بتشديد العقوبات في قضايا الرأي والنشر وصولاً لعقوبة الحبس والغرامات المالية الباهظة أو بانفراد السلطة التنفيذية بحق إغلاق الصحف ومصادرتها بإجراءات إدارية دون اللجوء إلى القضاء.
6- تعاني معظم الصحف في الوطن العربي من ضعف في إدارة المؤسسات الصحفية، حيث نلاحظ ضعف الأداء، خاصة في الصحف الحكومية بسبب عوامل البيروقراطية والولاء على حساب المهنية.
7- حدث تطور كبير في صحافة بعض البلدان على الصعيد التقني ولكن لم يرافقه التطور الموازي على صعيد الأداء المهني، والدور المجسد للوظيفة السياسية للصحافة، حيث أخذت الصحافة العربية بأسباب التحديث في ما يتعلق بالإعداد الفني للصفحات وطباعتها، وكذلك في تلقي الأخبار والصور والمراسلات عبر المكاتب التابعة لها، ولكن التطور على مستوى الفعالية السياسية والاجتماعية لا يزال محدوداً للغاية.
8- معظم الإعلانات في الصحف العربية أجنبية المصدر، وهي بضائع أجنبية من المجوهرات والسجائر والمكياج وصولاً إلى الملابس وفساتين الموضة والسيارات. والإعلان في الصحف العربية هو سلطة تجارية لكنه قابل للاستغلال سياسياً، بمعنى أن مصادر الإعلان يمكن أن تؤثر في الصحف إذا لم تتماش مع مصالحها السياسية والاقتصادية.
التحديات التي تواجه الصحافة العربية
في زمن العولمة والشركات الاحتكارية الإعلامية الكبرى في أمريكا والغرب، والتطور التكنولوجي والتقني في الصحافة والإعلام، والثورة المعلوماتية عبر الانترنت، تواجه الصحافة العربية تحديات كثيرة أبرزها:
1- الصحف العربية تواجه تحديات العولمة الإعلامية وتأثيراتها حيث التحديات السياسية والمعرفية والحضارية والتكنولوجية والإنتاجية التي ستجعل من هذه الصحافة أمام امتحان صعب للغاية، وتواجه أيضاً الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال وغزو المعلومات والإعلام وطوفان الأخبار وهو مأزق كبير لصحافة لا تعيش في بيئة صحية وتشريعات قانونية متطورة.
2- تحدي مسايرة الديمقراطية التي تسود العالم في زمن العولمة. فإذا كانت الحرية ضرورة من ضرورات التقدم الإنساني، فإن ديمقراطية الإعلام وحرية الصحافة والتعبير عن الرأي هي المقدمة الضرورية لباقي الحريات، وخصوصاً في مجتمعاتنا التي تعاني من نظم حكم فردية.
3- تغيير خريطة الاستقطاب الصحفي والإعلامي لصالح مراكز إعلامية جديدة مؤثرة بدلاً من المراكز التقليدية كالقاهرة وبيروت، مثل الكويت والإمارات وقطر ولندن، كعواصم ذات ثقل صحفي وإعلامي واضح، حيث فقدان الصحافة المستمر لأبنائها الصحفيين، إما عن طريق هجرة المهنة أو عن طريق الهجرة إلى الخارج (أوروبا والخليج العربي).
4- تحدي الهجوم الإعلامي الأجنبي الذي يأخذ أشكالاً عديدة عبر الاحتكارات الدولية عابرة القارات، وذلك من خلال تكريس مفهوم الإعلام الغربي الحر، وتعديل مناهج التعليم والثقافة، وإنشاء إذاعات وشبكات تلفزيون، وإصدار صحف ومجلات في العواصم العربية لجذب الرأي العام.
5- بروز ظاهرة الطبعات الدولية من خارج المنطقة إلى داخلها، الأمر الذي أدى أيضاً إلى اضمحلال القوة التأثيرية لبعض الصحف الأجنبية المعروفة بترجمات عربية.
6- تحدي ثورة وسائل الاتصال الأخرى كالفضائيات وشبكة الانترنت ودخولها على خط المنافسة مع الصحافة المكتوبة مما أثر في حضورها القومي.
7- بروز الفضائيات الخبرية كـ (الجزيرة والعربية والإخبارية) وغيرها في استقطاب الجمهور بسبب تقاليدها الإعلامية الجديدة وتطور مضامينها وأشكالها الإعلامية وأدائها المهني وتمتعها بالحرية الإعلامية، مقابل جمود التقاليد الصحفية في الصحافة العربية من ناحية المضمون والشكل والأداء والممارسة الديمقراطية.
وهنا يُطرح السؤال الكبير: ما السبيل للإعلام العربي لمواجهة عصر العولمة؟
1- المواجهة الخارجية بالعمل الإعلامي العربي المشترك.
2- المواجهة الداخلية بالتغيير الشامل للحياة العربية سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وإعلامياً.
أ- المواجهة الخارجية : العمل الإعلامي العربي المشترك
ان السياسة الإعلامية الحقيقية لا يمكن أن تنفصل عن حقيقة التطور الحضاري الإعلامي، لأن السياسة الإعلامية وجه من وجوه السياسة الحضارية، والإعلام هو محور جوهري من محاور هذه الصناعة الكبيرة. وبغض النظر عن الاعتبارات الثقافية والروحية واللغوية والتاريخية التي تربط أبناء الأمة العربية فإن العمل القومي ينبغي أن يأخذ مداه في الممارسات والسياسات الإعلامية العربية، فشبكات الاتصال والصناعات الإعلامية والإنتاج التلفزيوني والإذاعي والصحف والدوريات لابد أن تتحقق فيها الجدوى الاقتصادية والاجتماعية على مستوى التأثير الفكري والثقافي وعلى مستوى ضمان السوق الإعلامي والتوزيع.
إن تنفيذ مشروع القمر الصناعي العربي (عربسات) وقيام المؤسسات الإعلامية القومية في مجال التدريب الصحفي والإذاعي، وقيام اتحاد إذاعات الدول العربية ومراكز التبادل الإخباري التلفزيوني وغيرها من الهياكل التنظيمية المتمثلة بالمنظمات والاتحادات العربية العاملة في مجال الإعلام، تؤكد أن البعد القومي حقيقة لابد منها لمجابهة التحديات الحضارية والثقافية.
إن السياسة الإعلامية العربية تحتاج إلى مرتكزات قوية أهمها:
1) تطوير مؤسسات الإعلام والاتصال داخل الوطن العربي، انطلاقاً من مبدأ الاعتماد على الذات وعدم الركون إلى ما يمكن أن يقدمه الآخرون كالدول الصناعية التي تقف ضد عملية تطوير هذه المؤسسات الإعلامية وقواها البشرية وقواعدها الفنية ، بحجة أن الإعلام في العالم الثالث بوجه عام لا يتمتع بالحرية وأنه تحت سيطرة الحكومات.
2) النظر إلى قطاع الإعلام في النظام العربي (السياسي والاقتصادي والقانوني…إلخ) كجزء حيوي وقطاع منتج شأنه شأن أي قطاع آخر من القطاعات الإنتاجية في المجتمع العربي، لابد من حشد الإمكانات العربية المتوفرة أمام تحديات الثورة التكنولوجية في مجال الإعلام ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة.
3) تجاوز القضايا القطرية لكل دولة عربية للتركيز على بناء (نظام عربي إعلامي) يهتم بالنوعية القومية بخصوص وحدة الأمة والوطن العربي وأمنه القومي.
4) الاعتماد على التخطيط العلمي البعيد المدى لعملها داخل الوطن العربي وخارجه، وأن تستفيد من جهود المنظمات والاتحادات العربية الرسمية وخاصة العاملة في مجال الإعلام والاتصال، وأن تشترك الصناديق ومؤسسات العون العربي الخارجي في دعم الإعلام الخارجي وضمان تدفق المعلومات من الوطن العربي.
إن مجابهة الدعاية الدولية تحتاج إلى عمل إعلامي مشترك يقترن بالعلمية والتخطيط، وإيجاد نظام إعلامي جديد كفيل بتكوين رأي عام عربي موحد لدعم خطط التنمية وتطوير الشخصية الثقافية وحماية الهوية القومية من الاختراق الثقافي ومجابهة الحرب النفسية وخططها الدعائية الموجهة إلى العرب. لذا فإن مواجهة التحديات تتم عن طريق خلق مثل هذا النظام الإعلامي القومي الذي يساعد على تطوير السياسات الإعلامية العربية، وتنمية وسائلها الإعلامية، ومواجهة تحديات العولمة.
ب- المواجهة الداخلية : عصرنة المجتمع.. عصرنة الإعلام
من المؤكد أن الإعلام العربي، كوسائل ومؤسسات، حاول أن يؤسس خلال مسيرته الطويلة بعض التقاليد الإعلامية، ويرسخ لنفسه أسساً منهجية في التعامل مع المواطن، ويطور تقنياته الإعلامية والاتصالية، ولكن هذا الاتجاه بقي ضمن ثوابت تقليدية، ومعطيات لا تتناسب مع التطور الحضاري الإعلامي والحياة السياسية المعاصرة، فهناك توسع كمي اضطراري في استخدام وسائل الإعلام أو إنتاتجها على حساب النوع والإبداع، وهناك إخفاق في إحداث الثورة التواصلية الحضارية الإعلامية العربية، وطنية وقومية ودولية. وهناك أيضاً مشكلات كبيرة يعاني منها الإعلام العربي مثل:
1- فقدان التخطيط والمبادرة، وعدم وجود استراتيجية واضحة، وعدم ثبات الأهداف السياسية الرئيسية للمجموعة الإعلامية العربية في نطاق مؤسسات العمل القومي، وعدم ثبات الدور المناط بالإعلام العربي في مواجهة التحديات وتحديث المجتمع.
2- بروز ظواهر سلبية في الحياة الإعلامية العربية أثرت في آلية عمل الإعلام العربي ومضامينه ومصداقيته بحيث أفرزت الكثير من الأنماط الإعلامية التي لا تتناسب مع الوظيفة الحضارية للإعلام المعاصر. أهمها: بروز مبدأ سياسة إخفاء المعلومات وتهويل الأحداث والوقائع بطريقة بدائية، وانتهاج سياسة الممنوعات الإعلامية، واعتماد مبدأ المسار الواحد في المنهج الإعلامي، وتقليص حرية تدفق الأخبار والمعلومات، وضعف مصداقية المواطن العربي بإعلامه، وبروز النسق الإعلامي التقليدي المملوء بالعموميات، ونمطية الرسالة الإعلامية العربية شكلاً ومضموناً وابتعادها عن حاجات ومشكلات المواطن العربي واقترابها من السلطة.
والسؤال الجوهري: ما العمل؟
إن نجاح عملية الاتصال يتوقف على مقدار الانسجام بين أطراف الاتصال وعلى أوضاعهم من ناحية الزمان والمكان، وعلى موضوع الاتصال، أي الرسالة التي تنتقل فيما بينهم، ثم على قدرة وسيلة الاتصال (القناة) على النقل، وهو مبدأ يجسد الحقيقة التي تقول إن الجمهور يميل إلى انتقاء المواد الإعلامية التي تدعم معتقداته وتعزز آراءه ومواقفه.. وعندما يختار شخص ما وسيلة إعلام لا تتفق مع اتجاهه فإنه غالبا ما ينظر إليها بارتياب). لذلك فإن الإعلام العربي بحاجة إلى توطيد الثقة بجمهوره وتعميق المصداقية بمعلوماته، وهذا لا يتم إلا بالدراسات الميدانية للجمهور العربي من خلال معرفة حاجاته ورغباته واتجاهاته واحترام إرادته، وتوسيع مشاركته في صنع القرارات.
إن الوضع الإعلامي العربي بحاجة إلى ثورة حضارية إعلامية، تتم فيها عصرنة الإعلام العربي من خلال فهم جديد للرسالة الإعلامية وللأهداف الحضارية له من خلال المعطيات التالية:
تقنياً، لابد من إعادة الأساس التقني للإعلام العربي بصفة (الاستيعاب) وليس (النقل الآلي) وأن يوفر الملاك البشري الكفوء في قدراته العقلية لاستيعاب تكنولوجيا الإعلام معلوماتياً ونفسياً.
إن أوضح مظاهر التخلف هو استخدام أدوات التقنية الحديثة بشكل مظهري وساذج يفرغها من محتواها العلمي ويحولها إلى رموز (طوطمية) تؤدي إلى عكس الغرض منها، لذلك من الأفضل البحث عن تقنية تؤدي وظيفة واقعية لمتطلبات الإنسان العربي ومرحلته وبيئته بدلاً من اللهاث وراء تقنية معقدة لا تحل رموزها إلا بطريقة بدائية.
سياسياً، لابد من تطوير النظام السياسي العربي وجعله ملبياً لطموحات الإنسان العربي وحريته، وجعل الجماهير هي صاحبة السلطة والقرار، لأن أي تقييم موضوعي لدور الإعلام لابد أن يأخذ في الاعتبار الشروط التي يعمل في ظلها، كما أن انعدام السياسة الخارجية الموحدة والنظرية السياسية العربية، وغياب العقل العربي في ساحة الصراع يحدان من فاعلية دور الإعلام العربي، الذي لابد له من أن يحسم قضايا تتعلق بالسياسة الإعلامية المعبرة عن النظام السياسي من خلال:
1- توفير وسائل الاتصال والمعلومات لجميع القوى الاجتماعية دون تمييز بسبب الجنس واللغة أو الدين أو الانتماء السياسي.
2- تحقيق أكبر قدر من المشاركة الجماهيرية في عمليات الاتصال والإعلام بحيث لا يقتصر دور الجماهير على التلقي والاستقبال السلبي للوسائل الإعلامية.
3- إعادة النظر في كافة التشريعات الإعلامية السائدة في الوقت الحاضر، والعمل على تنقيتها من كل العوائق والقيود، وحتى تتوفر الأرضية لتوفير ديمقراطية الاتصال في الوطن العربي لابد من توفر عدد من العناصر أبرزها: تقليص ظاهرة الاحتكار لوسائل الاتصال بقصد إفساح المجال أمام مشاركة أوسع للأفراد والجماعات، واعتماد اللامركزية من أجل أن تساعد في التعبير عن مختلف المصالح والأحداث المحلية، وإلغاء الرقابة السياسية على الإعلام، والنظر في مسألة التمويل بما يحقق استقلالية وسائل الاتصال، والتنوع والاختيار في محتوى الاتصال، ومعالجة علاقة السلطة السياسية بوسائل الاتصال بنوعيه التقليدي والمعاصر.
وأخيراً اقتصادياً، لا يمكن للإعلام العربي أن يتطور على أسس متينة ما لم تقم في أرجاء الوطن العربي صناعات ثقافية واتصالية تشمل صناعة مواد الانتاج الثقافي ووسائله وصولاً إلى تحقيق قومية المعرفة وضمان أمن الأمة الثقافي في إطار تدفق متوازن للإعلام والمعلومات بين أقطار العربي من جهة وبين هذه الأقطار من جهة أخرى.
إن التحديات الكبيرة التي تواجه الإعلام العربي تحديات حضارية وتكنولوجية ومعلوماتية، ويمكن القول إن قوة المواجهة الإعلامية العربية للمتغيرات المستجدة في العالم تتوقف على عاملين متفاعلين في الوطن العربي: أنماط القدرة الذاتية المتجلية في سلوك قومي موحد، وإنماء التنظيم الإعلامي الذي يعبرعن هذا السلوك.
والأهم، كما نرى، تحقيق المزيد من التطور في وعي الإنسان العربي، وتعميق ثقافته وممارسته للديمقراطية لكي يكون قادراً على استيعاب التطور الحضاري والثورة الإعلامية الكبيرة، ومشاركاً فعالاً في تقدم العصر.
::/fulltext::
::cck::2676::/cck::
