فضائية “الجزيرة” تختبر حدود حرية وسائل الإعلام
::cck::2700::/cck::
::introtext::
لقد تركز الجدل الدائر بشأن ظهور وتأثير القنوات التلفزيونية الفضائية في منطقة الخليج على مدى أكثر من عقد حول مدى صدقية أساليب جمع الأخبار ونقلها. وبينما كان الهدف المبدئي هو توفير بديل لوسائل الإعلام الغربية، فقد رسخت القنوات التلفزيونية الفضائية وضعها عن طريق توسيع قاعدة مشاهديها، وساعدها على ذلك أحداث الحرب الجارية في أفغانستان والعراق.
::/introtext::
::fulltext::
لقد تركز الجدل الدائر بشأن ظهور وتأثير القنوات التلفزيونية الفضائية في منطقة الخليج على مدى أكثر من عقد حول مدى صدقية أساليب جمع الأخبار ونقلها. وبينما كان الهدف المبدئي هو توفير بديل لوسائل الإعلام الغربية، فقد رسخت القنوات التلفزيونية الفضائية وضعها عن طريق توسيع قاعدة مشاهديها، وساعدها على ذلك أحداث الحرب الجارية في أفغانستان والعراق. لقد تمكنت الفضائيات التلفزيونية الإقليمية التي وفرت بديلاً إعلامياً في المنطقة، من جذب قطاعات عريضة من المشاهدين المسلمين والعرب المقيمين خارج المنطقة أيضاً. ومع أن المنتقدين صوروا هذه القنوات بأنها تُعَد بوقاً للمتطرفين واتهموها بإثارة الكراهية ضد الغرب، فإن المدافعين عنها أكدوا أن هذه الشبكات الإعلامية إنما تعكس الواقع القائم، وهذا هو سبب شعبيتها الكبيرة في أوساط الجماهير. وتعززت أهمية هذه القنوات بعد أن استفادت وسائل الإعلام الغربية من المادة التلفزيونية المكثفة التي أعدتها الفضائيات العربية ضمن تغطيتها للأحداث والأزمات الجارية في المنطقة. وخلال حرب العراق، وعندما كانت وسائل الإعلام الغربية تعتمد بشدة على (تسجيلات صوتية سطحية ومقابلات مع مسؤولين حكوميين حاليين أو سابقين وخبراء من مؤسسات فكرية محدودة)، قامت القنوات الإقليمية بعرض ردود الأفعال من المصادر المحلية والدولية والرسمية، وبذلك عرضت واقعاً متعدداً، كما قدمت الخسائر البشرية والتدمير الناجم عن الحرب.
ويعود الفضل في تحرير وسائل الإعلام في المنطقة إلى فضائية الجزيرة التي لُقّبت بـ (سي إن إن العالم العربي). وتعرض هذه الفضائية التلفزيونية التي تبث من مقرها في دولة قطر الأخبار العالمية، وتركز بصفة خاصة على الأزمات الإقليمية، وتتباهى بأن لها أربعين مليون مشاهد، وأن عدد مشاهديها هذا قد زاد بنحو 10 في المائة بعد اندلاع حرب العراق.
وتم إنشاء قناة الجزيرة في عام 1996، وتدّعي القناة بأنها مستقلة، وأنها تنتمي إلى القطاع الخاص، بينما يرى الكثيرون أنها تنقل وجهة النظر القطرية. وتقارن دولة قطر علاقتها بهذه القناة بالعلاقة التي تتمتع بها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع الحكومة البريطانية، هذا على الرغم من الحقيقة المعروفة بأن القناة تتلقى دعماً في صورة هبة قدرها 137 مليون دولار من الحكومة القطرية.
ويتضح مدى شعبية القناة في الساحة غير العربية من حقيقة أن موقعها الإنكليزي (المؤقت) على شبكة الإنترنت تعرض للقرصنة مرتين خلال الأسبوع الأول من حرب العراق. علاوة على ذلك، فإن مستخدمي شبكة الإنترنت الذين كانوا يبحثون عن صفحة الموقع العربي للقناة وجدوا ما لا يقل عن أربعة مواقع تحمل اسم (الجزيرة)، كما أن اسم القناة نال لقب خامس أهم علامة تجارية مؤثرة في العالم ضمن استطلاع رأي تم خلال عام 2005.
بذور الخلاف
لا شك في أن قناة (الجزيرة) قد غيرت قواعد اللعبة في مجال الإعلام، غير أنها ظلت تمثل مصدر (صداع مزمن) لحكومات المنطقة، وكانت سبباً في نثر بذور الخلافات بينها. وبحلول عام 2005، تلقت الحكومة القطرية أكثر من أربعمائة شكوى من الدول العربية بشأن مواد بثتها قناة الجزيرة. وهددت الدول الخمس التي تشارك قطر عضوية مجلس التعاون الخليجي بمقاطعة القناة في عام 2002 بسبب ما رأوه قذفاً في حقهم، وقالوا إن القناة تنتهك ميثاق الشرف المهني الذي يحظر تبادل الهجوم الإعلامي بين دول هذه المنطقة. واقترح وزراء الإعلام في دول الخليج (إيقاف التعاون مع مكاتب قناة الجزيرة ومذيعيها وموظفيها) إذا فشلت هذه القناة التلفزيونية في تغيير أساليبها.
كما اتهمت الولايات المتحدة القناة بتكرار بث تقارير (كاذبة( و(مُحرضة) حول العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق، وطالبت باتخاذ إجراءات ضد المحطة. وقال وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، الذي تولى هذا المنصب خلال الفترة بين عامي 2000 و2004 إن تغطية القناة كانت مُضرة بالعلاقات القوية القائمة بين دولة قطر والولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن واشنطن ظلت ترصد التغطية الإخبارية لقناة الجزيرة بشأن العراق، وخصوصاً مدى دقة وصحة الأخبار، وأنها أعدت قائمة مطولة من الأخبار (العارية من الصحة) و(المتحيزة) والتقارير المزورة التي لا تلتزم بالمعايير الصحفية المهنية. وبينما وصف وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد التغطية الإخبارية لقناة الجزيرة بأنها (باطلة وغير دقيقة وغير مبررة)، فقد رفضت واشنطن حتى مجرد توجيه الدعوة لدولة قطر للحضور (كمراقب) في اجتماعات قمة مجموعة الدول الثماني خلال عام 2004، وذلك لفشلها في إيقاف (تجاوزات) قناة الجزيرة.
وتم اعتقال عشرين من الصحافيين العاملين ضمن طاقم قناة الجزيرة من قبل القوات الأمريكية في العراق، وقُتل أحد الصحافيين التابعين للقناة عندما أطلقت دبابة أمريكية قذيفة على مكتب قناة الجزيرة في فندق فلسطين في بغداد. وحتى خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان لإسقاط نظام طالبان من الحكم، سقطت اثنتان من (القذائف الذكية) على مكتب قناة الجزيرة في كابول. وأدت شعبية قناة الجزيرة والمساحة الواسعة التي وصلت إليها تغطيتها إلى دفع الولايات المتحدة لعرض وجهة النظر الأمريكية باللغة العربية. فقد اشترت وزارة الخارجية الأمريكية فترات إعلانية على قناة الجزيرة للترويج لوجهة النظر الأمريكية في الشرق الأوسط، وبادر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد إلى التطوع للظهور على شاشة القناة وإجراء مقابلات معها.وتجسد توتر العلاقات بين المؤسسة العسكرية الأمريكية وقناة الجزيرة خلال حرب العراق في برنامج وثائقي بعنوان (غرفة التحكم). وبينما كان الاتجاه السائد في محتوى الفيلم متعاطفاً مع قناة الجزيرة، عن طريق محاولة عرض الجوانب التي كانت فيها القناة على حق وعرض أخطاء الحكومة الأمريكية بشأن أحداث معينة في العراق، إلاّ أنه تجدر الإشارة إلى أن مراسلي قناة الجزيرة اعترفوا بتحيزهم المهني، وذلك في فقرة المقابلات التي أجريت معهم، وأوضحوا (كيف أن الدعاية تعمل في الجانبين، وكيف تكمن الحقيقة في مكان بينهما).
الصداع
أقرت دولة قطر بأن قناة الجزيرة أصبحت مصدر إزعاج لها، ولكنها أصرت على عدم إغلاق القناة، التي لا يقتصر تخوف البعض منها، لأنها تُعَد سلاحاً دعائياً، وإنما أيضاً لأنها تُعَد وسيلة دعاية كبيرة للوجه الليبرالي المنفتح للأسرة الحاكمة في قطر. وأكدت قناة الجزيرة أنها لن تنحني للضغوط الأمريكية، وأنها سوف تلتزم بسياساتها التأسيسية. غير أن دولة قطر تعهدت بالتصرف واتخاذ إجراءات بشأن الشكاوى الأمريكية التي تم تقديمها بلغة صارمة؛ وبناءً عليه، أعلنت دولة قطر أنها (سوف تنظر في هذه الشكاوى، لأنها تريد أن تظل الجزيرة قناة ملتزمة بالأصول المهنية، وأنها لا ترغب في أن يقوم أي شخص ببث الأكاذيب أو المعلومات الخاطئة).
وبينما أقرت قطر بأنها لن تدافع عن كل شيء نقلته قناة الجزيرة في تقاريرها، فإنها قالت بالرغم من ذلك (إن من الجيد أن يشاهد العالم ويسمع ما يجري في العالم العربي، وأن يطلع الناس على مادة تعبر عن المزاج أو الرأي العام العربي أو الإسلامي). وأوضحت قطر أيضاً أن كل المؤسسات تمر بمراحل مختلفة، إذ تبدأ بارتكاب (حماقات، ثم تنمو حتى تبلغ مرحلة النضج قبل أن تنحدر أو تظل راسخة ومتوازنة)، وأن قناة الجزيرة لا تزال في مرحلة (ما قبل النضج). وفي خطوة للحد من الضرر، قام مجلس إدارة قناة الجزيرة بتأليف (لجنة لإعادة تقييم) أداء القناة.
وكان للانتقادات الأمريكية دور في توصل لجنة إعادة التقييم إلى التوصية بأن تتبنى قناة الجزيرة (ميثاق شرف) إعلامياً مستنبطاً من دراسة لمواثيق الشرف التي تبنتها شبكات إعلامية في أنحاء مختلفة من العالم. وتمت صياغة هذا الميثاق لمساعدة القناة على (تنفيذ نظام يحدد الأسلوب الذي ستبث به شبكة الجزيرة الأخبار عبر النقل المباشر وعرض الصور المتعلقة بالمعاناة الإنسانية ومشاهد الموت من مناطق الصراعات، بالإضافة إلى كيفية جمع الأخبار من المصادر والتعامل مع الحكومات المختلفة التي تستضيف أطقم القناة، فضلاً عن قضايا أخرى تتعلق بعمل القناة).
ودافعت القناة عن حقها في نقل (الوجه القبيح للحرب)، ولكنها قالت إن التوجهات الجديدة سوف تأخذ في الحسبان الحساسيات الغربية والعربية عندما تنظر القناة وتختار ما بين بث مشاهد العنف الفظيعة أو عدم عرضها. وتعهدت القناة بمعاملة مشاهديها (بما يستحقونه من احترام وتناول أي قضية أو خبر بالاهتمام الكافي الذي يساعد على عرض صورة واضحة وحقيقية ودقيقة عنه).
القناة الإنكليزية
أدت سياسة التجديد التي تنتهجها قناة الجزيرة إلى افتتاح مركز للتدريب والتطوير الإعلامي في الدوحة في عام 2004 بهدف تدريب الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية والإلكترونية. كما أطلقت (الجزيرة) قنوات رياضية في نوفمبر 2003 وقناة أخبار إنكليزية في نهاية عام 2006.
وتبث قناة الأخبار الإنكليزية التي تعمل على مدار الساعة يومياً من مقارها في واشنطن ولندن وكوالالمبور والدوحة. وتدّعي القناة بأنها تتميز عن مصادر الأخبار الغربية بالتركيز على الأخبار النابعة من دول العالم النامية، وأنها تعمل على (تزويد المتحدثين باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم بتقارير تتسم بمزيد من الدقة والاطلاع على مجريات الأحداث في مناطق العالم الأكثر اضطراباً).
وبينما تجسد ردود الأفعال الإقليمية مستويات عدم التسامح المحدودة التي عبرت عنها الحكومات، فإن الفضل يُنسَب لقناة الجزيرة لقيامها ببث وجهات نظر متنوعة تتفاوت بين وجهات نظر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو إلى أسامة بن لادن والمتعاطفين معه، وهذه مساحة تتسم بتنوع أكبر مما هو موجود في أي من القنوات التلفزيونية الغربية الرئيسية.
وليس بوسعنا أن ننكر أيضاً روح المغامرة التي تنتهجها قناة الجزيرة، والتي مكنتها من تحقيق سبق صحفي، حيث كانت أول قناة تلفزيونية تتحدث عن الفظائع التي ارتُكبت في سجن أبوغريب في العراق، وذلك حتى قبل ظهور الصور الخاصة بسوء معاملة السجناء في ذلك السجن وعرضها للمشاهدين. وبالطبع، هناك الكثير من المجالات والجوانب التي تقتضي من القناة جهداً لتحسين الأداء فيها، وخاصة تناول القضايا الاجتماعية المهمة، مثل تفشي البطالة وقضايا العمالة في المنطقة. ومن المهم أيضاً أن نشير إلى أنه بينما انتهجت قناة الجزيرة معايير صحفية جيدة عند التعامل مع القضايا التي لا علاقة لها بدولة قطر، فإنها كانت كأي وسيلة إعلامية أخرى، عند التعامل مع شؤون البلد الذي تنتمي إليه وتبث منه، تتهرب من بعض الموضوعات في تغطيتها.
وبما أن الثقافة التي أفرزتها قناة الجزيرة وسعت نطاق ومدارك حرية الإعلام، فإن هناك اعتقاداً عاماً، مفاده أنه إذا كان للوسيلة الإخبارية التلفزيونية أن تتغير، فإن على قناة الجزيرة أن تتغير أيضاً، وأن هذا قد يتحقق إذا تمت خصخصة القناة. وعلى الرغم من عدم تحقيق أي تطور في هذا الخصوص، فقد أثرت الضغوط الأمريكية والافتقار إلى المداخيل التجارية الكافية في إجبار القناة أن تعلن في يناير 2005 أنها قد تتحول إلى شركة خاصة.
الجزيرة والإعلام العربي
أدى النجاح الذي حققته قناة الجزيرة إلى ظهور عدد كبير من القنوات التلفزيونية المتنوعة في المنطقة، وأبرزها قناة (العربية) التلفزيونية التي تم إطلاقها في فبراير 2003، قبل أسابيع قليلة من الغزو الأمريكي للعراق وبرأس مال قدره ثلاثمائة مليون دولار من مؤسسة تلفزيون الشرق الأوسط (إم بي سي) التي تمتلكها مجموعة من الشركات السعودية ومجموعة الحريري اللبنانية إضافة إلى مستثمرين آخرين من الكويت. ووعدت القناة بزيادة ساعات التغطية وتقديم المزيد من الأخبار، حيث تبث 16 ساعة يومياً من البرامج ونشرات الأخبار مقارنة بـ 11 ساعة ونصف الساعة من التغطية التي توفرها قناة الجزيرة، ولا تتعدى مدة بث الخبر في قناة العربية فترة دقيقتين ونصف الدقيقة.
وروجت قناة العربية، التي تبث من مقرها في دبي، لنفسها بوصفها بديلاً (متوازناً) لقناة الجزيرة، وأنها تغطي الأخبار وتتناولها بعيداً من أي إثارة متعمدة. وتجنبت القناة تقليد قناة الجزيرة في بث برامج من قبيل (الشريعة والحياة) أو (الاتجاه المعاكس)، واختلفت عن قناة الجزيرة بأنها نأت بنفسها عن الإشارة إلى القوات الأمريكية في العراق بصفة (قوات الاحتلال)، واستخدمت بدلاً من ذلك تعبير (القوات متعددة الجنسيات). وعرض برنامج قناة العربية المثير للجدل (من العراق) جرداً لفترة حكم صدام حسين والاحتلال الأمريكي للعراق، واستخدمت القناة عبارة (قتلى) بدلاً من (شهداء) في سياق تغطيتها للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، حتى قبل أن تتمكن القناة من إيجاد موطئ قدم لها في خارطة الفضائيات الإعلامية، عـدتها الإدارة الأمريكية وفصائل المقاومة العراقية قناة غير مرغوب فيها. وقامت القوات الأمريكية بقتل ثلاثة من العاملين في طاقم قناة العربية في العراق، بينما قُـتِـل خمسة من موظفيها على الأقل في انفجار سيارة مفخخة في أكتوبر 2004. بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس قناة الجزيرة، تلقت قناة العربية تهديدات من جماعات إسلامية، وذلك لاتهامها بأنها (قناة إرهابية) وتقديم تغطية محابية للحكومة العراقية.
وكان مجلس الحكم العراقي الذي نصبته الولايات المتحدة قد حظر على قناة العربية العمل في العراق لمدة شهرين، واتهمها بأنها (تحرض على القتل)، بعد أن أذاعت شريطاً صوتياً يُزعَم أنه منسوب إلى صدام حسين. ووصف رامسفيلد القناة بأنها (معادية على نحو عنيف لقوات التحالف). غير أن القناة أصرت على أن تغطيتها كانت (موضوعية ودقيقة). وعلى الرغم من هذه المآخذ، فقد أثبتت قناة العربية شعبيتها وسط العراقيين. ففي استطلاع رأي أجرته وزارة الخارجية الأمريكية في سبع مدن عراقية خلال شهر أكتوبر 2003، قال 37 في المائة من المستطلعة آراؤهم إن قناة العربية هي المصدر المفضل لديهم لمتابعة الأخبار، تليها قناة الجزيرة بنسبة 26% وشبكة الإعلام العراقية (التي أعيدت تسميتها لتصبح تلفزيون العراقية) بنسبة 12 في المائة.
وطبقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة زغبي الدولية خلال عام 2004، فإنه على الرغم من أن قناة الجزيرة تُعَد الخيار الأول لمتابعة الأخبار وسط 44 في المائة من المشاهدين في المملكة العربية السعودية، إلاّ أنه بعد سنة واحدة من إطلاق قناة العربية، قال نحو 39 في المائة من المشاهدين في جميع الدول التي أُجـرِي فيها الاستطلاع إنهم يتابعون التغطية الإخبارية لقناة العربية يومياً. وخلال فترة معينة، تعاملت الولايات المتحدة برفق أكبر مع قناة العربية، وذلك مقارنة بتعاملها الفظ مع قنوات تلفزيونية أخرى. وخلال الهجوم الذي قامت به القوات الأمريكية في الفلوجة خلال شهر نوفمبر 2004، ركزت قناة الجزيرة على رصد أخبار القتلى المدنيين ونشاط المقاومة، بينما عرضت قناة العربية مشاهد لعمليات اقتحام بهدف اعتقال إرهابيين. وبينما رفض المسؤولون الأمريكيون الارتباط بأي تعامل مع قناة الجزيرة، قامت قناة العربية ببث مقابلة تلفزيونية على مدى أربع ساعات مع إياد علاوي، رئيس الوزراء العراقي المؤقت في ذلك الوقت، وذلك قبيل الانتخابات الأمريكية بقليل، كما أن الرئيس بوش خص القناة بمقابلتين حصريتين.
التجربة الأمريكية
لكي تعمل على موازنة القنوات العربية، أطلقت الولايات المتحدة قناة (الحرة) التلفزيونية خلال عام 2004، وذلك في خطوة خالفت توصيات الهيئة الاستشارية الأمريكية بشأن الدبلوماسية العامة التي تتوجه بشكل خاص للشعوب.
وحتى بعد تخصيص 60 مليون دولار للتأسيس، بالإضافة إلى أربعين مليون رصدها الكونجرس الأمريكي لكي تصل القناة إلى 80 في المائة من العراقيين، فقد تضاءل حضور قناة الحرة بعد فشلها في تغطية حصار الفلوجة من داخل المدينة، مثلما فعلت منافساتها من القنوات الأخرى. وكشف مسح استطلاعي أجرته (مجموعة المستشارين العرب) أن قناة الجزيرة أتت على رأس قائمة التصنيف من حيث تفضيلها كمصدر إخباري، حيث يشاهدها نحو 82 في المائة من المستطلعَة آراؤهم، تليها قناة العربية بنسبة 75 في المائة وقناة (الإخبارية) السعودية بنسبة 33 في المائة ، بينما لم تتجاوز نسبة الذين يشاهدون قناة الحرة 16 في المائة من الذين تم استطلاعهم. وبينما قال 70 في المائة من المستطلعَة آراؤهم إن قناة العربية تُعَد قناة موثوقة جداً، فقد نالت قناة الجزيرة تأييد 69 في المائة ، ونالت قناة الحرة تأييد 17 في المائة فقط.
وأخيراً ليس هناك أدنى شك في أن الفضائيات التلفزيونية العربية، مثل قناة الجزيرة، قد شجعت على بروز مستوى معين وغير مسبوق من العداء للولايات المتحدة الأمريكية، غير أن نجاح وسائل الإعلام الجديدة يأتي تعبيراً عن التحول نحو توسيع مساحة حرية التعبير والحوار السياسي. وقد لا تكون القنوات الفضائية التلفزيونية في دول مجلس التعاون الخليجي تتسم بالقدر نفسه من الحيوية التي توجد لدى نظيراتها في الدول الغربية، غير أن قناة الجزيرة ومثيلاتها لا تزال تختبر وتدفع حدود الحرية نحو مزيد من التوسع كل يوم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2700::/cck::
::introtext::
لقد تركز الجدل الدائر بشأن ظهور وتأثير القنوات التلفزيونية الفضائية في منطقة الخليج على مدى أكثر من عقد حول مدى صدقية أساليب جمع الأخبار ونقلها. وبينما كان الهدف المبدئي هو توفير بديل لوسائل الإعلام الغربية، فقد رسخت القنوات التلفزيونية الفضائية وضعها عن طريق توسيع قاعدة مشاهديها، وساعدها على ذلك أحداث الحرب الجارية في أفغانستان والعراق.
::/introtext::
::fulltext::
لقد تركز الجدل الدائر بشأن ظهور وتأثير القنوات التلفزيونية الفضائية في منطقة الخليج على مدى أكثر من عقد حول مدى صدقية أساليب جمع الأخبار ونقلها. وبينما كان الهدف المبدئي هو توفير بديل لوسائل الإعلام الغربية، فقد رسخت القنوات التلفزيونية الفضائية وضعها عن طريق توسيع قاعدة مشاهديها، وساعدها على ذلك أحداث الحرب الجارية في أفغانستان والعراق. لقد تمكنت الفضائيات التلفزيونية الإقليمية التي وفرت بديلاً إعلامياً في المنطقة، من جذب قطاعات عريضة من المشاهدين المسلمين والعرب المقيمين خارج المنطقة أيضاً. ومع أن المنتقدين صوروا هذه القنوات بأنها تُعَد بوقاً للمتطرفين واتهموها بإثارة الكراهية ضد الغرب، فإن المدافعين عنها أكدوا أن هذه الشبكات الإعلامية إنما تعكس الواقع القائم، وهذا هو سبب شعبيتها الكبيرة في أوساط الجماهير. وتعززت أهمية هذه القنوات بعد أن استفادت وسائل الإعلام الغربية من المادة التلفزيونية المكثفة التي أعدتها الفضائيات العربية ضمن تغطيتها للأحداث والأزمات الجارية في المنطقة. وخلال حرب العراق، وعندما كانت وسائل الإعلام الغربية تعتمد بشدة على (تسجيلات صوتية سطحية ومقابلات مع مسؤولين حكوميين حاليين أو سابقين وخبراء من مؤسسات فكرية محدودة)، قامت القنوات الإقليمية بعرض ردود الأفعال من المصادر المحلية والدولية والرسمية، وبذلك عرضت واقعاً متعدداً، كما قدمت الخسائر البشرية والتدمير الناجم عن الحرب.
ويعود الفضل في تحرير وسائل الإعلام في المنطقة إلى فضائية الجزيرة التي لُقّبت بـ (سي إن إن العالم العربي). وتعرض هذه الفضائية التلفزيونية التي تبث من مقرها في دولة قطر الأخبار العالمية، وتركز بصفة خاصة على الأزمات الإقليمية، وتتباهى بأن لها أربعين مليون مشاهد، وأن عدد مشاهديها هذا قد زاد بنحو 10 في المائة بعد اندلاع حرب العراق.
وتم إنشاء قناة الجزيرة في عام 1996، وتدّعي القناة بأنها مستقلة، وأنها تنتمي إلى القطاع الخاص، بينما يرى الكثيرون أنها تنقل وجهة النظر القطرية. وتقارن دولة قطر علاقتها بهذه القناة بالعلاقة التي تتمتع بها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع الحكومة البريطانية، هذا على الرغم من الحقيقة المعروفة بأن القناة تتلقى دعماً في صورة هبة قدرها 137 مليون دولار من الحكومة القطرية.
ويتضح مدى شعبية القناة في الساحة غير العربية من حقيقة أن موقعها الإنكليزي (المؤقت) على شبكة الإنترنت تعرض للقرصنة مرتين خلال الأسبوع الأول من حرب العراق. علاوة على ذلك، فإن مستخدمي شبكة الإنترنت الذين كانوا يبحثون عن صفحة الموقع العربي للقناة وجدوا ما لا يقل عن أربعة مواقع تحمل اسم (الجزيرة)، كما أن اسم القناة نال لقب خامس أهم علامة تجارية مؤثرة في العالم ضمن استطلاع رأي تم خلال عام 2005.
بذور الخلاف
لا شك في أن قناة (الجزيرة) قد غيرت قواعد اللعبة في مجال الإعلام، غير أنها ظلت تمثل مصدر (صداع مزمن) لحكومات المنطقة، وكانت سبباً في نثر بذور الخلافات بينها. وبحلول عام 2005، تلقت الحكومة القطرية أكثر من أربعمائة شكوى من الدول العربية بشأن مواد بثتها قناة الجزيرة. وهددت الدول الخمس التي تشارك قطر عضوية مجلس التعاون الخليجي بمقاطعة القناة في عام 2002 بسبب ما رأوه قذفاً في حقهم، وقالوا إن القناة تنتهك ميثاق الشرف المهني الذي يحظر تبادل الهجوم الإعلامي بين دول هذه المنطقة. واقترح وزراء الإعلام في دول الخليج (إيقاف التعاون مع مكاتب قناة الجزيرة ومذيعيها وموظفيها) إذا فشلت هذه القناة التلفزيونية في تغيير أساليبها.
كما اتهمت الولايات المتحدة القناة بتكرار بث تقارير (كاذبة( و(مُحرضة) حول العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في العراق، وطالبت باتخاذ إجراءات ضد المحطة. وقال وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول، الذي تولى هذا المنصب خلال الفترة بين عامي 2000 و2004 إن تغطية القناة كانت مُضرة بالعلاقات القوية القائمة بين دولة قطر والولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن واشنطن ظلت ترصد التغطية الإخبارية لقناة الجزيرة بشأن العراق، وخصوصاً مدى دقة وصحة الأخبار، وأنها أعدت قائمة مطولة من الأخبار (العارية من الصحة) و(المتحيزة) والتقارير المزورة التي لا تلتزم بالمعايير الصحفية المهنية. وبينما وصف وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد التغطية الإخبارية لقناة الجزيرة بأنها (باطلة وغير دقيقة وغير مبررة)، فقد رفضت واشنطن حتى مجرد توجيه الدعوة لدولة قطر للحضور (كمراقب) في اجتماعات قمة مجموعة الدول الثماني خلال عام 2004، وذلك لفشلها في إيقاف (تجاوزات) قناة الجزيرة.
وتم اعتقال عشرين من الصحافيين العاملين ضمن طاقم قناة الجزيرة من قبل القوات الأمريكية في العراق، وقُتل أحد الصحافيين التابعين للقناة عندما أطلقت دبابة أمريكية قذيفة على مكتب قناة الجزيرة في فندق فلسطين في بغداد. وحتى خلال الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان لإسقاط نظام طالبان من الحكم، سقطت اثنتان من (القذائف الذكية) على مكتب قناة الجزيرة في كابول. وأدت شعبية قناة الجزيرة والمساحة الواسعة التي وصلت إليها تغطيتها إلى دفع الولايات المتحدة لعرض وجهة النظر الأمريكية باللغة العربية. فقد اشترت وزارة الخارجية الأمريكية فترات إعلانية على قناة الجزيرة للترويج لوجهة النظر الأمريكية في الشرق الأوسط، وبادر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ووزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد إلى التطوع للظهور على شاشة القناة وإجراء مقابلات معها.وتجسد توتر العلاقات بين المؤسسة العسكرية الأمريكية وقناة الجزيرة خلال حرب العراق في برنامج وثائقي بعنوان (غرفة التحكم). وبينما كان الاتجاه السائد في محتوى الفيلم متعاطفاً مع قناة الجزيرة، عن طريق محاولة عرض الجوانب التي كانت فيها القناة على حق وعرض أخطاء الحكومة الأمريكية بشأن أحداث معينة في العراق، إلاّ أنه تجدر الإشارة إلى أن مراسلي قناة الجزيرة اعترفوا بتحيزهم المهني، وذلك في فقرة المقابلات التي أجريت معهم، وأوضحوا (كيف أن الدعاية تعمل في الجانبين، وكيف تكمن الحقيقة في مكان بينهما).
الصداع
أقرت دولة قطر بأن قناة الجزيرة أصبحت مصدر إزعاج لها، ولكنها أصرت على عدم إغلاق القناة، التي لا يقتصر تخوف البعض منها، لأنها تُعَد سلاحاً دعائياً، وإنما أيضاً لأنها تُعَد وسيلة دعاية كبيرة للوجه الليبرالي المنفتح للأسرة الحاكمة في قطر. وأكدت قناة الجزيرة أنها لن تنحني للضغوط الأمريكية، وأنها سوف تلتزم بسياساتها التأسيسية. غير أن دولة قطر تعهدت بالتصرف واتخاذ إجراءات بشأن الشكاوى الأمريكية التي تم تقديمها بلغة صارمة؛ وبناءً عليه، أعلنت دولة قطر أنها (سوف تنظر في هذه الشكاوى، لأنها تريد أن تظل الجزيرة قناة ملتزمة بالأصول المهنية، وأنها لا ترغب في أن يقوم أي شخص ببث الأكاذيب أو المعلومات الخاطئة).
وبينما أقرت قطر بأنها لن تدافع عن كل شيء نقلته قناة الجزيرة في تقاريرها، فإنها قالت بالرغم من ذلك (إن من الجيد أن يشاهد العالم ويسمع ما يجري في العالم العربي، وأن يطلع الناس على مادة تعبر عن المزاج أو الرأي العام العربي أو الإسلامي). وأوضحت قطر أيضاً أن كل المؤسسات تمر بمراحل مختلفة، إذ تبدأ بارتكاب (حماقات، ثم تنمو حتى تبلغ مرحلة النضج قبل أن تنحدر أو تظل راسخة ومتوازنة)، وأن قناة الجزيرة لا تزال في مرحلة (ما قبل النضج). وفي خطوة للحد من الضرر، قام مجلس إدارة قناة الجزيرة بتأليف (لجنة لإعادة تقييم) أداء القناة.
وكان للانتقادات الأمريكية دور في توصل لجنة إعادة التقييم إلى التوصية بأن تتبنى قناة الجزيرة (ميثاق شرف) إعلامياً مستنبطاً من دراسة لمواثيق الشرف التي تبنتها شبكات إعلامية في أنحاء مختلفة من العالم. وتمت صياغة هذا الميثاق لمساعدة القناة على (تنفيذ نظام يحدد الأسلوب الذي ستبث به شبكة الجزيرة الأخبار عبر النقل المباشر وعرض الصور المتعلقة بالمعاناة الإنسانية ومشاهد الموت من مناطق الصراعات، بالإضافة إلى كيفية جمع الأخبار من المصادر والتعامل مع الحكومات المختلفة التي تستضيف أطقم القناة، فضلاً عن قضايا أخرى تتعلق بعمل القناة).
ودافعت القناة عن حقها في نقل (الوجه القبيح للحرب)، ولكنها قالت إن التوجهات الجديدة سوف تأخذ في الحسبان الحساسيات الغربية والعربية عندما تنظر القناة وتختار ما بين بث مشاهد العنف الفظيعة أو عدم عرضها. وتعهدت القناة بمعاملة مشاهديها (بما يستحقونه من احترام وتناول أي قضية أو خبر بالاهتمام الكافي الذي يساعد على عرض صورة واضحة وحقيقية ودقيقة عنه).
القناة الإنكليزية
أدت سياسة التجديد التي تنتهجها قناة الجزيرة إلى افتتاح مركز للتدريب والتطوير الإعلامي في الدوحة في عام 2004 بهدف تدريب الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية والإلكترونية. كما أطلقت (الجزيرة) قنوات رياضية في نوفمبر 2003 وقناة أخبار إنكليزية في نهاية عام 2006.
وتبث قناة الأخبار الإنكليزية التي تعمل على مدار الساعة يومياً من مقارها في واشنطن ولندن وكوالالمبور والدوحة. وتدّعي القناة بأنها تتميز عن مصادر الأخبار الغربية بالتركيز على الأخبار النابعة من دول العالم النامية، وأنها تعمل على (تزويد المتحدثين باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم بتقارير تتسم بمزيد من الدقة والاطلاع على مجريات الأحداث في مناطق العالم الأكثر اضطراباً).
وبينما تجسد ردود الأفعال الإقليمية مستويات عدم التسامح المحدودة التي عبرت عنها الحكومات، فإن الفضل يُنسَب لقناة الجزيرة لقيامها ببث وجهات نظر متنوعة تتفاوت بين وجهات نظر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو إلى أسامة بن لادن والمتعاطفين معه، وهذه مساحة تتسم بتنوع أكبر مما هو موجود في أي من القنوات التلفزيونية الغربية الرئيسية.
وليس بوسعنا أن ننكر أيضاً روح المغامرة التي تنتهجها قناة الجزيرة، والتي مكنتها من تحقيق سبق صحفي، حيث كانت أول قناة تلفزيونية تتحدث عن الفظائع التي ارتُكبت في سجن أبوغريب في العراق، وذلك حتى قبل ظهور الصور الخاصة بسوء معاملة السجناء في ذلك السجن وعرضها للمشاهدين. وبالطبع، هناك الكثير من المجالات والجوانب التي تقتضي من القناة جهداً لتحسين الأداء فيها، وخاصة تناول القضايا الاجتماعية المهمة، مثل تفشي البطالة وقضايا العمالة في المنطقة. ومن المهم أيضاً أن نشير إلى أنه بينما انتهجت قناة الجزيرة معايير صحفية جيدة عند التعامل مع القضايا التي لا علاقة لها بدولة قطر، فإنها كانت كأي وسيلة إعلامية أخرى، عند التعامل مع شؤون البلد الذي تنتمي إليه وتبث منه، تتهرب من بعض الموضوعات في تغطيتها.
وبما أن الثقافة التي أفرزتها قناة الجزيرة وسعت نطاق ومدارك حرية الإعلام، فإن هناك اعتقاداً عاماً، مفاده أنه إذا كان للوسيلة الإخبارية التلفزيونية أن تتغير، فإن على قناة الجزيرة أن تتغير أيضاً، وأن هذا قد يتحقق إذا تمت خصخصة القناة. وعلى الرغم من عدم تحقيق أي تطور في هذا الخصوص، فقد أثرت الضغوط الأمريكية والافتقار إلى المداخيل التجارية الكافية في إجبار القناة أن تعلن في يناير 2005 أنها قد تتحول إلى شركة خاصة.
الجزيرة والإعلام العربي
أدى النجاح الذي حققته قناة الجزيرة إلى ظهور عدد كبير من القنوات التلفزيونية المتنوعة في المنطقة، وأبرزها قناة (العربية) التلفزيونية التي تم إطلاقها في فبراير 2003، قبل أسابيع قليلة من الغزو الأمريكي للعراق وبرأس مال قدره ثلاثمائة مليون دولار من مؤسسة تلفزيون الشرق الأوسط (إم بي سي) التي تمتلكها مجموعة من الشركات السعودية ومجموعة الحريري اللبنانية إضافة إلى مستثمرين آخرين من الكويت. ووعدت القناة بزيادة ساعات التغطية وتقديم المزيد من الأخبار، حيث تبث 16 ساعة يومياً من البرامج ونشرات الأخبار مقارنة بـ 11 ساعة ونصف الساعة من التغطية التي توفرها قناة الجزيرة، ولا تتعدى مدة بث الخبر في قناة العربية فترة دقيقتين ونصف الدقيقة.
وروجت قناة العربية، التي تبث من مقرها في دبي، لنفسها بوصفها بديلاً (متوازناً) لقناة الجزيرة، وأنها تغطي الأخبار وتتناولها بعيداً من أي إثارة متعمدة. وتجنبت القناة تقليد قناة الجزيرة في بث برامج من قبيل (الشريعة والحياة) أو (الاتجاه المعاكس)، واختلفت عن قناة الجزيرة بأنها نأت بنفسها عن الإشارة إلى القوات الأمريكية في العراق بصفة (قوات الاحتلال)، واستخدمت بدلاً من ذلك تعبير (القوات متعددة الجنسيات). وعرض برنامج قناة العربية المثير للجدل (من العراق) جرداً لفترة حكم صدام حسين والاحتلال الأمريكي للعراق، واستخدمت القناة عبارة (قتلى) بدلاً من (شهداء) في سياق تغطيتها للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، حتى قبل أن تتمكن القناة من إيجاد موطئ قدم لها في خارطة الفضائيات الإعلامية، عـدتها الإدارة الأمريكية وفصائل المقاومة العراقية قناة غير مرغوب فيها. وقامت القوات الأمريكية بقتل ثلاثة من العاملين في طاقم قناة العربية في العراق، بينما قُـتِـل خمسة من موظفيها على الأقل في انفجار سيارة مفخخة في أكتوبر 2004. بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس قناة الجزيرة، تلقت قناة العربية تهديدات من جماعات إسلامية، وذلك لاتهامها بأنها (قناة إرهابية) وتقديم تغطية محابية للحكومة العراقية.
وكان مجلس الحكم العراقي الذي نصبته الولايات المتحدة قد حظر على قناة العربية العمل في العراق لمدة شهرين، واتهمها بأنها (تحرض على القتل)، بعد أن أذاعت شريطاً صوتياً يُزعَم أنه منسوب إلى صدام حسين. ووصف رامسفيلد القناة بأنها (معادية على نحو عنيف لقوات التحالف). غير أن القناة أصرت على أن تغطيتها كانت (موضوعية ودقيقة). وعلى الرغم من هذه المآخذ، فقد أثبتت قناة العربية شعبيتها وسط العراقيين. ففي استطلاع رأي أجرته وزارة الخارجية الأمريكية في سبع مدن عراقية خلال شهر أكتوبر 2003، قال 37 في المائة من المستطلعة آراؤهم إن قناة العربية هي المصدر المفضل لديهم لمتابعة الأخبار، تليها قناة الجزيرة بنسبة 26% وشبكة الإعلام العراقية (التي أعيدت تسميتها لتصبح تلفزيون العراقية) بنسبة 12 في المائة.
وطبقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة زغبي الدولية خلال عام 2004، فإنه على الرغم من أن قناة الجزيرة تُعَد الخيار الأول لمتابعة الأخبار وسط 44 في المائة من المشاهدين في المملكة العربية السعودية، إلاّ أنه بعد سنة واحدة من إطلاق قناة العربية، قال نحو 39 في المائة من المشاهدين في جميع الدول التي أُجـرِي فيها الاستطلاع إنهم يتابعون التغطية الإخبارية لقناة العربية يومياً. وخلال فترة معينة، تعاملت الولايات المتحدة برفق أكبر مع قناة العربية، وذلك مقارنة بتعاملها الفظ مع قنوات تلفزيونية أخرى. وخلال الهجوم الذي قامت به القوات الأمريكية في الفلوجة خلال شهر نوفمبر 2004، ركزت قناة الجزيرة على رصد أخبار القتلى المدنيين ونشاط المقاومة، بينما عرضت قناة العربية مشاهد لعمليات اقتحام بهدف اعتقال إرهابيين. وبينما رفض المسؤولون الأمريكيون الارتباط بأي تعامل مع قناة الجزيرة، قامت قناة العربية ببث مقابلة تلفزيونية على مدى أربع ساعات مع إياد علاوي، رئيس الوزراء العراقي المؤقت في ذلك الوقت، وذلك قبيل الانتخابات الأمريكية بقليل، كما أن الرئيس بوش خص القناة بمقابلتين حصريتين.
التجربة الأمريكية
لكي تعمل على موازنة القنوات العربية، أطلقت الولايات المتحدة قناة (الحرة) التلفزيونية خلال عام 2004، وذلك في خطوة خالفت توصيات الهيئة الاستشارية الأمريكية بشأن الدبلوماسية العامة التي تتوجه بشكل خاص للشعوب.
وحتى بعد تخصيص 60 مليون دولار للتأسيس، بالإضافة إلى أربعين مليون رصدها الكونجرس الأمريكي لكي تصل القناة إلى 80 في المائة من العراقيين، فقد تضاءل حضور قناة الحرة بعد فشلها في تغطية حصار الفلوجة من داخل المدينة، مثلما فعلت منافساتها من القنوات الأخرى. وكشف مسح استطلاعي أجرته (مجموعة المستشارين العرب) أن قناة الجزيرة أتت على رأس قائمة التصنيف من حيث تفضيلها كمصدر إخباري، حيث يشاهدها نحو 82 في المائة من المستطلعَة آراؤهم، تليها قناة العربية بنسبة 75 في المائة وقناة (الإخبارية) السعودية بنسبة 33 في المائة ، بينما لم تتجاوز نسبة الذين يشاهدون قناة الحرة 16 في المائة من الذين تم استطلاعهم. وبينما قال 70 في المائة من المستطلعَة آراؤهم إن قناة العربية تُعَد قناة موثوقة جداً، فقد نالت قناة الجزيرة تأييد 69 في المائة ، ونالت قناة الحرة تأييد 17 في المائة فقط.
وأخيراً ليس هناك أدنى شك في أن الفضائيات التلفزيونية العربية، مثل قناة الجزيرة، قد شجعت على بروز مستوى معين وغير مسبوق من العداء للولايات المتحدة الأمريكية، غير أن نجاح وسائل الإعلام الجديدة يأتي تعبيراً عن التحول نحو توسيع مساحة حرية التعبير والحوار السياسي. وقد لا تكون القنوات الفضائية التلفزيونية في دول مجلس التعاون الخليجي تتسم بالقدر نفسه من الحيوية التي توجد لدى نظيراتها في الدول الغربية، غير أن قناة الجزيرة ومثيلاتها لا تزال تختبر وتدفع حدود الحرية نحو مزيد من التوسع كل يوم.
::/fulltext::
::cck::2700::/cck::
