الانتقائية والعنف في أخبار الفضائيات العربية
::cck::2731::/cck::
::introtext::
لا تمضي أيام إلا وأقرأ مقالاً أو تقريراً يتحدث عن نجاحات بعض الفضائيات العربية في منافسة نظيراتها الغربية، بل وربما التفوق عليها في الوصول إلى الخبر والتغطية الشاملة للأحداث في الشرق الأوسط. ومع تسليمنا بقدرة هذه الفضائيات على الحصول على المعلومة الخبرية قبل مثيلتها الغربية لأسباب عدة منها المعرفة بالأوضاع في المنطقة والأشخاص والتوجه الذي اتخذته هذه القنوات منذ البداية
::/introtext::
::fulltext::
لا تمضي أيام إلا وأقرأ مقالاً أو تقريراً يتحدث عن نجاحات بعض الفضائيات العربية في منافسة نظيراتها الغربية، بل وربما التفوق عليها في الوصول إلى الخبر والتغطية الشاملة للأحداث في الشرق الأوسط. ومع تسليمنا بقدرة هذه الفضائيات على الحصول على المعلومة الخبرية قبل مثيلتها الغربية لأسباب عدة منها المعرفة بالأوضاع في المنطقة والأشخاص والتوجه الذي اتخذته هذه القنوات منذ البداية، الأمر الذي أعطاها مصداقية لدى أطراف عديدة في المنطقة إلا أن أسبقية عرض الخبر ليست وحدها المقياس، كما أن فتح الباب بمصراعيه أمام الانتقادات الموجهة ضد هذه الدولة أو تلك والابتعاد الكامل عن مناقشة أي وضع داخلي لا يعنيان أنها تمثل ثورة في عالم الإعلام ما دامت نوافذها تطل على الحدائق الخلفية وبيوت أبناء الحي، في حين أن جدرانها الداخلية (عازلة للصوت والصورة). بعض هذه القنوات استهوتها ظاهرة العنف والمتسببين بها باعتبارها وجبة إخبارية دسمة، فكانت أفغانستان ومن ثم المملكة العربية السعودية والآن العراق.
ما هو العنف والعنف السياسي؟
يقول الكاتبان شميدت وشرويدر في كتابهما عن العنف والصراع المسلح إن العنف هو فعل اجتماعي يحدث ضمن ظروف معينة ويستهدف ضحايا بعينهم ويخلق أوضاعاً ونتائج محددة. ويقسم العنف إلى نوعين: أحدهما عنف لحماية النفس، وثانيهما عنف مؤذ وسادي. ويعرف الكاتب والنفساني موسيس لاوفر العنف الشخصي بأنه يظهر تكراراً نتيجة لتهديدات تمس الوضع النفسي للشخص أكثر منه من تعرض الإنسان لخطر جسدي، بينما يهدف العنف السادي أو المؤذي إلى التسبب بمعاناة نفسية وجسدية.
أحد مظاهر هذا النوع الأخير من العنف هو العنف السياسي لما يسببه من أذى نفسي وجسدي على العديد من البشر والذي يصفه البروفيسور رتشارد ليمان الأستاذ في جامعة (يو إن سي تشارلوت) الأمريكية بأنه إرهاب إذا نظرنا إلى هذا العنف من خلال تعريف الإرهاب بأنه (الاستخدام المنظم وغير الشرعي للعنف أو التهديد بالعنف لأغراض سياسية).
هذا الإرهاب نجده دائم الحضور على شاشاتنا الفضائية العربية، بل أصبح المادة الدسمة لنشراتها الإخبارية، وأضحت مظاهر الدماء والقتلى والأكفان ضيفاً ثقيلاً يدخل المنازل مراراً وتكراراً. والعراق بصفقه ساحة (غنية) بهذه المشاهد أصبح محط أنظار هذه القنوات الفضائية، فبدأت تنقل الصراع ساعة بساعة للمشاهد الذي ينظر عبر النافذة التي فتحتها هذه القنوات على الصراع، والتي تختلف فيها زاوية الرؤية للمشاهد، فيفقد الكثير من المنظر أو تفتح الشبابيك بمصراعيها أمامه وبحسب ما يجده (المتحكم بالشباك) أو ما يعرف إعلامياً بـ (Gatekeeper) – حارس البوابة- ملائماً لتوجهات هذه القناة أو تلك، فنجد أن الصورة في إحدى هذه القنوات مركزة على ضحايا أي عملية مسلحة أو تفجير يقوم به مسلحون، مسلطة على أفراد الشرطة والجيش، وتبتعد عن إظهار الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، بل إن الخبر يرد أحياناً بذكر عدد القتلى بين أفراد الشرطة والجيش أو القوات المتعددة الجنسيات برغم قلتهم ومن ثم المرور على الضحايا المدنيين.
وحتى عند ذكر الضحايا من المدنيين فقد ابتكرت القنوات بعداً آخر للصراع هو البعد الطائفي بالتزامن مع المحاولات الدموية لإشعال حرب مذهبية في البلد، فلا يقتل شخص في البلد حتى تتم الإشارة على الأقل إلى موقع القتل وفيما إذا كان من هذه الطائفة أو تلك.
إن الأخبار عبر شاشة التلفزيون – وكما يقول توم بيرنز في كتابه عن هيئة الإذاعة البريطانية – تنقل الفعل والحركة وتعبيرات الوجه والسلوك والمشهد والشخوص، فضلاً عن الرسائل الشفوية، مما يجعل قابلية التأثير وإبراز رأي معين وحتى المصداقية أكبر، الأمر الذي يساعد هذه الجهة الإعلامية أو تلك على التركيز على حقيقة أو معلومة معينة وترك البقية.
وإذا كان الإعلاميون ينادون بضرورة جعل الإعلام حراً غير مقيد بسلاسل الرقابة، فينبغي أن تشمل حريته أيضاً التخلص من قيود الرأي المسبق المفروض عليه من قبل الإعلاميين أنفسهم، فالحيادية والموضوعية والأمانة المهنية ليست شعارات ترفعها القنوات بشكل خاص ووسائل الإعلام خاصة لأغراض الزينة، بل إنها السبل الوحيدة المؤدية لإعلام نزيه يحمل رسالة نبيلة تساعد على خلق مجتمع واع وموضوعي ومحايد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2731::/cck::
::introtext::
لا تمضي أيام إلا وأقرأ مقالاً أو تقريراً يتحدث عن نجاحات بعض الفضائيات العربية في منافسة نظيراتها الغربية، بل وربما التفوق عليها في الوصول إلى الخبر والتغطية الشاملة للأحداث في الشرق الأوسط. ومع تسليمنا بقدرة هذه الفضائيات على الحصول على المعلومة الخبرية قبل مثيلتها الغربية لأسباب عدة منها المعرفة بالأوضاع في المنطقة والأشخاص والتوجه الذي اتخذته هذه القنوات منذ البداية
::/introtext::
::fulltext::
لا تمضي أيام إلا وأقرأ مقالاً أو تقريراً يتحدث عن نجاحات بعض الفضائيات العربية في منافسة نظيراتها الغربية، بل وربما التفوق عليها في الوصول إلى الخبر والتغطية الشاملة للأحداث في الشرق الأوسط. ومع تسليمنا بقدرة هذه الفضائيات على الحصول على المعلومة الخبرية قبل مثيلتها الغربية لأسباب عدة منها المعرفة بالأوضاع في المنطقة والأشخاص والتوجه الذي اتخذته هذه القنوات منذ البداية، الأمر الذي أعطاها مصداقية لدى أطراف عديدة في المنطقة إلا أن أسبقية عرض الخبر ليست وحدها المقياس، كما أن فتح الباب بمصراعيه أمام الانتقادات الموجهة ضد هذه الدولة أو تلك والابتعاد الكامل عن مناقشة أي وضع داخلي لا يعنيان أنها تمثل ثورة في عالم الإعلام ما دامت نوافذها تطل على الحدائق الخلفية وبيوت أبناء الحي، في حين أن جدرانها الداخلية (عازلة للصوت والصورة). بعض هذه القنوات استهوتها ظاهرة العنف والمتسببين بها باعتبارها وجبة إخبارية دسمة، فكانت أفغانستان ومن ثم المملكة العربية السعودية والآن العراق.
ما هو العنف والعنف السياسي؟
يقول الكاتبان شميدت وشرويدر في كتابهما عن العنف والصراع المسلح إن العنف هو فعل اجتماعي يحدث ضمن ظروف معينة ويستهدف ضحايا بعينهم ويخلق أوضاعاً ونتائج محددة. ويقسم العنف إلى نوعين: أحدهما عنف لحماية النفس، وثانيهما عنف مؤذ وسادي. ويعرف الكاتب والنفساني موسيس لاوفر العنف الشخصي بأنه يظهر تكراراً نتيجة لتهديدات تمس الوضع النفسي للشخص أكثر منه من تعرض الإنسان لخطر جسدي، بينما يهدف العنف السادي أو المؤذي إلى التسبب بمعاناة نفسية وجسدية.
أحد مظاهر هذا النوع الأخير من العنف هو العنف السياسي لما يسببه من أذى نفسي وجسدي على العديد من البشر والذي يصفه البروفيسور رتشارد ليمان الأستاذ في جامعة (يو إن سي تشارلوت) الأمريكية بأنه إرهاب إذا نظرنا إلى هذا العنف من خلال تعريف الإرهاب بأنه (الاستخدام المنظم وغير الشرعي للعنف أو التهديد بالعنف لأغراض سياسية).
هذا الإرهاب نجده دائم الحضور على شاشاتنا الفضائية العربية، بل أصبح المادة الدسمة لنشراتها الإخبارية، وأضحت مظاهر الدماء والقتلى والأكفان ضيفاً ثقيلاً يدخل المنازل مراراً وتكراراً. والعراق بصفقه ساحة (غنية) بهذه المشاهد أصبح محط أنظار هذه القنوات الفضائية، فبدأت تنقل الصراع ساعة بساعة للمشاهد الذي ينظر عبر النافذة التي فتحتها هذه القنوات على الصراع، والتي تختلف فيها زاوية الرؤية للمشاهد، فيفقد الكثير من المنظر أو تفتح الشبابيك بمصراعيها أمامه وبحسب ما يجده (المتحكم بالشباك) أو ما يعرف إعلامياً بـ (Gatekeeper) – حارس البوابة- ملائماً لتوجهات هذه القناة أو تلك، فنجد أن الصورة في إحدى هذه القنوات مركزة على ضحايا أي عملية مسلحة أو تفجير يقوم به مسلحون، مسلطة على أفراد الشرطة والجيش، وتبتعد عن إظهار الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، بل إن الخبر يرد أحياناً بذكر عدد القتلى بين أفراد الشرطة والجيش أو القوات المتعددة الجنسيات برغم قلتهم ومن ثم المرور على الضحايا المدنيين.
وحتى عند ذكر الضحايا من المدنيين فقد ابتكرت القنوات بعداً آخر للصراع هو البعد الطائفي بالتزامن مع المحاولات الدموية لإشعال حرب مذهبية في البلد، فلا يقتل شخص في البلد حتى تتم الإشارة على الأقل إلى موقع القتل وفيما إذا كان من هذه الطائفة أو تلك.
إن الأخبار عبر شاشة التلفزيون – وكما يقول توم بيرنز في كتابه عن هيئة الإذاعة البريطانية – تنقل الفعل والحركة وتعبيرات الوجه والسلوك والمشهد والشخوص، فضلاً عن الرسائل الشفوية، مما يجعل قابلية التأثير وإبراز رأي معين وحتى المصداقية أكبر، الأمر الذي يساعد هذه الجهة الإعلامية أو تلك على التركيز على حقيقة أو معلومة معينة وترك البقية.
وإذا كان الإعلاميون ينادون بضرورة جعل الإعلام حراً غير مقيد بسلاسل الرقابة، فينبغي أن تشمل حريته أيضاً التخلص من قيود الرأي المسبق المفروض عليه من قبل الإعلاميين أنفسهم، فالحيادية والموضوعية والأمانة المهنية ليست شعارات ترفعها القنوات بشكل خاص ووسائل الإعلام خاصة لأغراض الزينة، بل إنها السبل الوحيدة المؤدية لإعلام نزيه يحمل رسالة نبيلة تساعد على خلق مجتمع واع وموضوعي ومحايد.
::/fulltext::
::cck::2731::/cck::
