بين حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي.. إلى أين تتجه سياسات أمريكا؟
::cck::2911::/cck::
::introtext::
في أعقاب انقضاء نهار الثلاثاء الكبير كان على الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يجري اتصالين هاتفيين الأول مع زعيم الأغلبية الجمهورية الذي أضحى (سابقاً) في مجلس النواب ليشكره على جهده للسنوات المنصرمة ومع الرئيس القادم للأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي ليعرب عن تطلعه للعمل معها في القضايا الأساسية التي تعم البلاد.
::/introtext::
::fulltext::
في أعقاب انقضاء نهار الثلاثاء الكبير كان على الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يجري اتصالين هاتفيين الأول مع زعيم الأغلبية الجمهورية الذي أضحى (سابقاً) في مجلس النواب ليشكره على جهده للسنوات المنصرمة ومع الرئيس القادم للأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي ليعرب عن تطلعه للعمل معها في القضايا الأساسية التي تعم البلاد.
المؤكد أن واقع الحال يشير إلى أن أمريكا في ظل أغلبية الديمقراطيين لن تكون طريقا معبدا للإدارة الجمهورية ولا للحزب الجمهوري، وأن الكونجرس المسيطر عليه ديمقراطيا يمكن أن يصل بإدارة الرئيس بوش إلى طريق مسدود، ويصبح معه بوش بطة عرجاء ليتكرر المشهد الذي جرى في أواخر التسعينات عندما كان الرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون يواجه تعنتاً شديداً من الكونجرس الجمهوري، ويومها استطاع الكونجرس تعطيل تدفق الميزانية وأضحى ساكن البيت الأبيض كالمقعد العاجز عن اتخاذ أي قرارات مهمة أو مصيرية مع الفارق الكبير بين تلك الملفات المطروحة الآن مثل الانسحاب من العراق أو المواجهة القادمة مع إيران أو الأحوال الاقتصادية المتردية في الداخل الأمريكي، وتلك التي كانت في عهد كلينتون والتي كان أهمها تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي.
ولعل هذا الطرح الذي نحن بصدده يمكن إجماله في عدة نقاط من أهمها لماذا خسر الجمهوريون؟ وهل ستتغير السياسات الأمريكية بعد إعادة سيطرة الديمقراطيين على المشهد السياسي في واشنطن؟ إضافة إلى المعنى والمبنى وراء تلك الخسارة والهوامش التي تشير إليها في حال أمريكا داخلياً وخارجياً.
لماذا خسر الجمهوريون الأغلبية؟
في الحقيقة هناك اختلاف شديد بين انتخابات الثلاثاء الأخير هذه المرة عن تلك التي جرت في عام 2004 عندما استطاع الحزب الجمهوري ومن خلفه إدارة بوش ومستشاروه من إدارة المعركة الانتخابية بكفاءة واقتدار بالغين، ولعب الجميع فيها على أوتار الأمن واستخدام ورقة الإرهاب في حشد الحشود ضد الديمقراطيين الذين اتهموا من قبل الجمهوريين بتهاونهم بأمن أمريكا.
ومعروف أنه منذ العام 2001 والحزب الجمهوري يحتل البيت الأبيض كما يسيطر الجمهوريون على مجلسي النواب والشيوخ وبفضل اختيار بوش لأعضاء المحكمة العليا فإن هذه المؤسسة المهمة في هيكل الدولة في الولايات المتحدة باتت هي الأخرى خاضعة للجمهوريين.
وكما تقول صحيفة (الأوبزرفر) البريطانية العريقة فإن مصمم الاستراتيجية الجمهورية (كارل روف) الذي يعرف في الولايات المتحدة بأنه (عقل بوش) اقترب من تحقيق حلمه ببسط الجمهورية على الولايات المتحدة على مدى جيل كامل.
لقد كان روف يحلم بتحويل أمريكا إلى دولة الحزب الواحد وهو حلم بدا لوهلة أنه في سبيله إلى التحول إلى حقيقة، ونادراً ما حدث في تاريخ الولايات المتحدة التي أسست على فكرة الفصل بين السلطات أن يوجد هذا التركيز للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد حزب واحد.
والتساؤل الذي يطرحه المحللون اليوم هو لماذا نزل سوط العقاب على الجمهوريين بعد تلك السيطرة غير المسبوقة والتي اتخذت من الحادي عشر من سبتمبر منطلقا لها؟
يرى (أندرو راونسلي) من (الأوبزرفر) أن هناك عدة أسباب وهي في واقع الأمر لا تخفى عن عيني الناظر في قارات الأرض الست من أهمها إشكالية الحرب على العراق وأزمة الاقتصاد وفضائح الحزب الجمهوري الأخلاقية والمالية، ناهيك عن الفشل الواضح في التصدي للإرهاب.
أما عن العراق، فقد تكشفت أكاذيب إدارة بوش بدءاً من عدم وجود أسلحة الدمار الشامل وصولاً إلى إخفاق وعود تحقيق الحرية والديمقراطية والأمن في بلد الرشيد، ومع ذلك فقد كان أغلبية الأمريكيين على استعداد لتقبل الخسائر التي حلت بهم إن في العتاد و المال أو الأرواح لو أنهم اقتنعوا بأن النتيجة النهائية يمكن أن تكون إيجابية، لكن ذلك لم يحدث.
ومع اقتراب الانتخابات وتحديداً في شهر أكتوبر كان الجيش الأمريكي يصاب بأكبر عدد من الخسائر البشرية منذ اندلاع الحرب وعقب عودة اللجنة المكلفة من الكونجرس بتقييم الأوضاع في العراق كان (جون وارنر) عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الذي يرأس لجنة الخدمات العسكرية في المجلس يعلي من صوته محذراً من المضي قدماً في النهج الأمريكي ذاته، ويبدو كذلك أن التقرير الرئيسي الذي سيصدر عن اللجنة التي يترأسها جيمس بيكر في الأيام المقبلة ستشير إلى الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها إدارة جورج بوش، والتي جعلت الجمهوريين يفقدون سيطرتهم بعد 12 عاماً متصلة على الكونجرسومن بين العوامل التي سارعت بإنزال الخسارة بالجمهوريين تردي الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، حيث ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى الزيادة المخيفة في عجز الموازنة الأمريكية لا سيما في ظل المليارات التي أنفقت في الحروب الثلاث الدائرة رحاها حتى الساعة في أفغانستان والعراق والحرب المعلنة عملياً على الإرهاب، وهذه في مجموعها تكبد الخزانة الأمريكية تريليونات من الدولارات، ورغم ذلك فإن تلك الدولارات التي أهدرت والأرواح التي أزهقت لم تزود الأمريكيين إلا بإحساس مخيف بأنهم يزدادون ضعفاً إزاء العالم.
ويمكن للناظر أن يضيف إلى المسببات عدم إدراك أمريكا لنصر مبين ومؤكد في الحرب على الإرهاب، بل إن تقرير الـ(16) وكالة استخبارية أمريكية والذي صدر منذ فترة قصيرة أدى إلى جعل صورة بوش وإدارته مشوهة لدى العامة، فرغم كل الإجراءات التي اتخذت فإن التقرير قال إن احتمالات المواجهة مع الإرهابيين تزداد خطورة ووعورة يوماً تلو آخر.
أما عن قضايا الفساد فحدّث عنها ولا حرج بدءاً من توم ديلاي الزعيم الجمهوري الذي أجبر على الاستقالة مروراً بجاك ابراموف صاحب العلاقات مع (المافيا) وكلاهما قصة من الفساد المالي والرشى وصولاً إلى مارك فولي الجمهوري الذي اضطر لتقديم استقالته بعد افتضاح الرسائل الإلكترونية المخزية التي كان يبعث بها إلى صبيان متدربين في الكونجرس.
وكما كان الحال بالنسبة للرئيس ريتشارد نيكسون الذي أرغم على الاستقالة، فإن طبيعة الفضيحة نفسها لا تهم إزاء حجم التغطية الإعلامية التي ترافقها، والإعلام الأمريكي اليوم يزدحم بمختلف التقارير عن اتهامات توجه للزعامة الجمهورية في الكونجرس بشأن علمها المسبق بتلك الفضيحة والسعي إلى التستر عليها.
وما أضعف الحزب الجمهوري بشكل غير مسبوق هو انقسام أعضائه في الفترة الأخيرة، فالبعض منهم ذهب إلى أن سياسات أمريكا وإقرارها لقوانين سيئة السمعة مثل التعذيب يبعدها عن روحها الحقيقة، التي تتمثل في الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وقد مثل هؤلاء السيناتور جون ماكين الذي رفض سياسات بوش لإقرار التعذيب ومن بين الجمهوريين كذلك من دعا إلى انسحاب من العراق مثل جيل جوتنكنخت إضافة إلى العضو الجمهوري كريس شايس الذي كان من أشد المؤيدين للحرب وفيما بعد أعلن أنه بات يفضل وضع إطار زمني لسحب القوات الأمريكية من العراق.
ولعل المفاجأة الجديدة التي تضاف إلى المواجع الجمهورية، إن صح التعبير، كانت في تغير أحد مهندسي الحرب على العراق، أمير الظلام ريتشارد بيرل الذي شغل منصب الرجل الثالث في البنتاغون في ذلك الوقت، وقد صرح قبيل ساعات قلائل من الانتخابات قائلاً (لو علمت مقدار التكلفة والخسائر التي ستنزل بأمريكا من جراء حرب العراق وأنه سيكون على هذا النحو، لما أقدمت على تأييد هذا الغزو أصلاً).
سيطرة الديمقراطيين وتغير السياسات الأمريكية
قبل الفوز الكبير للديمقراطيين وإبان الحملات الانتخابية أشار الديمقراطيون إلى أنه في حالة حصولهم على الأغلبية في أحد أو كلا المجلسين ومن ثم الفوز بلجنة الشؤون الخارجية أو الاستخبارات أو غيرهما من اللجان فسوف يشنون حملة لاستعادة الرقابة على أنشطة السلطة التنفيذية التي سيطرت على السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية. وبشكل خاص يقولون إنهم سيبحثون استخدام الإدارة لسلطة المخابرات قبل الحرب وقضايا مثل التمويل وإعادة الإعمار في العراق ودور سلطة الائتلاف المؤقت في تلك العمليات، كما سيكونون أكثر تشدداً في عمليات التحقيق ومواجهة الرئيس.
وتتوقع نانسي أ. رومان المحللة السياسية الأمريكية المعروفة أن يتجه الديمقراطيون في حال سيطرتهم على الكونجرس إلى إثارة أسئلة جديدة حول موقع قضية التجارة الحرة على أجندة الإدارة الأمريكية إلا أنها لا تتوقع في الوقت ذاته حدوث تغييرات جوهرية في التشريعات الخاصة بالسياسة الخارجية في حالة سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس وذلك بالنظر إلى سيطرة الجناح التنفيذي على قضايا السياسة الخارجية ومحدودية بدائل السياسة الخارجية المتاحة أمام الحزبين الديمقراطي والجمهوري في قضايا مثل العراق. كما توقعت رومان أن يشهد الكونجرس درجة كبيرة من الاستقطاب الحزبي، ولكن من الناحية العملية لن تشهد السياسة الخارجية تغييراً جوهرياً ليس بسبب التعاون بين الحزبين داخل الكونجرس وبل بسبب محدودية البدائل العملية المتاحة أمام كل منهما في قضايا السياسة الخارجية.
وفي الأيام القليلة الماضية وضع الديمقراطيون عصارة أفكارهم في كتاب مهم يوضح الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والداخلية التي يتعين أن تتسم بها سياسات المتنافسين الديمقراطيين سواء في انتخابات الكونجرس أو الرئاسة 2008، ومن خلال تحليل مفرداته يمكن معرفة إلى أين يمضي الديمقراطيون. والكتاب الذي رعاه معهد السياسات التقدمية الذي انبثق بدوره عن المجلس الديمقراطي للقيادة يحمل عنوان (بكل قوتنا استراتيجية تقدمية لدحر الجهادية والدفاع عن الحرية).ويرى المحرر (ويل مارشال) أحد مؤسسي المجلس الديمقراطي للقيادة ومدير معهد السياسات التقدمية أن هدف الوثيقة بعث الحياة من جديد في السياسة الخارجية للرئيسين السابقين هاري ترومان وجون كيندي اللذين صاغا سياسة الحزب الديمقراطي إزاء التهديد الشمولي للشيوعية.
وعند مارشال كذلك لا تختلف الجهادية الإسلامية كثيراً عن الشيوعية، لذا فإنها تستدعي ممارسة الجهد الفكري ذاته، معتبراً أن الديمقراطيين كانوا دائماً في أفضل أحوالهم عندما دافعوا عن القيم الديمقراطية في وجه الأيديولوجيات غير الليبرالية.
ويؤكد مارشال أنه (عندما نشرع بالقيام بذلك فإننا سنستقطب الرأي العام ليس في الداخل فقط، بل في العالم أجمع).
والتساؤل ما الذي تحتويه الوثيقة من اتجاهات تتفق وقيم الليبرالية الديمقراطية الأمريكية التي انتهكت في الداخل والخارج؟ الواقع أن تلك الأفكار التي استهل بها الحزب الديمقراطي حملته الانتخابية للتجديد النصفي للكونجرس وللرئاسة يمكن اختصارها في شكل غير مخل في عدة نقاط هي:
أولاً: في ما يتعلق بالداخل الأمريكي
* تعظيم الاستفادة بشكل إيجابي من الروح الوطنية التي سادت المجتمع الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من خلال تأصيل الحريات وليس عبر تهديدها في إطار خانق لروح أمريكا.
* إنشاء مؤسسة دفاعية تختلف عن تلك التي كانت ولاتزال قائمة قبل أحداث نيويورك وواشنطن وفي هذا إشارة من طرف خفي إلى المثالب الهائلة التي شابت عمل البنتاجون.
* تقريب الفجوة التي أخذت في التباعد والتعمق بين الديمقراطيين والعسكر في الداخل الأمريكي وهو ما يتضح اليوم في الصراع الدائر بين وزارتي الخارجية والدفاع.
* الاهتمام بالاقتصاد الأمريكي الذي تعرض لانتكاسة كبرى في السنوات القليلة الماضية بسبب الحروب التي خاضتها أمريكا، وعليه يجب وضع خطط خاصة للاهتمام بالاقتصاد في حال دخول أمريكا حروباً مستقبلية.
* ويلاحظ كذلك أن الديمقراطيين زايدوا على الجمهوريين عامة وعلى بوش خاصة تجاه أزمة النفط، إذ يسعون في قراءتهم لمستقبل أمريكا للوصول إلى ما سموه اقتصاد ما بعد النفط.
ثانياً: في إطار علاقات أمريكا الدولية
* يتطلع الديمقراطيون إلى دور فاعل للأمم المتحدة بخلاف جمهور كبير من الجمهوريين الرافضين لدور المنظمة الأممي، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة، أما الديمقراطيون فيرون ضرورة تجديد وإصلاح هيكل الأمم المتحدة.
* وإذا كانت فترة بوش الأولى قد شهدت شقاقاً وفراقاً مع أوروبا، فإن الحزب الديمقراطي يرى في أوروبا الحليف الأقرب والذي لابد من الاهتمام بتقويته وعدم التخوف من ذلك.
* ويولي الديمقراطيون أهمية كبرى لقضية العولمة التي باتت اليوم ميداناً لمعركة غير واضحة المعالم بما يؤثر سلباً واختصاماً من أي مزايا فيها، إذ يرى عدد وافر من دول وسكان العالم أن العولمة تعني رعاية مصالح أمريكا على حساب بقية اهتمامات العالم.
* ويولي الديمقراطيون اهتماماً لقضية التهديدات النووية وأسلحة الدمار الشامل، ويرون ضرورة وضع آليات تمنع من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ويفضلون اللجوء إلى الوسائل السلمية لمعالجة الأزمات الناشئة كما في حال الملف الإيراني.
ثالثاً: في ما يتعلق بالعالمين العربي والإسلامي
* يأتي الإسلام والمسلمون والعالم الإسلامي على قمة الاهتمامات الديمقراطية للحزب الديمقراطي ودعم المسلمين الذين يعملون من أجل التحديث، أي أولئك أصحاب النظرة التي تتفق مع رؤية واشنطن لإسلام سياسي معتدل.
* وتحتوي الوثيقة على استراتيجية كبرى للشرق الأوسط فيما يعد رداً على المشروع الجمهوري لـ (دمقرطة) الشرق الأوسط ومشروع الشرق الأوسط الكبير.
* تعد الوثيقة بالعمل على إنعاش اقتصادات البلدان الإسلامية من منطلق أن الفقر يولد الإرهاب، كما تعد بزرع بذور الديمقراطية الليبرالية داخل تلك المجتمعات من دون اللجوء إلى سياسة فرض خارجية للقيم الديمقراطية والليبرالية، فهي في نظرهم لا يتم استيرادها بل تستزرع وتستولد.
المعنى والمبنى وراء الفوز الخسارة
الواقع أنه قد يكون من المبكر الحديث عن صورة أمريكا المتغيرة بعد سيطرة الديمقراطيين غير أن هناك عدة ملاحظات أولية يمكن الإشارة إليها على هامش النتائج المحققة التي يمكن قراءتها بين سطور هذه الانتخابات ومنها:
– يمكن القول بداية إن الجمهوريين فشلوا في واقع الأمر في استخدام سلاح الخوف من جديد واللعب بورقة الأمن والإرهاب، فقبل نحو أسبوعين عرض الحزب الجمهوري ضمن دعايته الانتخابية مادة دعائية مدتها دقيقة واحدة تحمل صوراً لقادة من تنظيم القاعدة مثل ابن لادن والظواهري، إضافة إلى معسكرات تدريب إرهابية، في حين تظهر تهديدات مكتوبة مثل (ندعو كل من يؤمن بالله لقتل الأمريكيين) ورسالتنا واضحة (أن ما شاهدتموه في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 وما شاهدتموه أخيراً في أفغانستان والعراق لا شيء بمقارنة ما سترونه). والمعنى الواضح هو إرهاب الأمريكيين ودفعهم للتخلي عن التصويت للديمقراطيين غير أن النتائج أظهرت أن الشعب الأمريكي بدأ يستفيق من حمى الإرهاب التي أراد لها الجمهوريون الارتفاع حتى لو قتلت المريض الأمريكي.
– من بين تلك الوقفات نرصد ما أشار إليه الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان عبر مقالة في (النيويورك تايمز) الأمريكية تحت عنوان (معركة فاصلة ضد إدارة فاشلة) والذي يعبر فيه عن قناعاته بمدى الفشل الذي أصاب روح أمريكا من جراء سياسات جورج بوش وكارل روف ومن لف لفهم، ويخلص في نهاية مقاله إلى مخاطبة الأمريكيين بالقول (إن هذه هي فرصتكم لتؤكدوا لروف أن هذه الانتخابات فاصلة وحاسمة، وأنه لا سبيل فيها لتحويل بلادنا إلى جمهورية لـ (مخبولين) بإفلات الإدارة مما ارتكبته بحقها واستمرار هيمنتها على مجلسي النواب والشيوخ. ويضيف: (إن حدث ذلك فهذا يعني أن ديمقراطيتنا باتت تتهاوى وتترنح الآن وأنها أسيرة التلوث المالي والمحاباة والفساد، وأن القراصنة السياسيين أحكموا قبضتهم عليها إلى حد فقدنا فيه القدرة على محاسبة الحزب السياسي الحاكم وعندها سنكون قد أكدنا لروف كم نحن أغبياء حقاً، أما عن نفسي فلست كذلك مطلقا)ً.
غير أنه من حسن حظ فريدمان الذي يعبر عن قطاع عريض من الأمريكيين أن مخاوفه لم تتحقق بل العكس جاء فوز الديمقراطيين ليعطي فرصة جدية لأمريكا تعاود فيها اكتشاف ذاتها ثانية.
– ومن بين تلك الملاحظات نتوقف عند العلاقة بين هزيمة الجمهوريين وتقلص مساحة الأصولية الدينية اليمينية والتي عرفت باسم الصهيونية المسيحية، ومعلوم أن هذا التيار، الذي يعد من أكثر التيارات فاعلية على صعيد الحياة السياسية الأمريكية ويشمل شريحة يبلغ عددها نحو 80 مليون أمريكي، كان السبب في نجاحات بوش كرئيس والجمهوريين عن بكرة أبيهم في انتخابات سابقة، غير أن هذا القطاع يبدو أنه أدرك هذه المرة أن هناك مساحة كبيرة من الزيف والخداع بين الشعارات التي رفعها الجمهوريون ورئيسهم وبين الوقائع على الأرض وعليه فقد كان الإعراض عن دعم الجمهوريين من جديد.
– والأمر الآخر الذي يتقاطع مع عرب ومسلمي أمريكا ويهمنا بالدرجة الأولى هو أنه بدت تلوح في أفق أمريكا علامات للاستفاقة من أزمة (الإسلاموفوبيا) لا سيما بعد فوز (كيث اليسون) كأول مسلم بمنصب سيناتور في الكونجرس ونجاح عدد من المرشحين في مختلف الولايات الأمريكية في منصب العمدة، وجاءت تلك النتائج لتؤكد على تفاعل الجاليات العربية والإسلامية مع الحياة السياسية الأمريكية وانتهاء مرحلة الخوف والتقوقع التي لازمتهم في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر.
والحاصل أن ما تقدم ليس إلا مقدمة سريعة عن أحوال أمريكا في ظل سيطرة الديمقراطيين وهو حديث متصل لا سيما في ظل الانقسام الذي أصبح واقعاً في أمريكا اليوم بين حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2911::/cck::
::introtext::
في أعقاب انقضاء نهار الثلاثاء الكبير كان على الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يجري اتصالين هاتفيين الأول مع زعيم الأغلبية الجمهورية الذي أضحى (سابقاً) في مجلس النواب ليشكره على جهده للسنوات المنصرمة ومع الرئيس القادم للأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي ليعرب عن تطلعه للعمل معها في القضايا الأساسية التي تعم البلاد.
::/introtext::
::fulltext::
في أعقاب انقضاء نهار الثلاثاء الكبير كان على الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يجري اتصالين هاتفيين الأول مع زعيم الأغلبية الجمهورية الذي أضحى (سابقاً) في مجلس النواب ليشكره على جهده للسنوات المنصرمة ومع الرئيس القادم للأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب نانسي بيلوسي ليعرب عن تطلعه للعمل معها في القضايا الأساسية التي تعم البلاد.
المؤكد أن واقع الحال يشير إلى أن أمريكا في ظل أغلبية الديمقراطيين لن تكون طريقا معبدا للإدارة الجمهورية ولا للحزب الجمهوري، وأن الكونجرس المسيطر عليه ديمقراطيا يمكن أن يصل بإدارة الرئيس بوش إلى طريق مسدود، ويصبح معه بوش بطة عرجاء ليتكرر المشهد الذي جرى في أواخر التسعينات عندما كان الرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون يواجه تعنتاً شديداً من الكونجرس الجمهوري، ويومها استطاع الكونجرس تعطيل تدفق الميزانية وأضحى ساكن البيت الأبيض كالمقعد العاجز عن اتخاذ أي قرارات مهمة أو مصيرية مع الفارق الكبير بين تلك الملفات المطروحة الآن مثل الانسحاب من العراق أو المواجهة القادمة مع إيران أو الأحوال الاقتصادية المتردية في الداخل الأمريكي، وتلك التي كانت في عهد كلينتون والتي كان أهمها تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي.
ولعل هذا الطرح الذي نحن بصدده يمكن إجماله في عدة نقاط من أهمها لماذا خسر الجمهوريون؟ وهل ستتغير السياسات الأمريكية بعد إعادة سيطرة الديمقراطيين على المشهد السياسي في واشنطن؟ إضافة إلى المعنى والمبنى وراء تلك الخسارة والهوامش التي تشير إليها في حال أمريكا داخلياً وخارجياً.
لماذا خسر الجمهوريون الأغلبية؟
في الحقيقة هناك اختلاف شديد بين انتخابات الثلاثاء الأخير هذه المرة عن تلك التي جرت في عام 2004 عندما استطاع الحزب الجمهوري ومن خلفه إدارة بوش ومستشاروه من إدارة المعركة الانتخابية بكفاءة واقتدار بالغين، ولعب الجميع فيها على أوتار الأمن واستخدام ورقة الإرهاب في حشد الحشود ضد الديمقراطيين الذين اتهموا من قبل الجمهوريين بتهاونهم بأمن أمريكا.
ومعروف أنه منذ العام 2001 والحزب الجمهوري يحتل البيت الأبيض كما يسيطر الجمهوريون على مجلسي النواب والشيوخ وبفضل اختيار بوش لأعضاء المحكمة العليا فإن هذه المؤسسة المهمة في هيكل الدولة في الولايات المتحدة باتت هي الأخرى خاضعة للجمهوريين.
وكما تقول صحيفة (الأوبزرفر) البريطانية العريقة فإن مصمم الاستراتيجية الجمهورية (كارل روف) الذي يعرف في الولايات المتحدة بأنه (عقل بوش) اقترب من تحقيق حلمه ببسط الجمهورية على الولايات المتحدة على مدى جيل كامل.
لقد كان روف يحلم بتحويل أمريكا إلى دولة الحزب الواحد وهو حلم بدا لوهلة أنه في سبيله إلى التحول إلى حقيقة، ونادراً ما حدث في تاريخ الولايات المتحدة التي أسست على فكرة الفصل بين السلطات أن يوجد هذا التركيز للسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد حزب واحد.
والتساؤل الذي يطرحه المحللون اليوم هو لماذا نزل سوط العقاب على الجمهوريين بعد تلك السيطرة غير المسبوقة والتي اتخذت من الحادي عشر من سبتمبر منطلقا لها؟
يرى (أندرو راونسلي) من (الأوبزرفر) أن هناك عدة أسباب وهي في واقع الأمر لا تخفى عن عيني الناظر في قارات الأرض الست من أهمها إشكالية الحرب على العراق وأزمة الاقتصاد وفضائح الحزب الجمهوري الأخلاقية والمالية، ناهيك عن الفشل الواضح في التصدي للإرهاب.
أما عن العراق، فقد تكشفت أكاذيب إدارة بوش بدءاً من عدم وجود أسلحة الدمار الشامل وصولاً إلى إخفاق وعود تحقيق الحرية والديمقراطية والأمن في بلد الرشيد، ومع ذلك فقد كان أغلبية الأمريكيين على استعداد لتقبل الخسائر التي حلت بهم إن في العتاد و المال أو الأرواح لو أنهم اقتنعوا بأن النتيجة النهائية يمكن أن تكون إيجابية، لكن ذلك لم يحدث.
ومع اقتراب الانتخابات وتحديداً في شهر أكتوبر كان الجيش الأمريكي يصاب بأكبر عدد من الخسائر البشرية منذ اندلاع الحرب وعقب عودة اللجنة المكلفة من الكونجرس بتقييم الأوضاع في العراق كان (جون وارنر) عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الذي يرأس لجنة الخدمات العسكرية في المجلس يعلي من صوته محذراً من المضي قدماً في النهج الأمريكي ذاته، ويبدو كذلك أن التقرير الرئيسي الذي سيصدر عن اللجنة التي يترأسها جيمس بيكر في الأيام المقبلة ستشير إلى الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها إدارة جورج بوش، والتي جعلت الجمهوريين يفقدون سيطرتهم بعد 12 عاماً متصلة على الكونجرسومن بين العوامل التي سارعت بإنزال الخسارة بالجمهوريين تردي الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، حيث ارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى الزيادة المخيفة في عجز الموازنة الأمريكية لا سيما في ظل المليارات التي أنفقت في الحروب الثلاث الدائرة رحاها حتى الساعة في أفغانستان والعراق والحرب المعلنة عملياً على الإرهاب، وهذه في مجموعها تكبد الخزانة الأمريكية تريليونات من الدولارات، ورغم ذلك فإن تلك الدولارات التي أهدرت والأرواح التي أزهقت لم تزود الأمريكيين إلا بإحساس مخيف بأنهم يزدادون ضعفاً إزاء العالم.
ويمكن للناظر أن يضيف إلى المسببات عدم إدراك أمريكا لنصر مبين ومؤكد في الحرب على الإرهاب، بل إن تقرير الـ(16) وكالة استخبارية أمريكية والذي صدر منذ فترة قصيرة أدى إلى جعل صورة بوش وإدارته مشوهة لدى العامة، فرغم كل الإجراءات التي اتخذت فإن التقرير قال إن احتمالات المواجهة مع الإرهابيين تزداد خطورة ووعورة يوماً تلو آخر.
أما عن قضايا الفساد فحدّث عنها ولا حرج بدءاً من توم ديلاي الزعيم الجمهوري الذي أجبر على الاستقالة مروراً بجاك ابراموف صاحب العلاقات مع (المافيا) وكلاهما قصة من الفساد المالي والرشى وصولاً إلى مارك فولي الجمهوري الذي اضطر لتقديم استقالته بعد افتضاح الرسائل الإلكترونية المخزية التي كان يبعث بها إلى صبيان متدربين في الكونجرس.
وكما كان الحال بالنسبة للرئيس ريتشارد نيكسون الذي أرغم على الاستقالة، فإن طبيعة الفضيحة نفسها لا تهم إزاء حجم التغطية الإعلامية التي ترافقها، والإعلام الأمريكي اليوم يزدحم بمختلف التقارير عن اتهامات توجه للزعامة الجمهورية في الكونجرس بشأن علمها المسبق بتلك الفضيحة والسعي إلى التستر عليها.
وما أضعف الحزب الجمهوري بشكل غير مسبوق هو انقسام أعضائه في الفترة الأخيرة، فالبعض منهم ذهب إلى أن سياسات أمريكا وإقرارها لقوانين سيئة السمعة مثل التعذيب يبعدها عن روحها الحقيقة، التي تتمثل في الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وقد مثل هؤلاء السيناتور جون ماكين الذي رفض سياسات بوش لإقرار التعذيب ومن بين الجمهوريين كذلك من دعا إلى انسحاب من العراق مثل جيل جوتنكنخت إضافة إلى العضو الجمهوري كريس شايس الذي كان من أشد المؤيدين للحرب وفيما بعد أعلن أنه بات يفضل وضع إطار زمني لسحب القوات الأمريكية من العراق.
ولعل المفاجأة الجديدة التي تضاف إلى المواجع الجمهورية، إن صح التعبير، كانت في تغير أحد مهندسي الحرب على العراق، أمير الظلام ريتشارد بيرل الذي شغل منصب الرجل الثالث في البنتاغون في ذلك الوقت، وقد صرح قبيل ساعات قلائل من الانتخابات قائلاً (لو علمت مقدار التكلفة والخسائر التي ستنزل بأمريكا من جراء حرب العراق وأنه سيكون على هذا النحو، لما أقدمت على تأييد هذا الغزو أصلاً).
سيطرة الديمقراطيين وتغير السياسات الأمريكية
قبل الفوز الكبير للديمقراطيين وإبان الحملات الانتخابية أشار الديمقراطيون إلى أنه في حالة حصولهم على الأغلبية في أحد أو كلا المجلسين ومن ثم الفوز بلجنة الشؤون الخارجية أو الاستخبارات أو غيرهما من اللجان فسوف يشنون حملة لاستعادة الرقابة على أنشطة السلطة التنفيذية التي سيطرت على السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات الخمس الماضية. وبشكل خاص يقولون إنهم سيبحثون استخدام الإدارة لسلطة المخابرات قبل الحرب وقضايا مثل التمويل وإعادة الإعمار في العراق ودور سلطة الائتلاف المؤقت في تلك العمليات، كما سيكونون أكثر تشدداً في عمليات التحقيق ومواجهة الرئيس.
وتتوقع نانسي أ. رومان المحللة السياسية الأمريكية المعروفة أن يتجه الديمقراطيون في حال سيطرتهم على الكونجرس إلى إثارة أسئلة جديدة حول موقع قضية التجارة الحرة على أجندة الإدارة الأمريكية إلا أنها لا تتوقع في الوقت ذاته حدوث تغييرات جوهرية في التشريعات الخاصة بالسياسة الخارجية في حالة سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس وذلك بالنظر إلى سيطرة الجناح التنفيذي على قضايا السياسة الخارجية ومحدودية بدائل السياسة الخارجية المتاحة أمام الحزبين الديمقراطي والجمهوري في قضايا مثل العراق. كما توقعت رومان أن يشهد الكونجرس درجة كبيرة من الاستقطاب الحزبي، ولكن من الناحية العملية لن تشهد السياسة الخارجية تغييراً جوهرياً ليس بسبب التعاون بين الحزبين داخل الكونجرس وبل بسبب محدودية البدائل العملية المتاحة أمام كل منهما في قضايا السياسة الخارجية.
وفي الأيام القليلة الماضية وضع الديمقراطيون عصارة أفكارهم في كتاب مهم يوضح الخطوط العريضة للسياسة الخارجية والداخلية التي يتعين أن تتسم بها سياسات المتنافسين الديمقراطيين سواء في انتخابات الكونجرس أو الرئاسة 2008، ومن خلال تحليل مفرداته يمكن معرفة إلى أين يمضي الديمقراطيون. والكتاب الذي رعاه معهد السياسات التقدمية الذي انبثق بدوره عن المجلس الديمقراطي للقيادة يحمل عنوان (بكل قوتنا استراتيجية تقدمية لدحر الجهادية والدفاع عن الحرية).ويرى المحرر (ويل مارشال) أحد مؤسسي المجلس الديمقراطي للقيادة ومدير معهد السياسات التقدمية أن هدف الوثيقة بعث الحياة من جديد في السياسة الخارجية للرئيسين السابقين هاري ترومان وجون كيندي اللذين صاغا سياسة الحزب الديمقراطي إزاء التهديد الشمولي للشيوعية.
وعند مارشال كذلك لا تختلف الجهادية الإسلامية كثيراً عن الشيوعية، لذا فإنها تستدعي ممارسة الجهد الفكري ذاته، معتبراً أن الديمقراطيين كانوا دائماً في أفضل أحوالهم عندما دافعوا عن القيم الديمقراطية في وجه الأيديولوجيات غير الليبرالية.
ويؤكد مارشال أنه (عندما نشرع بالقيام بذلك فإننا سنستقطب الرأي العام ليس في الداخل فقط، بل في العالم أجمع).
والتساؤل ما الذي تحتويه الوثيقة من اتجاهات تتفق وقيم الليبرالية الديمقراطية الأمريكية التي انتهكت في الداخل والخارج؟ الواقع أن تلك الأفكار التي استهل بها الحزب الديمقراطي حملته الانتخابية للتجديد النصفي للكونجرس وللرئاسة يمكن اختصارها في شكل غير مخل في عدة نقاط هي:
أولاً: في ما يتعلق بالداخل الأمريكي
* تعظيم الاستفادة بشكل إيجابي من الروح الوطنية التي سادت المجتمع الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من خلال تأصيل الحريات وليس عبر تهديدها في إطار خانق لروح أمريكا.
* إنشاء مؤسسة دفاعية تختلف عن تلك التي كانت ولاتزال قائمة قبل أحداث نيويورك وواشنطن وفي هذا إشارة من طرف خفي إلى المثالب الهائلة التي شابت عمل البنتاجون.
* تقريب الفجوة التي أخذت في التباعد والتعمق بين الديمقراطيين والعسكر في الداخل الأمريكي وهو ما يتضح اليوم في الصراع الدائر بين وزارتي الخارجية والدفاع.
* الاهتمام بالاقتصاد الأمريكي الذي تعرض لانتكاسة كبرى في السنوات القليلة الماضية بسبب الحروب التي خاضتها أمريكا، وعليه يجب وضع خطط خاصة للاهتمام بالاقتصاد في حال دخول أمريكا حروباً مستقبلية.
* ويلاحظ كذلك أن الديمقراطيين زايدوا على الجمهوريين عامة وعلى بوش خاصة تجاه أزمة النفط، إذ يسعون في قراءتهم لمستقبل أمريكا للوصول إلى ما سموه اقتصاد ما بعد النفط.
ثانياً: في إطار علاقات أمريكا الدولية
* يتطلع الديمقراطيون إلى دور فاعل للأمم المتحدة بخلاف جمهور كبير من الجمهوريين الرافضين لدور المنظمة الأممي، وإن لم يعلنوا ذلك صراحة، أما الديمقراطيون فيرون ضرورة تجديد وإصلاح هيكل الأمم المتحدة.
* وإذا كانت فترة بوش الأولى قد شهدت شقاقاً وفراقاً مع أوروبا، فإن الحزب الديمقراطي يرى في أوروبا الحليف الأقرب والذي لابد من الاهتمام بتقويته وعدم التخوف من ذلك.
* ويولي الديمقراطيون أهمية كبرى لقضية العولمة التي باتت اليوم ميداناً لمعركة غير واضحة المعالم بما يؤثر سلباً واختصاماً من أي مزايا فيها، إذ يرى عدد وافر من دول وسكان العالم أن العولمة تعني رعاية مصالح أمريكا على حساب بقية اهتمامات العالم.
* ويولي الديمقراطيون اهتماماً لقضية التهديدات النووية وأسلحة الدمار الشامل، ويرون ضرورة وضع آليات تمنع من انتشار أسلحة الدمار الشامل، ويفضلون اللجوء إلى الوسائل السلمية لمعالجة الأزمات الناشئة كما في حال الملف الإيراني.
ثالثاً: في ما يتعلق بالعالمين العربي والإسلامي
* يأتي الإسلام والمسلمون والعالم الإسلامي على قمة الاهتمامات الديمقراطية للحزب الديمقراطي ودعم المسلمين الذين يعملون من أجل التحديث، أي أولئك أصحاب النظرة التي تتفق مع رؤية واشنطن لإسلام سياسي معتدل.
* وتحتوي الوثيقة على استراتيجية كبرى للشرق الأوسط فيما يعد رداً على المشروع الجمهوري لـ (دمقرطة) الشرق الأوسط ومشروع الشرق الأوسط الكبير.
* تعد الوثيقة بالعمل على إنعاش اقتصادات البلدان الإسلامية من منطلق أن الفقر يولد الإرهاب، كما تعد بزرع بذور الديمقراطية الليبرالية داخل تلك المجتمعات من دون اللجوء إلى سياسة فرض خارجية للقيم الديمقراطية والليبرالية، فهي في نظرهم لا يتم استيرادها بل تستزرع وتستولد.
المعنى والمبنى وراء الفوز الخسارة
الواقع أنه قد يكون من المبكر الحديث عن صورة أمريكا المتغيرة بعد سيطرة الديمقراطيين غير أن هناك عدة ملاحظات أولية يمكن الإشارة إليها على هامش النتائج المحققة التي يمكن قراءتها بين سطور هذه الانتخابات ومنها:
– يمكن القول بداية إن الجمهوريين فشلوا في واقع الأمر في استخدام سلاح الخوف من جديد واللعب بورقة الأمن والإرهاب، فقبل نحو أسبوعين عرض الحزب الجمهوري ضمن دعايته الانتخابية مادة دعائية مدتها دقيقة واحدة تحمل صوراً لقادة من تنظيم القاعدة مثل ابن لادن والظواهري، إضافة إلى معسكرات تدريب إرهابية، في حين تظهر تهديدات مكتوبة مثل (ندعو كل من يؤمن بالله لقتل الأمريكيين) ورسالتنا واضحة (أن ما شاهدتموه في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 وما شاهدتموه أخيراً في أفغانستان والعراق لا شيء بمقارنة ما سترونه). والمعنى الواضح هو إرهاب الأمريكيين ودفعهم للتخلي عن التصويت للديمقراطيين غير أن النتائج أظهرت أن الشعب الأمريكي بدأ يستفيق من حمى الإرهاب التي أراد لها الجمهوريون الارتفاع حتى لو قتلت المريض الأمريكي.
– من بين تلك الوقفات نرصد ما أشار إليه الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان عبر مقالة في (النيويورك تايمز) الأمريكية تحت عنوان (معركة فاصلة ضد إدارة فاشلة) والذي يعبر فيه عن قناعاته بمدى الفشل الذي أصاب روح أمريكا من جراء سياسات جورج بوش وكارل روف ومن لف لفهم، ويخلص في نهاية مقاله إلى مخاطبة الأمريكيين بالقول (إن هذه هي فرصتكم لتؤكدوا لروف أن هذه الانتخابات فاصلة وحاسمة، وأنه لا سبيل فيها لتحويل بلادنا إلى جمهورية لـ (مخبولين) بإفلات الإدارة مما ارتكبته بحقها واستمرار هيمنتها على مجلسي النواب والشيوخ. ويضيف: (إن حدث ذلك فهذا يعني أن ديمقراطيتنا باتت تتهاوى وتترنح الآن وأنها أسيرة التلوث المالي والمحاباة والفساد، وأن القراصنة السياسيين أحكموا قبضتهم عليها إلى حد فقدنا فيه القدرة على محاسبة الحزب السياسي الحاكم وعندها سنكون قد أكدنا لروف كم نحن أغبياء حقاً، أما عن نفسي فلست كذلك مطلقا)ً.
غير أنه من حسن حظ فريدمان الذي يعبر عن قطاع عريض من الأمريكيين أن مخاوفه لم تتحقق بل العكس جاء فوز الديمقراطيين ليعطي فرصة جدية لأمريكا تعاود فيها اكتشاف ذاتها ثانية.
– ومن بين تلك الملاحظات نتوقف عند العلاقة بين هزيمة الجمهوريين وتقلص مساحة الأصولية الدينية اليمينية والتي عرفت باسم الصهيونية المسيحية، ومعلوم أن هذا التيار، الذي يعد من أكثر التيارات فاعلية على صعيد الحياة السياسية الأمريكية ويشمل شريحة يبلغ عددها نحو 80 مليون أمريكي، كان السبب في نجاحات بوش كرئيس والجمهوريين عن بكرة أبيهم في انتخابات سابقة، غير أن هذا القطاع يبدو أنه أدرك هذه المرة أن هناك مساحة كبيرة من الزيف والخداع بين الشعارات التي رفعها الجمهوريون ورئيسهم وبين الوقائع على الأرض وعليه فقد كان الإعراض عن دعم الجمهوريين من جديد.
– والأمر الآخر الذي يتقاطع مع عرب ومسلمي أمريكا ويهمنا بالدرجة الأولى هو أنه بدت تلوح في أفق أمريكا علامات للاستفاقة من أزمة (الإسلاموفوبيا) لا سيما بعد فوز (كيث اليسون) كأول مسلم بمنصب سيناتور في الكونجرس ونجاح عدد من المرشحين في مختلف الولايات الأمريكية في منصب العمدة، وجاءت تلك النتائج لتؤكد على تفاعل الجاليات العربية والإسلامية مع الحياة السياسية الأمريكية وانتهاء مرحلة الخوف والتقوقع التي لازمتهم في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر.
والحاصل أن ما تقدم ليس إلا مقدمة سريعة عن أحوال أمريكا في ظل سيطرة الديمقراطيين وهو حديث متصل لا سيما في ظل الانقسام الذي أصبح واقعاً في أمريكا اليوم بين حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي!
::/fulltext::
::cck::2911::/cck::
