فوز الحزب الديمقراطي ماذا يعني للخليج؟

::cck::2869::/cck::
::introtext::

يأتي فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي في زمن تعيش فيه المنطقة الخليجية أشد مراحل التوتر والانفجار السياسي الطائفي بسبب تداعيات احتلال العراق وما خلفه من تمدد النفوذ الإيراني وبروز صراع دولي داخلي وإقليمي بين هذه الأطراف، إضافة إلى توسع دائرة الاستقطاب والتأييد للقاعدة من خلال الموقع الميداني الجديد وهو العراق وتأثير تشكل هذه المجموعات القتالية في دول الخليج خاصة بعد إعلان الظواهري أن الخليج سيكون ميدان المعركة الكبرى بين الولايات المتحدة من جهة والقاعدة من جهة أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

يأتي فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي في زمن تعيش فيه المنطقة الخليجية أشد مراحل التوتر والانفجار السياسي الطائفي بسبب تداعيات احتلال العراق وما خلفه من تمدد النفوذ الإيراني وبروز صراع دولي داخلي وإقليمي بين هذه الأطراف، إضافة إلى توسع دائرة الاستقطاب والتأييد للقاعدة من خلال الموقع الميداني الجديد وهو العراق وتأثير تشكل هذه المجموعات القتالية في دول الخليج خاصة بعد إعلان الظواهري أن الخليج سيكون ميدان المعركة الكبرى بين الولايات المتحدة من جهة والقاعدة من جهة أخرى.
كذلك فإن تطور النفوذ الإيراني في العراق سواء في حال تقسيمه أو بقائه وتفاقم الحرب الأهلية هناك ومن ثم إعادة تفعيل طهران لأذرعتها في المنطقة وانعكاسات ذلك على حالة المواجهة المستفزة للتيار العربي الإسلامي في منطقة، كل هذه الظروف تحيط ببئر النفط الرئيسية في العالم التي عمل الأمريكيون جاهدين منذ أكثر من 70 عاماً على تأمينها كمشروع استثمار دائم يؤمن للولايات المتحدة صدارتها الاقتصادية وهيمنتها الاستراتيجية على العالم والذي استكملته حسب إعلانها مع انتهاء حرب الخليج بعد تدمير العراق في 1991، وأعلن حينها الرئيس جورج بوش الأب انتصار استراتيجية واشنطن ونظامها الدولي الجديد. ومع الفارق الكبير بين إعلان بوش الأول النصر في 1991 وبين إعلان الكونغرس الهزيمة الضمنية في انتخابات نوفمبر.
لكن هذه الهزيمة والانسحاب المتوقع لا يعنيان بحال تخلي الإدارة الأمريكية أو الكونغرس بقواه الديمقراطية والجمهورية عن القواعد الاستراتيجية في التعامل مع منطقة الخليج كموقع تشكل السيطرة وبسط النفوذ عليه ومنع أي قدرة أو رؤية سياسية لشعبه أو دوله عقيدة إيمانية لدى التوجهات الفكرية والسياسية الرئيسية التي قامت عليها خطط الولايات المتحدة لاستمرار التفوق الاستراتيجي لها في العالم تماماً كما هو الحال في دعم الكيان الصهيوني بكل وسيلة والمشاركة معه في الأمن والتقنية والتعليم وضمان تفوقه على محيطه العربي وهي قضية يتساوى فيها الحزبان الديمقراطي والجمهوري.
الاتفاق على المصالح والخلاف في التحالفات
إن أول ما يبرز في استعراضنا لفلسفة الحفاظ على المصالح الاستعمارية في المنطقة والاختلاف بين الحزب الديمقراطي والجمهوري هما قضيتان رئيسيتان، الأولى هي علاقة الحزب الجمهوري في تشكيلته البنائية والاقتصادية بالنظام الشمولي في الخليج وأسره الحاكمة كأسلوب راسخ بين مفكري الحزب وقادته السياسيين وهو ما تتفق عليه كثير من الدراسات الداخلية لتحليل مواقف البيت الأبيض من النظم الحاكمة في الخليج وهو ما يدل بشكل واضح على قرب النظام الرسمي في الخليج من الحزب الجمهوري.
الثانية هي عمق الفكرة الليبرالية العقائدية المطلقة لدى الحزب الديمقراطي خلافاً للحزب الجمهوري الأقل انسجاماً وتكاملاً مع أطروحاتها، إن هذا التفاعل الواسع لدى الحزب الديمقراطي قيادات وقواعد مع مبادئ الليبرالية العقائدية المطلقة يدفع بكل وضوح للتعامل مع حالة النظام الشمولي في الخليج بأسلوب مختلف تماماً عن الحزب الجمهوري.
وهذا لا يعني بلوغ خطوط حمراء تؤدي إلى اضطراب وفقدان سيطرة الولايات المتحدة عليها ولكنها رؤية وإيمان لدى الديمقراطيين بأن الحالة التي تعيشها الأنظمة الشمولية تُقَيّم وفقاً لتجاوبها مع الحراك الإصلاحي الأمريكي ذي الرؤية الليبرالية الخاصة في نمط وعلاقة المجتمع.
والمتفق عليه جمهورياً وديمقراطياً ألا تمس هذه البرامج الإصلاحية الأمريكية القواعد العسكرية أو تؤثر في تدفق الثروة النفطية للولايات المتحدة والأبعاد الاستراتيجية لموقع الخليج.
إن ما يتبناه الديمقراطيون هو حالة من الأنماط والسلوك وبعض القيم تخشى الأسرة الحاكمة من توسعها وفقدان السيطرة على معادلة التوازن في توجيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية كصفقات مع الأطراف الفاعلة لتحقيق إرادتها السياسية لو اجتاح الأمريكيون الشارع الشعبي.
وقد تتقاطع هذه البرامج الأمريكية مع المصالح الشعبية من ناحية الحرية الفردية السياسية بنسب متفاوتة بين هذه الدولة وتلك وفي كل الحالات دون تهديد مصالح الولايات المتحدة كما أسلفنا ودون تحقيق تقدم لاستقلال القرار الوطني.
إن هذه النظرة والموقف كانا قديماً موقف الحزب الديمقراطي ورؤيته، وعزز هذا الموقف بصورة لم يسبق لها مثيل فشل الحزب الجمهوري في إثبات صحة نظريته في رعاية النظام الرسمي في منطقة الخليج وإبقائه على وضعه مع الدفع به لبعض التغييرات المحدودة في تصور الديمقراطيين ومؤسسات المجتمع المدني الأمريكي وأصدقائهم وحلفائهم في المنطقة المقيمين كمعارضة في واشنطن أو المقيمين في أوطانهم. أي أن لسان حال الديمقراطيين يقول للحزب الجمهوري لو أنكم بدل الحرب على العراق حركتم الساكن الخليجي إلى أوضاع أكثر استقراراً لنا ولتأمين مصالحنا وعدم الاعتماد عليهم في تطوير أنفسهم لوصلنا إلى حالة تعزز الاستقرار لأمن مصالح الولايات المتحدة، ولكن ما حدث خلاف ذلك فانهار المشروع الأمريكي في العراق، ولم تضمن واشنطن استقرار الحالة السياسية في الخليج أو تأمن اضطراباتها التي تهدد البئر النفطية الأهم. بعبارة أخرى فإن سياسة ترحيل المعالجات للمجتمع الخليجي زادت من اضطراب الموقف وامتداداته على المنطقة وحراكها السياسي والاجتماعي المتفاعل بشدة منذ 11 سبتمبر 2001.وهنا يظهر التوقع الأبرز وهو دفع الديمقراطيين إلى تغيير حقيقي في المشهد الداخلي لدول مجلس التعاون حسب هذه المعطيات والمسلمات الاستراتيجية.
ولمعرفة ما الجديد في ما يخص منطقة الخليج وما سيفعله الديمقراطيون من تغيير لقواعد اللعبة والوسائل، وهل هذا سيؤثر في الوضع السياسي القائم في دول المنطقة وحالة الانفتاح أو التحرر الثقافية والاجتماعية وأي من التيارات الفكرية في المنطقة تكون مفتاح هذه المرحلة الديمقراطية يجب علينا أن نستعرض هذه التيارات ومن منها المرشح للتحالف ومن مرشح للمواجهة:
توجهات التيارات الفكرية في الخليج
من خلال استعراض الطرح الثقافي والمشاركة السياسية لتيارات الخليج الفكرية مع اختلاف من دولة إلى دولة، حيث توجد لدى بعضها مجالس نيابية أو لا يوجد ولكنه يمارس في أوعية أخرى وفي بعض الدول تكاد تنعدم قوى وفعاليات معارضة سياسية من كل التيارات، ويبقى التنافس والصراع في حدود الحياة الاجتماعية والثقافية وإن رددت فيها الديمقراطية صباحاً ومساء ولكن بالعموم نستطيع أن نحصرها إجمالاً في أربعة توجهات رئيسية مع وجود ضعيف لتوجهات أخرى وهذا لا يعني غياب المدارس الفكرية الرئيسية في المنطقة العربية التي كانت ولا تزال موجودة في الخليج، (التوجهات الإسلامية بأطيافها والقومية العروبية والقومية الاشتراكية وفصائل اليسار المتعدد والليبرالي الوطني والليبرالي الغربي) ولكن الخلاصة السياسية في الحراك الميداني والمؤثر أعادت صياغة هذه المدارس لتلك التوجهات على هذا النحو.
المحور المذهبي الديني
هو فكر يعتمد على رؤيته للإصلاح الإسلامي من خلال قوة نفوذه في المجتمع وانتشار خطابه القائم على المفاصلة العقائدية مع المجتمع المحلي والخطاب الوعظي الحاد وتأطير السلوك الفردي لأبناء المجتمع وفقاً لرؤيته الفقهية الحادة التي لا ترى أي مساحة قبول مطلقاً للاختلاف مع بقية المدارس الإسلامية السنية فضلا عن غيرها ، ولا تهتم مطلقاً بتحقيق العدالة السياسية في الإسلام من خلال أطر إصلاحية تنتخب وتُنتخب وتحقق عدالة توزيع الثروة والمال العام، لذا فإن هذه المحور لا يسعى لإشاعة الحقوق لوجود أزمة تصور أصلية في خطابه وأيديولوجيته أبعدته بفعل ذاتي وتدخل سياسي عن مثل هذه الأطروحات، بل قد يستخدم أو يبادر ذاتياً إلى مواجهة أي مشروع إصلاحي يسعى لتحقيق رؤية الإسلام الشاملة لمعاني السياسة والاقتصاد والسيادة والحقوق والنظام الاجتماعي خشية ذهاب مكتسباته المذهبية أو التقليل منها، وقادة هذا التيار بين شخصيتين، الأول يدرك حقيقة الاختلاف وأن ما يطرحه التيار الإسلامي والوطني لا يتعارض مع الإسلام بل يتوافق مع مقاصده في تحقيق البناء الرسالي للمجتمع العربي، لكنه يخضع لتوافقات تحفظ وضعه ومكانته ومكانة تياره التزم خلالها بعدم الإخلال بميزان المعادلة مع قوى النفوذ الرسمية.
والثاني من قيادات هذا التيار هو شخصية مخلصة لمنهجها ومبدئها لا ترى الإسلام إلا من خلال هذه المسألة أو تلك الفتوى ولو كان مقابل ذلك التنازل عن قيم أصلية في الإسلام تمس الحقوق والسيادة، لكنه يعبأ بسهولة ويعاد توجيه خطابه لحماية موقفه المذهبي ومصلحته الفئوية التي يعتبرها هي الإسلام وحدودها حدود الإسلام.
التيار الإسلامي الإصلاحي
هو التيار الإسلامي الإصلاحي الذي يؤمن بمفهوم المرجعية الإسلامية وفقاً لتوجيهات نص الكتاب والسنة كأساس تشريعي ملزم كما يرفعه كشعار المحور الأول لكن بسعة مقاصد التشريع للعهد الراشدي التي دونت في مدارس الفقه الإسلامي سلفاً وخلفاً مع تفعيل حيوي لرسالة الاجتهاد والاستنباط الفقهي وحسن قراءة الواقع في استنباط الأحكام، ويسعى إلى تطوير وسائل الشريعة في الحياة بناء على مقاصدها الكبرى من احترام الفرد وعدالة الحاكم ودستورية النظام الإسلامي وتوزيع الثروة ومحاربة التمييز والامتيازات المنحرفة وتحقيق السيادة بحزم في مواجهة الأجنبي، ويسعى أيضاً لتوجيه البيئة الاجتماعية في منطقة الخليج إلى تطوير راشد يحمي منهج المحافظة الإسلامي السائد مع التوسعة التي أقرتها الشريعة للحراك الثقافي والتقدم الحضاري وقضايا المرأة في اجتهادات علمائها المعتبرين سلفاً وخلفاً والانطلاق نحو القضايا الحيوية الكبرى للمقاصد الإسلامية والوعي العربي الاستراتيجي، وهذا التيار يواجه ويناهض بعنف من قبل القوى الداخلية والدولية رغم تمسكه بالمنهج السلمي والاعتراف بالحكم القائم ويتفق مع هذا التيار جزء من التيار القومي العربي.
التيار الوطني
هو خليط واسع من المثقفين الوطنيين وبعض القوميين العرب الذين لم توظفهم الوسائط الأمريكية وحلفاؤها أو الإيرانية وطيف واسع من التكنوقراط وأوساط من الرأي العام يؤمن بمرجعية الإسلام، ولكنه يميل دوماً إلى التيسير والانفتاح الشامل دون مواجهة للولايات المتحدة والدفع نحو المبادرات الوطنية مع التنسيق مع كل القوى، فهذا التيار وان كان قريباً من تيار الإصلاح الإسلامي ويتناغم معه في جزء من الحراك الاجتماعي والثقافي إلا أنه يخضع للضغوط واستقطابات قوية من الأطراف الأخرى، لذا فإن موقفه يتأرجح يميناً ويساراً بحسب مساحة الحرية المتاحة له أو بسبب قوة الضغط الممارس عليه خاصة مع عجز التيار الإسلامي التواصل بفعل الحصار أو نقص ذاتي في قدرته وخطابه.محور تحالف التيار الليبرالي الغربي والطائفية السياسية
وقد حددته بالغربي لأفرز بعض القوى والشخصيات الوطنية في هذا التيار، أي ذات النزعة الوطنية المستقلة والفاعلة بروح الغيرة الوطنية لخدمة المجتمع بغض النظر عن قناعتها الفلسفية للحياة التي لا تتفق مع هوية المجتمع أحيانا لكنها تلتزم بشروط النهضة الإصلاحية ولم تقبل المشاركة كأداة في المشروع الأمريكي.
إن هذا التيار يتناغم بصورة منظمة وفاعلة مع المشروع الأمريكي وإن تسمى بمصطلح وطني، ويحرك أطروحاته متحداً مع الموقف الدولي، ويسير على الفلسفة نفسها وهي ديمقراطية السلوك الأمريكي في وضع المرأة والحياة الاجتماعية والحقوق المقننة وفقا لمفاهيم غربية تزيد نسبة اهتمام التيار بهذه القضية وتلك بحسب تفعيل البرنامج الأمريكي للمنطقة، لذا فإنه يبتعد كلياً عن المطالبة بتحقيق الانتخاب الشامل أو الإدارة الوطنية للثروة فضلا عن إقصائه ومحاربته العنيفة في الإعلام لمفاهيم التضامن الأممي مع الوطن العربي، ويلاحظ في الآونة الأخيرة توسيع دائرة الهجوم وتبادل التهم بين هذا التيار والتيار المذهبي الديني مع إقصاء التيار الإسلامي الوطني الإصلاحي من ساحة الحراك وإبعاده بقوة النفوذ وعلى كل حال يُفضل التيار الليبرالي الغربي مواجهة التيار المذهبي لسهولة التلاعب به بناء على غياب الوعي الفكري والسياسي لدى مناضليه وسطحية تصوراتهم الفكرية والفقهية.
وقد توسع التيار الليبرالي مؤخراً في مهاجمة مفاهيم التضامن الإسلامي عطفا على استثمار أعمال العنف التي اجتاحت الوطن العربي بعد صراع الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة والتداخلات السياسية والاجتماعية والدينية العديدة، وبات يركز على مفصل القضية العربية وهي فلسطين بمهاجمة قوى المقاومة والممانعة في فلسطين أو العراق ونقصد بالعراق المقاومة الإسلامية الوطنية التي لا تمارس العنف ضد المدنيين.
إن هذا الهجوم المنظم للتيار الليبرالي الغربي يتطابق كلياً مع شروط الرعاية الأمريكية لأطروحات الحراك الفكري في الخليج، بل إن الأمريكيين حين بدأوا جس النبض مع بعض الشخصيات الإسلامية كان أول أسئلتهم الموقف من الدولــة العبرية وإلى أي حد يمكن أن يتجاوب هذا التيار الإسلامي مع القضية الحيوية لواشنطن وهي حماية إسرائيل، وحين وجدت واشنطن ممانعة مبدئية فإنهم باركوا الحصار على هذا التيار باستثناء شخصيات تتجاوب معهم نسبيا، لذا يتطوع الليبراليون العقائديون بكثافة في خدمة هذا الغرض الأمريكي وهو ما نرى دلالاته في الهجوم المنظم على حركة حماس مؤخراً في منطقة الخليج.
تيار الطـائفية السيـاسية التابع لإيران واليسار الإقليمي
يرتبط حراك هذا التيار وبرنامجه الاستراتيجي في الخليج بالتيار الليبرالي الغربي في الغالب حسب الوجود الديموغرافي والاجتماعي له، فإذا ضعف حضوره أمام التيار العام في إحدى الدول ارتبط بالتيار الليبرالي الغربي أو اليسار الإقليمي، ونقصد هنا باليسار الإقليمي أي الذي ارتبط ببرنامج الحراك الإيراني في الخليج واندمج كليا مع مشروعه خلافاً لليسار الوطني أو اليسار الأممي وإذا قويت الطائفية السياسية ديموغرافياً باتت شراكتها معهما أقل وتخلى عن حليفه.
إن هذا التجانس بين التحالف سواء كان تجانساً تلقائياً صداه واسع في وسائل الإعلام والمنابر الثقافية المسيطر عليها من الطرفين أو كان بتدخل مباشر أو غير مباشر من واشنطن فهو في نهاية الأمر يتطابق مع التشكيلة التي تسعى واشنطن دائماً لإبرازها كمعارضة غير مهددة للمصالح أو معارضة للأحداث السياسية المفصلية في المنطقة، ولقد وقف هذا التحالف بقوة دون حضور استحقاقي واضح للمحور الإسلامي الوطني في إحدى الدول، وحين كُسرت قاعدة الاحتكار لواجهة المعارضة رفض التعاطي معها في ساحة الإصلاح الوطني، وبالضبط فعلت واشنطن، فالمطلوب دائماً لدى الطرفين المحلي والدولي هو وجود تركيبة تخضع للتوجهات الاستراتيجية لواشنطن التي تحول دون توسع الخطاب الإصلاحي إلى قضايا إصلاح شاملة وأساسية تفيد الفرد والمجتمع ولكن تبقى في إطار محدد يُستهلك الخطاب فيه لمصالح الطائفية السياسية أو للسلوكيات الغربية في ثقافة المجتمع، ومن المفارقات أن هذا التقاطع في المصالح جمع بين مشروع واشنطن وأتباع الثقافة الإيرانية في المنطقة أي ما يُطلق عليه في الشام والعراق وبقية الخليج (الحركة الصفوية) ويعزز حضوره أوضاع العراق الأخيرة والرسائل المعلنة بعد الاعتراف الدولي والأمريكي بإيران كقوة إقليمية مطلقة في الخليج.
فرص التغيير الداخلي لواشنطن
من استعراضنا السابق للتيارات الفكرية في الخليج يبدو جلياً الطرف الذي سيدفع به الحزب الديمقراطي إلى ساحة الميدان ليتصدر مشهد التغيير الفكري والسياسي في دول المنطقة وهو التحالف بين مجموعة الثقافة الإيرانية والليبراليين العقائديين ومعهم مناضلو اليسار الإقليمي الذي انعزل كلياً عن مسار اليسار الأممي النضالي أو اليسار العروبي التقدمي، وأصبح مؤخراً تابعاً مباشراً ولصيقاً بالحركة الثقافية الإيرانية في المنطقة، وربما عاد السؤال مرة أخرى ألا تخشى الولايات المتحدة من نفوذ هذه المجموعات وتحديداً المجموعة المتصلة بإيران الثروة ونقول نعم تخشى ذلك ولكن السياق الذي تعيشه الأحداث الآن يطرح عليها خيار (مكره أخاك لا بطل). هذا أولاً وثانياً قضية استغلال المسار الحقوقي للأقليات فهي دائماً الباب الأكبر لإحداث التغيير في المجتمع وفي الوقت نفسه تضمن المجموعة الليبرالية العقائدية ضبط هذه الترويكا لكي تتحقق المشتركات الكبرى بين الولايات المتحدة ووكلائها الفكريين في الخليج.إضافة إلى ما قدمنا في بداية الدراسة نقول إن الحزب الديمقراطي بات مقتنعاً بل والساسة الأمريكيون بأن ترك الوضع على ما هو عليه رهينة لدى النظام الشمولي في الخليج في ظل تسارع الأحداث يعد أمراً خطيراً بكل تأكيد، ولكن الموازنة في التدخل الفكري والسياسي لمصلحة أصدقاء واشنطن هي الخيار الأمثل.
تبعات هذا التدخل على المشهد الداخلي
ولا شك بأن دفع هذه المسارات في قضية الحقوق والحريات ربما استفاد منه الإطار الوطني بشكل عام في حرياته وحراكه وخطابه الثقافي، ولكن يبقى المشهد يدفع نحو الأنموذج الأمريكي، أي طقوس واشنطن الديمقراطية، وليس مفهوم الديمقراطية الحقيقي والفعال لإدارة الثروة والبرنامج السياسي عبر القوى الشعبية المستقلة.
وستؤدي مباشرة الولايات المتحدة في دفع هذا المسار إلى مواجهة أو خضوع لهذه البرامج الفكرية المعدة لتطوير المجتمع الخليجي حسب مفهوم واشنطن التي لن تسمح مطلقا في هذه المرحلة بأن يعارض النظام الرسمي في الخليج هذه الخطوات، وستعزز واشنطن حمايتها للمجموعتين الإيرانية والليبرالية مع تدخل مباشر من سفاراتها.
وهنا ستصعد قضية مهمة هي التفوق التدريجي لمجموعات الثقافة الإيرانية والتوسع التنفيذي المباشر على الأرض خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة رسمياً أن القبول بإيران كقوة إقليمية مطلقة في المنطقة أصبح أمراً واقعاً، وبدأت المفاوضات لتحضير المشهد العراقي لهذا الاتفاق، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة تأييده لهذا الاعتراف.
ويعزز هذا الإفراز حركة الثقافة الإيرانية ولكن إلى أي مدى سيتواصل الطرفان في تحديد الصورة النهائية للإقليم في إعادة توزيعه و(فدرلة) دوله أو تدشين نظام دستوري مقنن لمصلحة واشنطن يضمن لهذه المجموعات الحراك والتوسع في مقابل الالتزام بتدفق مصالح الولايات المتحدة وضمان أمنها الاستراتيجي، خاصة أن الطرفين متفقان على أن الأولوية هي مواجهة نزعة المقاومة والتحرر لدى المنطقة العربية الخليجية والتي تهدد مصالحها مباشرة سواء كانت معتدلة كأنموذج المقاومة العراقية واستنساخ حركة حماس خليجياً أو عبر الحراك السياسي الداخلي لقوى الإصلاح الوطني المستقلة عن الإدارة الأجنبية والمستقلة أيضاً عن الاستخدام الأمني الداخلي، أو كان ذلك من خلال مجموعات العنف المتطرفة في العراق، وتعزز وجودها في الخليج وتبقى (القاعدة) في أوج قوتها متربصة بالمشهد، فإلى أين يذهب الخليج هل إلى مهب الريح أم يقترب من قم؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2869::/cck::
::introtext::

يأتي فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي في زمن تعيش فيه المنطقة الخليجية أشد مراحل التوتر والانفجار السياسي الطائفي بسبب تداعيات احتلال العراق وما خلفه من تمدد النفوذ الإيراني وبروز صراع دولي داخلي وإقليمي بين هذه الأطراف، إضافة إلى توسع دائرة الاستقطاب والتأييد للقاعدة من خلال الموقع الميداني الجديد وهو العراق وتأثير تشكل هذه المجموعات القتالية في دول الخليج خاصة بعد إعلان الظواهري أن الخليج سيكون ميدان المعركة الكبرى بين الولايات المتحدة من جهة والقاعدة من جهة أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

يأتي فوز الحزب الديمقراطي الأمريكي في زمن تعيش فيه المنطقة الخليجية أشد مراحل التوتر والانفجار السياسي الطائفي بسبب تداعيات احتلال العراق وما خلفه من تمدد النفوذ الإيراني وبروز صراع دولي داخلي وإقليمي بين هذه الأطراف، إضافة إلى توسع دائرة الاستقطاب والتأييد للقاعدة من خلال الموقع الميداني الجديد وهو العراق وتأثير تشكل هذه المجموعات القتالية في دول الخليج خاصة بعد إعلان الظواهري أن الخليج سيكون ميدان المعركة الكبرى بين الولايات المتحدة من جهة والقاعدة من جهة أخرى.
كذلك فإن تطور النفوذ الإيراني في العراق سواء في حال تقسيمه أو بقائه وتفاقم الحرب الأهلية هناك ومن ثم إعادة تفعيل طهران لأذرعتها في المنطقة وانعكاسات ذلك على حالة المواجهة المستفزة للتيار العربي الإسلامي في منطقة، كل هذه الظروف تحيط ببئر النفط الرئيسية في العالم التي عمل الأمريكيون جاهدين منذ أكثر من 70 عاماً على تأمينها كمشروع استثمار دائم يؤمن للولايات المتحدة صدارتها الاقتصادية وهيمنتها الاستراتيجية على العالم والذي استكملته حسب إعلانها مع انتهاء حرب الخليج بعد تدمير العراق في 1991، وأعلن حينها الرئيس جورج بوش الأب انتصار استراتيجية واشنطن ونظامها الدولي الجديد. ومع الفارق الكبير بين إعلان بوش الأول النصر في 1991 وبين إعلان الكونغرس الهزيمة الضمنية في انتخابات نوفمبر.
لكن هذه الهزيمة والانسحاب المتوقع لا يعنيان بحال تخلي الإدارة الأمريكية أو الكونغرس بقواه الديمقراطية والجمهورية عن القواعد الاستراتيجية في التعامل مع منطقة الخليج كموقع تشكل السيطرة وبسط النفوذ عليه ومنع أي قدرة أو رؤية سياسية لشعبه أو دوله عقيدة إيمانية لدى التوجهات الفكرية والسياسية الرئيسية التي قامت عليها خطط الولايات المتحدة لاستمرار التفوق الاستراتيجي لها في العالم تماماً كما هو الحال في دعم الكيان الصهيوني بكل وسيلة والمشاركة معه في الأمن والتقنية والتعليم وضمان تفوقه على محيطه العربي وهي قضية يتساوى فيها الحزبان الديمقراطي والجمهوري.
الاتفاق على المصالح والخلاف في التحالفات
إن أول ما يبرز في استعراضنا لفلسفة الحفاظ على المصالح الاستعمارية في المنطقة والاختلاف بين الحزب الديمقراطي والجمهوري هما قضيتان رئيسيتان، الأولى هي علاقة الحزب الجمهوري في تشكيلته البنائية والاقتصادية بالنظام الشمولي في الخليج وأسره الحاكمة كأسلوب راسخ بين مفكري الحزب وقادته السياسيين وهو ما تتفق عليه كثير من الدراسات الداخلية لتحليل مواقف البيت الأبيض من النظم الحاكمة في الخليج وهو ما يدل بشكل واضح على قرب النظام الرسمي في الخليج من الحزب الجمهوري.
الثانية هي عمق الفكرة الليبرالية العقائدية المطلقة لدى الحزب الديمقراطي خلافاً للحزب الجمهوري الأقل انسجاماً وتكاملاً مع أطروحاتها، إن هذا التفاعل الواسع لدى الحزب الديمقراطي قيادات وقواعد مع مبادئ الليبرالية العقائدية المطلقة يدفع بكل وضوح للتعامل مع حالة النظام الشمولي في الخليج بأسلوب مختلف تماماً عن الحزب الجمهوري.
وهذا لا يعني بلوغ خطوط حمراء تؤدي إلى اضطراب وفقدان سيطرة الولايات المتحدة عليها ولكنها رؤية وإيمان لدى الديمقراطيين بأن الحالة التي تعيشها الأنظمة الشمولية تُقَيّم وفقاً لتجاوبها مع الحراك الإصلاحي الأمريكي ذي الرؤية الليبرالية الخاصة في نمط وعلاقة المجتمع.
والمتفق عليه جمهورياً وديمقراطياً ألا تمس هذه البرامج الإصلاحية الأمريكية القواعد العسكرية أو تؤثر في تدفق الثروة النفطية للولايات المتحدة والأبعاد الاستراتيجية لموقع الخليج.
إن ما يتبناه الديمقراطيون هو حالة من الأنماط والسلوك وبعض القيم تخشى الأسرة الحاكمة من توسعها وفقدان السيطرة على معادلة التوازن في توجيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية كصفقات مع الأطراف الفاعلة لتحقيق إرادتها السياسية لو اجتاح الأمريكيون الشارع الشعبي.
وقد تتقاطع هذه البرامج الأمريكية مع المصالح الشعبية من ناحية الحرية الفردية السياسية بنسب متفاوتة بين هذه الدولة وتلك وفي كل الحالات دون تهديد مصالح الولايات المتحدة كما أسلفنا ودون تحقيق تقدم لاستقلال القرار الوطني.
إن هذه النظرة والموقف كانا قديماً موقف الحزب الديمقراطي ورؤيته، وعزز هذا الموقف بصورة لم يسبق لها مثيل فشل الحزب الجمهوري في إثبات صحة نظريته في رعاية النظام الرسمي في منطقة الخليج وإبقائه على وضعه مع الدفع به لبعض التغييرات المحدودة في تصور الديمقراطيين ومؤسسات المجتمع المدني الأمريكي وأصدقائهم وحلفائهم في المنطقة المقيمين كمعارضة في واشنطن أو المقيمين في أوطانهم. أي أن لسان حال الديمقراطيين يقول للحزب الجمهوري لو أنكم بدل الحرب على العراق حركتم الساكن الخليجي إلى أوضاع أكثر استقراراً لنا ولتأمين مصالحنا وعدم الاعتماد عليهم في تطوير أنفسهم لوصلنا إلى حالة تعزز الاستقرار لأمن مصالح الولايات المتحدة، ولكن ما حدث خلاف ذلك فانهار المشروع الأمريكي في العراق، ولم تضمن واشنطن استقرار الحالة السياسية في الخليج أو تأمن اضطراباتها التي تهدد البئر النفطية الأهم. بعبارة أخرى فإن سياسة ترحيل المعالجات للمجتمع الخليجي زادت من اضطراب الموقف وامتداداته على المنطقة وحراكها السياسي والاجتماعي المتفاعل بشدة منذ 11 سبتمبر 2001.وهنا يظهر التوقع الأبرز وهو دفع الديمقراطيين إلى تغيير حقيقي في المشهد الداخلي لدول مجلس التعاون حسب هذه المعطيات والمسلمات الاستراتيجية.
ولمعرفة ما الجديد في ما يخص منطقة الخليج وما سيفعله الديمقراطيون من تغيير لقواعد اللعبة والوسائل، وهل هذا سيؤثر في الوضع السياسي القائم في دول المنطقة وحالة الانفتاح أو التحرر الثقافية والاجتماعية وأي من التيارات الفكرية في المنطقة تكون مفتاح هذه المرحلة الديمقراطية يجب علينا أن نستعرض هذه التيارات ومن منها المرشح للتحالف ومن مرشح للمواجهة:
توجهات التيارات الفكرية في الخليج
من خلال استعراض الطرح الثقافي والمشاركة السياسية لتيارات الخليج الفكرية مع اختلاف من دولة إلى دولة، حيث توجد لدى بعضها مجالس نيابية أو لا يوجد ولكنه يمارس في أوعية أخرى وفي بعض الدول تكاد تنعدم قوى وفعاليات معارضة سياسية من كل التيارات، ويبقى التنافس والصراع في حدود الحياة الاجتماعية والثقافية وإن رددت فيها الديمقراطية صباحاً ومساء ولكن بالعموم نستطيع أن نحصرها إجمالاً في أربعة توجهات رئيسية مع وجود ضعيف لتوجهات أخرى وهذا لا يعني غياب المدارس الفكرية الرئيسية في المنطقة العربية التي كانت ولا تزال موجودة في الخليج، (التوجهات الإسلامية بأطيافها والقومية العروبية والقومية الاشتراكية وفصائل اليسار المتعدد والليبرالي الوطني والليبرالي الغربي) ولكن الخلاصة السياسية في الحراك الميداني والمؤثر أعادت صياغة هذه المدارس لتلك التوجهات على هذا النحو.
المحور المذهبي الديني
هو فكر يعتمد على رؤيته للإصلاح الإسلامي من خلال قوة نفوذه في المجتمع وانتشار خطابه القائم على المفاصلة العقائدية مع المجتمع المحلي والخطاب الوعظي الحاد وتأطير السلوك الفردي لأبناء المجتمع وفقاً لرؤيته الفقهية الحادة التي لا ترى أي مساحة قبول مطلقاً للاختلاف مع بقية المدارس الإسلامية السنية فضلا عن غيرها ، ولا تهتم مطلقاً بتحقيق العدالة السياسية في الإسلام من خلال أطر إصلاحية تنتخب وتُنتخب وتحقق عدالة توزيع الثروة والمال العام، لذا فإن هذه المحور لا يسعى لإشاعة الحقوق لوجود أزمة تصور أصلية في خطابه وأيديولوجيته أبعدته بفعل ذاتي وتدخل سياسي عن مثل هذه الأطروحات، بل قد يستخدم أو يبادر ذاتياً إلى مواجهة أي مشروع إصلاحي يسعى لتحقيق رؤية الإسلام الشاملة لمعاني السياسة والاقتصاد والسيادة والحقوق والنظام الاجتماعي خشية ذهاب مكتسباته المذهبية أو التقليل منها، وقادة هذا التيار بين شخصيتين، الأول يدرك حقيقة الاختلاف وأن ما يطرحه التيار الإسلامي والوطني لا يتعارض مع الإسلام بل يتوافق مع مقاصده في تحقيق البناء الرسالي للمجتمع العربي، لكنه يخضع لتوافقات تحفظ وضعه ومكانته ومكانة تياره التزم خلالها بعدم الإخلال بميزان المعادلة مع قوى النفوذ الرسمية.
والثاني من قيادات هذا التيار هو شخصية مخلصة لمنهجها ومبدئها لا ترى الإسلام إلا من خلال هذه المسألة أو تلك الفتوى ولو كان مقابل ذلك التنازل عن قيم أصلية في الإسلام تمس الحقوق والسيادة، لكنه يعبأ بسهولة ويعاد توجيه خطابه لحماية موقفه المذهبي ومصلحته الفئوية التي يعتبرها هي الإسلام وحدودها حدود الإسلام.
التيار الإسلامي الإصلاحي
هو التيار الإسلامي الإصلاحي الذي يؤمن بمفهوم المرجعية الإسلامية وفقاً لتوجيهات نص الكتاب والسنة كأساس تشريعي ملزم كما يرفعه كشعار المحور الأول لكن بسعة مقاصد التشريع للعهد الراشدي التي دونت في مدارس الفقه الإسلامي سلفاً وخلفاً مع تفعيل حيوي لرسالة الاجتهاد والاستنباط الفقهي وحسن قراءة الواقع في استنباط الأحكام، ويسعى إلى تطوير وسائل الشريعة في الحياة بناء على مقاصدها الكبرى من احترام الفرد وعدالة الحاكم ودستورية النظام الإسلامي وتوزيع الثروة ومحاربة التمييز والامتيازات المنحرفة وتحقيق السيادة بحزم في مواجهة الأجنبي، ويسعى أيضاً لتوجيه البيئة الاجتماعية في منطقة الخليج إلى تطوير راشد يحمي منهج المحافظة الإسلامي السائد مع التوسعة التي أقرتها الشريعة للحراك الثقافي والتقدم الحضاري وقضايا المرأة في اجتهادات علمائها المعتبرين سلفاً وخلفاً والانطلاق نحو القضايا الحيوية الكبرى للمقاصد الإسلامية والوعي العربي الاستراتيجي، وهذا التيار يواجه ويناهض بعنف من قبل القوى الداخلية والدولية رغم تمسكه بالمنهج السلمي والاعتراف بالحكم القائم ويتفق مع هذا التيار جزء من التيار القومي العربي.
التيار الوطني
هو خليط واسع من المثقفين الوطنيين وبعض القوميين العرب الذين لم توظفهم الوسائط الأمريكية وحلفاؤها أو الإيرانية وطيف واسع من التكنوقراط وأوساط من الرأي العام يؤمن بمرجعية الإسلام، ولكنه يميل دوماً إلى التيسير والانفتاح الشامل دون مواجهة للولايات المتحدة والدفع نحو المبادرات الوطنية مع التنسيق مع كل القوى، فهذا التيار وان كان قريباً من تيار الإصلاح الإسلامي ويتناغم معه في جزء من الحراك الاجتماعي والثقافي إلا أنه يخضع للضغوط واستقطابات قوية من الأطراف الأخرى، لذا فإن موقفه يتأرجح يميناً ويساراً بحسب مساحة الحرية المتاحة له أو بسبب قوة الضغط الممارس عليه خاصة مع عجز التيار الإسلامي التواصل بفعل الحصار أو نقص ذاتي في قدرته وخطابه.محور تحالف التيار الليبرالي الغربي والطائفية السياسية
وقد حددته بالغربي لأفرز بعض القوى والشخصيات الوطنية في هذا التيار، أي ذات النزعة الوطنية المستقلة والفاعلة بروح الغيرة الوطنية لخدمة المجتمع بغض النظر عن قناعتها الفلسفية للحياة التي لا تتفق مع هوية المجتمع أحيانا لكنها تلتزم بشروط النهضة الإصلاحية ولم تقبل المشاركة كأداة في المشروع الأمريكي.
إن هذا التيار يتناغم بصورة منظمة وفاعلة مع المشروع الأمريكي وإن تسمى بمصطلح وطني، ويحرك أطروحاته متحداً مع الموقف الدولي، ويسير على الفلسفة نفسها وهي ديمقراطية السلوك الأمريكي في وضع المرأة والحياة الاجتماعية والحقوق المقننة وفقا لمفاهيم غربية تزيد نسبة اهتمام التيار بهذه القضية وتلك بحسب تفعيل البرنامج الأمريكي للمنطقة، لذا فإنه يبتعد كلياً عن المطالبة بتحقيق الانتخاب الشامل أو الإدارة الوطنية للثروة فضلا عن إقصائه ومحاربته العنيفة في الإعلام لمفاهيم التضامن الأممي مع الوطن العربي، ويلاحظ في الآونة الأخيرة توسيع دائرة الهجوم وتبادل التهم بين هذا التيار والتيار المذهبي الديني مع إقصاء التيار الإسلامي الوطني الإصلاحي من ساحة الحراك وإبعاده بقوة النفوذ وعلى كل حال يُفضل التيار الليبرالي الغربي مواجهة التيار المذهبي لسهولة التلاعب به بناء على غياب الوعي الفكري والسياسي لدى مناضليه وسطحية تصوراتهم الفكرية والفقهية.
وقد توسع التيار الليبرالي مؤخراً في مهاجمة مفاهيم التضامن الإسلامي عطفا على استثمار أعمال العنف التي اجتاحت الوطن العربي بعد صراع الولايات المتحدة وتنظيم القاعدة والتداخلات السياسية والاجتماعية والدينية العديدة، وبات يركز على مفصل القضية العربية وهي فلسطين بمهاجمة قوى المقاومة والممانعة في فلسطين أو العراق ونقصد بالعراق المقاومة الإسلامية الوطنية التي لا تمارس العنف ضد المدنيين.
إن هذا الهجوم المنظم للتيار الليبرالي الغربي يتطابق كلياً مع شروط الرعاية الأمريكية لأطروحات الحراك الفكري في الخليج، بل إن الأمريكيين حين بدأوا جس النبض مع بعض الشخصيات الإسلامية كان أول أسئلتهم الموقف من الدولــة العبرية وإلى أي حد يمكن أن يتجاوب هذا التيار الإسلامي مع القضية الحيوية لواشنطن وهي حماية إسرائيل، وحين وجدت واشنطن ممانعة مبدئية فإنهم باركوا الحصار على هذا التيار باستثناء شخصيات تتجاوب معهم نسبيا، لذا يتطوع الليبراليون العقائديون بكثافة في خدمة هذا الغرض الأمريكي وهو ما نرى دلالاته في الهجوم المنظم على حركة حماس مؤخراً في منطقة الخليج.
تيار الطـائفية السيـاسية التابع لإيران واليسار الإقليمي
يرتبط حراك هذا التيار وبرنامجه الاستراتيجي في الخليج بالتيار الليبرالي الغربي في الغالب حسب الوجود الديموغرافي والاجتماعي له، فإذا ضعف حضوره أمام التيار العام في إحدى الدول ارتبط بالتيار الليبرالي الغربي أو اليسار الإقليمي، ونقصد هنا باليسار الإقليمي أي الذي ارتبط ببرنامج الحراك الإيراني في الخليج واندمج كليا مع مشروعه خلافاً لليسار الوطني أو اليسار الأممي وإذا قويت الطائفية السياسية ديموغرافياً باتت شراكتها معهما أقل وتخلى عن حليفه.
إن هذا التجانس بين التحالف سواء كان تجانساً تلقائياً صداه واسع في وسائل الإعلام والمنابر الثقافية المسيطر عليها من الطرفين أو كان بتدخل مباشر أو غير مباشر من واشنطن فهو في نهاية الأمر يتطابق مع التشكيلة التي تسعى واشنطن دائماً لإبرازها كمعارضة غير مهددة للمصالح أو معارضة للأحداث السياسية المفصلية في المنطقة، ولقد وقف هذا التحالف بقوة دون حضور استحقاقي واضح للمحور الإسلامي الوطني في إحدى الدول، وحين كُسرت قاعدة الاحتكار لواجهة المعارضة رفض التعاطي معها في ساحة الإصلاح الوطني، وبالضبط فعلت واشنطن، فالمطلوب دائماً لدى الطرفين المحلي والدولي هو وجود تركيبة تخضع للتوجهات الاستراتيجية لواشنطن التي تحول دون توسع الخطاب الإصلاحي إلى قضايا إصلاح شاملة وأساسية تفيد الفرد والمجتمع ولكن تبقى في إطار محدد يُستهلك الخطاب فيه لمصالح الطائفية السياسية أو للسلوكيات الغربية في ثقافة المجتمع، ومن المفارقات أن هذا التقاطع في المصالح جمع بين مشروع واشنطن وأتباع الثقافة الإيرانية في المنطقة أي ما يُطلق عليه في الشام والعراق وبقية الخليج (الحركة الصفوية) ويعزز حضوره أوضاع العراق الأخيرة والرسائل المعلنة بعد الاعتراف الدولي والأمريكي بإيران كقوة إقليمية مطلقة في الخليج.
فرص التغيير الداخلي لواشنطن
من استعراضنا السابق للتيارات الفكرية في الخليج يبدو جلياً الطرف الذي سيدفع به الحزب الديمقراطي إلى ساحة الميدان ليتصدر مشهد التغيير الفكري والسياسي في دول المنطقة وهو التحالف بين مجموعة الثقافة الإيرانية والليبراليين العقائديين ومعهم مناضلو اليسار الإقليمي الذي انعزل كلياً عن مسار اليسار الأممي النضالي أو اليسار العروبي التقدمي، وأصبح مؤخراً تابعاً مباشراً ولصيقاً بالحركة الثقافية الإيرانية في المنطقة، وربما عاد السؤال مرة أخرى ألا تخشى الولايات المتحدة من نفوذ هذه المجموعات وتحديداً المجموعة المتصلة بإيران الثروة ونقول نعم تخشى ذلك ولكن السياق الذي تعيشه الأحداث الآن يطرح عليها خيار (مكره أخاك لا بطل). هذا أولاً وثانياً قضية استغلال المسار الحقوقي للأقليات فهي دائماً الباب الأكبر لإحداث التغيير في المجتمع وفي الوقت نفسه تضمن المجموعة الليبرالية العقائدية ضبط هذه الترويكا لكي تتحقق المشتركات الكبرى بين الولايات المتحدة ووكلائها الفكريين في الخليج.إضافة إلى ما قدمنا في بداية الدراسة نقول إن الحزب الديمقراطي بات مقتنعاً بل والساسة الأمريكيون بأن ترك الوضع على ما هو عليه رهينة لدى النظام الشمولي في الخليج في ظل تسارع الأحداث يعد أمراً خطيراً بكل تأكيد، ولكن الموازنة في التدخل الفكري والسياسي لمصلحة أصدقاء واشنطن هي الخيار الأمثل.
تبعات هذا التدخل على المشهد الداخلي
ولا شك بأن دفع هذه المسارات في قضية الحقوق والحريات ربما استفاد منه الإطار الوطني بشكل عام في حرياته وحراكه وخطابه الثقافي، ولكن يبقى المشهد يدفع نحو الأنموذج الأمريكي، أي طقوس واشنطن الديمقراطية، وليس مفهوم الديمقراطية الحقيقي والفعال لإدارة الثروة والبرنامج السياسي عبر القوى الشعبية المستقلة.
وستؤدي مباشرة الولايات المتحدة في دفع هذا المسار إلى مواجهة أو خضوع لهذه البرامج الفكرية المعدة لتطوير المجتمع الخليجي حسب مفهوم واشنطن التي لن تسمح مطلقا في هذه المرحلة بأن يعارض النظام الرسمي في الخليج هذه الخطوات، وستعزز واشنطن حمايتها للمجموعتين الإيرانية والليبرالية مع تدخل مباشر من سفاراتها.
وهنا ستصعد قضية مهمة هي التفوق التدريجي لمجموعات الثقافة الإيرانية والتوسع التنفيذي المباشر على الأرض خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة رسمياً أن القبول بإيران كقوة إقليمية مطلقة في المنطقة أصبح أمراً واقعاً، وبدأت المفاوضات لتحضير المشهد العراقي لهذا الاتفاق، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة تأييده لهذا الاعتراف.
ويعزز هذا الإفراز حركة الثقافة الإيرانية ولكن إلى أي مدى سيتواصل الطرفان في تحديد الصورة النهائية للإقليم في إعادة توزيعه و(فدرلة) دوله أو تدشين نظام دستوري مقنن لمصلحة واشنطن يضمن لهذه المجموعات الحراك والتوسع في مقابل الالتزام بتدفق مصالح الولايات المتحدة وضمان أمنها الاستراتيجي، خاصة أن الطرفين متفقان على أن الأولوية هي مواجهة نزعة المقاومة والتحرر لدى المنطقة العربية الخليجية والتي تهدد مصالحها مباشرة سواء كانت معتدلة كأنموذج المقاومة العراقية واستنساخ حركة حماس خليجياً أو عبر الحراك السياسي الداخلي لقوى الإصلاح الوطني المستقلة عن الإدارة الأجنبية والمستقلة أيضاً عن الاستخدام الأمني الداخلي، أو كان ذلك من خلال مجموعات العنف المتطرفة في العراق، وتعزز وجودها في الخليج وتبقى (القاعدة) في أوج قوتها متربصة بالمشهد، فإلى أين يذهب الخليج هل إلى مهب الريح أم يقترب من قم؟

::/fulltext::
::cck::2869::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *