الثقافة السياسية والإصلاح السياسي
::cck::2756::/cck::
::introtext::
برزت مفاهيم الإصلاح السياسي مؤخراً في البلدان العربية إثر تداعيات احتلال صدام حسين للكويت، ومن تم تحريرها على أيدي القوات الأمريكية فعلاً، وقوات التحالف اسماً. ثم جاءت (البشارة) على لسان كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق في منتصف التسعينات، ومن ثم على لسان كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية، والتي نلاحظ أن حماسها قد خفت للإصلاحات السياسية ومفاهيمها في الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
برزت مفاهيم الإصلاح السياسي مؤخراً في البلدان العربية إثر تداعيات احتلال صدام حسين للكويت، ومن تم تحريرها على أيدي القوات الأمريكية فعلاً، وقوات التحالف اسماً. ثم جاءت (البشارة) على لسان كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق في منتصف التسعينات، ومن ثم على لسان كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية، والتي نلاحظ أن حماسها قد خفت للإصلاحات السياسية ومفاهيمها في الشرق الأوسط.
لقد كان الشعب في منطقة الخليج تواقاً إلى رياح ديمقراطية جديدة، يستطيع من خلالها التعبير عن مجاراته للعصر على الأقل، ولو بتردد. ولقد درج شعب الخليج على تلقي (ريع) النفط على هيئة ترقيات أو زيادات في الرواتب أو توزيع أراضي أو توزيع ثروات لعائلات محددة! وقد تكون الكويت الدولة الوحيدة في دول مجلس التعاون التي جربت الديمقراطية كنموذج حديث للإصلاحات السياسية، وسبقت بقية دول المجلس فيها.
• المفهوم العام للإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون
ظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دول المجلس قائمة على مبدأ (التراضي) منذ عقدت العائلات الحاكمة اتفاقيات مصالحة و(نخوة) مع شعوب المنطقة، وذلك خلال الحكم العثماني أو مرحلة الوجود البريطاني بأشكاله المختلفة. وكانت هنالك عقود اجتماعية يدين الشعب فيها بالولاء للحاكم مقابل الحماية والأمن، وبعد النفط توطدت العلاقة نظراً لتقاربات مصالحية. لكن المفهوم الأوسع العلمي للإصلاح السياسي لم يتبلور إلاّ في دولة الكويت منذ منتصف الستينات، حيث كانت هنالك ممارسة ديمقراطية وهيئات مثل مجلس الأمة.
وفي مملكة البحرين شهدت أوائل السبعينات ولادة مجلس وطني إلا أنه حل دون أن يحقق المطالب الشعبية. وبعد استقلال دول الخليج – بداية السبعينات – بدأت دول المجلس بتشكيل مجالس شورى معينة – لها مقاربات مصالحية مع نظام الحكم – وكان هدفها تعضيد دور الحكومة، وتأمين التصدي لأية معارضات محلية. وبعض هذه المجالس كان شكلياً، ودوره استشاري وقراراته غير ملزمة للحاكم. وكانت جل هذه المجالس تدين بالولاء للحاكم، ولا تناقش قضايا تهم المجتمع، إلاّ تلك التي يحيلها الحاكم إليها بقصد الاستنارة ولربما – الوجاهة الإعلامية – دون التأثير في القرار السياسي.
هذا المفهوم اصطدم بمفاهيم الليبراليين المتعلمين في الخليج، الذين صوروا – هذه المجالس – على أنها (ديكورات) للدولة السياسية الجديدة، و(مسوغات) لانضمامها للأمم المتحدة ومؤسساتها. ولم يحدث فعلاً استشعار تلك المجالس لهموم المواطنين وقضاياهم، وحدثت في بعض دول مجلس التعاون أحداث عبّرت عن شعور بالامتعاض تجاه رفض الحكومات اجراء إصلاحات سياسية، وصلت إلى درجة الصدام الأمني، والزج في السجون، وذلك إبّان تشكيل الحركات الشعبية التي تؤمن بالكفاح المسلح ضد الوجود الأجنبي؛ ولقد سقط العديد من الضحايا في بعض دول المجلس جراء الصدام مع الأجهزة الأمنية، كما تم إقصاء أو نفي بعض رموز الحركات الإصلاحية إلى خارج المنطقة.
ولقد (عوّدت) الدول الخليجية شعوبها على مفاهيم محددة للإصلاح تتضمن تعليم المرأة، رعاية الشباب، الحفاظ على الأمن، تشجيع التجارة، رعاية الطفل حرية (مقننة) للإعلام، وهي مقاربات تنموية لا تصل إلى حد اعتبارها إصلاحات سياسية في المفهوم الأشمل. كما راعت بعض الدول – في التعيينات الوزارية التي يشكلها الحاكم – التوزيعات الطبقية و(الولائية) وصار أن (حرم) العديد من التكنوقراط المؤهلين من الحقائب الوزارية نظراً لضعف عمقهم العائلي مع قوة عمقهم العلمي و الإدراكي. ووصل الأمر في بعض البلدان إلى بقاء وزراء لعشرين عاماً أو أكثر، كما احتفظت الأنظمة بوزارات السيادة في العائلة الحاكمة.
ونخلص من هذا إلى أن مفهوم الإصلاح السياسي لم يقترب من الحالة التي نناقشها الآن وظل ضبابياً واحتفالياً.
• واقع النظام السياسي في دول مجلس التعاون
يتمثل هذا الواقع بقضية الولاء للحاكم – كما سبق – تعاقدياً دون أوراق، لكن هذا النموذج البسيط للعلاقة بين الحاكم والمحكوم تطور بعد تطور التعليم وظهور الجامعات، واتجاهات الحكومات إلى تحالفات – خصوصاً خلال الأزمات – مع الدول العظمى وأهمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وكان الخوف دائماً من وجود فراغ قوة بعد دخول السوفييت إلى أفغانستان، وانسحاب بريطانيا قبلها من الخليج وبروز(شاه إيران) كشرطي في الخليج.
وفي هذه المرحلة بدأت موجة من المطالبات بالإصلاحات السياسية في بعض دول الخليج العربية قبل إنشاء مجلس التعاون، لكنها جوبهت بالرفض، وبدأت الأنظمة في الانتباه للمد الماركسي، وقامت بعضها بتجنيد الدين كنوع من الرباط القوي الذي يحفظ أمن الأنظمة، لكن هذا التوريط جاء بنتائج عكسية حيث حدثت قلاقل أمنية في بعض الدول وخرج (الدينيون) على القضبان المرسومة لهم،وأظهرت الحقائق أن الذين دمروا برجي التجارة في نيويورك والأماكن الأخرى في الولايات المتحدة كان صناعة خليجية – وسعودية بالذات – وهنا برزت ثقافة العنف التي ساهم في تكريسها (ابن لادن) من جبال تورا بورا في أفغانستان، وحدث أن اصطدمت بعض الأنظمة برموز دينية إثر صدامات عنيفة هزت بعض الدول، كما ظهرت قلاقل أمنية في دول أخرى طالت الأماكن العامة والخاصة. وهنا تداعت بعض الدول إلى تقديم (منحة) إصلاحية للشعوب تمثلت في انتخابات حرة في بعض الدول وفي دخول المرأة إلى مجالس الشورى. وفي وضع دساتير حديثة في دول أخرى. وللأسف تم (تفصيل) بعض الدساتير وتفسيراتها لتكريس توجهات الأنظمة و(ضمان) سيطرة الحكومة على المجالس بأشكالها المختلفة، كل ذلك يدور في اتجاه والرموز السياسية المغيبة عن القرار السياسي تكمن في اتجاه آخر، ولقد كسبت – بعض الحكومات – بعض الأصوات لصالحها حتى في الانتخابات العامة، ولكن كما جرى في الكويت فإن التحالفات القبلية التي كانت يوماً (عضداً) للحكومة أصبحت في عداد المعارضة. تماماً كما حصل في البحرين فإن الأغلبية الإسلامية – بتعدد أسمائها – أضحت تنادي بإغلاق كثير من مظاهر السياحة والتطور في البلاد والعودة بالبلاد القهقرى! واليوم تجري في الإمارات انتخابات عامة لممثلين عن الشعب ولا نعلم إلى أين ستقود هذه التجربة؟ وقد حصلت انتخابات بلدية في قطر، دورتان للمجلس البلدي، كما حصلت انتخابات لمجلس الشورى في سلطنة عمان، وغرفة التجارة بالمملكة العربية السعودية.
والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا، هل يسمح النظام السياسي في دول المجلس بممارسة إصلاحية، ونعني بها قيام المؤسسات وإحياء دور الرقابة على المال العام وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص؟ والجواب من الصعوبة بمكان (تخيل) حضول ذلك على الأقل في الوقت الراهن رغم وجود اتجاهات إيجابية محدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها ظواهر حقيقية نحو الإصلاح السياسي. في الوقت ذاته تظهر هنالك أصوات منددة بالأشكال الديمقراطية في المنطقة وتحبذ هذه الأصوات عدم الانجرار نحو المفاهيم الإصلاحية الغربية وضرورة الحفاظ على (شعرة) التفاهم مع الحاكم، فهي الأفضل، خصوصاً بعد تجربة كل الكويت والبحرين.
• منظمات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون
هنالك تفاوت في دول المجلس حول تصنيفات هذه المؤسسات، ولا يوجد تعريف محدد وواضح لعمل أو مفهوم منظمات المجتمع المدني. طبعاً هنالك دساتير تحظر الأحزاب، وهنالك مؤسسات حكومية يديرها حكوميون وبيروقراطيون تعتبرها الحكومات من مؤسسات المجتمع المدني. والإشكالية الكبرى التي تواجه عمل مؤسسات المجتمع المدني أن تصاريح عمل هذه المؤسسات تصدرها الدولة، وقانونها الأساسي تضعه الدولة، وبالتالي فإن صفة المنظمة المدنية تنتفي عنها في هذه الحالة. ولابد من إعادة النظر في القوانين التي تحكم هذه المنظمات وتحديث الرؤى حول حقيقة عمل هذه المنظمات وحماية أفرادها من العسف الحكومي والملاحقات غير القانونية بل والسماح لها بالاتصال والتعاون مع المنظمات الدولية المماثلة.
• رؤية مستقبلية
الثقافة السياسية في دول مجلس التعاون – ولنقل بعضها – لا تزال مرتبطة بمحددات الانتفاع من الدولة الريعية، والولاء للوطن ينبع من الولاء للحاكم وليس في هذا خطل كبير، لكن الأمر في هذه المرحلة يتطلب المكاشفة – كما هو قانون غورباتشوف – وإعداد المجتمع الخليجي لمرحلة الانتخابات الحرة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وتأسيس الانتخابات الحرة على قوانين متطورة لا تفرق في المعاملة السياسية بين مواطن وآخر، وضرورة السماح لمنظمات المجتمع المدني بالقيام بدورها بالشكل الحقيقي دون الحاجة إلى (وصاية) الدولة أو رقابتها، كما أن الإصلاح يشمل حرية الإعلام وقيام البرلمانات بأدوارها دون صناعة (لوبيات) تحقق تحالفات ضد مصلحة الشعوب، الأمر الذي يسمح بالتشكيك في عمل هذه البرلمانات. لكن تجربة كل من الكويت ومملكة البحرين تجعلنا نتخوف من تعارض أهداف الحكومة والمجلس (البرلمان) وهنا حتماً سيلجأ الطرف القوي إلى فرض شروطه وأحياناً الدكتاتورية تصلح كـ (دواء) عند استشراء الأمراض العضال.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2756::/cck::
::introtext::
برزت مفاهيم الإصلاح السياسي مؤخراً في البلدان العربية إثر تداعيات احتلال صدام حسين للكويت، ومن تم تحريرها على أيدي القوات الأمريكية فعلاً، وقوات التحالف اسماً. ثم جاءت (البشارة) على لسان كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق في منتصف التسعينات، ومن ثم على لسان كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية، والتي نلاحظ أن حماسها قد خفت للإصلاحات السياسية ومفاهيمها في الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
برزت مفاهيم الإصلاح السياسي مؤخراً في البلدان العربية إثر تداعيات احتلال صدام حسين للكويت، ومن تم تحريرها على أيدي القوات الأمريكية فعلاً، وقوات التحالف اسماً. ثم جاءت (البشارة) على لسان كولن باول وزير الخارجية الأمريكي السابق في منتصف التسعينات، ومن ثم على لسان كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية، والتي نلاحظ أن حماسها قد خفت للإصلاحات السياسية ومفاهيمها في الشرق الأوسط.
لقد كان الشعب في منطقة الخليج تواقاً إلى رياح ديمقراطية جديدة، يستطيع من خلالها التعبير عن مجاراته للعصر على الأقل، ولو بتردد. ولقد درج شعب الخليج على تلقي (ريع) النفط على هيئة ترقيات أو زيادات في الرواتب أو توزيع أراضي أو توزيع ثروات لعائلات محددة! وقد تكون الكويت الدولة الوحيدة في دول مجلس التعاون التي جربت الديمقراطية كنموذج حديث للإصلاحات السياسية، وسبقت بقية دول المجلس فيها.
• المفهوم العام للإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون
ظلت العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دول المجلس قائمة على مبدأ (التراضي) منذ عقدت العائلات الحاكمة اتفاقيات مصالحة و(نخوة) مع شعوب المنطقة، وذلك خلال الحكم العثماني أو مرحلة الوجود البريطاني بأشكاله المختلفة. وكانت هنالك عقود اجتماعية يدين الشعب فيها بالولاء للحاكم مقابل الحماية والأمن، وبعد النفط توطدت العلاقة نظراً لتقاربات مصالحية. لكن المفهوم الأوسع العلمي للإصلاح السياسي لم يتبلور إلاّ في دولة الكويت منذ منتصف الستينات، حيث كانت هنالك ممارسة ديمقراطية وهيئات مثل مجلس الأمة.
وفي مملكة البحرين شهدت أوائل السبعينات ولادة مجلس وطني إلا أنه حل دون أن يحقق المطالب الشعبية. وبعد استقلال دول الخليج – بداية السبعينات – بدأت دول المجلس بتشكيل مجالس شورى معينة – لها مقاربات مصالحية مع نظام الحكم – وكان هدفها تعضيد دور الحكومة، وتأمين التصدي لأية معارضات محلية. وبعض هذه المجالس كان شكلياً، ودوره استشاري وقراراته غير ملزمة للحاكم. وكانت جل هذه المجالس تدين بالولاء للحاكم، ولا تناقش قضايا تهم المجتمع، إلاّ تلك التي يحيلها الحاكم إليها بقصد الاستنارة ولربما – الوجاهة الإعلامية – دون التأثير في القرار السياسي.
هذا المفهوم اصطدم بمفاهيم الليبراليين المتعلمين في الخليج، الذين صوروا – هذه المجالس – على أنها (ديكورات) للدولة السياسية الجديدة، و(مسوغات) لانضمامها للأمم المتحدة ومؤسساتها. ولم يحدث فعلاً استشعار تلك المجالس لهموم المواطنين وقضاياهم، وحدثت في بعض دول مجلس التعاون أحداث عبّرت عن شعور بالامتعاض تجاه رفض الحكومات اجراء إصلاحات سياسية، وصلت إلى درجة الصدام الأمني، والزج في السجون، وذلك إبّان تشكيل الحركات الشعبية التي تؤمن بالكفاح المسلح ضد الوجود الأجنبي؛ ولقد سقط العديد من الضحايا في بعض دول المجلس جراء الصدام مع الأجهزة الأمنية، كما تم إقصاء أو نفي بعض رموز الحركات الإصلاحية إلى خارج المنطقة.
ولقد (عوّدت) الدول الخليجية شعوبها على مفاهيم محددة للإصلاح تتضمن تعليم المرأة، رعاية الشباب، الحفاظ على الأمن، تشجيع التجارة، رعاية الطفل حرية (مقننة) للإعلام، وهي مقاربات تنموية لا تصل إلى حد اعتبارها إصلاحات سياسية في المفهوم الأشمل. كما راعت بعض الدول – في التعيينات الوزارية التي يشكلها الحاكم – التوزيعات الطبقية و(الولائية) وصار أن (حرم) العديد من التكنوقراط المؤهلين من الحقائب الوزارية نظراً لضعف عمقهم العائلي مع قوة عمقهم العلمي و الإدراكي. ووصل الأمر في بعض البلدان إلى بقاء وزراء لعشرين عاماً أو أكثر، كما احتفظت الأنظمة بوزارات السيادة في العائلة الحاكمة.
ونخلص من هذا إلى أن مفهوم الإصلاح السياسي لم يقترب من الحالة التي نناقشها الآن وظل ضبابياً واحتفالياً.
• واقع النظام السياسي في دول مجلس التعاون
يتمثل هذا الواقع بقضية الولاء للحاكم – كما سبق – تعاقدياً دون أوراق، لكن هذا النموذج البسيط للعلاقة بين الحاكم والمحكوم تطور بعد تطور التعليم وظهور الجامعات، واتجاهات الحكومات إلى تحالفات – خصوصاً خلال الأزمات – مع الدول العظمى وأهمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وكان الخوف دائماً من وجود فراغ قوة بعد دخول السوفييت إلى أفغانستان، وانسحاب بريطانيا قبلها من الخليج وبروز(شاه إيران) كشرطي في الخليج.
وفي هذه المرحلة بدأت موجة من المطالبات بالإصلاحات السياسية في بعض دول الخليج العربية قبل إنشاء مجلس التعاون، لكنها جوبهت بالرفض، وبدأت الأنظمة في الانتباه للمد الماركسي، وقامت بعضها بتجنيد الدين كنوع من الرباط القوي الذي يحفظ أمن الأنظمة، لكن هذا التوريط جاء بنتائج عكسية حيث حدثت قلاقل أمنية في بعض الدول وخرج (الدينيون) على القضبان المرسومة لهم،وأظهرت الحقائق أن الذين دمروا برجي التجارة في نيويورك والأماكن الأخرى في الولايات المتحدة كان صناعة خليجية – وسعودية بالذات – وهنا برزت ثقافة العنف التي ساهم في تكريسها (ابن لادن) من جبال تورا بورا في أفغانستان، وحدث أن اصطدمت بعض الأنظمة برموز دينية إثر صدامات عنيفة هزت بعض الدول، كما ظهرت قلاقل أمنية في دول أخرى طالت الأماكن العامة والخاصة. وهنا تداعت بعض الدول إلى تقديم (منحة) إصلاحية للشعوب تمثلت في انتخابات حرة في بعض الدول وفي دخول المرأة إلى مجالس الشورى. وفي وضع دساتير حديثة في دول أخرى. وللأسف تم (تفصيل) بعض الدساتير وتفسيراتها لتكريس توجهات الأنظمة و(ضمان) سيطرة الحكومة على المجالس بأشكالها المختلفة، كل ذلك يدور في اتجاه والرموز السياسية المغيبة عن القرار السياسي تكمن في اتجاه آخر، ولقد كسبت – بعض الحكومات – بعض الأصوات لصالحها حتى في الانتخابات العامة، ولكن كما جرى في الكويت فإن التحالفات القبلية التي كانت يوماً (عضداً) للحكومة أصبحت في عداد المعارضة. تماماً كما حصل في البحرين فإن الأغلبية الإسلامية – بتعدد أسمائها – أضحت تنادي بإغلاق كثير من مظاهر السياحة والتطور في البلاد والعودة بالبلاد القهقرى! واليوم تجري في الإمارات انتخابات عامة لممثلين عن الشعب ولا نعلم إلى أين ستقود هذه التجربة؟ وقد حصلت انتخابات بلدية في قطر، دورتان للمجلس البلدي، كما حصلت انتخابات لمجلس الشورى في سلطنة عمان، وغرفة التجارة بالمملكة العربية السعودية.
والسؤال الأكثر إلحاحاً هنا، هل يسمح النظام السياسي في دول المجلس بممارسة إصلاحية، ونعني بها قيام المؤسسات وإحياء دور الرقابة على المال العام وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص؟ والجواب من الصعوبة بمكان (تخيل) حضول ذلك على الأقل في الوقت الراهن رغم وجود اتجاهات إيجابية محدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها ظواهر حقيقية نحو الإصلاح السياسي. في الوقت ذاته تظهر هنالك أصوات منددة بالأشكال الديمقراطية في المنطقة وتحبذ هذه الأصوات عدم الانجرار نحو المفاهيم الإصلاحية الغربية وضرورة الحفاظ على (شعرة) التفاهم مع الحاكم، فهي الأفضل، خصوصاً بعد تجربة كل الكويت والبحرين.
• منظمات المجتمع المدني في دول مجلس التعاون
هنالك تفاوت في دول المجلس حول تصنيفات هذه المؤسسات، ولا يوجد تعريف محدد وواضح لعمل أو مفهوم منظمات المجتمع المدني. طبعاً هنالك دساتير تحظر الأحزاب، وهنالك مؤسسات حكومية يديرها حكوميون وبيروقراطيون تعتبرها الحكومات من مؤسسات المجتمع المدني. والإشكالية الكبرى التي تواجه عمل مؤسسات المجتمع المدني أن تصاريح عمل هذه المؤسسات تصدرها الدولة، وقانونها الأساسي تضعه الدولة، وبالتالي فإن صفة المنظمة المدنية تنتفي عنها في هذه الحالة. ولابد من إعادة النظر في القوانين التي تحكم هذه المنظمات وتحديث الرؤى حول حقيقة عمل هذه المنظمات وحماية أفرادها من العسف الحكومي والملاحقات غير القانونية بل والسماح لها بالاتصال والتعاون مع المنظمات الدولية المماثلة.
• رؤية مستقبلية
الثقافة السياسية في دول مجلس التعاون – ولنقل بعضها – لا تزال مرتبطة بمحددات الانتفاع من الدولة الريعية، والولاء للوطن ينبع من الولاء للحاكم وليس في هذا خطل كبير، لكن الأمر في هذه المرحلة يتطلب المكاشفة – كما هو قانون غورباتشوف – وإعداد المجتمع الخليجي لمرحلة الانتخابات الحرة التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وتأسيس الانتخابات الحرة على قوانين متطورة لا تفرق في المعاملة السياسية بين مواطن وآخر، وضرورة السماح لمنظمات المجتمع المدني بالقيام بدورها بالشكل الحقيقي دون الحاجة إلى (وصاية) الدولة أو رقابتها، كما أن الإصلاح يشمل حرية الإعلام وقيام البرلمانات بأدوارها دون صناعة (لوبيات) تحقق تحالفات ضد مصلحة الشعوب، الأمر الذي يسمح بالتشكيك في عمل هذه البرلمانات. لكن تجربة كل من الكويت ومملكة البحرين تجعلنا نتخوف من تعارض أهداف الحكومة والمجلس (البرلمان) وهنا حتماً سيلجأ الطرف القوي إلى فرض شروطه وأحياناً الدكتاتورية تصلح كـ (دواء) عند استشراء الأمراض العضال.
::/fulltext::
::cck::2756::/cck::
