تداعيات انهيار مفاوضات جولة الدوحة

::cck::2926::/cck::
::introtext::

لا يمكن تصور الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي في حال الانهيار الكامل لمفاوضات جولة الدوحة. ويذكر أن المفاوضات كانت قد انطلقت من العاصمة القطرية في نهاية العام 2001 لغرض تحقيق المزيد من عملية تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وارتفع عدد الدول الأعضاء في المنظمة التي تعرف اختصاراً بالمسمى (دبليو.تي.أو) إلى 149 بلداً بعد انضمام المملكة العربية السعودية إليها في نهاية العام 2005.

::/introtext::
::fulltext::

لا يمكن تصور الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي في حال الانهيار الكامل لمفاوضات جولة الدوحة. ويذكر أن المفاوضات كانت قد انطلقت من العاصمة القطرية في نهاية العام 2001 لغرض تحقيق المزيد من عملية تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وارتفع عدد الدول الأعضاء في المنظمة التي تعرف اختصاراً بالمسمى (دبليو.تي.أو) إلى 149 بلداً بعد انضمام المملكة العربية السعودية إليها في نهاية العام 2005.
لم تنجح مفاوضات اللحظة الأخيرة في فصل الصيف، التي ضمت أطراف المجموعة السداسية في إنقاذ الجولة، وتضم المجموعة السداسية كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا والبرازيل والهند. والمعروف أن دول المجموعة السداسية كانت تعتبر بمثابة (أهل الحل والعقد) نظراً لتمثيلها الأطراف ذات التأثير في سير المفاوضات. وعلى أثر فشل المفاوضات السداسية تم الإعلان عن تعليق المفاوضات من دون تحديد تاريخ للمحادثات المقبلة، الأمر الذي تم تفسيره بفشل الجولة.
وتتمثل نقاط الخلاف الجوهرية بين التكتلات الرئيسية في مفاوضات الدوحة في ثلاث قضايا عالقة هي: 1) تقليص الدعم الأمريكي للقطاع الزراعي. 2) دعوة الدول النامية الرئيسية إلى الحد من التعريفات المفروضة على الواردات الزراعية. 3) الطلب من الاتحاد الأوروبي فتح أسواقه أمام المنافسة الأجنبية.
الدعم الأمريكي للقطاع الزراعي
بخصوص المعضلة الأولى تقدم الولايات المتحدة شتى أنواع الدعم لمزارعيها (اعترف لي أحد المزارعين أثناء زيارة إلى ولاية أيوا الأمريكية في فصل الصيف بأن الدعم الرسمي حيوي لنجاح القطاع الزراعي). فالمزارعون في أمريكا يحصلون على ضمانات شراء من الحكومة الفيدرالية فضلا عن التسهيلات الائتمانية المقدمة من بنك الصادرات والواردات الأمريكي للدول الراغبة في شراء المنتجات الزراعية الأمريكية. وتقدر قيمة الدعم التي قدمتها الحكومة الفيدرالية إلى مزارعيها بنحو 150 مليار دولار في الفترة ما بين (1995 و 2005).
بيد أنه من الإنصاف وضع المساعدة الأمريكية في إطار الدعم المقدم من دول الاتحاد الأوروبي وخصوصاً فرنسا للمزارعين. كما أن دولاً أخرى مثل اليابان متورطة في تقديم المؤازرة لمزارعيها. ويعرف عن الحكومات اليابانية المتعاقبة تقديمها الدعم للمزارعين في إنتاج الأرز بدل الاستيراد من دول لها باع في إنتاج المحصول وخصوصاً الهند وباكستان وتايلاند. ويكمن سر تقديم العون للقطاع الزراعي في دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان في حقيقة مهمة وهي أن المزارعين دائمو التصويت في الانتخابات. وعليه لا يرغب السياسيون في خسارة أصوات المزارعين الذين في العادة يكونون أعضاء في النقابات المدافعة عن حقوقهم وتوجههم بمنح أصواتهم للمرشحين استنادا لمواقفهم من قضايا القطاع الزراعي، بل يشتهر القطاع الزراعي في الولايات المتحدة بتنظيم صفوفه عبر منظمات المجتمع المدني، التي بدورها تضغط على أعضاء الكونجرس للوقوف إلى جانب المزارعين. ولا يوجد سياسي في أمريكا يرغب في خسارة أصوات الناخبين من المزارعين الذين يتميزون عن غيرهم بالذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في أيام الانتخابات.
ويمثل الدعم الأمريكي خسارة للدول النامية حيث تحرمها من فرص تطوير القطاع الزراعي في بلدانها نظراً لوجود البديل الأمريكي والذي بدوره يعتمد على أحدث وسائل التقنية وشروط الصحة فضلا عن التسهيلات الائتمانية الممنوحة للدول الراغبة في الاستيراد من أمريكا. وبدورها تطالب الولايات المتحدة بالحد من الضرائب المفروضة على الواردات الزراعية (ما يعني فتح الأسواق) أمام منتجاتها أو ما تسميه بحق الوصول للأسواق الأخرى وخصوصا الدول النامية الرئيسية مثل الهند والبرازيل.

ضرائب الدول النامية على الواردات
ثانيا هناك ضغوط تمارسها بعض الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تطالب الدول النامية بتقليص التعريفات المفروضة على الواردات الزراعية. وتتمحور الضغوط على الاقتصاديات النامية الكبيرة نسبيا مثل البرازيل والهند في الحد من الضرائب المفروضة على الواردات الزراعية التي تصل إلى نحو 65 في المائة. وبالمقابل ترى هذه الدول أنها مضطرة لفرض هذه الضرائب العالية نسبياً لحماية منتجاتها الزراعية المحلية من المنافسة الأجنبية المدعومة. وأيضاً تعتبر بعض الدول النامية فرض الضرائب على السلع الزراعية مصدراً حيوياً لإيرادات موازنتها العامة.
اقتحام القلعة الأوروبية!
تتعلق المسألة الثالثة بدعوة كيان الاتحاد الأوروبي إلى فتح أسواقه أمام السلع الأجنبية، ويبلغ عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر 25 دولة (سوف يزيد عدد الدول الأعضاء إلى 27 في العام 2007). ويتميز الاتحاد الأوروبي بنجاحه في تحقيق نوع من التكامل الاقتصادي بين أعضائه بدليل أن التجارة البينية بين الدول الأعضاء تزيد على نصف تجارتها العالمية. ويلاحظ أن دول الاتحاد تتميز بتحقيقها نوعاً من التكامل الاقتصادي بين أعضائها، بدليل نجاح ألمانيا في صناعة السيارات والمنتجات الزراعية في ما يتعلق بإسبانيا. وقد حقق الاتحاد الأوروبي مرحلة متقدمة من التعاون الاقتصادي، حيث تم منح كل عوامل الإنتاج حرية الحركة بين الدول الأعضاء. والجدير ذكره أن الاتحاد الأوروبي انتهى من مراحل تحرير التجارة البينية فضلا عن الاتحاد الجمركي مروراً بالسوق المشتركة (بالمقابل من المنتظر أن تنهي دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة الاتحاد الجمركي في العام 2007، الأمر الذي يتطلب توحيد سياسات التجارة الخارجية مع دول غير الأعضاء). وحقيقة القول إن الاتحاد الأوروبي بلغ مرحلة متقدمة من التكامل الاقتصادي بين أعضائه لدرجة أنه ليس لديه الحاجة للعالم الخارجي في العديد من السلع والمنتجات والخدمات. بمعنى آخر، بات الاتحاد الأوروبي قلعة يصعب اقتحامها، بل إن اقتحام القلعة الأوروبية أحد مطالب الولايات المتحدة والعديد من الدول النامية. وظهر أثناء المفاوضات تباين صارخ في مواقف الدول الرئيسية، فقد أصرت غالبية دول العالم ومن بينها الاتحاد الأوروبي على ضرورة أن تكف الولايات المتحدة عن تقديم الدعم السخي لمزارعيها. ولسخرية القدر، كشفت الولايات المتحدة عن رغبتها في تقديم معونة قدرها 23 مليار دولار للقطاع الزراعي في العام الجاري مقارنة بنحو 19 مليار دولار في السنة المالية 2005.
خطر الاتفاقيات الثنائية
ويمثل انهيار مفاوضات جولة الدوحة المتعددة الأطراف خسارة للدول النامية على وجه التحديد لأنها سوف تدفع باتجاه إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية وليست الجماعية، الأمر الذي يخدم مصالح الاقتصاديات الكبيرة، حيث بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة نسبياً. وبموجب الاتفاقيات الثنائية تحصل الاقتصاديات الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فرص لفرض شروطها وذلك استنادا إلى قوة اقتصادها. فعلى سبيل المثال تعتبر سوق الواردات في الولايات المتحدة الأكبر في العالم على الإطلاق والأكثر انفتاحاً بين اقتصاديات الدول المتقدمة، الأمر الذي يشجع بعض الدول الأخرى على الرضوخ للشروط الأمريكية حتى تحصل على جزء من (الكعكة). والكعكة الأمريكية عبارة عن واردات ضخمة (استيراد 1677 مليار دولار من السلع فضلا عن 315 مليار دولار من الخدمات في العام 2005). حيث بلغ العجز التجاري الأمريكية للسلع نحو 800 مليار دولار في العام 2005 منها 200 مليار دولار بسبب التجارة البينية مع الصين. ولا غرابة أن العديد من الدول ترغب في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية مثل توفير فرص العمل لمواطنيها.
ولاحظنا على سبيل المثال موافقة سلطنة عمان على الشروط الأمريكية في ما يتعلق بمنح حقوق العمال في السلطنة. فقد وافقت السلطات في شهر يوليو على إجراء تغييرات واسعة في قانون العمل ومنح العمال (المواطنين والأجانب على حد سواء) حرية تشكيل النقابات على مستوى السلطنة فضلاً عن إعطائهم حق القيام بمظاهرات سلمية، إضافة إلى زيادة الجزاءات المفروضة على المؤسسات التي تقوم بتوظيف الأحداث، وتم رفع قيمة مخالفة توظيف الأحداث أربع مرات لتصل إلى 500 ريال عماني فضلا عن عقوبة سجن. وجاء التحرك العماني لغرض الحصول على مصادقة مجلس النواب الأمريكي على اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين. وهذا ما تم بالفعل، حيث صّوت 221 نائباً لصالح الاتفاق بينما عارضه 205 نواب آخرين.
من جهتها وافقت مملكة البحرين على الشروط الأمريكية بخصوص الملكية الفكرية كشرط لدخول اتفاقية التجارة المبرمة بين الطرفين حيز التنفيذ، وعمدت السلطات في المنامة إلى تعديل واستصدار ثمانية قوانين تتعلق بأمور مثل حقوق المؤلف والعلامات التجارية نزولا عند رغبة واشنطن. وبعد أن استوفى الجانب البحريني كامل الشروط الأمريكية تم الإعلان عن موعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في بداية شهر أغسطس الماضي أي بعد نحو سنتين على إبرامها. وأصبحت البحرين أول دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي تبرم مع الولايات المتحدة اتفاقية للتجارة الحرة. ويشار إلى أن هذه الاتفاقية بينهما كانت قد أبرمت في شهر سبتمبر من العام 2004 في واشنطن بعد محادثات ثنائية استغرقت عدة شهور، لكن واجهت عملية تنفيذ الاتفاقية عقبات عديدة مثل مصادقة الكونجرس فضلا عن إلحاح الجانب الأمريكي على قيام السلطات البحرينية بتعديل قوانين الملكية الفكرية.
قانون الترويج التجاري الأمريكي
يشار إلى أن الأطراف الرئيسية في مفاوضات جولة الدوحة عملت وبشكل جدي من أجل التوصل إلى صيغة نهائية لوثيقة تحرير التجارة العالمية قبل انتهاء صلاحية ما يعرف بقانون الترويج التجاري في الولايات المتحدة. وكان الكونجرس قد منح الرئيس جورج بوش هذه الصلاحية في العام 2002، لكنها تنتهي في منتصف العام 2007. وبموجب الصلاحية يحق لمكتب الممثل التجاري الدخول في مفاوضات مع الدول الأخرى بهدف التوصل إلى اتفاقيات للتجارة الحرة. وبموجب القانون لا يحق للكونجرس بغرفتيه (الشيوخ و النواب) إجراء أي تغييرات في العقود التي تبرمها الحكومة الأمريكية سواء الثنائية منها مثل اتفاقيات التجارة الحرة أو الجماعية (في حال نجاح مفاوضات جولة الدوحة). وعلى هذا الأساس المطلوب من المشرعين التصويت بنعم أو (لا) على مشروعات القوانين المقترحة كحزمة واحدة. وبالمقابل المطلوب من مكتب التمثيل التجاري الأمريكي الأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف ذات العلاقة (مثل وزارات الخارجية، التجارة والزراعة) أثناء سير المفاوضات مع الدول الأخرى.
وختاماً لا يزال هناك أمل في إعادة المفاوضات إلى جادة الصواب، فقد صدرت تصريحات إيجابية من زعيم منظمة التجارة العالمية باسكال لامي مفادها أنه سوف يبذل جهوداً شخصية في سبيل إعادة إحياء المفاوضات الجماعية. كما دعا وزير التجارة الأسترالي مارك فيلي نظراءه في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اجتماعات في شهر سبتمبر لغرض بث الحياة في المفاوضات المتعثرة. وربما يتم تسجيل تطورات إيجابية أثناء اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2926::/cck::
::introtext::

لا يمكن تصور الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي في حال الانهيار الكامل لمفاوضات جولة الدوحة. ويذكر أن المفاوضات كانت قد انطلقت من العاصمة القطرية في نهاية العام 2001 لغرض تحقيق المزيد من عملية تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وارتفع عدد الدول الأعضاء في المنظمة التي تعرف اختصاراً بالمسمى (دبليو.تي.أو) إلى 149 بلداً بعد انضمام المملكة العربية السعودية إليها في نهاية العام 2005.

::/introtext::
::fulltext::

لا يمكن تصور الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد العالمي في حال الانهيار الكامل لمفاوضات جولة الدوحة. ويذكر أن المفاوضات كانت قد انطلقت من العاصمة القطرية في نهاية العام 2001 لغرض تحقيق المزيد من عملية تحرير التجارة والانفتاح الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وارتفع عدد الدول الأعضاء في المنظمة التي تعرف اختصاراً بالمسمى (دبليو.تي.أو) إلى 149 بلداً بعد انضمام المملكة العربية السعودية إليها في نهاية العام 2005.
لم تنجح مفاوضات اللحظة الأخيرة في فصل الصيف، التي ضمت أطراف المجموعة السداسية في إنقاذ الجولة، وتضم المجموعة السداسية كلاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وأستراليا والبرازيل والهند. والمعروف أن دول المجموعة السداسية كانت تعتبر بمثابة (أهل الحل والعقد) نظراً لتمثيلها الأطراف ذات التأثير في سير المفاوضات. وعلى أثر فشل المفاوضات السداسية تم الإعلان عن تعليق المفاوضات من دون تحديد تاريخ للمحادثات المقبلة، الأمر الذي تم تفسيره بفشل الجولة.
وتتمثل نقاط الخلاف الجوهرية بين التكتلات الرئيسية في مفاوضات الدوحة في ثلاث قضايا عالقة هي: 1) تقليص الدعم الأمريكي للقطاع الزراعي. 2) دعوة الدول النامية الرئيسية إلى الحد من التعريفات المفروضة على الواردات الزراعية. 3) الطلب من الاتحاد الأوروبي فتح أسواقه أمام المنافسة الأجنبية.
الدعم الأمريكي للقطاع الزراعي
بخصوص المعضلة الأولى تقدم الولايات المتحدة شتى أنواع الدعم لمزارعيها (اعترف لي أحد المزارعين أثناء زيارة إلى ولاية أيوا الأمريكية في فصل الصيف بأن الدعم الرسمي حيوي لنجاح القطاع الزراعي). فالمزارعون في أمريكا يحصلون على ضمانات شراء من الحكومة الفيدرالية فضلا عن التسهيلات الائتمانية المقدمة من بنك الصادرات والواردات الأمريكي للدول الراغبة في شراء المنتجات الزراعية الأمريكية. وتقدر قيمة الدعم التي قدمتها الحكومة الفيدرالية إلى مزارعيها بنحو 150 مليار دولار في الفترة ما بين (1995 و 2005).
بيد أنه من الإنصاف وضع المساعدة الأمريكية في إطار الدعم المقدم من دول الاتحاد الأوروبي وخصوصاً فرنسا للمزارعين. كما أن دولاً أخرى مثل اليابان متورطة في تقديم المؤازرة لمزارعيها. ويعرف عن الحكومات اليابانية المتعاقبة تقديمها الدعم للمزارعين في إنتاج الأرز بدل الاستيراد من دول لها باع في إنتاج المحصول وخصوصاً الهند وباكستان وتايلاند. ويكمن سر تقديم العون للقطاع الزراعي في دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان في حقيقة مهمة وهي أن المزارعين دائمو التصويت في الانتخابات. وعليه لا يرغب السياسيون في خسارة أصوات المزارعين الذين في العادة يكونون أعضاء في النقابات المدافعة عن حقوقهم وتوجههم بمنح أصواتهم للمرشحين استنادا لمواقفهم من قضايا القطاع الزراعي، بل يشتهر القطاع الزراعي في الولايات المتحدة بتنظيم صفوفه عبر منظمات المجتمع المدني، التي بدورها تضغط على أعضاء الكونجرس للوقوف إلى جانب المزارعين. ولا يوجد سياسي في أمريكا يرغب في خسارة أصوات الناخبين من المزارعين الذين يتميزون عن غيرهم بالذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في أيام الانتخابات.
ويمثل الدعم الأمريكي خسارة للدول النامية حيث تحرمها من فرص تطوير القطاع الزراعي في بلدانها نظراً لوجود البديل الأمريكي والذي بدوره يعتمد على أحدث وسائل التقنية وشروط الصحة فضلا عن التسهيلات الائتمانية الممنوحة للدول الراغبة في الاستيراد من أمريكا. وبدورها تطالب الولايات المتحدة بالحد من الضرائب المفروضة على الواردات الزراعية (ما يعني فتح الأسواق) أمام منتجاتها أو ما تسميه بحق الوصول للأسواق الأخرى وخصوصا الدول النامية الرئيسية مثل الهند والبرازيل.

ضرائب الدول النامية على الواردات
ثانيا هناك ضغوط تمارسها بعض الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تطالب الدول النامية بتقليص التعريفات المفروضة على الواردات الزراعية. وتتمحور الضغوط على الاقتصاديات النامية الكبيرة نسبيا مثل البرازيل والهند في الحد من الضرائب المفروضة على الواردات الزراعية التي تصل إلى نحو 65 في المائة. وبالمقابل ترى هذه الدول أنها مضطرة لفرض هذه الضرائب العالية نسبياً لحماية منتجاتها الزراعية المحلية من المنافسة الأجنبية المدعومة. وأيضاً تعتبر بعض الدول النامية فرض الضرائب على السلع الزراعية مصدراً حيوياً لإيرادات موازنتها العامة.
اقتحام القلعة الأوروبية!
تتعلق المسألة الثالثة بدعوة كيان الاتحاد الأوروبي إلى فتح أسواقه أمام السلع الأجنبية، ويبلغ عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر 25 دولة (سوف يزيد عدد الدول الأعضاء إلى 27 في العام 2007). ويتميز الاتحاد الأوروبي بنجاحه في تحقيق نوع من التكامل الاقتصادي بين أعضائه بدليل أن التجارة البينية بين الدول الأعضاء تزيد على نصف تجارتها العالمية. ويلاحظ أن دول الاتحاد تتميز بتحقيقها نوعاً من التكامل الاقتصادي بين أعضائها، بدليل نجاح ألمانيا في صناعة السيارات والمنتجات الزراعية في ما يتعلق بإسبانيا. وقد حقق الاتحاد الأوروبي مرحلة متقدمة من التعاون الاقتصادي، حيث تم منح كل عوامل الإنتاج حرية الحركة بين الدول الأعضاء. والجدير ذكره أن الاتحاد الأوروبي انتهى من مراحل تحرير التجارة البينية فضلا عن الاتحاد الجمركي مروراً بالسوق المشتركة (بالمقابل من المنتظر أن تنهي دول مجلس التعاون الخليجي مرحلة الاتحاد الجمركي في العام 2007، الأمر الذي يتطلب توحيد سياسات التجارة الخارجية مع دول غير الأعضاء). وحقيقة القول إن الاتحاد الأوروبي بلغ مرحلة متقدمة من التكامل الاقتصادي بين أعضائه لدرجة أنه ليس لديه الحاجة للعالم الخارجي في العديد من السلع والمنتجات والخدمات. بمعنى آخر، بات الاتحاد الأوروبي قلعة يصعب اقتحامها، بل إن اقتحام القلعة الأوروبية أحد مطالب الولايات المتحدة والعديد من الدول النامية. وظهر أثناء المفاوضات تباين صارخ في مواقف الدول الرئيسية، فقد أصرت غالبية دول العالم ومن بينها الاتحاد الأوروبي على ضرورة أن تكف الولايات المتحدة عن تقديم الدعم السخي لمزارعيها. ولسخرية القدر، كشفت الولايات المتحدة عن رغبتها في تقديم معونة قدرها 23 مليار دولار للقطاع الزراعي في العام الجاري مقارنة بنحو 19 مليار دولار في السنة المالية 2005.
خطر الاتفاقيات الثنائية
ويمثل انهيار مفاوضات جولة الدوحة المتعددة الأطراف خسارة للدول النامية على وجه التحديد لأنها سوف تدفع باتجاه إبرام المزيد من الاتفاقيات الثنائية وليست الجماعية، الأمر الذي يخدم مصالح الاقتصاديات الكبيرة، حيث بمقدورها فرض شروطها على الاقتصاديات الصغيرة نسبياً. وبموجب الاتفاقيات الثنائية تحصل الاقتصاديات الرئيسية في العالم مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فرص لفرض شروطها وذلك استنادا إلى قوة اقتصادها. فعلى سبيل المثال تعتبر سوق الواردات في الولايات المتحدة الأكبر في العالم على الإطلاق والأكثر انفتاحاً بين اقتصاديات الدول المتقدمة، الأمر الذي يشجع بعض الدول الأخرى على الرضوخ للشروط الأمريكية حتى تحصل على جزء من (الكعكة). والكعكة الأمريكية عبارة عن واردات ضخمة (استيراد 1677 مليار دولار من السلع فضلا عن 315 مليار دولار من الخدمات في العام 2005). حيث بلغ العجز التجاري الأمريكية للسلع نحو 800 مليار دولار في العام 2005 منها 200 مليار دولار بسبب التجارة البينية مع الصين. ولا غرابة أن العديد من الدول ترغب في التصدير للسوق الأمريكية أملاً منها في القضاء على تحدياتها الاقتصادية مثل توفير فرص العمل لمواطنيها.
ولاحظنا على سبيل المثال موافقة سلطنة عمان على الشروط الأمريكية في ما يتعلق بمنح حقوق العمال في السلطنة. فقد وافقت السلطات في شهر يوليو على إجراء تغييرات واسعة في قانون العمل ومنح العمال (المواطنين والأجانب على حد سواء) حرية تشكيل النقابات على مستوى السلطنة فضلاً عن إعطائهم حق القيام بمظاهرات سلمية، إضافة إلى زيادة الجزاءات المفروضة على المؤسسات التي تقوم بتوظيف الأحداث، وتم رفع قيمة مخالفة توظيف الأحداث أربع مرات لتصل إلى 500 ريال عماني فضلا عن عقوبة سجن. وجاء التحرك العماني لغرض الحصول على مصادقة مجلس النواب الأمريكي على اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين. وهذا ما تم بالفعل، حيث صّوت 221 نائباً لصالح الاتفاق بينما عارضه 205 نواب آخرين.
من جهتها وافقت مملكة البحرين على الشروط الأمريكية بخصوص الملكية الفكرية كشرط لدخول اتفاقية التجارة المبرمة بين الطرفين حيز التنفيذ، وعمدت السلطات في المنامة إلى تعديل واستصدار ثمانية قوانين تتعلق بأمور مثل حقوق المؤلف والعلامات التجارية نزولا عند رغبة واشنطن. وبعد أن استوفى الجانب البحريني كامل الشروط الأمريكية تم الإعلان عن موعد دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في بداية شهر أغسطس الماضي أي بعد نحو سنتين على إبرامها. وأصبحت البحرين أول دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي تبرم مع الولايات المتحدة اتفاقية للتجارة الحرة. ويشار إلى أن هذه الاتفاقية بينهما كانت قد أبرمت في شهر سبتمبر من العام 2004 في واشنطن بعد محادثات ثنائية استغرقت عدة شهور، لكن واجهت عملية تنفيذ الاتفاقية عقبات عديدة مثل مصادقة الكونجرس فضلا عن إلحاح الجانب الأمريكي على قيام السلطات البحرينية بتعديل قوانين الملكية الفكرية.
قانون الترويج التجاري الأمريكي
يشار إلى أن الأطراف الرئيسية في مفاوضات جولة الدوحة عملت وبشكل جدي من أجل التوصل إلى صيغة نهائية لوثيقة تحرير التجارة العالمية قبل انتهاء صلاحية ما يعرف بقانون الترويج التجاري في الولايات المتحدة. وكان الكونجرس قد منح الرئيس جورج بوش هذه الصلاحية في العام 2002، لكنها تنتهي في منتصف العام 2007. وبموجب الصلاحية يحق لمكتب الممثل التجاري الدخول في مفاوضات مع الدول الأخرى بهدف التوصل إلى اتفاقيات للتجارة الحرة. وبموجب القانون لا يحق للكونجرس بغرفتيه (الشيوخ و النواب) إجراء أي تغييرات في العقود التي تبرمها الحكومة الأمريكية سواء الثنائية منها مثل اتفاقيات التجارة الحرة أو الجماعية (في حال نجاح مفاوضات جولة الدوحة). وعلى هذا الأساس المطلوب من المشرعين التصويت بنعم أو (لا) على مشروعات القوانين المقترحة كحزمة واحدة. وبالمقابل المطلوب من مكتب التمثيل التجاري الأمريكي الأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف ذات العلاقة (مثل وزارات الخارجية، التجارة والزراعة) أثناء سير المفاوضات مع الدول الأخرى.
وختاماً لا يزال هناك أمل في إعادة المفاوضات إلى جادة الصواب، فقد صدرت تصريحات إيجابية من زعيم منظمة التجارة العالمية باسكال لامي مفادها أنه سوف يبذل جهوداً شخصية في سبيل إعادة إحياء المفاوضات الجماعية. كما دعا وزير التجارة الأسترالي مارك فيلي نظراءه في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اجتماعات في شهر سبتمبر لغرض بث الحياة في المفاوضات المتعثرة. وربما يتم تسجيل تطورات إيجابية أثناء اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك.

::/fulltext::
::cck::2926::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *