هل يقود الحوار السعودي – الإيراني إلى نتائج إيجابية؟
::cck::2770::/cck::
::introtext::
أدت الأزمتان العراقية واللبنانية والاقتتال الطائفي الدائر وتفجر الأوضاع التي تهدد بحرب طائفية بين السنة والشيعة إلى جلوس الطرفين السعودي كـ (ممثل للسنة) والإيراني كـ (ممثل للشيعة) للتباحث والتوصل إلى حلول تطفئ نيران الحروب الأهلية في العراق ولبنان، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق ضمني حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين.
::/introtext::
::fulltext::
أدت الأزمتان العراقية واللبنانية والاقتتال الطائفي الدائر وتفجر الأوضاع التي تهدد بحرب طائفية بين السنة والشيعة إلى جلوس الطرفين السعودي كـ (ممثل للسنة) والإيراني كـ (ممثل للشيعة) للتباحث والتوصل إلى حلول تطفئ نيران الحروب الأهلية في العراق ولبنان، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق ضمني حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين.
مع ظهور الحرب الأهلية بالفعل في العراق، وظهور بوادرها بصورة ما في لبنان، والتوقعات بأن تلحق بها أزمات طائفية أخرى مستقبلاً تطال المنطقة وخاصة دول الخليج التي توجد فيها أقليات شيعية كبيرة نسبياً، أصبحت هذه الحاجة للقاء الطرفين، السعودي والإيراني، وجهاً لوجه حاجة ملحة وضرورية تخدم كلا الطرفين وتبعد شبح الحرب عن المنطقة ككل.
وعلى الرغم من التوترات الشديدة التي شابت العلاقات بين السعودية وإيران خلال الفترة الماضية على خلفية التطورات التي لحقت بملفات العراق ولبنان وفلسطين والبرنامج النووي الإيراني، فإنه كان هناك دائماً أساس للتفاهم بين البلدين يمتد إلى عام 1997، وعكست الاتصالات اقتناعاً من الجانب السعودي بأن الحوار المباشر مع إيران ربما يكون هو الطريق الأفضل من أجل تسوية الخلافات ونزع فتيل التوتر من أزمات المنطقة، وأن تغييب هذا الحوار يزيد الأمور تعقيداً في ظل التغلغل الإيراني الكبير في الساحتين العراقية واللبنانية، على وجه الخصوص، وما تمتلكه طهران من أوراق سياسية لا يمكن تجاهلها، وإلا تعرضت المنطقة كلها إلى الانفجار. أما إيران من جانبها، فإنها ترى في أي حوار عربي معها بشأن قضايا المنطقة بمنزلة اعتراف بدورها الإقليمي الذي تسعى إلى تأكيده، ودفع القوى الدولية والإقليمية إلى الاعتراف به.
دوافع التفاهم السعودي – الإيراني
يمكن القول إن أسباب هذا التحرك السريع والتنسيق السعودي – الإيراني، الذي بدأ خاصة في لبنان، ترجع إلى جملة مخاوف لدى الطرفين والحاجة لتفادي كوارث سابقة في منطقة الخليج مثل حروب الخليج (الأولى) (1980-1988)، ثم (الثانية) 1990 و(الثالثة) 2003، لأن الرابعة – ضد إيران – لو وقعت فسوف تكون أبعادها وأخطر عسكرياً وإقليمياً وأيديولوجياً.
وبشكل عام يمكن رصد بعض هذه الأسباب التي سرعت وسهّلت التنسيق فيما يلي:
1- تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران والتهديدات بحرب خاصة في ظل التسريبات العسكرية الأمريكية عن نية بوش في ضرب إيران قبل نهاية ولايته الثانية، والسيناريو الذي نشرته صحيفة الـ (صاندي تايمز) عن ضربة نووية إسرائيلية مدعومة أمريكياً، وهو ما يظهر بالتالي حاجة طهران للتفاهم مع دول الجوار والدول العربية الكبرى التي قد تشارك بصورة أو بأخرى في السيناريو الأمريكي لتوجيه ضربة لها، سواء بالتهديد بعواقب هذا التعاون مع المخططات الأمريكية أو بالسعي لطمأنة هذه الدول.
2- استشعار السعودية أن هناك مخاطر حقيقية وتدخلات دولية في العراق ولبنان، وربما نوايا لضرب إيران، قد تؤدي في النهاية إلى كارثة على السنة والشيعة على السواء، وتعرض أمن منطقة الخليج ككل للدمار في حالة وقوع ضربة أمريكية ضد إيران تهدد كل المنطقة بحالة خراب ودمار خاصة أن خطط الانتقام الإيراني تضع آبار البترول الخليجية في مرمى نيران الرد الإيراني، فضلاً عن مخاوف التلوث النووي لو نفذت الخطة الإسرائيلية بقنبلة نووية محدودة تزن طناً واحداً (هيروشيما بلغت 15 طناً).
3- باتت السعودية أكثر إدراكاً أن إدارة الرئيس بوش تعاني من تخبط في مرحلة نهاية الحكم وتسعى للانتقام من إيران، كما فعلت في العراق من دون أي حسابات عاقلة للمكاسب أو الخسائر، ودون اعتبار لمصالح حلفائها العرب في الخليج، وتدرك أنه سواء شاركت أم رفضت فسوف يطالها الغضب الإيراني، وسوف تظهر بوادر قلاقل طائفية بين الأقليات الشيعية.
4- تحدث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بوضوح في المؤتمر الصحفي المشترك مع كوندوليزا رايس عن المخاوف من أن (نيران التوتر الطائفي لم تعد تحت الرماد بل خرجت إلى السطح في العراق)، وأعرب عن (القلق الشديد من آثار انتشارها في المنطقة). كذلك لاحظ مراقبون أن الفيصل تخلى عن لهجة التصعيد التي تبناها ضد إيران في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، والتي حذر خلالها ضمنياً من الخطر الإيراني على القومية العربية.
5- انتعاش الجناح المعتدل في إيران على حساب الجناح المتشدد الذي يمثله الرئيس محمود أحمدي نجاد، خاصة في أعقاب فوز هذا التيار المعتدل في الانتخابات البلدية مؤخراً على التيار المتشدد. وربما شجع هذا التطور السعودية على الحوار والتنسيق مع إيران لا سيما أن الدعوة للحوار من إيران جاءت من جانب المعتدلين، كما أن من يقود الحوار الإيراني هو رمز محافظ (علي لاريجاني).
6- هناك ما يمكن تسميته (حالة استنفار) سعودية منذ فترة في أعقاب وصول النفوذ الإيراني لفنائها الخلفي في العراق، وتمدده لقلب العالم العربي في ظل غياب الدول العربية الكبرى، ومخاوف من أن يكون هذا الدور قد تغلغل بالفعل في السنوات الماضية منذ الغزو الأمريكي في ظل إحجام العرب عن التدخل، ولهذا جاء التحرك السعودي متعدداً تجاه طهران وواشنطن والعالم العربي، وخرج أكثر من مبعوث وبدأ التنسيق بالفعل مع إيران في ما يخص أزمة لبنان باعتبار أنها أخف وطأة من حالة العراق.
مطالب متبادلة
كشفت المصادر عن واقع ما حققته التفاهمات السعودية – الإيرانية، والسعودية – الأمريكية، التي يقودها الأمير بندر بن سلطان وعلي لاريجاني، المسؤولان عن مجلسي الأمن القومي في كل من المملكة العربية السعودية وإيران. على أن النقاط المهمة لدى المملكة في مباحثاتها مع إيران، والتي ترغب المملكة في تحقيق تقدم جوهري وإيجابي في الأداء الإيراني حيالها، تحييد الموضوع اللبناني عن ملفات المنطقة، بحيث إن إيران وبالرغم من وقوفها إلى جانب العودة إلى التهدئة وتجنب العنف والقتال، تتمسك بأن يندرج الحل على الصعيد اللبناني في إطار سلة إقليمية تشمل المواضيع المطروحة كافة في المنطقة، ومن بين ذلك فلسطين والعراق وصولاً إلى الملف النووي الإيراني، بما يعكس رغبة إيران في الاستفادة من فرصة وجود حوار غير مباشر بينها وبين الولايات المتحدة. وبالتالي تحاول إيران التعامل مع هذه الفرصة بطرح مواقف تفاوضية، جرى نقلها إلى الإدارة الأمريكية عبر زيارة الأمير بندر واللقاءات المغلقة التي عقدها في واشنطن، وقصد بعدها روسيا الاتحادية، حيث أجرى محادثات مع المسؤولين الكبار فيها، تناولت كل المواضيع المطروحة في المسألة اللبنانية، والتحضيرات للقمة السعودية ـ الروسية التي عقدت مؤخراً في الرياض. كما أن رغبة المملكة في التفاهم مع إيران على مختلف القضايا المطروحة لاسيما لبنان قبل انعقاد القمة العربية العادية في الرياض في نهاية مارس 2007، بحيث يفترض أن يحصل تطور في الأداء الإيراني قبل القمة، الأمر الذي يساعد المملكة على تأدية الدور المطلوب في الملفات العربية الشائكة عبر الحل العربي، حيث إن المملكة تعتقد أن إيران تؤيد التعاون في هذا الإطار، ولا تقف ضد الموقف السعودي، الذي يفضل حل الأمور بهدوء وتفاهم، وأن إيفاد الأمير بندر تحديداً إلى طهران يشكل في حد ذاته رسالة تعني أن المسعى السعودي جدي وحساس، ويفهم الإيرانيون أنه لا يمكن مقابلة هذا النوع من التحرك إلا بتقديم مواقف جدية، وما نقل عن إيران إثر زيارته إليها هو استعدادها للتعاون في الملف اللبناني لتحل الأمور مع ضرورة إعطاء فئة كبيرة من اللبنانيين مطالبها.
ولوحظ أن الطلب الإيراني المباشر للسعودية بالتدخل للوساطة مع الولايات المتحدة وتخفيف حدة التوتر، قابله رد فعل سعودي إيجابي مباشر، وكأن كل طرف كان ينتظر الخطوة الأولى من الطرف الثاني أو كيفية تنسيق هذه اللقاءات وجدول الأعمال. فإيران من جهتها طلبت من السعودية في بداية الأمر (في رسالة بعث بها الزعيم الروحي أية الله علي خامنئي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد) المساعدة على تخفيف حدة التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، في رسالة سلمها علي لاريجاني كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات النووية إلى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وظهر رد الفعل السعودي في صورة زيارة الأمير بندر بن سلطان الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي إلى طهران، حيث ركز على مسألة البحث عن حلول لقضيتي العراق ولبنان لضمان استبعاد التدخل الدولي فيهما، وأسفر هذا عن تفاهم ضمني بين البلدين حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين. ومع أن التسريبات الإعلامية كشفت عن أن كلا الطرفين الإيراني والسعودي كشفا أوراقهما بوضوح غير معهود أمام بعضهما البعض بالحاجة لوضع حلول فورية لأزمات مشتعلة في العراق ولبنان، فإنها أظهرت ضمناً مخاوف الطرفين الحقيقية من اشتعال النيران في المنطقة بفعل هذا الشحن الطائفي ومخاطر تركها للتدخلات الأمريكية التي لا تعي سوى مصالحها النفطية، حيث تركزت المطالب الإيرانية على وساطة سعودية مع أمريكا للتهدئة، وأن علي لاريجاني سلم العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز رسالة أكدت على رغبة إيران في التعاون، إلا أنها حملت تحذيرات ضمنية من عواقب الانخراط في الحملة الدبلوماسية الإعلامية والعسكرية الأمريكية ضد طهران لاسيما في ظل توقع أن تشارك دول الخليج في عمليات التنسيق مع الغرب في حالة وقوع أي ضربة لإيران كما حدث في الحالة العراقية، كما قدم الأمير بندر وعوداً شفهية للإيرانيين بوقف فتاوى أصدرها علماء سعوديون بـ (تكفير) الشيعة، كما وعد بتهدئة الحملات المعادية لطهران في وسائل الإعلام السعودية، والتي بلغت ذروتها أثناء جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للمنطقة، حيث تحرص المملكة العربية السعودية على التحرك بقوة في لبنان – مع الجامعة العربية ومصر – لطرح أو فرض حلول وسطية تنهي أزمة حكومة السنيورة ووقف التصعيد بعيداً عن الترصد الغربي وتصيد عملاء تل أبيب للمعارك هناك لإشعال حرب أهلية تستهدف الشيعة والسنة معاً.
وعلى الجانب المقابل، فقد تركزت المطالب السعودية على تفعيل فتوى لمرشد الثورة الإيرانية خامنئي بحظر سب الصحابة لعدم إثارة علماء السنة، والسعي لعدم التأثير في ما يجري في العراق ولبنان، خاصة أن هناك تقارير لسنة العراق تؤكد وجود استخباري إيراني قوي في العراق لا سيما في الجنوب، وهو ما بدأت تتنبه له إدارة بوش فصدرت تعليمات (اعتقل أو اقتل) التي أطلقها بوش هذا الأسبوع ضد (عملاء إيران) في العراق. كما احتوت المطالب السعودية على بناء الثقة بين إيران ودول الخليج، والسعي لتفاهم مشترك بين البلدين يقضي باعتراف متبادل بالحد الأدنى من المشكلات المثارة ووضع حلول لها لاسيما المخاوف الخليجية – التي عبرت عنها القمم الخليجية الأخيرة – من (التهديد النووي الإيراني) أو (التمدد الشيعي) أو (التبشير بالتشيع).
وأخيراً فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو هل يمكن أن يقود الحوار السعودي – الإيراني إلى نتائج إيجابية بخصوص الملفات العالقة بين الجانبين؟
المعلومات التي ترشح عن اللقاءات بين الرياض وطهران تشير إلى أن التركيز بالأساس هو على الملف اللبناني، إلا أنه في ظل ترابط وتداخل الملفات، فإنها تصبح كلها مادة للبحث والنقاش بين الطرفين. وعلى الرغم من التفاؤل الذي يبديه البعض تجاه هذه الاتصالات، فإن هناك العديد من الاعتبارات التي تدعو إلى الحذر من الإفراط في التفاؤل، أهمها:
* بالنظر إلى الارتباط القوي بين ملفات المنطقة، فإن إيران تحرص على عدم التسويات المنفردة لها، لأنها تضعف موقفها وتجردها من أوراقها، وتعمل من أجل تسوية مترابطة تحقق طموحاتها الإقليمية. فالدور الإيراني في العراق وفي لبنان وفلسطين هو أوراق تستخدمها طهران في اختبار القوة مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني. وعلى ذلك فإن الأمر لا يتعلق بأزمة أو خلاف سعودي – إيراني فقط، وإنما بمواجهة إيرانية – أمريكية في الأساس، وهذا يقود إلى القول إن غياب الولايات المتحدة عن أي حوار مع طهران يثير الكثير من الشكوك حول نجاحه وتحقيق أهدافه.
* وحتى مع حصر المسألة في بعدها الإقليمي دون الدولي، فإن الحوار السعودي – الإيراني يبدو محاطاً بالكثير من العقبات. فإذا كانت إيران والسعودية مشتبكتين بشكل مباشر في ملفي لبنان والعراق وفلسطين، فإن هناك أطرافاً أخرى لها أهميتها الكبيرة في التأثير في مسار الأحداث في هذه الملفات، تأتي على رأسها سوريا التي تشير التقديرات إلى أنه لا تسوية في لبنان على وجه الخصوص من دون التفاهم معها.
* الخط التصعيدي في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران يشير إلى أن واشنطن لا تريد أن تبدو وكأنها تكافئ طهران على تشددها، وهذا يعني أنها ربما تكون غير مرحبة بحوارها مع السعودية. وفي ظل غياب الموافقة الأمريكية على هذا الحوار، فإنه يمكن أن يواجه العديد من المشكلات، لأن القضايا محل النقاش فيه تمسك واشنطن بالكثير من خيوطها الرئيسية التي يمكن أن تحركها في الاتجاه الذي تريد لمصلحة الحوار السعودي – الإيراني أو ضده.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2770::/cck::
::introtext::
أدت الأزمتان العراقية واللبنانية والاقتتال الطائفي الدائر وتفجر الأوضاع التي تهدد بحرب طائفية بين السنة والشيعة إلى جلوس الطرفين السعودي كـ (ممثل للسنة) والإيراني كـ (ممثل للشيعة) للتباحث والتوصل إلى حلول تطفئ نيران الحروب الأهلية في العراق ولبنان، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق ضمني حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين.
::/introtext::
::fulltext::
أدت الأزمتان العراقية واللبنانية والاقتتال الطائفي الدائر وتفجر الأوضاع التي تهدد بحرب طائفية بين السنة والشيعة إلى جلوس الطرفين السعودي كـ (ممثل للسنة) والإيراني كـ (ممثل للشيعة) للتباحث والتوصل إلى حلول تطفئ نيران الحروب الأهلية في العراق ولبنان، حيث توصل الطرفان إلى اتفاق ضمني حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين.
مع ظهور الحرب الأهلية بالفعل في العراق، وظهور بوادرها بصورة ما في لبنان، والتوقعات بأن تلحق بها أزمات طائفية أخرى مستقبلاً تطال المنطقة وخاصة دول الخليج التي توجد فيها أقليات شيعية كبيرة نسبياً، أصبحت هذه الحاجة للقاء الطرفين، السعودي والإيراني، وجهاً لوجه حاجة ملحة وضرورية تخدم كلا الطرفين وتبعد شبح الحرب عن المنطقة ككل.
وعلى الرغم من التوترات الشديدة التي شابت العلاقات بين السعودية وإيران خلال الفترة الماضية على خلفية التطورات التي لحقت بملفات العراق ولبنان وفلسطين والبرنامج النووي الإيراني، فإنه كان هناك دائماً أساس للتفاهم بين البلدين يمتد إلى عام 1997، وعكست الاتصالات اقتناعاً من الجانب السعودي بأن الحوار المباشر مع إيران ربما يكون هو الطريق الأفضل من أجل تسوية الخلافات ونزع فتيل التوتر من أزمات المنطقة، وأن تغييب هذا الحوار يزيد الأمور تعقيداً في ظل التغلغل الإيراني الكبير في الساحتين العراقية واللبنانية، على وجه الخصوص، وما تمتلكه طهران من أوراق سياسية لا يمكن تجاهلها، وإلا تعرضت المنطقة كلها إلى الانفجار. أما إيران من جانبها، فإنها ترى في أي حوار عربي معها بشأن قضايا المنطقة بمنزلة اعتراف بدورها الإقليمي الذي تسعى إلى تأكيده، ودفع القوى الدولية والإقليمية إلى الاعتراف به.
دوافع التفاهم السعودي – الإيراني
يمكن القول إن أسباب هذا التحرك السريع والتنسيق السعودي – الإيراني، الذي بدأ خاصة في لبنان، ترجع إلى جملة مخاوف لدى الطرفين والحاجة لتفادي كوارث سابقة في منطقة الخليج مثل حروب الخليج (الأولى) (1980-1988)، ثم (الثانية) 1990 و(الثالثة) 2003، لأن الرابعة – ضد إيران – لو وقعت فسوف تكون أبعادها وأخطر عسكرياً وإقليمياً وأيديولوجياً.
وبشكل عام يمكن رصد بعض هذه الأسباب التي سرعت وسهّلت التنسيق فيما يلي:
1- تصاعد الضغوط الأمريكية على إيران والتهديدات بحرب خاصة في ظل التسريبات العسكرية الأمريكية عن نية بوش في ضرب إيران قبل نهاية ولايته الثانية، والسيناريو الذي نشرته صحيفة الـ (صاندي تايمز) عن ضربة نووية إسرائيلية مدعومة أمريكياً، وهو ما يظهر بالتالي حاجة طهران للتفاهم مع دول الجوار والدول العربية الكبرى التي قد تشارك بصورة أو بأخرى في السيناريو الأمريكي لتوجيه ضربة لها، سواء بالتهديد بعواقب هذا التعاون مع المخططات الأمريكية أو بالسعي لطمأنة هذه الدول.
2- استشعار السعودية أن هناك مخاطر حقيقية وتدخلات دولية في العراق ولبنان، وربما نوايا لضرب إيران، قد تؤدي في النهاية إلى كارثة على السنة والشيعة على السواء، وتعرض أمن منطقة الخليج ككل للدمار في حالة وقوع ضربة أمريكية ضد إيران تهدد كل المنطقة بحالة خراب ودمار خاصة أن خطط الانتقام الإيراني تضع آبار البترول الخليجية في مرمى نيران الرد الإيراني، فضلاً عن مخاوف التلوث النووي لو نفذت الخطة الإسرائيلية بقنبلة نووية محدودة تزن طناً واحداً (هيروشيما بلغت 15 طناً).
3- باتت السعودية أكثر إدراكاً أن إدارة الرئيس بوش تعاني من تخبط في مرحلة نهاية الحكم وتسعى للانتقام من إيران، كما فعلت في العراق من دون أي حسابات عاقلة للمكاسب أو الخسائر، ودون اعتبار لمصالح حلفائها العرب في الخليج، وتدرك أنه سواء شاركت أم رفضت فسوف يطالها الغضب الإيراني، وسوف تظهر بوادر قلاقل طائفية بين الأقليات الشيعية.
4- تحدث وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بوضوح في المؤتمر الصحفي المشترك مع كوندوليزا رايس عن المخاوف من أن (نيران التوتر الطائفي لم تعد تحت الرماد بل خرجت إلى السطح في العراق)، وأعرب عن (القلق الشديد من آثار انتشارها في المنطقة). كذلك لاحظ مراقبون أن الفيصل تخلى عن لهجة التصعيد التي تبناها ضد إيران في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، والتي حذر خلالها ضمنياً من الخطر الإيراني على القومية العربية.
5- انتعاش الجناح المعتدل في إيران على حساب الجناح المتشدد الذي يمثله الرئيس محمود أحمدي نجاد، خاصة في أعقاب فوز هذا التيار المعتدل في الانتخابات البلدية مؤخراً على التيار المتشدد. وربما شجع هذا التطور السعودية على الحوار والتنسيق مع إيران لا سيما أن الدعوة للحوار من إيران جاءت من جانب المعتدلين، كما أن من يقود الحوار الإيراني هو رمز محافظ (علي لاريجاني).
6- هناك ما يمكن تسميته (حالة استنفار) سعودية منذ فترة في أعقاب وصول النفوذ الإيراني لفنائها الخلفي في العراق، وتمدده لقلب العالم العربي في ظل غياب الدول العربية الكبرى، ومخاوف من أن يكون هذا الدور قد تغلغل بالفعل في السنوات الماضية منذ الغزو الأمريكي في ظل إحجام العرب عن التدخل، ولهذا جاء التحرك السعودي متعدداً تجاه طهران وواشنطن والعالم العربي، وخرج أكثر من مبعوث وبدأ التنسيق بالفعل مع إيران في ما يخص أزمة لبنان باعتبار أنها أخف وطأة من حالة العراق.
مطالب متبادلة
كشفت المصادر عن واقع ما حققته التفاهمات السعودية – الإيرانية، والسعودية – الأمريكية، التي يقودها الأمير بندر بن سلطان وعلي لاريجاني، المسؤولان عن مجلسي الأمن القومي في كل من المملكة العربية السعودية وإيران. على أن النقاط المهمة لدى المملكة في مباحثاتها مع إيران، والتي ترغب المملكة في تحقيق تقدم جوهري وإيجابي في الأداء الإيراني حيالها، تحييد الموضوع اللبناني عن ملفات المنطقة، بحيث إن إيران وبالرغم من وقوفها إلى جانب العودة إلى التهدئة وتجنب العنف والقتال، تتمسك بأن يندرج الحل على الصعيد اللبناني في إطار سلة إقليمية تشمل المواضيع المطروحة كافة في المنطقة، ومن بين ذلك فلسطين والعراق وصولاً إلى الملف النووي الإيراني، بما يعكس رغبة إيران في الاستفادة من فرصة وجود حوار غير مباشر بينها وبين الولايات المتحدة. وبالتالي تحاول إيران التعامل مع هذه الفرصة بطرح مواقف تفاوضية، جرى نقلها إلى الإدارة الأمريكية عبر زيارة الأمير بندر واللقاءات المغلقة التي عقدها في واشنطن، وقصد بعدها روسيا الاتحادية، حيث أجرى محادثات مع المسؤولين الكبار فيها، تناولت كل المواضيع المطروحة في المسألة اللبنانية، والتحضيرات للقمة السعودية ـ الروسية التي عقدت مؤخراً في الرياض. كما أن رغبة المملكة في التفاهم مع إيران على مختلف القضايا المطروحة لاسيما لبنان قبل انعقاد القمة العربية العادية في الرياض في نهاية مارس 2007، بحيث يفترض أن يحصل تطور في الأداء الإيراني قبل القمة، الأمر الذي يساعد المملكة على تأدية الدور المطلوب في الملفات العربية الشائكة عبر الحل العربي، حيث إن المملكة تعتقد أن إيران تؤيد التعاون في هذا الإطار، ولا تقف ضد الموقف السعودي، الذي يفضل حل الأمور بهدوء وتفاهم، وأن إيفاد الأمير بندر تحديداً إلى طهران يشكل في حد ذاته رسالة تعني أن المسعى السعودي جدي وحساس، ويفهم الإيرانيون أنه لا يمكن مقابلة هذا النوع من التحرك إلا بتقديم مواقف جدية، وما نقل عن إيران إثر زيارته إليها هو استعدادها للتعاون في الملف اللبناني لتحل الأمور مع ضرورة إعطاء فئة كبيرة من اللبنانيين مطالبها.
ولوحظ أن الطلب الإيراني المباشر للسعودية بالتدخل للوساطة مع الولايات المتحدة وتخفيف حدة التوتر، قابله رد فعل سعودي إيجابي مباشر، وكأن كل طرف كان ينتظر الخطوة الأولى من الطرف الثاني أو كيفية تنسيق هذه اللقاءات وجدول الأعمال. فإيران من جهتها طلبت من السعودية في بداية الأمر (في رسالة بعث بها الزعيم الروحي أية الله علي خامنئي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد) المساعدة على تخفيف حدة التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، في رسالة سلمها علي لاريجاني كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات النووية إلى العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز. وظهر رد الفعل السعودي في صورة زيارة الأمير بندر بن سلطان الأمين العام لمجلس الأمن القومي السعودي إلى طهران، حيث ركز على مسألة البحث عن حلول لقضيتي العراق ولبنان لضمان استبعاد التدخل الدولي فيهما، وأسفر هذا عن تفاهم ضمني بين البلدين حول ضرورة احتواء التوتر الطائفي السياسي المتصاعد في كل من البلدين. ومع أن التسريبات الإعلامية كشفت عن أن كلا الطرفين الإيراني والسعودي كشفا أوراقهما بوضوح غير معهود أمام بعضهما البعض بالحاجة لوضع حلول فورية لأزمات مشتعلة في العراق ولبنان، فإنها أظهرت ضمناً مخاوف الطرفين الحقيقية من اشتعال النيران في المنطقة بفعل هذا الشحن الطائفي ومخاطر تركها للتدخلات الأمريكية التي لا تعي سوى مصالحها النفطية، حيث تركزت المطالب الإيرانية على وساطة سعودية مع أمريكا للتهدئة، وأن علي لاريجاني سلم العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز رسالة أكدت على رغبة إيران في التعاون، إلا أنها حملت تحذيرات ضمنية من عواقب الانخراط في الحملة الدبلوماسية الإعلامية والعسكرية الأمريكية ضد طهران لاسيما في ظل توقع أن تشارك دول الخليج في عمليات التنسيق مع الغرب في حالة وقوع أي ضربة لإيران كما حدث في الحالة العراقية، كما قدم الأمير بندر وعوداً شفهية للإيرانيين بوقف فتاوى أصدرها علماء سعوديون بـ (تكفير) الشيعة، كما وعد بتهدئة الحملات المعادية لطهران في وسائل الإعلام السعودية، والتي بلغت ذروتها أثناء جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للمنطقة، حيث تحرص المملكة العربية السعودية على التحرك بقوة في لبنان – مع الجامعة العربية ومصر – لطرح أو فرض حلول وسطية تنهي أزمة حكومة السنيورة ووقف التصعيد بعيداً عن الترصد الغربي وتصيد عملاء تل أبيب للمعارك هناك لإشعال حرب أهلية تستهدف الشيعة والسنة معاً.
وعلى الجانب المقابل، فقد تركزت المطالب السعودية على تفعيل فتوى لمرشد الثورة الإيرانية خامنئي بحظر سب الصحابة لعدم إثارة علماء السنة، والسعي لعدم التأثير في ما يجري في العراق ولبنان، خاصة أن هناك تقارير لسنة العراق تؤكد وجود استخباري إيراني قوي في العراق لا سيما في الجنوب، وهو ما بدأت تتنبه له إدارة بوش فصدرت تعليمات (اعتقل أو اقتل) التي أطلقها بوش هذا الأسبوع ضد (عملاء إيران) في العراق. كما احتوت المطالب السعودية على بناء الثقة بين إيران ودول الخليج، والسعي لتفاهم مشترك بين البلدين يقضي باعتراف متبادل بالحد الأدنى من المشكلات المثارة ووضع حلول لها لاسيما المخاوف الخليجية – التي عبرت عنها القمم الخليجية الأخيرة – من (التهديد النووي الإيراني) أو (التمدد الشيعي) أو (التبشير بالتشيع).
وأخيراً فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو هل يمكن أن يقود الحوار السعودي – الإيراني إلى نتائج إيجابية بخصوص الملفات العالقة بين الجانبين؟
المعلومات التي ترشح عن اللقاءات بين الرياض وطهران تشير إلى أن التركيز بالأساس هو على الملف اللبناني، إلا أنه في ظل ترابط وتداخل الملفات، فإنها تصبح كلها مادة للبحث والنقاش بين الطرفين. وعلى الرغم من التفاؤل الذي يبديه البعض تجاه هذه الاتصالات، فإن هناك العديد من الاعتبارات التي تدعو إلى الحذر من الإفراط في التفاؤل، أهمها:
* بالنظر إلى الارتباط القوي بين ملفات المنطقة، فإن إيران تحرص على عدم التسويات المنفردة لها، لأنها تضعف موقفها وتجردها من أوراقها، وتعمل من أجل تسوية مترابطة تحقق طموحاتها الإقليمية. فالدور الإيراني في العراق وفي لبنان وفلسطين هو أوراق تستخدمها طهران في اختبار القوة مع الولايات المتحدة حول البرنامج النووي الإيراني. وعلى ذلك فإن الأمر لا يتعلق بأزمة أو خلاف سعودي – إيراني فقط، وإنما بمواجهة إيرانية – أمريكية في الأساس، وهذا يقود إلى القول إن غياب الولايات المتحدة عن أي حوار مع طهران يثير الكثير من الشكوك حول نجاحه وتحقيق أهدافه.
* وحتى مع حصر المسألة في بعدها الإقليمي دون الدولي، فإن الحوار السعودي – الإيراني يبدو محاطاً بالكثير من العقبات. فإذا كانت إيران والسعودية مشتبكتين بشكل مباشر في ملفي لبنان والعراق وفلسطين، فإن هناك أطرافاً أخرى لها أهميتها الكبيرة في التأثير في مسار الأحداث في هذه الملفات، تأتي على رأسها سوريا التي تشير التقديرات إلى أنه لا تسوية في لبنان على وجه الخصوص من دون التفاهم معها.
* الخط التصعيدي في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران يشير إلى أن واشنطن لا تريد أن تبدو وكأنها تكافئ طهران على تشددها، وهذا يعني أنها ربما تكون غير مرحبة بحوارها مع السعودية. وفي ظل غياب الموافقة الأمريكية على هذا الحوار، فإنه يمكن أن يواجه العديد من المشكلات، لأن القضايا محل النقاش فيه تمسك واشنطن بالكثير من خيوطها الرئيسية التي يمكن أن تحركها في الاتجاه الذي تريد لمصلحة الحوار السعودي – الإيراني أو ضده.
::/fulltext::
::cck::2770::/cck::
