صورة مختلفة للرئيس الإيراني الجديد بعد الانتخابات
::cck::2847::/cck::
::introtext::
جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مخيبة لآمال الإصلاحيين بشقيهم المعتدل والمتطرف، ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لأولئك الذين يعرفون خطط المحافظين، التي نجحت أخيراً في إحكام سيطرتهم على كل مفاصل النظام في الجمهورية الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مخيبة لآمال الإصلاحيين بشقيهم المعتدل والمتطرف، ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لأولئك الذين يعرفون خطط المحافظين، التي نجحت أخيراً في إحكام سيطرتهم على كل مفاصل النظام في الجمهورية الإسلامية.
ويمكن القول إن سكان القرى والأرياف الذين يشكلون نحو 90 في المائة من سكان إيران، يدينون في الغالب بالولاء لنظام الجمهورية الإسلامية، حتى إن كانت لديهم ملاحظات على أداء رموزه والمسؤولين الحكوميين، لعبوا دورا في ترجيح كفة الرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد ، إضافة إلى الإحباط القوي الذي تولد لدى جيل الشباب، بسبب إخفاقات التيار الإصلاحي، ولقناعة وصل إليها هذا الجيل، هي أن المحافظين قادرون على عرقلة جهود الإصلاحيين الرامية إلى تحسين أداء الاقتصاد الإيراني ومواجهة التحديات الأخرى الداخلية والخارجية.
لقد شارك أهالي الريف والقرى في الحرب الإيرانية – العراقية وقدموا القرابين فيها، ولكنهم انزعجوا كثيرا مما أصبح يعرف في إيران (أبناء السادة) أي أبناء المسؤولين الذين وصلوا إلى قمة الثراء بعد انتهاء الحرب، وأمسكوا بمفاصل العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية، لأنهم أولاد (الملوك)، وعلى رأسهم أبناء الخاسر في الانتخابات الإيرانية أكبر هاشمي رفسنجاني.
ليس مهماً من فاز من مرشحي التيار المحافظ في هذه الانتخابات، بل المهم بالنسبة للمحافظين، ولعامة الشعب الإيراني، أن يخسر رفسنجاني، ويفشل في الوصول مجدداً إلى سدة الرئاسة، حتى إن غير جلده، ولبس لباس الاعتدال، وأعلن عن تشكيل جبهة لهذا الاعتدال.
قبل ثلاث سنوات وجه قادة الحرس الثوري الإيراني رسالة لها مغزى إلى الرئيس (حتى أغسطس) محمد خاتمي، ولمحوا فيها إلى عزمهم على فتح مواقع الإصلاحيين وقلاعهم، ووضعوا لتحقيق هدفهم، خطة طويلة الأمد، بدأت بالتحضير للانتخابات البلدية في عام 2003 والتي جاءت محمود أحمدي نجاد رئيسا لبلدية طهران، وأعلنوا للانتخابات التشريعية عن تأسيس حركة عمّار إيران (آبادكران) ليخوضوا بها انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) ويسيطروا عليه، عندما عرضوا لغة مرنة أظهروا فيها وجههم (الإصلاحي). متشددو المحافظين لا يريدون رفسنجاني واصل الحرس الثوري وقادة التعبئة (الباسيج) خطهم باتجاه الاستحواذ على الرئاسة، بعد أن سيطروا على المجالس البلدية، والبرلمان، وكانوا وراء امتناع رابطة مدرسي الحوزة العلمية في مدينة قم عن دعم ترشيح رفسنجاني، وخلف صدور بيانات ومنشورات ليلية وأقراص مدمجة تسيء لرفسنجاني لحمله على الانسحاب من السباق الانتخابي.
وكذلك فقد امتنعت رابطة علماء الدين المناضلين (روحانيت مبارز) عن دعم الشيخ! فاضطر إلى الانسحاب من مجلسها المركزي، ليبقى هدفا مستمرا لسهام أنصارها. وبذل غلاة المحافظين جهدا استثنائيا لمنع رفسنجاني من الفوز بالانتخابات، وقاموا بجولات في الأقاليم الإيرانية لحث الناخبين على عدم التصويت لصالح رفسنجاني. كان (حزب المؤتلفة الاسلامية)، رأس الحربة في جناح المحافظين المتشددين الذين لا يؤمنون أساسا بمنصب الرئيس، وألحوا بعد الانتخابات الرئاسية عام 1997 من أجل إلغائه، وإعلان حكومة الخلافة الإسلامية، وهددوا باستخدام الحرس الثوري وباقي العسكريين والقوات المسلحة والميليشيات، لتحقيق هذا الهدف. وفعلا ففي ليلة الانتخابات في دورتها الأولى نزل القادة العسكريون إلى الشوارع، ومارسوا حملة تعبئة واسعة جداً لصالح نجاد وضد رفسنجاني الذي تعرضوا لشخصه وسمعته.
واستخدمت في الحملة الانتخابية كل إمكانات النظام خصوصا مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والحرس الثوري ومؤسسات أخرى لا تخضع لسلطة الحكومة، لاغتيال سمعة رفسنجاني، وهذا الأمر ترك أثرا سلبيا في أصوات الناخبين من الشباب. تقديرات خاطئة ارتكب الإصلاحيون خطأهم القاتل عندما قدموا مرشحين هما مصطفى معين ومهدي كروبي، ما أدى إلى تشتت الأصوات لصالح كل منهما، وتقديم هدية على طبق من ذهب للمحافظين الذين كانوا يريدون ترحيل الانتخابات إلى الجولة الثانية. ومنح المؤيدون الجدد لرفسنجاني وهم خليط من إصلاحيين: (متطرفون وأصوليين)، ومن ليبراليين لا يؤمنون أساسا بنظام ولاية الفقيه ومن ملكيين أيضاً، الذريعة لخصومه لاتهامه بأنه وضع يده بيد (أعداء الثورة)، بما سمح لاستمرار الحملة عليه.
على أية حال فإن الناخب الإيراني الذي جرب سيطرة الإصلاحيين على السلطتين التنفيذية والتشريعية (2000-2004)، أدرك أن المحافظين بيدهم الحل لمشكلاتهم، خصوصاً أن الصورة التي سيظهرون عليها بعد الانتخابات ستكون مختلفة تماماً عنها في الحملة الانتخابية، أو في عهد الإصلاحيين. وربما يكون العناد والرغبة في التغير سبباً كبيراً في تغيير المعادلة لصالح نجاد، وهذه سمة بارزة طبعت حركة الشارع الإيراني، منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. تحديات نجاد انتخاب محمود أحمدي نجاد أثار مخاوف من أن تشهد إيران عزلة دولية وإقليمية على ضوء تصريحاته المثيرة أثناء الحملة الانتخابية، وخلفيته في الحرس الثوري، الجيش العقائدي لنظام الجمهورية الإسلامية. وسيواجه الرئيس الإيراني المنتخب الذي سيتسلم الرئاسة عملياً في أغسطس /آب المقبل، تحديات أهمها داخلياً: ملف القوميات وتتألف إيران من ست قوميات ستثير قلقاً للحكومة المقبلة بعد الاضطرابات التي شهدتها الاهواز مركز اقليم خوزستان.
أيضاً التنمية الاقتصادية وحل مشكلات البطالة والتضخم، وتحديث البنى التحتية خصوصاً ما يتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية لتطوير المنشآت النفطية، تحد مهم يواجه نجاد. وبحسب الأرقام الرسمية، يعيش حوالي ستة ملايين إيراني تحت خط الفقر والرقم يزيد على ذلك بكثير حسب تقارير غير رسمية .
ويتعين على نجاد الاستعانة بفريق من الخبراء الاقتصاديين لترجمة شعاراته التي تصطدم كثيراً بمفردات الواقع الإيراني، وللاستمرار في تطوير المنشآت النفطية وجذب الاستثمارات التي تقدر بـ100 مليار دولار خلال أربع سنوات، رغم أنه شخصيا لا ينسجم كثيراً مع تحرير الاقتصاد، وفتح أبواب إيران الخارجية، لكنه بالتأكيد لن يتمكن من مواجهة رغبة الاقتصاديين من حلفائه مثل (أحمد توكلي) المؤمنين بقوة بأهمية الاستعانة بالاستثمارات الأجنبية.
لقد أصاب انتخاب نجاد الاقتصاد الإيراني بحالة من الذهول وعدم الاستقرار والاضطراب، فنجاد أطلق في حملته الانتخابية شعارات (يجب ولا يجب) من دون أن يقدم برنامجاً محدداً، ولكنه بعد انتخابه قدم برنامجاً واضحاً، لا يختلف كثيرا عن غيره من الرؤساء الإيرانيين عدا طريقة العرض وأولويات المرحلة. فبينما كان رفسنجاني في عهدين رئاسيين (1989-1997) تبنى إعادة الإعمار بعد توقف الحرب الإيرانية – العراقية، طرح خاتمي (1997-2005) فكرة حوار الحضارات وإزالة التوترات، وها هو نجاد ينادي بالعدالة الاجتماعية في الداخل، من دون أن ينسى تحديات الخارج ماضياً على خطى سلفيه، لأنه ملتزم بنظام ولاية الفقيه، وبالنهج العام للنظام.
إن الرئيس المقبل يواجه أيضاً مهمة الاستمرار في البناء العسكري وتطوير قدرات إيران العسكرية وتحديدا الصاروخية لحماية المنشآت النووية والمرافق الحيوية الأخرى في ظل تصاعد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية تطول هذه المرافق.
إن المحافظين يقولون إنهم ينتظرون من رئيسهم الجديد أن يضع حداً لما يسمونه الغزو الثقافي الغربي، والتراجع عن قيم الإسلام والثورة، ويريدون من رئيسهم فرض قوانين صارمة ضد أوجه الانحراف في المجتمع، ويتهمون الرئيس الإيراني محمد خاتمي بأنه منح حريات كثيرة للشباب.
أما أهم التحديات الخارجية فتتمثل بملفات عدة تنتظر أن تفتح بعد الاستحقاق الرئاسي منها: الملف النووي وطبيعة ما ستؤول إليه العلاقات مع الأطراف المعنية: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا التي تتلكأ في تحويل الوقود النووي لتشغيل محطة بوشهر النووية.
أيضاً الأداء الإيراني في العراق الذي سيختلف عن عهد الإصلاحي خاتمي، وآلية التعاطي مع الحكومة المقبلة، وكذلك مستقبل العلاقة مع سوريا، والمنظمات الأصولية وأهمها حزب الله في لبنان والموقف من نزع سلاحه في ضوء التطورات الأخيرة في لبنان والضغوط على سوريا، والموقف من عملية التسوية مع إسرائيل، والعلاقات مع دول الخليج العربية.. كلها ملفات تنتظر على طاولة الرئيس الذي سيظهر تشددا حيالها، لكن من دون أن يخل بالمضمون وهو أن السياسة الخارجية لا يصنعها الرئيس بل يشارك في صنعها. وبعد أن دعا المرشد الأعلى آية الله خامنئي ، آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني مرشح الرئاسة المهزوم إلى البقاء منخرطاً في السياسة، يصبح من نافلة القول إن سياسة إيران الخارجية لن تشهد تغييراً كبيراً، لأن رفسنجاني هو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أعلى هيئة ترسم السياسات الاستراتيجية.
عربياً فإن المحافظين يجدون أنفسهم الأقرب إلى أشقائهم في الدين، من دون أن يعني ذلك تقديمهم تنازلات في قضايا قومية في الخلاف مثلاً مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاث، وأما عن العلاقة مع الغرب فستواصل إيران حوارها النووي مع الاتحاد الأوروبي، لأن المحافظين الممسكين بالسلطتين التنفيذية والتشريعية سيقودون مفاوضاتهم بموقف موحد.
وأخيراً تظل العقدة الأصعب التي ترتبط أساساً بأسلوب الرئيس، وبموقف النظام برمته، وهي العلاقة مع الولايات المتحدة، وبحسب المقربين منه فإن نجاد لن يغلق الباب نهائياً أمام حوار مفقود مع العدو اللدود لإيران، ولن يفتحه هو، رغم أن رفاقه المحافظين في الحكومات السابقة كانوا أول من دعا لهكذا حوار لحل الخلافات تمهيدا لإعادة العلاقات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2847::/cck::
::introtext::
جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مخيبة لآمال الإصلاحيين بشقيهم المعتدل والمتطرف، ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لأولئك الذين يعرفون خطط المحافظين، التي نجحت أخيراً في إحكام سيطرتهم على كل مفاصل النظام في الجمهورية الإسلامية.
::/introtext::
::fulltext::
جاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية مخيبة لآمال الإصلاحيين بشقيهم المعتدل والمتطرف، ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لأولئك الذين يعرفون خطط المحافظين، التي نجحت أخيراً في إحكام سيطرتهم على كل مفاصل النظام في الجمهورية الإسلامية.
ويمكن القول إن سكان القرى والأرياف الذين يشكلون نحو 90 في المائة من سكان إيران، يدينون في الغالب بالولاء لنظام الجمهورية الإسلامية، حتى إن كانت لديهم ملاحظات على أداء رموزه والمسؤولين الحكوميين، لعبوا دورا في ترجيح كفة الرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد ، إضافة إلى الإحباط القوي الذي تولد لدى جيل الشباب، بسبب إخفاقات التيار الإصلاحي، ولقناعة وصل إليها هذا الجيل، هي أن المحافظين قادرون على عرقلة جهود الإصلاحيين الرامية إلى تحسين أداء الاقتصاد الإيراني ومواجهة التحديات الأخرى الداخلية والخارجية.
لقد شارك أهالي الريف والقرى في الحرب الإيرانية – العراقية وقدموا القرابين فيها، ولكنهم انزعجوا كثيرا مما أصبح يعرف في إيران (أبناء السادة) أي أبناء المسؤولين الذين وصلوا إلى قمة الثراء بعد انتهاء الحرب، وأمسكوا بمفاصل العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية، لأنهم أولاد (الملوك)، وعلى رأسهم أبناء الخاسر في الانتخابات الإيرانية أكبر هاشمي رفسنجاني.
ليس مهماً من فاز من مرشحي التيار المحافظ في هذه الانتخابات، بل المهم بالنسبة للمحافظين، ولعامة الشعب الإيراني، أن يخسر رفسنجاني، ويفشل في الوصول مجدداً إلى سدة الرئاسة، حتى إن غير جلده، ولبس لباس الاعتدال، وأعلن عن تشكيل جبهة لهذا الاعتدال.
قبل ثلاث سنوات وجه قادة الحرس الثوري الإيراني رسالة لها مغزى إلى الرئيس (حتى أغسطس) محمد خاتمي، ولمحوا فيها إلى عزمهم على فتح مواقع الإصلاحيين وقلاعهم، ووضعوا لتحقيق هدفهم، خطة طويلة الأمد، بدأت بالتحضير للانتخابات البلدية في عام 2003 والتي جاءت محمود أحمدي نجاد رئيسا لبلدية طهران، وأعلنوا للانتخابات التشريعية عن تأسيس حركة عمّار إيران (آبادكران) ليخوضوا بها انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) ويسيطروا عليه، عندما عرضوا لغة مرنة أظهروا فيها وجههم (الإصلاحي). متشددو المحافظين لا يريدون رفسنجاني واصل الحرس الثوري وقادة التعبئة (الباسيج) خطهم باتجاه الاستحواذ على الرئاسة، بعد أن سيطروا على المجالس البلدية، والبرلمان، وكانوا وراء امتناع رابطة مدرسي الحوزة العلمية في مدينة قم عن دعم ترشيح رفسنجاني، وخلف صدور بيانات ومنشورات ليلية وأقراص مدمجة تسيء لرفسنجاني لحمله على الانسحاب من السباق الانتخابي.
وكذلك فقد امتنعت رابطة علماء الدين المناضلين (روحانيت مبارز) عن دعم الشيخ! فاضطر إلى الانسحاب من مجلسها المركزي، ليبقى هدفا مستمرا لسهام أنصارها. وبذل غلاة المحافظين جهدا استثنائيا لمنع رفسنجاني من الفوز بالانتخابات، وقاموا بجولات في الأقاليم الإيرانية لحث الناخبين على عدم التصويت لصالح رفسنجاني. كان (حزب المؤتلفة الاسلامية)، رأس الحربة في جناح المحافظين المتشددين الذين لا يؤمنون أساسا بمنصب الرئيس، وألحوا بعد الانتخابات الرئاسية عام 1997 من أجل إلغائه، وإعلان حكومة الخلافة الإسلامية، وهددوا باستخدام الحرس الثوري وباقي العسكريين والقوات المسلحة والميليشيات، لتحقيق هذا الهدف. وفعلا ففي ليلة الانتخابات في دورتها الأولى نزل القادة العسكريون إلى الشوارع، ومارسوا حملة تعبئة واسعة جداً لصالح نجاد وضد رفسنجاني الذي تعرضوا لشخصه وسمعته.
واستخدمت في الحملة الانتخابية كل إمكانات النظام خصوصا مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والحرس الثوري ومؤسسات أخرى لا تخضع لسلطة الحكومة، لاغتيال سمعة رفسنجاني، وهذا الأمر ترك أثرا سلبيا في أصوات الناخبين من الشباب. تقديرات خاطئة ارتكب الإصلاحيون خطأهم القاتل عندما قدموا مرشحين هما مصطفى معين ومهدي كروبي، ما أدى إلى تشتت الأصوات لصالح كل منهما، وتقديم هدية على طبق من ذهب للمحافظين الذين كانوا يريدون ترحيل الانتخابات إلى الجولة الثانية. ومنح المؤيدون الجدد لرفسنجاني وهم خليط من إصلاحيين: (متطرفون وأصوليين)، ومن ليبراليين لا يؤمنون أساسا بنظام ولاية الفقيه ومن ملكيين أيضاً، الذريعة لخصومه لاتهامه بأنه وضع يده بيد (أعداء الثورة)، بما سمح لاستمرار الحملة عليه.
على أية حال فإن الناخب الإيراني الذي جرب سيطرة الإصلاحيين على السلطتين التنفيذية والتشريعية (2000-2004)، أدرك أن المحافظين بيدهم الحل لمشكلاتهم، خصوصاً أن الصورة التي سيظهرون عليها بعد الانتخابات ستكون مختلفة تماماً عنها في الحملة الانتخابية، أو في عهد الإصلاحيين. وربما يكون العناد والرغبة في التغير سبباً كبيراً في تغيير المعادلة لصالح نجاد، وهذه سمة بارزة طبعت حركة الشارع الإيراني، منذ سقوط نظام الشاه عام 1979. تحديات نجاد انتخاب محمود أحمدي نجاد أثار مخاوف من أن تشهد إيران عزلة دولية وإقليمية على ضوء تصريحاته المثيرة أثناء الحملة الانتخابية، وخلفيته في الحرس الثوري، الجيش العقائدي لنظام الجمهورية الإسلامية. وسيواجه الرئيس الإيراني المنتخب الذي سيتسلم الرئاسة عملياً في أغسطس /آب المقبل، تحديات أهمها داخلياً: ملف القوميات وتتألف إيران من ست قوميات ستثير قلقاً للحكومة المقبلة بعد الاضطرابات التي شهدتها الاهواز مركز اقليم خوزستان.
أيضاً التنمية الاقتصادية وحل مشكلات البطالة والتضخم، وتحديث البنى التحتية خصوصاً ما يتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية لتطوير المنشآت النفطية، تحد مهم يواجه نجاد. وبحسب الأرقام الرسمية، يعيش حوالي ستة ملايين إيراني تحت خط الفقر والرقم يزيد على ذلك بكثير حسب تقارير غير رسمية .
ويتعين على نجاد الاستعانة بفريق من الخبراء الاقتصاديين لترجمة شعاراته التي تصطدم كثيراً بمفردات الواقع الإيراني، وللاستمرار في تطوير المنشآت النفطية وجذب الاستثمارات التي تقدر بـ100 مليار دولار خلال أربع سنوات، رغم أنه شخصيا لا ينسجم كثيراً مع تحرير الاقتصاد، وفتح أبواب إيران الخارجية، لكنه بالتأكيد لن يتمكن من مواجهة رغبة الاقتصاديين من حلفائه مثل (أحمد توكلي) المؤمنين بقوة بأهمية الاستعانة بالاستثمارات الأجنبية.
لقد أصاب انتخاب نجاد الاقتصاد الإيراني بحالة من الذهول وعدم الاستقرار والاضطراب، فنجاد أطلق في حملته الانتخابية شعارات (يجب ولا يجب) من دون أن يقدم برنامجاً محدداً، ولكنه بعد انتخابه قدم برنامجاً واضحاً، لا يختلف كثيرا عن غيره من الرؤساء الإيرانيين عدا طريقة العرض وأولويات المرحلة. فبينما كان رفسنجاني في عهدين رئاسيين (1989-1997) تبنى إعادة الإعمار بعد توقف الحرب الإيرانية – العراقية، طرح خاتمي (1997-2005) فكرة حوار الحضارات وإزالة التوترات، وها هو نجاد ينادي بالعدالة الاجتماعية في الداخل، من دون أن ينسى تحديات الخارج ماضياً على خطى سلفيه، لأنه ملتزم بنظام ولاية الفقيه، وبالنهج العام للنظام.
إن الرئيس المقبل يواجه أيضاً مهمة الاستمرار في البناء العسكري وتطوير قدرات إيران العسكرية وتحديدا الصاروخية لحماية المنشآت النووية والمرافق الحيوية الأخرى في ظل تصاعد التهديد بتوجيه ضربة عسكرية تطول هذه المرافق.
إن المحافظين يقولون إنهم ينتظرون من رئيسهم الجديد أن يضع حداً لما يسمونه الغزو الثقافي الغربي، والتراجع عن قيم الإسلام والثورة، ويريدون من رئيسهم فرض قوانين صارمة ضد أوجه الانحراف في المجتمع، ويتهمون الرئيس الإيراني محمد خاتمي بأنه منح حريات كثيرة للشباب.
أما أهم التحديات الخارجية فتتمثل بملفات عدة تنتظر أن تفتح بعد الاستحقاق الرئاسي منها: الملف النووي وطبيعة ما ستؤول إليه العلاقات مع الأطراف المعنية: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا التي تتلكأ في تحويل الوقود النووي لتشغيل محطة بوشهر النووية.
أيضاً الأداء الإيراني في العراق الذي سيختلف عن عهد الإصلاحي خاتمي، وآلية التعاطي مع الحكومة المقبلة، وكذلك مستقبل العلاقة مع سوريا، والمنظمات الأصولية وأهمها حزب الله في لبنان والموقف من نزع سلاحه في ضوء التطورات الأخيرة في لبنان والضغوط على سوريا، والموقف من عملية التسوية مع إسرائيل، والعلاقات مع دول الخليج العربية.. كلها ملفات تنتظر على طاولة الرئيس الذي سيظهر تشددا حيالها، لكن من دون أن يخل بالمضمون وهو أن السياسة الخارجية لا يصنعها الرئيس بل يشارك في صنعها. وبعد أن دعا المرشد الأعلى آية الله خامنئي ، آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني مرشح الرئاسة المهزوم إلى البقاء منخرطاً في السياسة، يصبح من نافلة القول إن سياسة إيران الخارجية لن تشهد تغييراً كبيراً، لأن رفسنجاني هو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أعلى هيئة ترسم السياسات الاستراتيجية.
عربياً فإن المحافظين يجدون أنفسهم الأقرب إلى أشقائهم في الدين، من دون أن يعني ذلك تقديمهم تنازلات في قضايا قومية في الخلاف مثلاً مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاث، وأما عن العلاقة مع الغرب فستواصل إيران حوارها النووي مع الاتحاد الأوروبي، لأن المحافظين الممسكين بالسلطتين التنفيذية والتشريعية سيقودون مفاوضاتهم بموقف موحد.
وأخيراً تظل العقدة الأصعب التي ترتبط أساساً بأسلوب الرئيس، وبموقف النظام برمته، وهي العلاقة مع الولايات المتحدة، وبحسب المقربين منه فإن نجاد لن يغلق الباب نهائياً أمام حوار مفقود مع العدو اللدود لإيران، ولن يفتحه هو، رغم أن رفاقه المحافظين في الحكومات السابقة كانوا أول من دعا لهكذا حوار لحل الخلافات تمهيدا لإعادة العلاقات.
::/fulltext::
::cck::2847::/cck::
