صلاح سياسي أم سياسة إصلاحية؟

::cck::2754::/cck::
::introtext::

(الثقافة السياسية والإصلاح السياسي)، وهو المحور الذي نتناوله هنا بالبحث والمناقشة، يضع أمامنا ثلاث مفردات أو مصطلحات قد تكون بحاجة لإعادة تعريف أو إعادة تحديد للمفهوم السائد عنها قبل محاولة الإجابة عن السؤال الكبير الذي يطرحه عنوان هذا المقال. والمصطلحات الثلاثة المقصودة هي (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) التي هي محور العلاقة بين المصطلحين الأول والثاني، أي بمعنى محدد استكشاف لعلاقة الثقافة بالسياسة، ولعلاقة الإصلاح بالسياسة، وهنا سوف نجد أنفسنا وصلنا تلقائياً إلى علاقة الثقافة بالإصلاح.

::/introtext::
::fulltext::

(الثقافة السياسية والإصلاح السياسي)، وهو المحور الذي نتناوله هنا بالبحث والمناقشة، يضع أمامنا ثلاث مفردات أو مصطلحات قد تكون بحاجة لإعادة تعريف أو إعادة تحديد للمفهوم السائد عنها قبل محاولة الإجابة عن السؤال الكبير الذي يطرحه عنوان هذا المقال. والمصطلحات الثلاثة المقصودة هي (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) التي هي محور العلاقة بين المصطلحين الأول والثاني، أي بمعنى محدد استكشاف لعلاقة الثقافة بالسياسة، ولعلاقة الإصلاح بالسياسة، وهنا سوف نجد أنفسنا وصلنا تلقائياً إلى علاقة الثقافة بالإصلاح.
إن الإطار الواضح من عنوان هذا المحور يستهدف البحث عن مدى تأثير ما تعارف عليه العالم أو ما سنتعارف عليه معاً من (ثقافة سياسية) معاصرة على برامج (الإصلاح السياسي) مع اهتمام خاص برؤية ذلك في واقع التطور في المشهد السياسي الخليجي العربي.
وإذا كانت المفردات العربية الثلاث (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) مفردات أصيلة ومحددة المعنى بصورة لا محل فيها للخلاف بين الأكاديميين من أساتذة اللغة العربية، فإنها مثار اجتهادات كثيرة وجدل كبير في المفهوم بين الأكاديميين من أساتذة العلوم السياسية والمفكرين السياسيين.
ولأننا لا نريد أن نستغرق في بحور الخلافات بين المدارس السياسية المختلفة، ولأننا كعرب لنا لغتنا التي هي مرجعنا للفهم وأداتنا للتفاهم ووسيلتنا في التعبير عما نريد فسوف نعتمد هنا تلك المعاني المحددة والمفاهيم السائدة ببساطة ودون تعقيد.
وحينما تعني (الثقافة) لغوياً صقل السيف العربي بما يزيل عنه الصدأ ويزيد من حدة نصله، تعني فكرياً جعله لامعاً في الشكل وفاعلاً في المضمون، بدرجة أكبر من غيره من السيوف غير المصقولة؛ و تطبيقاً على الإنسان هنا تعني صقل ملكاته الإبداعية وتنمية معارفه النظرية العلمية والأدبية والفنية بتغذية مخزونه الفكري السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما ينعكس سلوكاً إيجابياً بتنمية قدراته العملية على الفعل المثمر والإبداع في الإنتاج.
ومن ثم يكون المثقف هو، غير المشغول بذاته عن شؤون مجتمعه، وغير المنفصل قيمياً عن قيم شعبه، وغير المشغول بمعارفه الخاصة عن معلوماته العامة، إنه الإنسان المشحون بالمعارف القادر على التفكير والعمل بالإبداع والعطاء نظرياً وعملياً بما يتجاوز دائرة مصالحه الذاتية الضيقة إلى دائرة المصالح الوطنية والإنسانية في آن معاً، وليس العالم فقط بتخصصه المهني مهما بلغ، من دون علم بما هو خارج عن دائرة دراسته أو عمله.
وإذا كانت الثقافة، هي تثقيف لسيف صدئ لكنه غير مكسور، وللإنسان هي تنمية لوعي عالٍ وتربية لسلوك راق بجعل الإنسان مصقولاً فكراً وفعلاً، فإن (الإصلاح) يسير في نفس الاتجاه، لكنه يختلف في المهمة باعتبار أنه لغوياً يعني جبر ما انكسر لو كان جديداً، أو ترميم ما تهدم لتجديد ما اندثر لو كان قديماً، أداة أو إنساناً حتى يصبح صالحاً للاستفادة والإفادة، أي للأخذ والعطاء وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.
لكن العاطلين عن الاستزادة من العلم، والمعطلين لقدرات غيرهم عن العمل، أولئك الذين هم في مجتمعاتهم كالصخور وسط النهر، لا هم قادرون على اختزان الماء ولا هم قابلون بمروره لري غيرهم، والذين يرون أن هدفهم في الحياة هو الأخذ فقط دون رغبة أو قدرة على العطاء لغيرهم هم أناس أنانيون أخلاقياً، ومحدودو الأفق فكرياً ومحددو المجال عملياً. وبالتالي لا هم قادرون لا على تثقيف أنفسهم ولا إصلاح مجتمعاتهم، وبالنتيجة لا يمكن أن يكونوا صالحين أو مثقفين، وبالتالي، لا مثقفين أو مصلحين، ولا ثقافيين أو إصلاحيين، لسبب بسيط هو أن فاقد الشيء لا يعطيه.
إن المثقف الحقيقي هو ذلك الإنسان المهموم بالهم العام، صاحب القيم الإنسانية النبيلة النابعة من القيم السماوية العظمى والمتمسك بالمثل العليا المعبرة عن حكمة مجتمعه، والواعي بقضايا العالم، والحالم بإصلاح العالم، والعازم على العطاء علمياً وعملياً لاستمرار هذا الإصلاح والغارم من أجل تطوير ذلك الإصلاح.
و(الثقافة) علمياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً و(الإصلاح) عملياً السياسي والاقتصادي والاجتماعي في علاقاتهما أشبه بالنظرية والتطبيق، وهي منظومة بناء إنساني ومجتمعي شاملة ومتكاملة روحية وفكرية وتربوية وسلوكية وعلمية وعملية في الوقت نفسه.
أما (السياسة) فهي فن قيادة جموع الشعب بالتعبيرعن إرادته، وتوجيه حركة المجتمع في اتجاه مرغوب فيه من هذا الشعب، وفلسفة المسؤولين والمعنيين بالشأن العام بالنسبة لأسلوب الحكم و إدارة الدولة و في البناء والإصلاح والتطوير لعموم المجتمع، تحقيقا لإرادة الشعب.
والسياسات هي التي تعكس فكر الساسة وهي نتاج علم وفن وفلسفة إدارة الحكم، ونتيجة لطبيعة نسق العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ونظام المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني في أي شأن من شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية انطلاقاً من نسق القيم الروحية والحضارية واتساقاً مع الثوابت الوطنية والقومية، وانعكاساً للخصوصية الثقافية الوطنية التي تحددها في كل وطن مكونات هذا الوطن البشرية والدينية والتاريخية والجغرافية.ويتضح من هذا كله أن (الثقافة) هي فكر توجيه المجتمع، وأن (السياسة) هي فلسفة إدارة بناء الوطن، وأن (الإصلاح) هو عملية التطوير العلمي المستمرة لبنى وهياكل المجتمع، ولهذا فالتكامل جبري بين الفكر والفلسفة والعلم لعملية صنع التقدم بالشعب ولصالح الشعب على أرض أي وطن، ذلك أنه لا قول بلا فكر يسبقه، ولا عمل بلا فلسفة تحدد أهدافه، ولا خطة بناء بلا علم يهندس التصميم ويحكم التنفيذ، ولا بناء يمكن أن يعلو ويستمر بلا صيانة وإصلاح وتطوير.
من هنا تأتي ضرورة (الثقافة السياسية)، فلكي تكون سياسة البناء والإصلاح والتطوير رشيدة وخلاقة هادفة نحو الكمال والجمال فلا بد لها من ثقافة، ومن ساسة لهم مع علم الإدارة خيال المثقفين الوطنيين المبدعين.
ولكي تكون ثقافة الساسة فاعلة وبناءة مؤهلة لهم للإبداع والابتكار فلا بد لها من سياسة، أي ارتباط بأهداف وطنية استراتيجية عامة تعنى بمشكلات المجتمع وقضايا كل المواطنين، وليس استغراقاً فقط في مشكلات وقضايا المثقفين.
وإذا كانت حركة أحداث وتطورات العالم من حولنا بما فيها الحروب لا ينفصل فيها العامل السياسي عن الثقافي، فإن الثقافة السياسية لازمة لكمال وجمال البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني، فالثقافة والسياسة فيها لا ينفصلان أو يجب ألا يتوافقان.. وبالتالي لا ثقافة سياسية بلا سياسة ثقافية.. ولا إصلاح سياسي الذي هو أساس أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي من دون ثقافة سياسية.
ولأن الثقافة الوطنية لها خصوصيتها في كل وطن، ولأن السياسة الوطنية والقومية لها ثوابتها لدى كل شعب على أرض أي وطن، فإن ثقافتنا السياسية في الخليج العربي لا بد أن يشدها بالطبيعة ارتباط الموقع والواقع، وانسجام الجزء مع الكل في الوطن العربي ، وارتباط الجسد بالروح في الأمة الإسلامية. وهو ما يربطنا جميعا مع مرجعياتنا الدينية اتساقاً مع موقعنا الجغرافي في منطقة استراتيجية ولد على أرضها الأنبياء وتنزلت فيها رسالات السماء وانسجاماً مع واقعنا التاريخي الذي يشكّل ملامح هويتنا الثقافية في منطقة كانت مهد الحضارات، ومنارة علوم وثقافة أضاءت عصور الظلام الأوروبي وفاقت كل المنارات.
لكننا مع هذا لا نحبس حاضرنا في الماضي فقط، بل ننطلق به إلى المستقبل، منفتحين على التجارب الإنسانية ليس الغربية فقط، بل العالمية لا العولمية أيضاً نأخذ منها، وعلينا أن يكون لدينا أيضاً من منجزات القيم والحضارة ما يمكن أن نعطيه وذلك لبناء وتطوير وإصلاح وتأصيل وتحديث مجتمعاتنا الناهضة على أسس من الحرية والعدالة والمشاركة الشعبية في السلطة والثروة، والمشاركة المجتمعية في التضحية والتنمية بتوازن ومواطنة ومساواة بين الحقوق والواجبات الإنسانية، وسيادة للقانون المستمد من شرائع السماء وإرادة الناس.
ويبقى الوجه الأول من السؤال العنوان.. ثقافة سياسية أم سياسة ثقافية؟
وأجيب: المساران متلازمان ووجود أحدهما شرط لفاعلية الآخر، كما أن أحدهما ليس بديلاً عن الآخر.
وفي الوجه المقابل كان السؤال.. إصلاح سياسي أم سياسة إصلاحية؟
وأجيب بالإجابة نفسها، فأحدهما ليس بديلاً عن الآخر.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2754::/cck::
::introtext::

(الثقافة السياسية والإصلاح السياسي)، وهو المحور الذي نتناوله هنا بالبحث والمناقشة، يضع أمامنا ثلاث مفردات أو مصطلحات قد تكون بحاجة لإعادة تعريف أو إعادة تحديد للمفهوم السائد عنها قبل محاولة الإجابة عن السؤال الكبير الذي يطرحه عنوان هذا المقال. والمصطلحات الثلاثة المقصودة هي (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) التي هي محور العلاقة بين المصطلحين الأول والثاني، أي بمعنى محدد استكشاف لعلاقة الثقافة بالسياسة، ولعلاقة الإصلاح بالسياسة، وهنا سوف نجد أنفسنا وصلنا تلقائياً إلى علاقة الثقافة بالإصلاح.

::/introtext::
::fulltext::

(الثقافة السياسية والإصلاح السياسي)، وهو المحور الذي نتناوله هنا بالبحث والمناقشة، يضع أمامنا ثلاث مفردات أو مصطلحات قد تكون بحاجة لإعادة تعريف أو إعادة تحديد للمفهوم السائد عنها قبل محاولة الإجابة عن السؤال الكبير الذي يطرحه عنوان هذا المقال. والمصطلحات الثلاثة المقصودة هي (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) التي هي محور العلاقة بين المصطلحين الأول والثاني، أي بمعنى محدد استكشاف لعلاقة الثقافة بالسياسة، ولعلاقة الإصلاح بالسياسة، وهنا سوف نجد أنفسنا وصلنا تلقائياً إلى علاقة الثقافة بالإصلاح.
إن الإطار الواضح من عنوان هذا المحور يستهدف البحث عن مدى تأثير ما تعارف عليه العالم أو ما سنتعارف عليه معاً من (ثقافة سياسية) معاصرة على برامج (الإصلاح السياسي) مع اهتمام خاص برؤية ذلك في واقع التطور في المشهد السياسي الخليجي العربي.
وإذا كانت المفردات العربية الثلاث (الثقافة) و(الإصلاح) و(السياسة) مفردات أصيلة ومحددة المعنى بصورة لا محل فيها للخلاف بين الأكاديميين من أساتذة اللغة العربية، فإنها مثار اجتهادات كثيرة وجدل كبير في المفهوم بين الأكاديميين من أساتذة العلوم السياسية والمفكرين السياسيين.
ولأننا لا نريد أن نستغرق في بحور الخلافات بين المدارس السياسية المختلفة، ولأننا كعرب لنا لغتنا التي هي مرجعنا للفهم وأداتنا للتفاهم ووسيلتنا في التعبير عما نريد فسوف نعتمد هنا تلك المعاني المحددة والمفاهيم السائدة ببساطة ودون تعقيد.
وحينما تعني (الثقافة) لغوياً صقل السيف العربي بما يزيل عنه الصدأ ويزيد من حدة نصله، تعني فكرياً جعله لامعاً في الشكل وفاعلاً في المضمون، بدرجة أكبر من غيره من السيوف غير المصقولة؛ و تطبيقاً على الإنسان هنا تعني صقل ملكاته الإبداعية وتنمية معارفه النظرية العلمية والأدبية والفنية بتغذية مخزونه الفكري السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما ينعكس سلوكاً إيجابياً بتنمية قدراته العملية على الفعل المثمر والإبداع في الإنتاج.
ومن ثم يكون المثقف هو، غير المشغول بذاته عن شؤون مجتمعه، وغير المنفصل قيمياً عن قيم شعبه، وغير المشغول بمعارفه الخاصة عن معلوماته العامة، إنه الإنسان المشحون بالمعارف القادر على التفكير والعمل بالإبداع والعطاء نظرياً وعملياً بما يتجاوز دائرة مصالحه الذاتية الضيقة إلى دائرة المصالح الوطنية والإنسانية في آن معاً، وليس العالم فقط بتخصصه المهني مهما بلغ، من دون علم بما هو خارج عن دائرة دراسته أو عمله.
وإذا كانت الثقافة، هي تثقيف لسيف صدئ لكنه غير مكسور، وللإنسان هي تنمية لوعي عالٍ وتربية لسلوك راق بجعل الإنسان مصقولاً فكراً وفعلاً، فإن (الإصلاح) يسير في نفس الاتجاه، لكنه يختلف في المهمة باعتبار أنه لغوياً يعني جبر ما انكسر لو كان جديداً، أو ترميم ما تهدم لتجديد ما اندثر لو كان قديماً، أداة أو إنساناً حتى يصبح صالحاً للاستفادة والإفادة، أي للأخذ والعطاء وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.
لكن العاطلين عن الاستزادة من العلم، والمعطلين لقدرات غيرهم عن العمل، أولئك الذين هم في مجتمعاتهم كالصخور وسط النهر، لا هم قادرون على اختزان الماء ولا هم قابلون بمروره لري غيرهم، والذين يرون أن هدفهم في الحياة هو الأخذ فقط دون رغبة أو قدرة على العطاء لغيرهم هم أناس أنانيون أخلاقياً، ومحدودو الأفق فكرياً ومحددو المجال عملياً. وبالتالي لا هم قادرون لا على تثقيف أنفسهم ولا إصلاح مجتمعاتهم، وبالنتيجة لا يمكن أن يكونوا صالحين أو مثقفين، وبالتالي، لا مثقفين أو مصلحين، ولا ثقافيين أو إصلاحيين، لسبب بسيط هو أن فاقد الشيء لا يعطيه.
إن المثقف الحقيقي هو ذلك الإنسان المهموم بالهم العام، صاحب القيم الإنسانية النبيلة النابعة من القيم السماوية العظمى والمتمسك بالمثل العليا المعبرة عن حكمة مجتمعه، والواعي بقضايا العالم، والحالم بإصلاح العالم، والعازم على العطاء علمياً وعملياً لاستمرار هذا الإصلاح والغارم من أجل تطوير ذلك الإصلاح.
و(الثقافة) علمياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً و(الإصلاح) عملياً السياسي والاقتصادي والاجتماعي في علاقاتهما أشبه بالنظرية والتطبيق، وهي منظومة بناء إنساني ومجتمعي شاملة ومتكاملة روحية وفكرية وتربوية وسلوكية وعلمية وعملية في الوقت نفسه.
أما (السياسة) فهي فن قيادة جموع الشعب بالتعبيرعن إرادته، وتوجيه حركة المجتمع في اتجاه مرغوب فيه من هذا الشعب، وفلسفة المسؤولين والمعنيين بالشأن العام بالنسبة لأسلوب الحكم و إدارة الدولة و في البناء والإصلاح والتطوير لعموم المجتمع، تحقيقا لإرادة الشعب.
والسياسات هي التي تعكس فكر الساسة وهي نتاج علم وفن وفلسفة إدارة الحكم، ونتيجة لطبيعة نسق العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ونظام المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني في أي شأن من شؤونه السياسية والاقتصادية والاجتماعية انطلاقاً من نسق القيم الروحية والحضارية واتساقاً مع الثوابت الوطنية والقومية، وانعكاساً للخصوصية الثقافية الوطنية التي تحددها في كل وطن مكونات هذا الوطن البشرية والدينية والتاريخية والجغرافية.ويتضح من هذا كله أن (الثقافة) هي فكر توجيه المجتمع، وأن (السياسة) هي فلسفة إدارة بناء الوطن، وأن (الإصلاح) هو عملية التطوير العلمي المستمرة لبنى وهياكل المجتمع، ولهذا فالتكامل جبري بين الفكر والفلسفة والعلم لعملية صنع التقدم بالشعب ولصالح الشعب على أرض أي وطن، ذلك أنه لا قول بلا فكر يسبقه، ولا عمل بلا فلسفة تحدد أهدافه، ولا خطة بناء بلا علم يهندس التصميم ويحكم التنفيذ، ولا بناء يمكن أن يعلو ويستمر بلا صيانة وإصلاح وتطوير.
من هنا تأتي ضرورة (الثقافة السياسية)، فلكي تكون سياسة البناء والإصلاح والتطوير رشيدة وخلاقة هادفة نحو الكمال والجمال فلا بد لها من ثقافة، ومن ساسة لهم مع علم الإدارة خيال المثقفين الوطنيين المبدعين.
ولكي تكون ثقافة الساسة فاعلة وبناءة مؤهلة لهم للإبداع والابتكار فلا بد لها من سياسة، أي ارتباط بأهداف وطنية استراتيجية عامة تعنى بمشكلات المجتمع وقضايا كل المواطنين، وليس استغراقاً فقط في مشكلات وقضايا المثقفين.
وإذا كانت حركة أحداث وتطورات العالم من حولنا بما فيها الحروب لا ينفصل فيها العامل السياسي عن الثقافي، فإن الثقافة السياسية لازمة لكمال وجمال البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني، فالثقافة والسياسة فيها لا ينفصلان أو يجب ألا يتوافقان.. وبالتالي لا ثقافة سياسية بلا سياسة ثقافية.. ولا إصلاح سياسي الذي هو أساس أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي من دون ثقافة سياسية.
ولأن الثقافة الوطنية لها خصوصيتها في كل وطن، ولأن السياسة الوطنية والقومية لها ثوابتها لدى كل شعب على أرض أي وطن، فإن ثقافتنا السياسية في الخليج العربي لا بد أن يشدها بالطبيعة ارتباط الموقع والواقع، وانسجام الجزء مع الكل في الوطن العربي ، وارتباط الجسد بالروح في الأمة الإسلامية. وهو ما يربطنا جميعا مع مرجعياتنا الدينية اتساقاً مع موقعنا الجغرافي في منطقة استراتيجية ولد على أرضها الأنبياء وتنزلت فيها رسالات السماء وانسجاماً مع واقعنا التاريخي الذي يشكّل ملامح هويتنا الثقافية في منطقة كانت مهد الحضارات، ومنارة علوم وثقافة أضاءت عصور الظلام الأوروبي وفاقت كل المنارات.
لكننا مع هذا لا نحبس حاضرنا في الماضي فقط، بل ننطلق به إلى المستقبل، منفتحين على التجارب الإنسانية ليس الغربية فقط، بل العالمية لا العولمية أيضاً نأخذ منها، وعلينا أن يكون لدينا أيضاً من منجزات القيم والحضارة ما يمكن أن نعطيه وذلك لبناء وتطوير وإصلاح وتأصيل وتحديث مجتمعاتنا الناهضة على أسس من الحرية والعدالة والمشاركة الشعبية في السلطة والثروة، والمشاركة المجتمعية في التضحية والتنمية بتوازن ومواطنة ومساواة بين الحقوق والواجبات الإنسانية، وسيادة للقانون المستمد من شرائع السماء وإرادة الناس.
ويبقى الوجه الأول من السؤال العنوان.. ثقافة سياسية أم سياسة ثقافية؟
وأجيب: المساران متلازمان ووجود أحدهما شرط لفاعلية الآخر، كما أن أحدهما ليس بديلاً عن الآخر.
وفي الوجه المقابل كان السؤال.. إصلاح سياسي أم سياسة إصلاحية؟
وأجيب بالإجابة نفسها، فأحدهما ليس بديلاً عن الآخر.

::/fulltext::
::cck::2754::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *