الإعلام الخليجي: اختبار حدود الحرية
::cck::2683::/cck::
::introtext::
من المعايير التي يمكن أن نقيس بها مدى تغير سيناريوهات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي كيفية تغطيتها للحروب التي وقعت في المنطقة خلال عامي 1990 و2003. فعندما قام العراق بغزو الكويت، مضت أيام حتى قامت بعض الصحف السعودية بنشر أخبار هذا الحدث الذي تهربت منه، واكتفت بالإشارة إليه بوصفه (توتراً) في المنطقة. وفي مقابل ذلك ومنذ اليوم الأول للحرب، نجد أن صحف المنطقة قد تسابقت لنشر التقارير والأخبار حول الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة في العراق على صدر صفحاتها الأولى.
::/introtext::
::fulltext::
من المعايير التي يمكن أن نقيس بها مدى تغير سيناريوهات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي كيفية تغطيتها للحروب التي وقعت في المنطقة خلال عامي 1990 و2003. فعندما قام العراق بغزو الكويت، مضت أيام حتى قامت بعض الصحف السعودية بنشر أخبار هذا الحدث الذي تهربت منه، واكتفت بالإشارة إليه بوصفه (توتراً) في المنطقة. وفي مقابل ذلك ومنذ اليوم الأول للحرب، نجد أن صحف المنطقة قد تسابقت لنشر التقارير والأخبار حول الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة في العراق على صدر صفحاتها الأولى.
وبينما قد يعزو الكثيرون الاختلاف في ردود فعل وسائل الإعلام الإقليمية إلى حقيقة أن حرب عام 2003 شاركت فيها قوة عظمى غربية ضد دولة تُـعَـد قوة إقليمية كبرى. وليس هناك أدنى شك في أن صيغة هذه التغطية هي إحدى نتائج التغيرات التي طرأت على الأسلوب الذي تعالج به بعض الحكومات الإقليمية وضعية وسائل الإعلام في المنطقة. وتمكنت وسائل الإعلام الخليجية، التي تُتَهم في أغلب الأحيان بتبني الخط الرسمي على حساب الموضوعية، من استغلال الحرب على العراق للتغلب على قبضة السيطرة الحكومية، لكنها مارست الرقابة الذاتية، وفرضت قيوداً على نفسها في أغلب الحالات. ويعود هذا الوضع في جزء منه إلى أن الحكومات قد وقعت فريسة في (الشرك) الذي نصبته بنفسها، فهي لا تستطيع السماح بحرية الإعلام، كما لا تستطيع التحكم المطلق بتدفق الأخبار. ويصعب في الحقيقة إخفاء الأمور بالسيطرة على وسائل الإعلام بسبب التطور التقني الذي حققته القنوات التلفزيونية المحلية وزيادة توافر القنوات الغربية. وإذا أضفنا كل ذلك إلى ظهور شبكة الإنترنت وسهولة النفاذ إليها وسعة النطاق الذي تغطيه، فسوف نحصل على وضع يصعب فيه فرض رقابة على الأخبار.
ومن المؤكد أن وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي لا تمتلك القدر نفسه من الدينامية التي تتسم بها نظيراتها في أجزاء أخرى من العالم، غير أنها لاتزال تختبر وتوسع حدود حريتها كل يوم. وفي الواقع العملي، تم تصميم وسائل الإعلام الخليجية بأسلوب يتواءم مع حكومات غير ديمقراطية لا تتفهم تقييم أو نقد سياساتها وأدائها العملي. وبينما نجد أن وسائل الإعلام تلتزم إلى حد كبير بما تمليه عليها الحكومات في السياق الداخلي، فإن هناك اختلافاً ملحوظاً في طريقة تعاطيها مع القضايا الدولية أو الأحداث ذات الصلة بالاهتمامات المحلية في الساحة الدولية. وفي الواقع، فقد تم توسيع حدود الحرية بقدر زائد إلى حد أن بعض هذه المحطات أضحت تُعـتَـبـر مصدر (صداع) من قبل العديد من الجهات الأخرى.
غير أننا لا نقصد مما أوردناه الإيحاء بأن الإعلام يتجاهل القضايا الداخلية. وفي الواقع، فإن وسائل الإعلام لا تغفل موضوعاً ولا تستثني شيئاً من تغطياتها الآن، فهي تتناول القضايا المتعلقة بالإرهاب وعدم تكافؤ الرواتب في مواقع العمل وسوء ظروف العمل التي يواجهها العمال والنـزاعات العمالية ومشكلات المرور وغياب التنسيق بين سلطات البلدية والشرطة وعجزها عن حل هذه المشكلات وارتفاع مستوى المعيشة والاهتمامات البيئية والجريمة (المواطنة والوافدة) وغيرها من القضايا التي تجد حيزاً واسعاً من التغطية.
وعلى الرغم من ازدياد الوعي السياسي بسبب تدفق المعلومات، فإن الطريق لايزال طويلاً لكي تصل وسائل الإعلام إلى مرحلة التأثير في الحياة السياسية، كما هو الحال في الدول التي تتمتع بالحريات السياسية الكاملة.
إن الجانب الأكثر إثارة للجدل بخصوص التطورات الإعلامية في منطقة الخليج هو حرب التحيز التي تشمل قوى إقليمية ودولية.
وبينما تحقق تحسن مطرد في نظرة العالم الخارجي تُجاه المنطقة خلال بعض السنوات في الماضي، إلاّ أن تلك الصورة قد تعرضت لضرر بليغ بفعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومع ذلك، كانت هناك محاولة من كل طرف لنقل أكبر قدر من الحقيقة إلى جمهوره، إلاّ أن من الواضح أن كل طرف يسعى إلى كسب العواطف وليس العقول. وقد أظهر الطرفان حماسة زائدة في هذا الصدد.
لقد زادت الحرب على العراق حدة لعبة تبادل الاتهامات، فعلى غرار الادعاءات والادعاءات المعاكسة التي قدمتها القوات العراقية والقوات الأمريكية على أرض المعركة انخرطت وسائل الإعلام الغربية والعربية أيضاً في حرب تبادل الاتهامات. غير أن تزايد نضج الشعوب بوصفها مستهلكاً للمعلومات يمكن الحكم عليها عبر رفضها لتلقف هذه المعلومات من دون إثارة تساؤلات بشأنها. وعقب إسقاط نظام صدام حسين خضعت وسائل الإعلام للتحري والتدقيق نظراً لـ (تضليلها) شعوب المنطقة ودفعها للاعتقاد بأن العراق كان (يكسب) الحرب، بينما كانت قوات الحرس الجمهوري في واقع الأمر قد تلاشت ولم يعُدْ لها أي وجود.
وإذا أخذنا في الاعتبار تجربتها المحدودة في تغطية الحروب، فسوف تكشف لنا المقارنة بين وسائل الإعلام الإقليمية والغربية أن أداء وسائل الإعلام المحلية لم يكن بالقدر ذاته من السوء الذي تم تصويره. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإقليمية تفتقد الموضوعية، فإن ذلك ينطبق على وسائل الإعلام الغربية أيضاً. وكانت العبارة التي شاع تكرارها هي أنه لو كانت وسائل الإعلام الأمريكية قد التزمت قدراً أكبر من الموضوعية والحياد في تقييمها لحجم التهديد الذي يمثله العراق، فلربما أمكن تجنب الحرب. وبناءً عليه، فقد وقعت وسائل الإعلام في الجانبين أسيرة لمعركة أيديولوجية دارت حول قضية القومية، وكانت محاولات استقصاء أسباب الفشل الداخلي تُعامَل بوصفها عملاً غير وطني.
غير أن المشكلة تتعلق بالمفاهيم أيضاً، حيث أضحى حاجز اللغة جزءاً من المشكلة. وبينما توجد لدى معظم العرب معرفة متواضعة باللغة الإنجليزية، فإن الغربيين لا يعرفون من اللغة العربية إلاّ القليل، بينما القليل الذي يعرفه الطرفان كل منهما عن وسائل إعلام الآخر مبني على تصورات سلبية.
وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نثير تساؤلاً أساسياً، وهو: هل يمكن أن يلتزم نقل الأخبار بالموضوعية؟ الإجابة هي قطعاً كلا. ولكن، كيف سنتمكن من تقييم المصدر وصحة الأخبار؟ قد يكون من الأفضل أن نفهم أن حقيقة وواقع نقل الأخبار يُعد عملاً غير موضوعي ويتسم بالتحيز. وبينما تعد الموضوعية من المثل العليا التي تسعى وسائل الإعلام للوصول إليها نظرياً، فإنها تُـعَـد مفهوماً صعباً ومائعاً.
ومع ذلك، فإن المصدر، الذي يكون متحيزاً على نحو مكشوف، ولكنه يفسح المجال لوجهات النظر المختلفة يُعتَبر أكثر جدارة بالثقة من المصدر الذي يدّعي النـزاهة من دون أن يقدم دليلاً على إثباتها.
هناك العديد من التحديات الخطيرة التي تواجه وسائل الإعلام، حيث لا تزال الموضوعات التقليدية والخاوية تسود معظمها، تماماً مثل الإفراط في المديح. وهناك مسألة افتقاد الـهُـوية، حيث تلجأ معظم وسائل الإعلام الإقليمية إلى محاكاة نظيرتها. وهناك نقص في تغطية الأبعاد الكثيرة المتعلقة بالوجود الاجتماعي، بدلاً من الخوض في الأحداث السياسية المثيرة.
وتواجه وسائل الإعلام أيضاً مشكلات في ثلاثة مجالات رئيسية، هي أولاً حجم الحرية التي يطالب بها مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي للتعبير عن مشاغلهم بصورة أفضل. وثانياً، ملكية المصادر الإعلامية وكيفية إدارتها، حيث لا تزال مرتبطة بالمصالح الحكومية، وثالثاً، تأثير مجموعة من الإجراءات العقابية التي يتم فرضها على بعض المؤسسات الإعلامية أو العاملين فيها. وعلاوة على ذلك تخضع وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي لنوعين من الضغوط الخارجية التي يأتي معظمها من الولايات المتحدة. فأولاً هناك ضغوط مباشرة تنشأ عن إثارة الشكوك حول ممارساتها، وثانياً، الضغوط غير المباشرة التي تُمارَس بهدف الحد من الضرر الذي يقع على مصالح الأطراف الخارجية. ولمعالجة هذه المشكلات هناك حاجة إلى مراجعة شاملة للقوانين التي تنظم عمل وسائل الإعلام في منطقة الخليج، وأن يلي ذلك وضع توصيات لإدخال تغييرات، سواء عن طريق تعديل نصوص التشريعات الموجودة أو إصدار تشريعات جديدة تتلاءم مع متطلبات المرحلة، ونشر روح النقد والانفتاح وترسيخ التعاون بين المؤسسات الإعلامية والأكاديمية وبيوت الخبرة، وضمان التدريب اللائق واستخدام وسائل العلاقات العامة لتقديم وسائل الإعلام الإقليمية للعالم بأسلوب إيجابي. وهناك حاجة إلى زيادة خصخصة المنافذ الإعلامية، وقد يكون هذا أحد الخيارات المتاحة لخلق بيئة تنافسية ودعم مستوى أداء وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2683::/cck::
::introtext::
من المعايير التي يمكن أن نقيس بها مدى تغير سيناريوهات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي كيفية تغطيتها للحروب التي وقعت في المنطقة خلال عامي 1990 و2003. فعندما قام العراق بغزو الكويت، مضت أيام حتى قامت بعض الصحف السعودية بنشر أخبار هذا الحدث الذي تهربت منه، واكتفت بالإشارة إليه بوصفه (توتراً) في المنطقة. وفي مقابل ذلك ومنذ اليوم الأول للحرب، نجد أن صحف المنطقة قد تسابقت لنشر التقارير والأخبار حول الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة في العراق على صدر صفحاتها الأولى.
::/introtext::
::fulltext::
من المعايير التي يمكن أن نقيس بها مدى تغير سيناريوهات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي كيفية تغطيتها للحروب التي وقعت في المنطقة خلال عامي 1990 و2003. فعندما قام العراق بغزو الكويت، مضت أيام حتى قامت بعض الصحف السعودية بنشر أخبار هذا الحدث الذي تهربت منه، واكتفت بالإشارة إليه بوصفه (توتراً) في المنطقة. وفي مقابل ذلك ومنذ اليوم الأول للحرب، نجد أن صحف المنطقة قد تسابقت لنشر التقارير والأخبار حول الهجوم الذي قادته الولايات المتحدة في العراق على صدر صفحاتها الأولى.
وبينما قد يعزو الكثيرون الاختلاف في ردود فعل وسائل الإعلام الإقليمية إلى حقيقة أن حرب عام 2003 شاركت فيها قوة عظمى غربية ضد دولة تُـعَـد قوة إقليمية كبرى. وليس هناك أدنى شك في أن صيغة هذه التغطية هي إحدى نتائج التغيرات التي طرأت على الأسلوب الذي تعالج به بعض الحكومات الإقليمية وضعية وسائل الإعلام في المنطقة. وتمكنت وسائل الإعلام الخليجية، التي تُتَهم في أغلب الأحيان بتبني الخط الرسمي على حساب الموضوعية، من استغلال الحرب على العراق للتغلب على قبضة السيطرة الحكومية، لكنها مارست الرقابة الذاتية، وفرضت قيوداً على نفسها في أغلب الحالات. ويعود هذا الوضع في جزء منه إلى أن الحكومات قد وقعت فريسة في (الشرك) الذي نصبته بنفسها، فهي لا تستطيع السماح بحرية الإعلام، كما لا تستطيع التحكم المطلق بتدفق الأخبار. ويصعب في الحقيقة إخفاء الأمور بالسيطرة على وسائل الإعلام بسبب التطور التقني الذي حققته القنوات التلفزيونية المحلية وزيادة توافر القنوات الغربية. وإذا أضفنا كل ذلك إلى ظهور شبكة الإنترنت وسهولة النفاذ إليها وسعة النطاق الذي تغطيه، فسوف نحصل على وضع يصعب فيه فرض رقابة على الأخبار.
ومن المؤكد أن وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي لا تمتلك القدر نفسه من الدينامية التي تتسم بها نظيراتها في أجزاء أخرى من العالم، غير أنها لاتزال تختبر وتوسع حدود حريتها كل يوم. وفي الواقع العملي، تم تصميم وسائل الإعلام الخليجية بأسلوب يتواءم مع حكومات غير ديمقراطية لا تتفهم تقييم أو نقد سياساتها وأدائها العملي. وبينما نجد أن وسائل الإعلام تلتزم إلى حد كبير بما تمليه عليها الحكومات في السياق الداخلي، فإن هناك اختلافاً ملحوظاً في طريقة تعاطيها مع القضايا الدولية أو الأحداث ذات الصلة بالاهتمامات المحلية في الساحة الدولية. وفي الواقع، فقد تم توسيع حدود الحرية بقدر زائد إلى حد أن بعض هذه المحطات أضحت تُعـتَـبـر مصدر (صداع) من قبل العديد من الجهات الأخرى.
غير أننا لا نقصد مما أوردناه الإيحاء بأن الإعلام يتجاهل القضايا الداخلية. وفي الواقع، فإن وسائل الإعلام لا تغفل موضوعاً ولا تستثني شيئاً من تغطياتها الآن، فهي تتناول القضايا المتعلقة بالإرهاب وعدم تكافؤ الرواتب في مواقع العمل وسوء ظروف العمل التي يواجهها العمال والنـزاعات العمالية ومشكلات المرور وغياب التنسيق بين سلطات البلدية والشرطة وعجزها عن حل هذه المشكلات وارتفاع مستوى المعيشة والاهتمامات البيئية والجريمة (المواطنة والوافدة) وغيرها من القضايا التي تجد حيزاً واسعاً من التغطية.
وعلى الرغم من ازدياد الوعي السياسي بسبب تدفق المعلومات، فإن الطريق لايزال طويلاً لكي تصل وسائل الإعلام إلى مرحلة التأثير في الحياة السياسية، كما هو الحال في الدول التي تتمتع بالحريات السياسية الكاملة.
إن الجانب الأكثر إثارة للجدل بخصوص التطورات الإعلامية في منطقة الخليج هو حرب التحيز التي تشمل قوى إقليمية ودولية.
وبينما تحقق تحسن مطرد في نظرة العالم الخارجي تُجاه المنطقة خلال بعض السنوات في الماضي، إلاّ أن تلك الصورة قد تعرضت لضرر بليغ بفعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومع ذلك، كانت هناك محاولة من كل طرف لنقل أكبر قدر من الحقيقة إلى جمهوره، إلاّ أن من الواضح أن كل طرف يسعى إلى كسب العواطف وليس العقول. وقد أظهر الطرفان حماسة زائدة في هذا الصدد.
لقد زادت الحرب على العراق حدة لعبة تبادل الاتهامات، فعلى غرار الادعاءات والادعاءات المعاكسة التي قدمتها القوات العراقية والقوات الأمريكية على أرض المعركة انخرطت وسائل الإعلام الغربية والعربية أيضاً في حرب تبادل الاتهامات. غير أن تزايد نضج الشعوب بوصفها مستهلكاً للمعلومات يمكن الحكم عليها عبر رفضها لتلقف هذه المعلومات من دون إثارة تساؤلات بشأنها. وعقب إسقاط نظام صدام حسين خضعت وسائل الإعلام للتحري والتدقيق نظراً لـ (تضليلها) شعوب المنطقة ودفعها للاعتقاد بأن العراق كان (يكسب) الحرب، بينما كانت قوات الحرس الجمهوري في واقع الأمر قد تلاشت ولم يعُدْ لها أي وجود.
وإذا أخذنا في الاعتبار تجربتها المحدودة في تغطية الحروب، فسوف تكشف لنا المقارنة بين وسائل الإعلام الإقليمية والغربية أن أداء وسائل الإعلام المحلية لم يكن بالقدر ذاته من السوء الذي تم تصويره. وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإقليمية تفتقد الموضوعية، فإن ذلك ينطبق على وسائل الإعلام الغربية أيضاً. وكانت العبارة التي شاع تكرارها هي أنه لو كانت وسائل الإعلام الأمريكية قد التزمت قدراً أكبر من الموضوعية والحياد في تقييمها لحجم التهديد الذي يمثله العراق، فلربما أمكن تجنب الحرب. وبناءً عليه، فقد وقعت وسائل الإعلام في الجانبين أسيرة لمعركة أيديولوجية دارت حول قضية القومية، وكانت محاولات استقصاء أسباب الفشل الداخلي تُعامَل بوصفها عملاً غير وطني.
غير أن المشكلة تتعلق بالمفاهيم أيضاً، حيث أضحى حاجز اللغة جزءاً من المشكلة. وبينما توجد لدى معظم العرب معرفة متواضعة باللغة الإنجليزية، فإن الغربيين لا يعرفون من اللغة العربية إلاّ القليل، بينما القليل الذي يعرفه الطرفان كل منهما عن وسائل إعلام الآخر مبني على تصورات سلبية.
وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نثير تساؤلاً أساسياً، وهو: هل يمكن أن يلتزم نقل الأخبار بالموضوعية؟ الإجابة هي قطعاً كلا. ولكن، كيف سنتمكن من تقييم المصدر وصحة الأخبار؟ قد يكون من الأفضل أن نفهم أن حقيقة وواقع نقل الأخبار يُعد عملاً غير موضوعي ويتسم بالتحيز. وبينما تعد الموضوعية من المثل العليا التي تسعى وسائل الإعلام للوصول إليها نظرياً، فإنها تُـعَـد مفهوماً صعباً ومائعاً.
ومع ذلك، فإن المصدر، الذي يكون متحيزاً على نحو مكشوف، ولكنه يفسح المجال لوجهات النظر المختلفة يُعتَبر أكثر جدارة بالثقة من المصدر الذي يدّعي النـزاهة من دون أن يقدم دليلاً على إثباتها.
هناك العديد من التحديات الخطيرة التي تواجه وسائل الإعلام، حيث لا تزال الموضوعات التقليدية والخاوية تسود معظمها، تماماً مثل الإفراط في المديح. وهناك مسألة افتقاد الـهُـوية، حيث تلجأ معظم وسائل الإعلام الإقليمية إلى محاكاة نظيرتها. وهناك نقص في تغطية الأبعاد الكثيرة المتعلقة بالوجود الاجتماعي، بدلاً من الخوض في الأحداث السياسية المثيرة.
وتواجه وسائل الإعلام أيضاً مشكلات في ثلاثة مجالات رئيسية، هي أولاً حجم الحرية التي يطالب بها مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي للتعبير عن مشاغلهم بصورة أفضل. وثانياً، ملكية المصادر الإعلامية وكيفية إدارتها، حيث لا تزال مرتبطة بالمصالح الحكومية، وثالثاً، تأثير مجموعة من الإجراءات العقابية التي يتم فرضها على بعض المؤسسات الإعلامية أو العاملين فيها. وعلاوة على ذلك تخضع وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي لنوعين من الضغوط الخارجية التي يأتي معظمها من الولايات المتحدة. فأولاً هناك ضغوط مباشرة تنشأ عن إثارة الشكوك حول ممارساتها، وثانياً، الضغوط غير المباشرة التي تُمارَس بهدف الحد من الضرر الذي يقع على مصالح الأطراف الخارجية. ولمعالجة هذه المشكلات هناك حاجة إلى مراجعة شاملة للقوانين التي تنظم عمل وسائل الإعلام في منطقة الخليج، وأن يلي ذلك وضع توصيات لإدخال تغييرات، سواء عن طريق تعديل نصوص التشريعات الموجودة أو إصدار تشريعات جديدة تتلاءم مع متطلبات المرحلة، ونشر روح النقد والانفتاح وترسيخ التعاون بين المؤسسات الإعلامية والأكاديمية وبيوت الخبرة، وضمان التدريب اللائق واستخدام وسائل العلاقات العامة لتقديم وسائل الإعلام الإقليمية للعالم بأسلوب إيجابي. وهناك حاجة إلى زيادة خصخصة المنافذ الإعلامية، وقد يكون هذا أحد الخيارات المتاحة لخلق بيئة تنافسية ودعم مستوى أداء وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي.
::/fulltext::
::cck::2683::/cck::
