تكامل مجلس التعاون الخليجي…هل هو مجرد خطابات بلاغية أم تجسيد لواقع ملموس؟

::cck::2799::/cck::
::introtext::

في معرض إشارته إلى أن مجلس التعاون الخليجي وُجد للتعاطي مع القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، أثار وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تساؤلاً جوهرياً في شهر مارس 2005: هل مجلس التعاون الخليجي يقوم بما يُفترض أن يقوم به؟ جاء الجواب على لسان الوزير القطري بالنفي الشديد، مشيراً إلى فشل تجسيد مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز القطري إلى الكويت، وهو المشروع الذي ينتظر الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. وأردف الوزير قائلاً: إن قطر تصدِّر حالياً الغاز إلى كوريا، في حين لا يصل الغاز القطري إلى الكويت.

::/introtext::
::fulltext::

في معرض إشارته إلى أن مجلس التعاون الخليجي وُجد للتعاطي مع القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، أثار وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تساؤلاً جوهرياً في شهر مارس 2005: هل مجلس التعاون الخليجي يقوم بما يُفترض أن يقوم به؟ جاء الجواب على لسان الوزير القطري بالنفي الشديد، مشيراً إلى فشل تجسيد مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز القطري إلى الكويت، وهو المشروع الذي ينتظر الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. وأردف الوزير قائلاً: إن قطر تصدِّر حالياً الغاز إلى كوريا، في حين لا يصل الغاز القطري إلى الكويت.

لا شك في أن تصريح وزير الخارجية القطري يفتح مجدداً ملف سجال قديم حول مواءمة منظومة مجلس التعاون الخليجي في عصر يتسم بدينامية وتسارع وتيرة تطوراته على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وذلك ليس على الساحة الإقليمية فحسب، بل وفي مختلف بقاع العالم أيضاً.

صحيح أن دول مجلس التعاون الخليجي استمرت في اعتناق فكرة مشتركة بسيطة، لكنها متينة تقوم على الاعتقاد بأنه بفضل تحقيق تعاون أوسع بين الدول الأعضاء في المجلس وبمساعدة شركائهم الأساسيين، فإن دول المجلس تتوفر على فرص ربما تمكِّنها من تحقيق غاياتها وأهدافها على المديين المتوسط والبعيد. ففي عصر تغلب على ملامحه التحالفات السياسية والتكتلات الاقتصادية، يستدعي المنطق بالضرورة تقييم ما تم إنجازه على مستوى أداء مجلس التعاون الخليجي في سبيل تحقيق الأهداف التي رُسمت له منذ بداية إنشائه، وبخاصة في المجال الاقتصادي الذي بات يشكل أحد المحددات الجوهرية للمشهد السياسي.

وتسعى الدول الصغرى في الأغلب إلى اكتساب مقومات القوة بعضها من بعض، وذلك من خلال تشكيل منظمات إقليمية أو تكتلات تجارية للحد من نفوذ الدول الكبرى والتكتلات القوية. ويبدو اليوم أن رياح العولمة قد عجلت من وتيرة تفشي هذه الظاهرة ـ وبخاصة إذا ما اعتبرنا أنه منذ إقامة منظمة التجارة العالمية في منتصف عقد التسعينات، تم التوقيع على ما يربو على 95 اتفاقية تكامل/ اندماج إقليمي (أو ما يُعرف اختصاراً بـ آر. آي. ايه) مقارنة بـ 124 اتفاقية مماثلة فقط تم توقيعها خلال ست وأربعين سنة سابقة.

ومن المهم التذكير في هذا السياق بأن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي صادقت عليها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 وجهت دعوة صريحة إلى ضرورة العمل على توثيق عرى العلاقات وتطوير ودعم الروابط الاقتصادية على أسس متينة، والعمل على تنسيق وتوحيد السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، إلى جانب تنسيق وتوحيد التشريعات التجارية والصناعية والقوانين الجمركية. ومن الواضح أن هناك جملة من العوامل ترشح دول مجلس التعاون الخليجي لأن تشكل تكتلاً يقوم على أساس اتفاقية التكامل الإقليمي، ولعل أبرز تلك العوامل يتجسد في اللغة المشتركة والثقافة المشتركة والدين الواحد والجوار الجغرافي، خصوصاً أن نُظم سعر صرف العملة المعمول بها في دول مجلس التعاون الخليجي المختلفة متشابهة، مما يسهل تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

ومن المؤكد أن تقييم مسار تكامل دول مجلس التعاون الخليجي يستدعي أخذ مدى ضحالة أو عمق منظماتها الاقتصادية في الاعتبار. فعلى سبيل المثال، تستلزم ضحالة الاقتصاد إزالة التعريفات الجمركية القائمة بين الدول الأعضاء، في حين يتطلب التكامل الاقتصادي بمعناه العميق رفع الحواجز التجارية غير الخاضعة للتعريفات الجمركية.

وفي أعقاب التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1981، أقدمت دول مجلس التعاون في عام 1983 على إنشاء منطقة للتجارة الحرة رافقها إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على السلع ذات المنشأ الإقليمي. بالموازاة مع ذلك، انطلقت مناقشات حول مشروع إقامة اتحاد جمركي امتدت نحو عشرين عاماً. وشهد شهر يناير 2003 الإعلان عن التوصل إلى اتفاق يقضي بضرورة الانتهاء من عملية تنفيذ الاتحاد الجمركي مع حلول عام 2005، غير أن مشروع التوحد الجمركي يبدو بعيد المنال. أمام هذا الواقع، أليس مشروعاً طرح التساؤل التالي: هل تجاوزت دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة التكامل الضحل لتدخل نطاق الوحدة العميقة؟ هذا بالذات ما تؤكده الخطابات بوصفه الهدف الذي يوجه عملية التكامل برمتها.

ومن جهتها، شددت دولة الإمارات العربية المتحدة على أن الدول الأعضاء ستسعى إلى تنسيق سياساتها المالية والمصرفية والنقدية، إلى جانب دعم وتعزيز أواصر التعاون بين الوكالات النقدية والمصارف المركزية، بما في ذلك محاولة طرح عملة مشتركة بهدف دعم اقتصاداتها. ومما لا شك فيه أن تشكيل اتحاد نقدي يجسد الخطوة النهائية ضمن مسيرة التكامل الاقتصادي، خصوصاً أنه من المقرر إطلاق عملة خليجية موحدة بحلول عام 2010. غير أن وتيرة التقدم على صعيد عملية التكامل الاقتصادي الإقليمي لدول مجلس التعاون لا تزال بطيئة نسبياً، مما يثير جملة من التساؤلات حول الجدولة الزمنية التي تندرج في إطارها عملية التكامل.

ومن المهم الإشارة إلى أن ما يتوفر من إحصاءات حول حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة وحول التبادلات التجارية ومشاريع الاستثمار الأخرى يوحي بأن عملية التكامل الإقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي تبقى محدودة شيئاً ما. وفي هذا الإطار، تشير تقديرات صندوق النقد العربي إلى محدودية تدفق الاستثمارات البينية على مستوى دول المجلس. فقيمة الاستثمارات الخارجية لدول المجلس خلال الفترة الممتدة ما بين عامي1990 و2002 بلغت 125 مليار دولار، في حين لم تمثل الاستثمارات البينية سوى اثنين في المائة (أي ما يعادل 2.56 مليار دولار) من إجمالي تلك الاستثمارات، كما أن مستوى التبادلات التجارية البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي منخفضا مقارنة بحجم التبادلات التجارية مع التكتلات الاقتصادية الأخرى. ففي عام 2003، وصل حجم الصادرات البينية إلى نسبة 4.9 في المائة من حجم صادراتها الإجمالية، مسجلة بذلك هبوطاً بنسبة 6.5 في المائة مقارنة بحجم الصادرات لعام 1997. أما في ما يخص الواردات البينية فتمثل نسبة 6.7 في المائة من إجمالي واردات دول المجلس، حيث تراجعت بنسبة 9.2 في المائة خلال الفترة نفسها. وعلى النقيض من ذلك، مثلت التبادلات التجارية البينية داخل الاتحاد الأوروبي أكثر من خمسين في المائة قبيل دخول العملة الموحدة الأوروبية حيز التعامل الإقليمي.

ولعل النقص الحاصل على مستوى عملية التكامل الاقتصادي، كما تشير إلى ذلك الأرقام، يثير بالفعل الاستغراب، مع الأخذ في الاعتبار طابع الانفتاح العام الذي يميز اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. ففي العادة، تُقاس درجة الانفتاح الاقتصادي بناءً على معدل حجم التجارة نسبةً لقيمة الدخل القومي الإجمالي. وبتطبيق هذا المفهوم، يتضح أن متوسط هذه النسبة بدول مجلس التعاون الخليجي طوال العقد المنصرم بلغ نحو 88 في المائة. لكن غياب التكامل الاقتصادي ينبع من تشابه قواعد الإنتاج الاقتصادي في دول المجلس وهيمنة قطاع الهيدروكربونات على البنية الاقتصادية بشكل عام.

أما بالنسبة لسوق العمل وحركة قوى العمل وقوانين الإقامة وإمكانية الحصول على الضمان الاجتماعي والاستفادة من المنح الحكومية، فيمكن القول إن معاملة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي على قدم المساواة أصبحت واقعاً ملموساً في القطاعين الحكومي والخاص معاً، لكن حركة العمال عبر الحدود تبقى متواضعة على أرض الواقع، ويعود السبب في ذلك إلى عدم تناغم السياسات المتبعة من قبل مؤسسات سوق العمل وانعدام اتساق القوانين الحاكمة لسوق العمل في دول المجلس المختلفة.

على صعيد آخر، يبدو أن تكامل الأسواق المالية بدول مجلس التعاون الخليجي منحصر للغاية مع وجود عدد محدود من قوائم الأسهم العابرة للحدود، فضلاً عن غياب خطط لإقامة سوق مشتركة لرأس المال أو مؤسسات متخصصة بالإشراف على عمل هذه السوق وتنظيمها. فأسواق الأوراق المالية في المنطقة لا تولي اهتماماً كبيراً للتعاون فيما بينها، مع العلم أن عدد قوائم الأسهم المشتركة يظل محدوداً، وعمليات دمج وشراء الشركات على الصعيد الإقليمي تظل منحصرة. صحيح أن المملكة العربية السعودية اتخذت قراراً يقضي بتبني مبدأ المساواة الكاملة بين مواطني مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالمشاركة في الاستثمارات وتأسيس الشركات، وهي بالفعل خطوة إيجابية، لكن توفر سوقين للأوراق المالية في الإمارات العربية المتحدة (سوق أبو ظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي) على سبيل المثال، يثير تساؤلات ملحة. وبصفة عامة، يبدو أن توحيد أسواق دول مجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يفضي إلى توسيع السوق الإقليمية، ويساهم في طرح رؤوس أموال هائلة، ويدعم حجم التبادلات التجارية، وبالتالي يساهم في خلق مجموعة من الفوائد التي عادة ما تصاحب نمو أسواق الأوراق المالية وتفتح الباب أمام تدفق المزيد من الاستثمارات في اقتصادات دول المجلس.

من جهة أخرى، إذا ما نظرنا إلى التجارة البينية نسبةً لحجم التجارة غير النفطية بين دول مجلس التعاون الخليجي، نجد أنها تمثل الضعف، حيث وصلت قيمتها إلى نحو 13 في المائة من إجمالي التبادلات التجارية. فقطاع السياحة، على سبيل المثال، شهد زيارة نحو خمسة ملايين من المواطنين السعوديين للبحرين خلال عام 2003، كما تم الإعلان عن إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية إلى تعزيز شبكة المواصلات بين دول مجلس التعاون الخليجي ـ مثل مشروع تشييد جسرين بحريين من المرتقب أن يربط أحدهما قطر بالبحرين، وأن يربط الآخر قطر بالإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى مشروع بناء شبكة من السكك الحديدية تربط دول الخليج وبناء خط قطار مغناطيسي فائق السرعة يربط قطر بالبحرين مع إمكانية تمديد الخط ليصل إلى الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان.

ويبدو في الوقت الراهن أن الأنشطة الاقتصادية عبر حدود دول مجلس التعاون الخليجي آخذة في اكتساب المزيد من الزخم، حيث بلغ عدد الرخص التجارية الممنوحة في دول المجلس خلال عام 2003 نحو 6.247 رخصة، استحوذت السعودية على 30 في المائة منها ـ وهذا الرقم يمثل زيادة بنسبة خمسين في المائة، مقارنة بعدد الرخص الممنوحة خلال عام 1992.

وقد كان من الممكن أن تُسجَّل أرقام أفضل لولا وجود خلافات سياسية بين بعض دول مجلس التعاون. ومن جهتها تعكف كل من قطر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة على التفاوض مع واشنطن حول اتفاقيات للتجارة الحرة، وهو الأمر الذي يثير تساؤلاً حول احتمال تشبث دول المجلس بمصالحها القومية على حساب تبني اتفاقية لإقامة منطقة للتكامل الإقليمي، وبالتالي تهديد الاندماج والوحدة الإقليميين.

صفوة القول إنه من الظلم اعتبار جميع مبادرات مجلس التعاون الخليجي فاشلة بالمعنى المطلق. فالمجلس، ومن منطلق كونه يجسد كياناً سياسياً، تمكن من التغلب على مجموعة من التحديات التي تواجه دوله، كما ظهر ذلك جلياً أثناء الغزو العراقي للكويت وخلال عملية تحرير الكويت، كما أن عملية التكامل الإقليمي شهدت نجاحات وإخفاقات متباينة، وبناءً على ما يتم تداوله من خطابات وتصريحات، يبدو أن دول مجلس التعاون تمتلك الإرادة السياسية لتجاوز المعوقات القائمة في وجه تحقيق الوحدة الإقليمية، فخطة إقامة اتحاد نقدي تسير على قدم وساق بعد أن تم التوقيع مؤخراً على اتفاقية خاصة بتوحيد معايير التقارب النقدي والسوق المشتركة المرتقب تفعيلها مع حلول عام 2007.

ومن المهم في هذا السياق إجراء مقارنة بتجربة الاتحاد الأوروبي واستخلاص العبر منها في سبيل ضمان المصالح الوطنية بالموازاة مع انتهاج سياسات تهدف إلى تأمين الأهداف الجماعية. حقاً، إن إقامة عملة أوروبية موحدة يمثل أعظم إنجاز سياسي في التاريخ الحديث لعملية الاندماج الأوروبي، مع العلم أن أكثر المراحل حساسية في المسار الأوروبي تبلورت خلال عامي 1991 و1998 عندما نجحت الحكومة البريطانية وقتها في الخروج من منظومة العملة الموحدة. ومنذ ذلك الوقت، تباعدت مواقف دول منطقة اليورو وبريطانيا على المستوى المؤسساتي وعلى الصعد الاقتصادية والسياسية، لكن بريطانيا لا تزال إلى يومنا هذا جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وفي الحقيقة، فإن الاقتصاد البريطاني حقق إنجازات أفضل من منطقة اليورو على الرغم من أن السبب في ذلك لا يعود بالضرورة إلى قرار بريطانيا القاضي بالبقاء خارج منطقة اليورو.

ومن المعروف أن عمر مجلس التعاون الخليجي يمتد إلى 25 عاماً، وعلى الرغم من أن المجلس مُطالَب بالتغلب على جملة من التحديات قبل أن ينجح في تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها، فإن الحاجة في الوقت الراهن تتمثل في العمل بجدية على تحقيق تلك الأهداف وتحقيق طموحات الشعوب الخليجية بل وتجاوزها. ومن المهم للغاية أن يبقى مجلس التعاون الخليجي متماسكاً، وأن يجسد عامل التحفيز الرئيسي لدعم عملية تنمية وتكامل دول المنطقة. وفي خضم الانكباب على إنجاز تلك المهمة، ينبغي على دول المجلس النظر إلى الاختلاف في الرؤى في إطار روح المنافسة، وليس بالضرورة باعتبارها تجسيداً لروح الفرقة والخلاف. الإشكالية، إذن، لا ترتبط بمدى مواءمة مؤسسة مجلس التعاون الخليجي بقدر ما يتمحور السؤال حول مدى رغبة الدول الأعضاء في المجلس في القبول بمؤسسة اتفقت هذه الدول على إقامتها لخدمة مصالحها الجماعية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2799::/cck::
::introtext::

في معرض إشارته إلى أن مجلس التعاون الخليجي وُجد للتعاطي مع القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، أثار وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تساؤلاً جوهرياً في شهر مارس 2005: هل مجلس التعاون الخليجي يقوم بما يُفترض أن يقوم به؟ جاء الجواب على لسان الوزير القطري بالنفي الشديد، مشيراً إلى فشل تجسيد مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز القطري إلى الكويت، وهو المشروع الذي ينتظر الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. وأردف الوزير قائلاً: إن قطر تصدِّر حالياً الغاز إلى كوريا، في حين لا يصل الغاز القطري إلى الكويت.

::/introtext::
::fulltext::

في معرض إشارته إلى أن مجلس التعاون الخليجي وُجد للتعاطي مع القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، أثار وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني تساؤلاً جوهرياً في شهر مارس 2005: هل مجلس التعاون الخليجي يقوم بما يُفترض أن يقوم به؟ جاء الجواب على لسان الوزير القطري بالنفي الشديد، مشيراً إلى فشل تجسيد مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز القطري إلى الكويت، وهو المشروع الذي ينتظر الضوء الأخضر من المملكة العربية السعودية. وأردف الوزير قائلاً: إن قطر تصدِّر حالياً الغاز إلى كوريا، في حين لا يصل الغاز القطري إلى الكويت.

لا شك في أن تصريح وزير الخارجية القطري يفتح مجدداً ملف سجال قديم حول مواءمة منظومة مجلس التعاون الخليجي في عصر يتسم بدينامية وتسارع وتيرة تطوراته على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وذلك ليس على الساحة الإقليمية فحسب، بل وفي مختلف بقاع العالم أيضاً.

صحيح أن دول مجلس التعاون الخليجي استمرت في اعتناق فكرة مشتركة بسيطة، لكنها متينة تقوم على الاعتقاد بأنه بفضل تحقيق تعاون أوسع بين الدول الأعضاء في المجلس وبمساعدة شركائهم الأساسيين، فإن دول المجلس تتوفر على فرص ربما تمكِّنها من تحقيق غاياتها وأهدافها على المديين المتوسط والبعيد. ففي عصر تغلب على ملامحه التحالفات السياسية والتكتلات الاقتصادية، يستدعي المنطق بالضرورة تقييم ما تم إنجازه على مستوى أداء مجلس التعاون الخليجي في سبيل تحقيق الأهداف التي رُسمت له منذ بداية إنشائه، وبخاصة في المجال الاقتصادي الذي بات يشكل أحد المحددات الجوهرية للمشهد السياسي.

وتسعى الدول الصغرى في الأغلب إلى اكتساب مقومات القوة بعضها من بعض، وذلك من خلال تشكيل منظمات إقليمية أو تكتلات تجارية للحد من نفوذ الدول الكبرى والتكتلات القوية. ويبدو اليوم أن رياح العولمة قد عجلت من وتيرة تفشي هذه الظاهرة ـ وبخاصة إذا ما اعتبرنا أنه منذ إقامة منظمة التجارة العالمية في منتصف عقد التسعينات، تم التوقيع على ما يربو على 95 اتفاقية تكامل/ اندماج إقليمي (أو ما يُعرف اختصاراً بـ آر. آي. ايه) مقارنة بـ 124 اتفاقية مماثلة فقط تم توقيعها خلال ست وأربعين سنة سابقة.

ومن المهم التذكير في هذا السياق بأن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي صادقت عليها الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 وجهت دعوة صريحة إلى ضرورة العمل على توثيق عرى العلاقات وتطوير ودعم الروابط الاقتصادية على أسس متينة، والعمل على تنسيق وتوحيد السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، إلى جانب تنسيق وتوحيد التشريعات التجارية والصناعية والقوانين الجمركية. ومن الواضح أن هناك جملة من العوامل ترشح دول مجلس التعاون الخليجي لأن تشكل تكتلاً يقوم على أساس اتفاقية التكامل الإقليمي، ولعل أبرز تلك العوامل يتجسد في اللغة المشتركة والثقافة المشتركة والدين الواحد والجوار الجغرافي، خصوصاً أن نُظم سعر صرف العملة المعمول بها في دول مجلس التعاون الخليجي المختلفة متشابهة، مما يسهل تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.

ومن المؤكد أن تقييم مسار تكامل دول مجلس التعاون الخليجي يستدعي أخذ مدى ضحالة أو عمق منظماتها الاقتصادية في الاعتبار. فعلى سبيل المثال، تستلزم ضحالة الاقتصاد إزالة التعريفات الجمركية القائمة بين الدول الأعضاء، في حين يتطلب التكامل الاقتصادي بمعناه العميق رفع الحواجز التجارية غير الخاضعة للتعريفات الجمركية.

وفي أعقاب التوقيع على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1981، أقدمت دول مجلس التعاون في عام 1983 على إنشاء منطقة للتجارة الحرة رافقها إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على السلع ذات المنشأ الإقليمي. بالموازاة مع ذلك، انطلقت مناقشات حول مشروع إقامة اتحاد جمركي امتدت نحو عشرين عاماً. وشهد شهر يناير 2003 الإعلان عن التوصل إلى اتفاق يقضي بضرورة الانتهاء من عملية تنفيذ الاتحاد الجمركي مع حلول عام 2005، غير أن مشروع التوحد الجمركي يبدو بعيد المنال. أمام هذا الواقع، أليس مشروعاً طرح التساؤل التالي: هل تجاوزت دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة التكامل الضحل لتدخل نطاق الوحدة العميقة؟ هذا بالذات ما تؤكده الخطابات بوصفه الهدف الذي يوجه عملية التكامل برمتها.

ومن جهتها، شددت دولة الإمارات العربية المتحدة على أن الدول الأعضاء ستسعى إلى تنسيق سياساتها المالية والمصرفية والنقدية، إلى جانب دعم وتعزيز أواصر التعاون بين الوكالات النقدية والمصارف المركزية، بما في ذلك محاولة طرح عملة مشتركة بهدف دعم اقتصاداتها. ومما لا شك فيه أن تشكيل اتحاد نقدي يجسد الخطوة النهائية ضمن مسيرة التكامل الاقتصادي، خصوصاً أنه من المقرر إطلاق عملة خليجية موحدة بحلول عام 2010. غير أن وتيرة التقدم على صعيد عملية التكامل الاقتصادي الإقليمي لدول مجلس التعاون لا تزال بطيئة نسبياً، مما يثير جملة من التساؤلات حول الجدولة الزمنية التي تندرج في إطارها عملية التكامل.

ومن المهم الإشارة إلى أن ما يتوفر من إحصاءات حول حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة وحول التبادلات التجارية ومشاريع الاستثمار الأخرى يوحي بأن عملية التكامل الإقليمي بين دول مجلس التعاون الخليجي تبقى محدودة شيئاً ما. وفي هذا الإطار، تشير تقديرات صندوق النقد العربي إلى محدودية تدفق الاستثمارات البينية على مستوى دول المجلس. فقيمة الاستثمارات الخارجية لدول المجلس خلال الفترة الممتدة ما بين عامي1990 و2002 بلغت 125 مليار دولار، في حين لم تمثل الاستثمارات البينية سوى اثنين في المائة (أي ما يعادل 2.56 مليار دولار) من إجمالي تلك الاستثمارات، كما أن مستوى التبادلات التجارية البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي منخفضا مقارنة بحجم التبادلات التجارية مع التكتلات الاقتصادية الأخرى. ففي عام 2003، وصل حجم الصادرات البينية إلى نسبة 4.9 في المائة من حجم صادراتها الإجمالية، مسجلة بذلك هبوطاً بنسبة 6.5 في المائة مقارنة بحجم الصادرات لعام 1997. أما في ما يخص الواردات البينية فتمثل نسبة 6.7 في المائة من إجمالي واردات دول المجلس، حيث تراجعت بنسبة 9.2 في المائة خلال الفترة نفسها. وعلى النقيض من ذلك، مثلت التبادلات التجارية البينية داخل الاتحاد الأوروبي أكثر من خمسين في المائة قبيل دخول العملة الموحدة الأوروبية حيز التعامل الإقليمي.

ولعل النقص الحاصل على مستوى عملية التكامل الاقتصادي، كما تشير إلى ذلك الأرقام، يثير بالفعل الاستغراب، مع الأخذ في الاعتبار طابع الانفتاح العام الذي يميز اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. ففي العادة، تُقاس درجة الانفتاح الاقتصادي بناءً على معدل حجم التجارة نسبةً لقيمة الدخل القومي الإجمالي. وبتطبيق هذا المفهوم، يتضح أن متوسط هذه النسبة بدول مجلس التعاون الخليجي طوال العقد المنصرم بلغ نحو 88 في المائة. لكن غياب التكامل الاقتصادي ينبع من تشابه قواعد الإنتاج الاقتصادي في دول المجلس وهيمنة قطاع الهيدروكربونات على البنية الاقتصادية بشكل عام.

أما بالنسبة لسوق العمل وحركة قوى العمل وقوانين الإقامة وإمكانية الحصول على الضمان الاجتماعي والاستفادة من المنح الحكومية، فيمكن القول إن معاملة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي على قدم المساواة أصبحت واقعاً ملموساً في القطاعين الحكومي والخاص معاً، لكن حركة العمال عبر الحدود تبقى متواضعة على أرض الواقع، ويعود السبب في ذلك إلى عدم تناغم السياسات المتبعة من قبل مؤسسات سوق العمل وانعدام اتساق القوانين الحاكمة لسوق العمل في دول المجلس المختلفة.

على صعيد آخر، يبدو أن تكامل الأسواق المالية بدول مجلس التعاون الخليجي منحصر للغاية مع وجود عدد محدود من قوائم الأسهم العابرة للحدود، فضلاً عن غياب خطط لإقامة سوق مشتركة لرأس المال أو مؤسسات متخصصة بالإشراف على عمل هذه السوق وتنظيمها. فأسواق الأوراق المالية في المنطقة لا تولي اهتماماً كبيراً للتعاون فيما بينها، مع العلم أن عدد قوائم الأسهم المشتركة يظل محدوداً، وعمليات دمج وشراء الشركات على الصعيد الإقليمي تظل منحصرة. صحيح أن المملكة العربية السعودية اتخذت قراراً يقضي بتبني مبدأ المساواة الكاملة بين مواطني مجلس التعاون الخليجي في ما يتعلق بالمشاركة في الاستثمارات وتأسيس الشركات، وهي بالفعل خطوة إيجابية، لكن توفر سوقين للأوراق المالية في الإمارات العربية المتحدة (سوق أبو ظبي للأوراق المالية وسوق دبي المالي) على سبيل المثال، يثير تساؤلات ملحة. وبصفة عامة، يبدو أن توحيد أسواق دول مجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يفضي إلى توسيع السوق الإقليمية، ويساهم في طرح رؤوس أموال هائلة، ويدعم حجم التبادلات التجارية، وبالتالي يساهم في خلق مجموعة من الفوائد التي عادة ما تصاحب نمو أسواق الأوراق المالية وتفتح الباب أمام تدفق المزيد من الاستثمارات في اقتصادات دول المجلس.

من جهة أخرى، إذا ما نظرنا إلى التجارة البينية نسبةً لحجم التجارة غير النفطية بين دول مجلس التعاون الخليجي، نجد أنها تمثل الضعف، حيث وصلت قيمتها إلى نحو 13 في المائة من إجمالي التبادلات التجارية. فقطاع السياحة، على سبيل المثال، شهد زيارة نحو خمسة ملايين من المواطنين السعوديين للبحرين خلال عام 2003، كما تم الإعلان عن إطلاق مجموعة من المشاريع الرامية إلى تعزيز شبكة المواصلات بين دول مجلس التعاون الخليجي ـ مثل مشروع تشييد جسرين بحريين من المرتقب أن يربط أحدهما قطر بالبحرين، وأن يربط الآخر قطر بالإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى مشروع بناء شبكة من السكك الحديدية تربط دول الخليج وبناء خط قطار مغناطيسي فائق السرعة يربط قطر بالبحرين مع إمكانية تمديد الخط ليصل إلى الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان.

ويبدو في الوقت الراهن أن الأنشطة الاقتصادية عبر حدود دول مجلس التعاون الخليجي آخذة في اكتساب المزيد من الزخم، حيث بلغ عدد الرخص التجارية الممنوحة في دول المجلس خلال عام 2003 نحو 6.247 رخصة، استحوذت السعودية على 30 في المائة منها ـ وهذا الرقم يمثل زيادة بنسبة خمسين في المائة، مقارنة بعدد الرخص الممنوحة خلال عام 1992.

وقد كان من الممكن أن تُسجَّل أرقام أفضل لولا وجود خلافات سياسية بين بعض دول مجلس التعاون. ومن جهتها تعكف كل من قطر وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة على التفاوض مع واشنطن حول اتفاقيات للتجارة الحرة، وهو الأمر الذي يثير تساؤلاً حول احتمال تشبث دول المجلس بمصالحها القومية على حساب تبني اتفاقية لإقامة منطقة للتكامل الإقليمي، وبالتالي تهديد الاندماج والوحدة الإقليميين.

صفوة القول إنه من الظلم اعتبار جميع مبادرات مجلس التعاون الخليجي فاشلة بالمعنى المطلق. فالمجلس، ومن منطلق كونه يجسد كياناً سياسياً، تمكن من التغلب على مجموعة من التحديات التي تواجه دوله، كما ظهر ذلك جلياً أثناء الغزو العراقي للكويت وخلال عملية تحرير الكويت، كما أن عملية التكامل الإقليمي شهدت نجاحات وإخفاقات متباينة، وبناءً على ما يتم تداوله من خطابات وتصريحات، يبدو أن دول مجلس التعاون تمتلك الإرادة السياسية لتجاوز المعوقات القائمة في وجه تحقيق الوحدة الإقليمية، فخطة إقامة اتحاد نقدي تسير على قدم وساق بعد أن تم التوقيع مؤخراً على اتفاقية خاصة بتوحيد معايير التقارب النقدي والسوق المشتركة المرتقب تفعيلها مع حلول عام 2007.

ومن المهم في هذا السياق إجراء مقارنة بتجربة الاتحاد الأوروبي واستخلاص العبر منها في سبيل ضمان المصالح الوطنية بالموازاة مع انتهاج سياسات تهدف إلى تأمين الأهداف الجماعية. حقاً، إن إقامة عملة أوروبية موحدة يمثل أعظم إنجاز سياسي في التاريخ الحديث لعملية الاندماج الأوروبي، مع العلم أن أكثر المراحل حساسية في المسار الأوروبي تبلورت خلال عامي 1991 و1998 عندما نجحت الحكومة البريطانية وقتها في الخروج من منظومة العملة الموحدة. ومنذ ذلك الوقت، تباعدت مواقف دول منطقة اليورو وبريطانيا على المستوى المؤسساتي وعلى الصعد الاقتصادية والسياسية، لكن بريطانيا لا تزال إلى يومنا هذا جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وفي الحقيقة، فإن الاقتصاد البريطاني حقق إنجازات أفضل من منطقة اليورو على الرغم من أن السبب في ذلك لا يعود بالضرورة إلى قرار بريطانيا القاضي بالبقاء خارج منطقة اليورو.

ومن المعروف أن عمر مجلس التعاون الخليجي يمتد إلى 25 عاماً، وعلى الرغم من أن المجلس مُطالَب بالتغلب على جملة من التحديات قبل أن ينجح في تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها، فإن الحاجة في الوقت الراهن تتمثل في العمل بجدية على تحقيق تلك الأهداف وتحقيق طموحات الشعوب الخليجية بل وتجاوزها. ومن المهم للغاية أن يبقى مجلس التعاون الخليجي متماسكاً، وأن يجسد عامل التحفيز الرئيسي لدعم عملية تنمية وتكامل دول المنطقة. وفي خضم الانكباب على إنجاز تلك المهمة، ينبغي على دول المجلس النظر إلى الاختلاف في الرؤى في إطار روح المنافسة، وليس بالضرورة باعتبارها تجسيداً لروح الفرقة والخلاف. الإشكالية، إذن، لا ترتبط بمدى مواءمة مؤسسة مجلس التعاون الخليجي بقدر ما يتمحور السؤال حول مدى رغبة الدول الأعضاء في المجلس في القبول بمؤسسة اتفقت هذه الدول على إقامتها لخدمة مصالحها الجماعية.

::/fulltext::
::cck::2799::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *