أمن الخليج والهند
::cck::2767::/cck::
::introtext::
نظراً للتجذر الحالي لدينامية العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند، يبدو من الواقعي الافتراض بأن تنظر دول منطقة الخليج إلى الهند كشريك مفضل لمعالجة المشكلات الأمنية التي تواجهها هذه المنطقة. إذ برزت الحاجة لاستراتيجيات بديلة في منطقة الخليج وإمكانية اضطلاع الهند بدور أمني فيها كنتيجة للتغييرات التي شهدها الجانبان.
::/introtext::
::fulltext::
نظراً للتجذر الحالي لدينامية العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند، يبدو من الواقعي الافتراض بأن تنظر دول منطقة الخليج إلى الهند كشريك مفضل لمعالجة المشكلات الأمنية التي تواجهها هذه المنطقة. إذ برزت الحاجة لاستراتيجيات بديلة في منطقة الخليج وإمكانية اضطلاع الهند بدور أمني فيها كنتيجة للتغييرات التي شهدها الجانبان.
في منطقة الخليج، أخفقت الولايات المتحدة في التعامل بفاعلية مع العراق وإيران. ونتيجةً لذلك، تسود حالياً مدرستان فكريتان في المنطقة: مدرسة تدعو إلى الحد من التدخل الأجنبي في المنطقة وأخرى تحث على توسيعه.
إن الذين يذهبون إلى القول إن المخرج من المأزق يتمثل في انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة هم الذين يشعرون بأن التدخل الأجنبي فاقم الأزمات، وأنّ رضا حكومات دول الخليج عن أدائها أكثر مما ينبغي حال دون خروجها بآليات محليّة لمنع وحل نزاعات المنطقة، وأبعدها عن اتخاذ أي إجراءات لبناء الثقة مع خصومها المحتملين.
لكن الوضع على الأرض لا يوحي بإمكانية الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من المنطقة. وهكذا يكمن البديل في توسيع عملية تدويل قضايا المنطقة، لكنّ وجهة النظر السائدة تقول إن (الولايات المتحدة أصبحت قوة مُستنفَدة ـ ليس على الصعيدين العسكري والاقتصادي وإنما على الصعيد السياسي). وبالتالي تريد دول مجلس التعاون الخليجي دراسة إمكانية بناء روابط اجتماعية واقتصادية وسياسية وثيقة مع دول أخرى لمواجهة الفكرة السائدة، التي تقول إنه لا أهمية إلا للقطب العسكري الأوحد (الولايات المتحدة).
في مؤتمر الحوار الخليجي الذي انعقد في مملكة البحرين في ديسمبر 2004، أبلغ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل المؤتمرين بأنه لا يمكن توفير ضمانات أمنية للخليج بصورة أحادية (حتى من جانب القوة العظمى الوحيدة في العالم)، وأشار إلى أن المنطقة بحاجة لضمانات أمنية (توفّرها الإرادة الجماعية للأسرة الدولية).
إن أحداث المنطقة التي أدت إلى ردود الفعل هذه ومثيلاتها هي التي دفعت دول مجلس التعاون لإقامة علاقات مع الدول الأوروبية والآسيوية، وتمتلك بعض هذه الدول عاملاً مشتركاً واحداً يتمثل في أنها قوى (كبرى نسبياً)، بمعنى أن وزنها السياسي يتعدى حدودها الجغرافية ولكنه لا يسمح لها بامتلاك طموحات عالمية. ومن مصلحة هذه الدول (الكبرى نسبياً) تطوير عالم متعدد الأقطاب قادر على مواجهة جهود أية دولة تسعى للهيمنة بمفردها على كوكبنا. وفيما طورت المنطقة علاقاتها الجديدة قامت أيضاً بربط مصالحها الاقتصادية واحتياجاتها الأمنية بهذه العلاقات. وبعيداً عن أهمية موارد الطاقة، تربط كبرى دول أوروبا وآسيا منطقة الخليج بقضايا تتعلق بالأمن العالمي، كانتشار الأسلحة النووية والجريمة والمخدرات والإرهاب ومدى تأثير هذه القضايا في سيناريوهاتها المحلية.
وعلى صعيد آخر، وبينما يبقى أمن الطاقة عاملاً حيوياً، تريد الهند حالياً توسيع تأثيرها ونفوذها في المنطقة، وبرز هذا المنظور الموسع للأمن الهندي بدافع الضرورة والطموح والفرصة السانحة. فرغبة الهند في الاضطلاع بدور قيادي تتزامن مع صعودها كقوة إقليمية رئيسية ذات تطلعات أبعد من حدودها الجغرافية. إذ حثّ كل من رئيس الوزراء الهندي السابق أتال بيهاري فاجبايي ورئيس الوزراء الهندي الحالي الدكتور مانموهان سينغ، على النظر إلى ما وراء الجوار القريب. وقال سينغ (إن منطقة الخليج جزء من العمق الطبيعي البعيد لاقتصادنا).
وبعد باكستان والصين وروسيا والولايات المتحدة، تحظى منطقة الخليج باهتمام الهند لضمان مواجهة أي تهديد بحري أو بري لها قد يأتي من تلك المنطقة، وكقاعدة لتأمين مصالحها ومكافحة الإرهاب والتطرف وللاستفادة من القدرة الاستثمارية الخليجية الضخمة. ومن خلال التركيز المباشر والبعيد على الخليج وترميم علاقاتها التقليدية مع دول الجوار تسعى الهند إلى معالجة (عجزها في أربعة مجالات) هي التاريخي والأمني والاقتصادي ومجال صنع القرار العالمي.
والأهم من ذلك كله هو أن الهند بدأت تتحدث الآن عن (النفوذ السياسي) والدبلوماسي ـ إن أمن دول الخليج والشرق الأوسط بأسره (هاجس أساسي) ونيودلهي جاهزة للمساهمة في استقرار المنطقة عبر مشاطرة خبرتها في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية والتدريب العسكري. وتؤكد الهند أن أحداث العراق ولّدت لديها القناعة بأن أي منطقة غير مستقرة سياسياً قد تتحول إلى أرض خصبة للإرهابيين.
وقال مستشار الأمن القومي الهندي إم كيه نارايانان (إن المحور الرئيسي لعلاقاتنا الخارجية اليوم هو ضمان الاستقرار والأمن في دول المنطقة التي تمتد من الخليج إلى شرق آسيا).
ولتحقيق هذا الهدف، بدأت الهند منذ عام 2001 بتعزيز قدراتها العسكرية. وفي زيارته إلى واشنطن قال وزير الخارجية الهندي السابق جاسوانت سينغ (نحن نتحدث عن إندونيسيا أو آسيا الوسطى أو الخليج لأنها تقع في دائرة اهتمامنا ونفوذنا). وعلى هذه الخلفية أطلقت الحكومة الهندية في عام 2003 (برنامجاً مدته عشرون سنة بهدف التحوّل إلى قوة عالمية تشعر بنفوذها منطقتا المحيط الهندي والخليج العربي وآسيا برمتها).
ولإبراز قدراتها وتحقيق أهدافها، تقوم المؤسسات العسكرية الهندية بتعزيز قدرات الهند العسكرية التقليدية بشكل لافت وتطور وسائل جديدة لإيصال الأسلحة النووية إلى أهدافها، بالإضافة إلى ابتكار أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية، وتخطط الهند لبناء المزيد من السفن الحربية وتعزيز القدرات اللوجستية العسكرية في آسيا الوسطى، فضلاً عن التفاوض مع الولايات المتحدة لإقامة نسخة آسيوية عن منظمة حلف شمالي الأطلسي. وجاء هذا كلّه في أعقاب انخراط الهند في مجال أمن الملاحة البحرية إلى جانب دول أوروبية وإفريقية وآسيوية وخليجية (عُمان)، بالإضافة إلى روسيا والولايات المتحدة. ليس هذا وحسب، بل لقد نشطت قوات خفر السواحل والبحرية الهندية بشكل لافت في مجالات مكافحة القرصنة والإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية وعمليات التحرك السريع، وبرز ذلك بجلاء بعد كارثة (تسونامي) التي وقعت في عام 2004.
وهناك دور رئيسي لقوات البحرية الهندية في هذا البرنامج العسكري الطموح، إذ لا تهدف هذه القوات فقط للتمكن من القيام بدوريات في البحار، وإنما تسعى لامتلاك القدرة على حشد و(نشر قوات بحجم فرقة في نقاط استراتيجية مختلفة بعد استلام إشعار بفترة قصيرة، وإخلاء هذه القوات بسرعة من نقاط الإنزال أو الانتشار قبل حدوث أي رد فاعل من جانب العدو). ويُستدل من هذا البرنامج الواسع أنه صُمم لضمان إمكانية تدخّل الهند عسكرياً في البلدان التي تقع ضمن (دائرة نفوذها).
وانعكست هذه الخطط في العقيدة العسكرية البحرية التي تبنتها الحكومة الهندية في عام 2004. وبحسب دراسة أجرتها الكلية الحربية الأمريكية، (بينما كانت عقيدة الهند السابقة تركّز على الاستراتيجيات الانكفائية، تسعى العقيدة الجديدة للتعامل مع أي نزاع محتمل قد ينشب مع أي قوة من خارج الحدود الإقليمية وحماية الأفراد ذوي الأصول هندية ومصالح الهند في الخارج)، الأمر الذي قد يضع الخليج مجدداً في دائرة الاهتمام الهندي.
وفي ظل نظرة الهند إلى الخليج وجنوب آسيا وآسيا الوسطى كَـ(مناطق متفاعلة ومترابطة استراتيجياً)، يبدو أن الوقت حان لكي يبادل مجلس التعاون الخليجي الهند بموقف يتناسب مع هذه النظرة. ونظراً لانتشار مشاعر العداء للغرب في صفوف الكثيرين من العرب حالياً، بسبب ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق قد يكون الوقت مناسباً للارتقاء بالعلاقات الخليجية ـ الهندية لتتعدى حدود الميدان الاقتصادي.
ولا شك في أن علاقاتٍ خليجية ـ هندية تقوم فقط على أساس بيع وشراء النفط ستظل علاقات هشّة نسبياً، إذ يتعيّن على دول مجلس التعاون الخليجي الالتفات إلى حقيقة أنّ بدائل الهند لجهة مصدّري موارد الطاقة تتزايد، فقد بات من الوارد أن تحذو الهند حذو الولايات المتحدة التي تحصل من إفريقيا على واردات نفطية تفوق تلك التي تحصل عليها من الشرق الأوسط، أو الاقتداء بالصين التي تفوق وارداتها النفطية من أنغولا تلك التي تأتيها من المملكة العربية السعودية.
لكن التحدي الحقيقي في عملية التقدم يكمن في كيفية تحويل القوة العسكرية الهندية إلى عامل داعم لأمن منطقة الخليج. ومن الممكن حلحلة معضلات منطقة الخليج إن طورت دول مجلس التعاون الخليجي والهند أفكاراً جديدة خاصة بالأمن الجماعي تتجاوز محدوديات وقيود النماذج الأمنية القديمة. ولكن عبر التعبير عن رغبتها في الاضطلاع بدور فاعل من خلال مشاركة خبرتها في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية والتدريب العسكري، ربما تكون نيودلهي قد حددت أيضاً مدى رغبتها في الانخراط في هذا المضمار. وفي الحقيقة، يبدو أن الهند لن تستطيع الانخراط أمنياً في منطقة الخليج بالقدر الكافي لمعالجة الهموم الأمنية بعيدة المدى لدول هذه المنطقة.
وفي الوقت نفسه، يجب على أي دراسة حول الدور الأمني الهندي المحتمل في منطقة الخليج أن تتناول العديد من المسائل المتعلقة بمدى الحكمة من توسيع التعاون الخليجي مع الهند ليتعدى الجانبين السياسي والدبلوماسي، والجدوى الفعلية التي قد يجلبها مثل هذا الدور، بالإضافة إلى استطلاع الرأي العام في كلا الجانبين وتقييم رد الفعل الأمريكي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2767::/cck::
::introtext::
نظراً للتجذر الحالي لدينامية العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند، يبدو من الواقعي الافتراض بأن تنظر دول منطقة الخليج إلى الهند كشريك مفضل لمعالجة المشكلات الأمنية التي تواجهها هذه المنطقة. إذ برزت الحاجة لاستراتيجيات بديلة في منطقة الخليج وإمكانية اضطلاع الهند بدور أمني فيها كنتيجة للتغييرات التي شهدها الجانبان.
::/introtext::
::fulltext::
نظراً للتجذر الحالي لدينامية العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والهند، يبدو من الواقعي الافتراض بأن تنظر دول منطقة الخليج إلى الهند كشريك مفضل لمعالجة المشكلات الأمنية التي تواجهها هذه المنطقة. إذ برزت الحاجة لاستراتيجيات بديلة في منطقة الخليج وإمكانية اضطلاع الهند بدور أمني فيها كنتيجة للتغييرات التي شهدها الجانبان.
في منطقة الخليج، أخفقت الولايات المتحدة في التعامل بفاعلية مع العراق وإيران. ونتيجةً لذلك، تسود حالياً مدرستان فكريتان في المنطقة: مدرسة تدعو إلى الحد من التدخل الأجنبي في المنطقة وأخرى تحث على توسيعه.
إن الذين يذهبون إلى القول إن المخرج من المأزق يتمثل في انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة هم الذين يشعرون بأن التدخل الأجنبي فاقم الأزمات، وأنّ رضا حكومات دول الخليج عن أدائها أكثر مما ينبغي حال دون خروجها بآليات محليّة لمنع وحل نزاعات المنطقة، وأبعدها عن اتخاذ أي إجراءات لبناء الثقة مع خصومها المحتملين.
لكن الوضع على الأرض لا يوحي بإمكانية الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية من المنطقة. وهكذا يكمن البديل في توسيع عملية تدويل قضايا المنطقة، لكنّ وجهة النظر السائدة تقول إن (الولايات المتحدة أصبحت قوة مُستنفَدة ـ ليس على الصعيدين العسكري والاقتصادي وإنما على الصعيد السياسي). وبالتالي تريد دول مجلس التعاون الخليجي دراسة إمكانية بناء روابط اجتماعية واقتصادية وسياسية وثيقة مع دول أخرى لمواجهة الفكرة السائدة، التي تقول إنه لا أهمية إلا للقطب العسكري الأوحد (الولايات المتحدة).
في مؤتمر الحوار الخليجي الذي انعقد في مملكة البحرين في ديسمبر 2004، أبلغ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل المؤتمرين بأنه لا يمكن توفير ضمانات أمنية للخليج بصورة أحادية (حتى من جانب القوة العظمى الوحيدة في العالم)، وأشار إلى أن المنطقة بحاجة لضمانات أمنية (توفّرها الإرادة الجماعية للأسرة الدولية).
إن أحداث المنطقة التي أدت إلى ردود الفعل هذه ومثيلاتها هي التي دفعت دول مجلس التعاون لإقامة علاقات مع الدول الأوروبية والآسيوية، وتمتلك بعض هذه الدول عاملاً مشتركاً واحداً يتمثل في أنها قوى (كبرى نسبياً)، بمعنى أن وزنها السياسي يتعدى حدودها الجغرافية ولكنه لا يسمح لها بامتلاك طموحات عالمية. ومن مصلحة هذه الدول (الكبرى نسبياً) تطوير عالم متعدد الأقطاب قادر على مواجهة جهود أية دولة تسعى للهيمنة بمفردها على كوكبنا. وفيما طورت المنطقة علاقاتها الجديدة قامت أيضاً بربط مصالحها الاقتصادية واحتياجاتها الأمنية بهذه العلاقات. وبعيداً عن أهمية موارد الطاقة، تربط كبرى دول أوروبا وآسيا منطقة الخليج بقضايا تتعلق بالأمن العالمي، كانتشار الأسلحة النووية والجريمة والمخدرات والإرهاب ومدى تأثير هذه القضايا في سيناريوهاتها المحلية.
وعلى صعيد آخر، وبينما يبقى أمن الطاقة عاملاً حيوياً، تريد الهند حالياً توسيع تأثيرها ونفوذها في المنطقة، وبرز هذا المنظور الموسع للأمن الهندي بدافع الضرورة والطموح والفرصة السانحة. فرغبة الهند في الاضطلاع بدور قيادي تتزامن مع صعودها كقوة إقليمية رئيسية ذات تطلعات أبعد من حدودها الجغرافية. إذ حثّ كل من رئيس الوزراء الهندي السابق أتال بيهاري فاجبايي ورئيس الوزراء الهندي الحالي الدكتور مانموهان سينغ، على النظر إلى ما وراء الجوار القريب. وقال سينغ (إن منطقة الخليج جزء من العمق الطبيعي البعيد لاقتصادنا).
وبعد باكستان والصين وروسيا والولايات المتحدة، تحظى منطقة الخليج باهتمام الهند لضمان مواجهة أي تهديد بحري أو بري لها قد يأتي من تلك المنطقة، وكقاعدة لتأمين مصالحها ومكافحة الإرهاب والتطرف وللاستفادة من القدرة الاستثمارية الخليجية الضخمة. ومن خلال التركيز المباشر والبعيد على الخليج وترميم علاقاتها التقليدية مع دول الجوار تسعى الهند إلى معالجة (عجزها في أربعة مجالات) هي التاريخي والأمني والاقتصادي ومجال صنع القرار العالمي.
والأهم من ذلك كله هو أن الهند بدأت تتحدث الآن عن (النفوذ السياسي) والدبلوماسي ـ إن أمن دول الخليج والشرق الأوسط بأسره (هاجس أساسي) ونيودلهي جاهزة للمساهمة في استقرار المنطقة عبر مشاطرة خبرتها في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية والتدريب العسكري. وتؤكد الهند أن أحداث العراق ولّدت لديها القناعة بأن أي منطقة غير مستقرة سياسياً قد تتحول إلى أرض خصبة للإرهابيين.
وقال مستشار الأمن القومي الهندي إم كيه نارايانان (إن المحور الرئيسي لعلاقاتنا الخارجية اليوم هو ضمان الاستقرار والأمن في دول المنطقة التي تمتد من الخليج إلى شرق آسيا).
ولتحقيق هذا الهدف، بدأت الهند منذ عام 2001 بتعزيز قدراتها العسكرية. وفي زيارته إلى واشنطن قال وزير الخارجية الهندي السابق جاسوانت سينغ (نحن نتحدث عن إندونيسيا أو آسيا الوسطى أو الخليج لأنها تقع في دائرة اهتمامنا ونفوذنا). وعلى هذه الخلفية أطلقت الحكومة الهندية في عام 2003 (برنامجاً مدته عشرون سنة بهدف التحوّل إلى قوة عالمية تشعر بنفوذها منطقتا المحيط الهندي والخليج العربي وآسيا برمتها).
ولإبراز قدراتها وتحقيق أهدافها، تقوم المؤسسات العسكرية الهندية بتعزيز قدرات الهند العسكرية التقليدية بشكل لافت وتطور وسائل جديدة لإيصال الأسلحة النووية إلى أهدافها، بالإضافة إلى ابتكار أنظمة دفاعية مضادة للصواريخ التي تحمل رؤوساً نووية، وتخطط الهند لبناء المزيد من السفن الحربية وتعزيز القدرات اللوجستية العسكرية في آسيا الوسطى، فضلاً عن التفاوض مع الولايات المتحدة لإقامة نسخة آسيوية عن منظمة حلف شمالي الأطلسي. وجاء هذا كلّه في أعقاب انخراط الهند في مجال أمن الملاحة البحرية إلى جانب دول أوروبية وإفريقية وآسيوية وخليجية (عُمان)، بالإضافة إلى روسيا والولايات المتحدة. ليس هذا وحسب، بل لقد نشطت قوات خفر السواحل والبحرية الهندية بشكل لافت في مجالات مكافحة القرصنة والإغاثة أثناء الكوارث الطبيعية وعمليات التحرك السريع، وبرز ذلك بجلاء بعد كارثة (تسونامي) التي وقعت في عام 2004.
وهناك دور رئيسي لقوات البحرية الهندية في هذا البرنامج العسكري الطموح، إذ لا تهدف هذه القوات فقط للتمكن من القيام بدوريات في البحار، وإنما تسعى لامتلاك القدرة على حشد و(نشر قوات بحجم فرقة في نقاط استراتيجية مختلفة بعد استلام إشعار بفترة قصيرة، وإخلاء هذه القوات بسرعة من نقاط الإنزال أو الانتشار قبل حدوث أي رد فاعل من جانب العدو). ويُستدل من هذا البرنامج الواسع أنه صُمم لضمان إمكانية تدخّل الهند عسكرياً في البلدان التي تقع ضمن (دائرة نفوذها).
وانعكست هذه الخطط في العقيدة العسكرية البحرية التي تبنتها الحكومة الهندية في عام 2004. وبحسب دراسة أجرتها الكلية الحربية الأمريكية، (بينما كانت عقيدة الهند السابقة تركّز على الاستراتيجيات الانكفائية، تسعى العقيدة الجديدة للتعامل مع أي نزاع محتمل قد ينشب مع أي قوة من خارج الحدود الإقليمية وحماية الأفراد ذوي الأصول هندية ومصالح الهند في الخارج)، الأمر الذي قد يضع الخليج مجدداً في دائرة الاهتمام الهندي.
وفي ظل نظرة الهند إلى الخليج وجنوب آسيا وآسيا الوسطى كَـ(مناطق متفاعلة ومترابطة استراتيجياً)، يبدو أن الوقت حان لكي يبادل مجلس التعاون الخليجي الهند بموقف يتناسب مع هذه النظرة. ونظراً لانتشار مشاعر العداء للغرب في صفوف الكثيرين من العرب حالياً، بسبب ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق قد يكون الوقت مناسباً للارتقاء بالعلاقات الخليجية ـ الهندية لتتعدى حدود الميدان الاقتصادي.
ولا شك في أن علاقاتٍ خليجية ـ هندية تقوم فقط على أساس بيع وشراء النفط ستظل علاقات هشّة نسبياً، إذ يتعيّن على دول مجلس التعاون الخليجي الالتفات إلى حقيقة أنّ بدائل الهند لجهة مصدّري موارد الطاقة تتزايد، فقد بات من الوارد أن تحذو الهند حذو الولايات المتحدة التي تحصل من إفريقيا على واردات نفطية تفوق تلك التي تحصل عليها من الشرق الأوسط، أو الاقتداء بالصين التي تفوق وارداتها النفطية من أنغولا تلك التي تأتيها من المملكة العربية السعودية.
لكن التحدي الحقيقي في عملية التقدم يكمن في كيفية تحويل القوة العسكرية الهندية إلى عامل داعم لأمن منطقة الخليج. ومن الممكن حلحلة معضلات منطقة الخليج إن طورت دول مجلس التعاون الخليجي والهند أفكاراً جديدة خاصة بالأمن الجماعي تتجاوز محدوديات وقيود النماذج الأمنية القديمة. ولكن عبر التعبير عن رغبتها في الاضطلاع بدور فاعل من خلال مشاركة خبرتها في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة البحرية والتدريب العسكري، ربما تكون نيودلهي قد حددت أيضاً مدى رغبتها في الانخراط في هذا المضمار. وفي الحقيقة، يبدو أن الهند لن تستطيع الانخراط أمنياً في منطقة الخليج بالقدر الكافي لمعالجة الهموم الأمنية بعيدة المدى لدول هذه المنطقة.
وفي الوقت نفسه، يجب على أي دراسة حول الدور الأمني الهندي المحتمل في منطقة الخليج أن تتناول العديد من المسائل المتعلقة بمدى الحكمة من توسيع التعاون الخليجي مع الهند ليتعدى الجانبين السياسي والدبلوماسي، والجدوى الفعلية التي قد يجلبها مثل هذا الدور، بالإضافة إلى استطلاع الرأي العام في كلا الجانبين وتقييم رد الفعل الأمريكي.
::/fulltext::
::cck::2767::/cck::
