إشكاليات سوق العمل في دول مجلس التعاون

::cck::2906::/cck::
::introtext::

ما بين معدلات بطالة متزايدة وتدفقات عمالة أجنبية وافدة تتعدد مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، فليس من الصعب على المتتبع للأرقام الخاصة بمعدلات البطالة في دول مجلس التعاون أن يكتشف أن البطالة أصبحت من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد دول مجلس التعاون. ولا يقتصر ذلك على دول مجلس التعاون فقط، بل يمتد أيضاً ليشمل غيرها من الدول العربية.

::/introtext::
::fulltext::

ما بين معدلات بطالة متزايدة وتدفقات عمالة أجنبية وافدة تتعدد مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، فليس من الصعب على المتتبع للأرقام الخاصة بمعدلات البطالة في دول مجلس التعاون أن يكتشف أن البطالة أصبحت من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد دول مجلس التعاون. ولا يقتصر ذلك على دول مجلس التعاون فقط، بل يمتد أيضاً ليشمل غيرها من الدول العربية. كما تتضح حدة هذه المشكلة أيضاً من التحذيرات المتتالية التي تصدرها منظمة العمل العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية وغيرها من المؤسسات المعنية بواقع سوق العمل العربي. فوفقاً لتقارير مجلس الوحدة الاقتصادية ومنظمة العمل العربية نجد أن معدلات البطالة في الدول العربية تتراوح في المتوسط بين 10 و20 في المائة. بالإضافة إلى تزايد هذه المعدلات بحوالي 3 في المائة سنوياً في المتوسط، مما يثير المخاوف من تفاقم هذه المشكلة مع مرور الأيام خاصة في ظل عدم اتخاذ خطوات جادة من قبل مختلف الحكومات العربية نحو علاج هذه المشكلة.
وعلى الرغم من انتشار مشكلة البطالة بين مختلف الأقطار العربية، إلا أن تحليل واقع سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي وما يعانيه من بطالة وغيرها من المشكلات لا يزال محل اهتمام العديد من الكتابات العربية المعنية بقضايا التشغيل خاصة في ظل ما يحتوي عليه سوق العمل في هذه الدول من فرص لاستيعاب القوى العاملة الفائضة عن احتياجات الاقتصادات العربية الأخرى ومن ثم تعزيز الروابط بين هذه الاقتصادات والسير قدماً نحو تحقيق حلم السوق العربية المشتركة. وعليه يكون من المفيد إلقاء مزيد من الضوء على الملامح الأساسية لسوق العمل في دول مجلس التعاون وأهم التطورات التي تحل عليه.
وبالنظر إلى واقع مشكلة البطالة في دول مجلس التعاون نجد أنها تبلغ في المتوسط حوالي 8.5، مع ملاحظة أن معدلات البطالة تتفاوت بصورة واضحة بين دول المنطقة، فبينما ترتفع معدلات البطالة في دول مثل السعودية وسلطنة عمان والإمارات، حيث يبلغ معدل البطالة فيها نحو 15 في المائة، نجد أنها تنخفض في دول أخرى مثل البحرين وقطر، حيث بلغ معدل البطالة نحو 5.6 في المائة و 2.5 في المائة فقط، كما أشارت نتائج المؤتمر السنوي الثاني عشر لمنتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة لعام 2005.
وفي هذا السياق، أشارت دراسة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي لدول غربي آسيا (الإسكوا) إلى أن عدد السكان في دول مجلس التعاون الخليجي من المتوقع أن يصل إلى نحو 40 مليون نسمة مع حلول عام 2010 على نحو يؤدي إلى زيادة حجم القوى العاملة لتصل إلى ما يقرب من 21 مليون نسمة، الأمر الذي يُتوقع معه أن تشهد معدلات البطالة في هذه الدول زيادة خلال السنوات المقبلة.
ويُعزى ارتفاع معدلات البطالة في بعض دول مجلس التعاون إلى مجموعة من العوامل من بينها عدم مواكبة السياسات التعليمية والتدريبية لمتطلبات سوق العمل، وكذلك تدني المستوى التعليمي. بالإضافة إلى تراجع دور الدولة نسبياً في مجال التعيين في القطاع الحكومي والمرافق العامة نظراً لتشبع هذه القطاعات وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من العمالة، كما هي الحال في غيرها من الدول العربية.
وعلى الرغم من سعي دول مجلس التعاون إلى الارتقاء بمستوى العملية التعليمية من خلال زيادة الاعتماد على القطاع الخاص في هذا المجال، خاصة في ظل عدم قدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية الحكومية على استيعاب الأعداد المتزايدة، إلا أن أداء المؤسسات التعليمية الخاصة لا يزال دون المستوى نظراً لما يعانيه من مشكلات متعددة منها تعدد الجهات الرقابية والإشرافية وتضارب وعدم اتساق الصلاحيات بين هذه الجهات الرقابية، إضافة إلى غياب التخطيط الاستراتيجي، الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى استمرار تدني جودة مخرجات العملية التعليمية ومن ثم زيادة الفجوة بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل.
وعلى صعيد آخر، تعتبر تدفقات العمالة الوافدة إلى أسواق الخليج أحد العوامل الأساسية التي تقف وراء مشكلة البطالة وأحد أهم مظاهر اختلال سوق العمل في هذه الدول. وكما تشير الإحصاءات نجد أن عدد الأجانب العاملين في دول الخليج في تزايد مستمر، حيث ارتفع عدد هؤلاء العاملين من 5.7 مليون عام 1993 إلى حوالي 9.8 مليون عام 2000، ثم إلى حوالي 12.5 مليون نسمة عام 2004، وفي المقابل نجد أن نسبة العاملين العرب في هذه الدول تأخذ اتجاهاً تنازلياً لصالح العمالة الأجنبية خاصة تلك القادمة من دول جنوبي آسيا، فبعد أن كانت العمالة العربية تمثل الغالبية العظمى من العمالة في أسواق الخليج نجد أنها أصبحت تمثل حوالي ربع العمالة الوافدة في هذه الدول فقط.وترجع زيادة تدفقات العمالة الأجنبية في دول الخليج إلى عدة أسباب من أبرزها، ما تتسم به العمالة الأجنبية من قبول العمل بأجور منخفضة، وتحمّل ظروف العمل القاسية، على العكس من العمالة العربية، وهو ما يؤدي إلى تفضيل القطاع الخاص لتوظيف هذه النوعية من العمالة وذلك في ظل سوق عمل لا تحكمه إلا اعتبارات الربح والخسارة، دون مراعاة أي اعتبارات أخرى.
ومما لا شك فيه أن لمشكلة البطالة في دول الخليج والعمالة الوافدة، خاصة الأجنبية منها، تداعيات كثيرة على هذه الدول سواء في الوقت الراهن أو المستقبل. ولا تقتصر هذه التداعيات على الناحية الاقتصادية فقط بل تمتد لتشمل نواحي اجتماعية وسياسية أيضاً. فعلى المستوى الاقتصادي تتسبب البطالة بما تنطوي عليه من موارد بشرية معطلة في خسائر اقتصادية، قد لا تتضح أبعادها في الوقت الراهن خاصةً في ظل ارتفاع عوائد الثروة البترولية.
ولقد أوضحت منظمة العمل العربية ضخامة هذه الخسائر حينما أكدت أن زيادة معدل البطالة على مستوى العالم العربي بـحوالي واحد في المائة تؤدي إلى نقص في الناتج المحلي الإجمالي العربي بمعدل 2.5 في المائة، أي بما يمثل 115 مليار دولار. أضف إلى هذا ما تقوم به العمالة الأجنبية في دول الخليج من تحويلات إلى الخارج تقدر بمليارات الدولارات سنوياً.
ومن المهم الإشارة إلى وجود بعض التداعيات الاجتماعية والسياسية للعمالة الأجنبية الوافدة إلى دول الخليج، والتي يجب الالتفات إليها قبل أن تتفاقم حدتها على نحو قد يؤدي إلى عدم استقرار هذه المجتمعات، خاصةً بعد أضحت هذه العمالة تمثل الغالبية العظمى من الهيكل السكاني لهذه المجتمعات وذلك بنسب تتفاوت من مجتمع لآخر. فعلى سبيل المثال يمثل الأجانب حوالي 76 في المائة من إجمالي سكان دولة الإمارات.
وأول هذه التداعيات يتمثل في انتشار ثقافات وعادات أخرى غير الثقافات والعادات العربية في هذه المجتمعات على نحو قد يطمس النسق القيمي والاجتماعي لهذه المجتمعات ومن ثم تغيير هويتها، وهذا الأمر ليس من الصعوبة بمكان أن يحدث في بعض المجتمعات الخليجية التي يمثل فيها المواطنون أقلية مقارنة ببقية السكان المقيمين في هذه المجتمعات.
ولكن الأثر الأكثر خطورة يكمن في الأضرار التي يتوقع أن تلحق بهذه الدول العربية من جراء تطبيق الاتفاقية الدولية الخاصة (بحقوق العمال المهاجرين وأسرهم) والتي أقرتها الأمم المتحدة في ديسمبر 1990 ودخلت حيز التنفيذ الفعلي في يوليو 2003، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه أمام العمالة الأجنبية للمطالبة ببعض الحقوق الاجتماعية والسياسية في هذه المجتمعات، بالإضافة إلى المطالب الخاصة بتحسين ظروف العمل، والتي مثلت الحافز الأساسي نحو التوسع في الاعتماد على هذه العمالة بدلاً من العمالة العربية.
والآن وبعد هذا الاستعراض الموجز لإشكاليات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي والآثار المترتبة عليها، يجدر بنا طرح بعض المقترحات التي قد تساهم في تحسين أوضاع سوق العمل، وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة في هذه الدول، ويأتي في مقدمة هذه المقترحات ضرورة مراجعة التشريعات العمالية المنظمة لعمل الأجانب في دول مجلس التعاون على نحو يؤدي إلى تقليص هذه العمالة بشكل تدريجي، وكذلك العمل على إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية، الأمر الذي قد لا يكون هناك مفر منه إذا كانت حكومات دول مجلس التعاون عازمةً على التصدي لمشكلة البطالة.
ولقد بدأت المملكة العربية السعودية بالفعل باتخاذ خطوات جادة في تطبيق المقترح السابق، وذلك في إطار التوجه نحو (سعودة) الاقتصاد، حيث تم تحديد 22 مهنة يقتصر حق العمل فيها على المواطنين فقط، كما اتخذت دول مجلس التعاون الأخرى مثل دولة الإمارات وسلطنة عمان والكويت خطوات مشابهة لإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية.
وبالإضافة إلى ما سبق، يجب ألا تقتصر سياسات التشغيل في دول مجلس التعاون الخليجي على إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية في القطاع الحكومي فقط، بل يجب عليها أيضاً أن تتخذ الخطوات التي من شأنها تشجيع القطاع الخاص على القيام بعمليات إحلال مماثلة وذلك من خلال الارتقاء بمنظومة التدريب بمختلف مكوناتها بما يساعد على توفير المهارات المطلوبة في القطاع الخاص.
هذا، وقد تطرقت بعض الدراسات المعنية بواقع سوق العمل في دول مجلس التعاون والتي تمت مناقشتها في المؤتمر السنوي الثاني عشر لمنتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة لعام 2005 إلى حلول أخرى غير تقليدية من بينها ضرورة تفعيل حرية انتقال العمالة بين دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها الآليات التي يمكن الاعتماد عليها في تعظيم الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة في دول المجلس والتغلب على مشكلة البطالة فيها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2906::/cck::
::introtext::

ما بين معدلات بطالة متزايدة وتدفقات عمالة أجنبية وافدة تتعدد مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، فليس من الصعب على المتتبع للأرقام الخاصة بمعدلات البطالة في دول مجلس التعاون أن يكتشف أن البطالة أصبحت من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد دول مجلس التعاون. ولا يقتصر ذلك على دول مجلس التعاون فقط، بل يمتد أيضاً ليشمل غيرها من الدول العربية.

::/introtext::
::fulltext::

ما بين معدلات بطالة متزايدة وتدفقات عمالة أجنبية وافدة تتعدد مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، فليس من الصعب على المتتبع للأرقام الخاصة بمعدلات البطالة في دول مجلس التعاون أن يكتشف أن البطالة أصبحت من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد دول مجلس التعاون. ولا يقتصر ذلك على دول مجلس التعاون فقط، بل يمتد أيضاً ليشمل غيرها من الدول العربية. كما تتضح حدة هذه المشكلة أيضاً من التحذيرات المتتالية التي تصدرها منظمة العمل العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية وغيرها من المؤسسات المعنية بواقع سوق العمل العربي. فوفقاً لتقارير مجلس الوحدة الاقتصادية ومنظمة العمل العربية نجد أن معدلات البطالة في الدول العربية تتراوح في المتوسط بين 10 و20 في المائة. بالإضافة إلى تزايد هذه المعدلات بحوالي 3 في المائة سنوياً في المتوسط، مما يثير المخاوف من تفاقم هذه المشكلة مع مرور الأيام خاصة في ظل عدم اتخاذ خطوات جادة من قبل مختلف الحكومات العربية نحو علاج هذه المشكلة.
وعلى الرغم من انتشار مشكلة البطالة بين مختلف الأقطار العربية، إلا أن تحليل واقع سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي وما يعانيه من بطالة وغيرها من المشكلات لا يزال محل اهتمام العديد من الكتابات العربية المعنية بقضايا التشغيل خاصة في ظل ما يحتوي عليه سوق العمل في هذه الدول من فرص لاستيعاب القوى العاملة الفائضة عن احتياجات الاقتصادات العربية الأخرى ومن ثم تعزيز الروابط بين هذه الاقتصادات والسير قدماً نحو تحقيق حلم السوق العربية المشتركة. وعليه يكون من المفيد إلقاء مزيد من الضوء على الملامح الأساسية لسوق العمل في دول مجلس التعاون وأهم التطورات التي تحل عليه.
وبالنظر إلى واقع مشكلة البطالة في دول مجلس التعاون نجد أنها تبلغ في المتوسط حوالي 8.5، مع ملاحظة أن معدلات البطالة تتفاوت بصورة واضحة بين دول المنطقة، فبينما ترتفع معدلات البطالة في دول مثل السعودية وسلطنة عمان والإمارات، حيث يبلغ معدل البطالة فيها نحو 15 في المائة، نجد أنها تنخفض في دول أخرى مثل البحرين وقطر، حيث بلغ معدل البطالة نحو 5.6 في المائة و 2.5 في المائة فقط، كما أشارت نتائج المؤتمر السنوي الثاني عشر لمنتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة لعام 2005.
وفي هذا السياق، أشارت دراسة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي لدول غربي آسيا (الإسكوا) إلى أن عدد السكان في دول مجلس التعاون الخليجي من المتوقع أن يصل إلى نحو 40 مليون نسمة مع حلول عام 2010 على نحو يؤدي إلى زيادة حجم القوى العاملة لتصل إلى ما يقرب من 21 مليون نسمة، الأمر الذي يُتوقع معه أن تشهد معدلات البطالة في هذه الدول زيادة خلال السنوات المقبلة.
ويُعزى ارتفاع معدلات البطالة في بعض دول مجلس التعاون إلى مجموعة من العوامل من بينها عدم مواكبة السياسات التعليمية والتدريبية لمتطلبات سوق العمل، وكذلك تدني المستوى التعليمي. بالإضافة إلى تراجع دور الدولة نسبياً في مجال التعيين في القطاع الحكومي والمرافق العامة نظراً لتشبع هذه القطاعات وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من العمالة، كما هي الحال في غيرها من الدول العربية.
وعلى الرغم من سعي دول مجلس التعاون إلى الارتقاء بمستوى العملية التعليمية من خلال زيادة الاعتماد على القطاع الخاص في هذا المجال، خاصة في ظل عدم قدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية الحكومية على استيعاب الأعداد المتزايدة، إلا أن أداء المؤسسات التعليمية الخاصة لا يزال دون المستوى نظراً لما يعانيه من مشكلات متعددة منها تعدد الجهات الرقابية والإشرافية وتضارب وعدم اتساق الصلاحيات بين هذه الجهات الرقابية، إضافة إلى غياب التخطيط الاستراتيجي، الأمر الذي يؤدي بالتبعية إلى استمرار تدني جودة مخرجات العملية التعليمية ومن ثم زيادة الفجوة بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات سوق العمل.
وعلى صعيد آخر، تعتبر تدفقات العمالة الوافدة إلى أسواق الخليج أحد العوامل الأساسية التي تقف وراء مشكلة البطالة وأحد أهم مظاهر اختلال سوق العمل في هذه الدول. وكما تشير الإحصاءات نجد أن عدد الأجانب العاملين في دول الخليج في تزايد مستمر، حيث ارتفع عدد هؤلاء العاملين من 5.7 مليون عام 1993 إلى حوالي 9.8 مليون عام 2000، ثم إلى حوالي 12.5 مليون نسمة عام 2004، وفي المقابل نجد أن نسبة العاملين العرب في هذه الدول تأخذ اتجاهاً تنازلياً لصالح العمالة الأجنبية خاصة تلك القادمة من دول جنوبي آسيا، فبعد أن كانت العمالة العربية تمثل الغالبية العظمى من العمالة في أسواق الخليج نجد أنها أصبحت تمثل حوالي ربع العمالة الوافدة في هذه الدول فقط.وترجع زيادة تدفقات العمالة الأجنبية في دول الخليج إلى عدة أسباب من أبرزها، ما تتسم به العمالة الأجنبية من قبول العمل بأجور منخفضة، وتحمّل ظروف العمل القاسية، على العكس من العمالة العربية، وهو ما يؤدي إلى تفضيل القطاع الخاص لتوظيف هذه النوعية من العمالة وذلك في ظل سوق عمل لا تحكمه إلا اعتبارات الربح والخسارة، دون مراعاة أي اعتبارات أخرى.
ومما لا شك فيه أن لمشكلة البطالة في دول الخليج والعمالة الوافدة، خاصة الأجنبية منها، تداعيات كثيرة على هذه الدول سواء في الوقت الراهن أو المستقبل. ولا تقتصر هذه التداعيات على الناحية الاقتصادية فقط بل تمتد لتشمل نواحي اجتماعية وسياسية أيضاً. فعلى المستوى الاقتصادي تتسبب البطالة بما تنطوي عليه من موارد بشرية معطلة في خسائر اقتصادية، قد لا تتضح أبعادها في الوقت الراهن خاصةً في ظل ارتفاع عوائد الثروة البترولية.
ولقد أوضحت منظمة العمل العربية ضخامة هذه الخسائر حينما أكدت أن زيادة معدل البطالة على مستوى العالم العربي بـحوالي واحد في المائة تؤدي إلى نقص في الناتج المحلي الإجمالي العربي بمعدل 2.5 في المائة، أي بما يمثل 115 مليار دولار. أضف إلى هذا ما تقوم به العمالة الأجنبية في دول الخليج من تحويلات إلى الخارج تقدر بمليارات الدولارات سنوياً.
ومن المهم الإشارة إلى وجود بعض التداعيات الاجتماعية والسياسية للعمالة الأجنبية الوافدة إلى دول الخليج، والتي يجب الالتفات إليها قبل أن تتفاقم حدتها على نحو قد يؤدي إلى عدم استقرار هذه المجتمعات، خاصةً بعد أضحت هذه العمالة تمثل الغالبية العظمى من الهيكل السكاني لهذه المجتمعات وذلك بنسب تتفاوت من مجتمع لآخر. فعلى سبيل المثال يمثل الأجانب حوالي 76 في المائة من إجمالي سكان دولة الإمارات.
وأول هذه التداعيات يتمثل في انتشار ثقافات وعادات أخرى غير الثقافات والعادات العربية في هذه المجتمعات على نحو قد يطمس النسق القيمي والاجتماعي لهذه المجتمعات ومن ثم تغيير هويتها، وهذا الأمر ليس من الصعوبة بمكان أن يحدث في بعض المجتمعات الخليجية التي يمثل فيها المواطنون أقلية مقارنة ببقية السكان المقيمين في هذه المجتمعات.
ولكن الأثر الأكثر خطورة يكمن في الأضرار التي يتوقع أن تلحق بهذه الدول العربية من جراء تطبيق الاتفاقية الدولية الخاصة (بحقوق العمال المهاجرين وأسرهم) والتي أقرتها الأمم المتحدة في ديسمبر 1990 ودخلت حيز التنفيذ الفعلي في يوليو 2003، الأمر الذي قد يفتح الباب على مصراعيه أمام العمالة الأجنبية للمطالبة ببعض الحقوق الاجتماعية والسياسية في هذه المجتمعات، بالإضافة إلى المطالب الخاصة بتحسين ظروف العمل، والتي مثلت الحافز الأساسي نحو التوسع في الاعتماد على هذه العمالة بدلاً من العمالة العربية.
والآن وبعد هذا الاستعراض الموجز لإشكاليات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي والآثار المترتبة عليها، يجدر بنا طرح بعض المقترحات التي قد تساهم في تحسين أوضاع سوق العمل، وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة في هذه الدول، ويأتي في مقدمة هذه المقترحات ضرورة مراجعة التشريعات العمالية المنظمة لعمل الأجانب في دول مجلس التعاون على نحو يؤدي إلى تقليص هذه العمالة بشكل تدريجي، وكذلك العمل على إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية، الأمر الذي قد لا يكون هناك مفر منه إذا كانت حكومات دول مجلس التعاون عازمةً على التصدي لمشكلة البطالة.
ولقد بدأت المملكة العربية السعودية بالفعل باتخاذ خطوات جادة في تطبيق المقترح السابق، وذلك في إطار التوجه نحو (سعودة) الاقتصاد، حيث تم تحديد 22 مهنة يقتصر حق العمل فيها على المواطنين فقط، كما اتخذت دول مجلس التعاون الأخرى مثل دولة الإمارات وسلطنة عمان والكويت خطوات مشابهة لإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية.
وبالإضافة إلى ما سبق، يجب ألا تقتصر سياسات التشغيل في دول مجلس التعاون الخليجي على إحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية في القطاع الحكومي فقط، بل يجب عليها أيضاً أن تتخذ الخطوات التي من شأنها تشجيع القطاع الخاص على القيام بعمليات إحلال مماثلة وذلك من خلال الارتقاء بمنظومة التدريب بمختلف مكوناتها بما يساعد على توفير المهارات المطلوبة في القطاع الخاص.
هذا، وقد تطرقت بعض الدراسات المعنية بواقع سوق العمل في دول مجلس التعاون والتي تمت مناقشتها في المؤتمر السنوي الثاني عشر لمنتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة لعام 2005 إلى حلول أخرى غير تقليدية من بينها ضرورة تفعيل حرية انتقال العمالة بين دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها الآليات التي يمكن الاعتماد عليها في تعظيم الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة في دول المجلس والتغلب على مشكلة البطالة فيها.

::/fulltext::
::cck::2906::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *