الشباب الخليجي.. بين مطرقة “النخبة” وسندان “الاحتقار”!

::cck::2977::/cck::
::introtext::

لعله غني عن الذكر أن الخطاب العربي المعاصر ينطلق دائماً من أعلى إلى أسفل أو من (ناصح) إلى (منصوح) وذلك بخلاف خطابنا التراثي الذي كان يجري على أرض سهلة متساوية من (صاحب علم) إلى (طالب علم). وإذا كان السلف قد انطلقوا في ذلك من تواضع وشغف بالعلم وإيمان عميق بالاجتهاد وقيمته، فإن الغربيين الذين يجري خطابهم بالطريقة نفسها من (صاحب رأي) إلى (صاحب رأي) قد انطلقوا في ذلك من تقدير شديد للفرد وحريته في آرائه وسلوكياته.

::/introtext::
::fulltext::

لعله غني عن الذكر أن الخطاب العربي المعاصر ينطلق دائماً من أعلى إلى أسفل أو من (ناصح) إلى (منصوح) وذلك بخلاف خطابنا التراثي الذي كان يجري على أرض سهلة متساوية من (صاحب علم) إلى (طالب علم). وإذا كان السلف قد انطلقوا في ذلك من تواضع وشغف بالعلم وإيمان عميق بالاجتهاد وقيمته، فإن الغربيين الذين يجري خطابهم بالطريقة نفسها من (صاحب رأي) إلى (صاحب رأي) قد انطلقوا في ذلك من تقدير شديد للفرد وحريته في آرائه وسلوكياته.
لقد أثر إحساسنا الحاد بالتخلف والفوضى وتعقد المشكلات من حولنا في رؤية كل صاحب كلمة نفسه مسؤولاً عن علاج هذه المشكلات وقادراً على تقديم الرأي المناسب فيها، ومن هنا انتشرت (النصيحة) والصوت العالي في خطابنا الخليجي، وأعطى هذا للنخبة امتيازهم كونهم يملكون مؤهلات (رفع الصوت)، بينما بقي الشباب في الطرف الآخر ملومين على (تقصيرهم) وخاصة أنهم (أمل الأمة وعمادها)، وصار الشباب (رجالا ونساء) الهدف الذي يرمي كل الناصحين – مهما كانت اتجاهاتهم وتياراتهم- إليه سهامهم.
لقد نسي هؤلاء الناصحون أنهم كانوا يوماً شباباً يمارس (التقصير) نفسه، وأن الجيل الجديد يدفع ثمن أخطائهم وأخطاء الأجيال التي قبلهم، ونسي هؤلاء الناصحون أيضاً الضغط المسلط على هؤلاء الشباب الذين يحاولون إدارة حياتهم وسط تراكم الأهداف والطموحات والأحلام والضغوط الاجتماعية، ليضيفوا إلى هذه الضغوط ضغط النصائح التي لا تنتهي وضغط الأيديولوجيات التي لا تبقي ولا تذر.
وهذا في رأيي يشرح الفجوة التي وجدت دائماً بين الإعلام الخليجي وبين الشباب، لأن الإعلام كان دائماً المركبة التي يحمّلها (النخبة) نصائحهم ومثالياتهم، وما لم ينقد الشاب أو الشابة وراء تلك النصائح ويصبح مرآة لما تريده النخبة (وهذا ما يحصل في كثير من الأحيان)، فإنه مرفوض ومستهتر ولا يتحمل المسؤولية ولا يستحق التعاطف ولا حل معه إلا المزيد من النصح أو (آخر الدواء الكي).
إن الشعور الاجتماعي العام بأن الشباب يجب أن (ينقاد) ولا (يقود)، أضعف من وتيرة التجديد الاجتماعي والثقافي والإبداعي، وقلل من عدد الشباب الذين يؤثرون بشكل واضح في مجتمعاتهم، وبينما نتحدث دائما كيف قاد أسامة بن زيد –رضي الله عنه- جيشاً إسلامياً وعمره لا يتجاوز 19 عاماً، فإن مجتمعنا الحالي لا يرضى من شاب في الثلاثين إلا التواضع والتعلم من تجربة الكبار، ويؤمن بشكل غريب بأن صغير السن ضعيف الخبرة قليل الحكمة يملؤه الطيش ولا (يملأ العين).
كل هذا ساهم في أن يكون الإعلام الموجه للشباب الخليجي واحداً من ثلاثة تيارات رئيسية لا تخرج عن النظرية نفسها وإن اختلفت زاوية الانطلاق:
1) إعلام يعامل الشباب بالنصح الدائم في كل شؤون دنياه، حيث يجلس كتاب وصحفيون علا الشيب رؤوسهم يتذكرون أيام شبابهم وينظرون للجيل الجديد بأسف ويكتبون ما شاء الله لهم أن يكتبوا.
2) إعلام يقوده الشباب، ويغلب عليه التيار الديني، والعمل الدؤوب على تغيير الشباب للأفضل دينياً، وهو أمر يستحقون التقدير عليه، ولكنه في الوقت نفسه يتناسى الاهتمامات الدنيوية، كما يصر على معاملة الشباب وكأنهم على شفا جرف من الانحراف والعصيان، ولا بد من حمايتهم من كل ما يمكن أن يؤدي إلى (السقوط الأخير).
3) إعلام تجاري يريد أن يبيع، ولأنه يظن أن الشباب الخليجي يعشق النظرة المحرمة واللحظة الآثمة، ويهوى الطيش وكل ما هو تافه على وجه الأرض، فهو يعامل الشباب بهذا الشكل ويتفنن في تقديم ذلك من دون أي تقدير للشباب وإمكاناته وكرامته وطموحاته ولما يمكن أن يكون عليه، ويزيد بذلك الضغوط على الشباب الذي وجد نفسه محاصراً بمن ينصحه وبمن يريد غوايته.
ما البديل؟
لا أحد يستطيع الادعاء بأن الإجابة سهلة وأنها مجرد صف عبارات، ولكن المؤكد أن الجهود التي بذلت للإجابة عن السؤال محدودة وضعيفة، ولا تستطيع الخروج عن نظرية (تفاهة الشباب وغباؤهم). إن المأساة في كل هذا أن الشباب صدقوا نصائح الآباء والإعلاميين وفقدوا الثقة بأنفسهم وجيلهم وصاروا دائماً في معاناة نفسية مع أنفسهم (الضائعة) باحثين عن (الخط المستقيم) أو عن (اللذة) مع الكثير من عبارات اليأس التي يرددونها من دون وعي.
إن البديل هو إعلام يتمحور حول الإيمان بالشباب كعنصر فاعل يقود المجتمع وينطلق به، يخوض التحديات التي تتكسر على صدره المليء بالحيوية والتفاؤل. البديل إعلام يؤمن بالشباب وأفكارهم ويراها الأصل، بينما تصبح أفكار الجيل السابق جزءاً من المرجعية والتاريخ. إعلام يحلق مع الشباب وطموحاتهم من دون أن يضع عليهم القيود والضغوط والحواجز. إعلام يرى الشباب المنحرف استثناء والشباب الجاد الذكي المنطلق أصلا، له يتجه الخطاب ومن بين أصابعه تنطلق الكلمات. البديل إعلام يؤمن بالشباب ولا يراهم عبئا على المجتمع، شباب يمكنه أن يحفر الصخر ليحصل على لقمة عيشه أو ليحقق أحلامه.
ولعل مما يثير الغضب دائماً هو تلك الصحف التي تكتب عن (البطالة) مصورة الشباب وكأنهم عبارة عن جذوع خاوية تجر أذيالها حاملة أوراقها من شركة إلى أخرى لا تفتأ أن تطردهم وتغلق أبوابها دونهم بحجج واهية. تلك الصحف تنسى أنها هي التي أوهمت الشباب بأن الطرق كلها مغلقة وأنه لا مفر إلا من طرق الأبواب، ولم تعلمهم أن الحياة فيها فرص لا تنتهي وينابيع عديدة جداً يتخير الشاب من أيها يشرب. وتلك الصحف تنسى أن هؤلاء استثناء من بين مئات الآلاف من الشباب الذين اخترقوا كل الأسوار، وأثبتوا مكانتهم وكانوا على مستوى التحدي.
المرأة الشابة
هذا كله ونحن لم نتحدث بعد عن المرأة الشابة، لأن إعلامنا وخطابنا في الخليج لا يكاد يعترف بالشابات، فهن في نظر الإعلام جزء من قطاع (المرأة) اللاتي يبحثن عن الزوج والأولاد، ولا هم لهن إلا اللهاث خلف الموضة وآخر المنتجات، ويتميزن في الغالب بالغباء والإلحاح والسفاهة، وهن في نظر الإعلام إما فتيات ينتظرن الزواج، أو متزوجات مقصرات في حق أزواجهن، أو مطلقات وأرامل ينتظرن لحظة الزواج ويعانين بسبب عدم وجود الزوج.
وأنا هنا لا أتحدث عن قضية محورية الرجل في حياة المرأة كما يصورها الإعلام، فهذه لها حديث آخر، ولكن القضية أن (تربية) المرأة على أنه لا يمكن أن تكون لها طموحات وأحلام ذات هدف سام، وأنها لا يمكن أن تتجاوز الأسوار، بل يفضل ألا تتجاوز الأسوار، لأنها ستجذب الشباب، وهم في الغالب من التافهين، وستنشأ خيوط الفتن، وتفقد الشابة احترامها، ويهرب الشاب بفعلته. هذه الصورة النمطية القاسية تضع المرأة في ركن ضيق، والمأساة أن الشابات الخليجيات صدقن الإعلام أيضاً وبدأن يتشكلن تدريجياً حسب هذه الصورة السطحية والمدمرة في آن واحد.
ولعل الكثيرين قد سمعوا عن نظرية (ترتيب الأولويات) (Agenda Setting) التي تدعمها أكثر من خمسمائة دراسة علمية خلال ثلاثة عقود من الزمن، إذ تؤكد هذه النظرية أن الإعلام يرتب أولويات الجمهور من حيث أولويات القضايا (المستوى الأول) ومن حيث وجهة النظر وجزئيات القضايا (المستوى الثاني). وهذه النظرية تدعمها نظريتا (الإبراز) (Priming) و(التأطير) (Framing)، وهي بمجموعها تؤكد بشكل يصعب التشكيك فيه أن الإعلام يحدد الأولويات، ويرسم الصور الذهنية، ويؤطر وجهات النظر، وأن الناس عبر الزمن تتشرب هذه الرؤى بشكل كبير، ويصبح كثير منهم أسيراً لها في تفكيره وقراراته. إن هذه النظريات تؤكد خطورة هذه الرؤى الإعلامية الخاطئة في بناء مجتمع لا يستفيد من الشباب، وخلق أجيال تتوالى في الإطار نفسه.
مناصرة الشباب
إن أي تأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتاريخ الإسلامي سيجد أن ما أطالب به كان وضع الشباب، وكان دائماً الحديث عن كونهم من تشتد بسواعدهم الأمة، ولن تجد في الأحاديث النبوية وفقه السلف الكثير من الحديث عن (انحراف الشباب) وإن كانت هناك إشارات لكون الشباب بانطلاقه وحيويته قد يخطئ، بل إن هناك عددا من النصوص التي تجعل (صبوة الشباب) أمراً غير مستغرب كما في الحديث الشريف: (عجب ربك من شاب لم تكن له صبوة) (رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهما، وسنده حسن).
لكن مناصرة الشباب لا تأتي، كما هو معلوم، عبر إلقاء الخطابات فقط، بل بفتح القنوات التي تسمح لهم بالتأثير في المجتمع، وبناء البرامج التي تنتشلهم من واقعنا الأليم، وتضيء لهم طريق النجاح، وأخيرا من خلال صناعة مناخ (حيوي) مليء بالأنشطة المتعددة التي ينطلق من خلالها الشباب وتساعدهم على الابتعاد عن توافه الأمور، وجعل ساعات يومهم مليئة بكل ما يعيد لهم مكانتهم التي يستحقونها ويمنحهم أنفسهم المفقودة. والإعلام دوره بالطبع دعم كل هذه الجهود والوقوف معها و(مكافحة) أولئك الذين لا يعجبهم التغيير، ويخافون من سيطرة الجيل الجديد على مقاليد الأمور.
صحافة الشباب
إذا كان ما سبق يمثل الرؤية الفلسفية للإعلام والشباب، فإن الرؤية المهنية لـ(إعلام الشباب) لا تخرج عن ثلاث مدارس صحفية عالمية، وهذه المدارس نشأت بسبب اهتمام وسائل الإعلام بالشباب، الذين يمثلون عادة قطاعاً مهماً في كل مجتمع، ويصبح جذبهم هدفاً تجارياً لا غنى عنه، وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة للغرب، فإن الشباب في دول الخليج أولى بمثل هذا الاهتمام، لأنهم يمثلون واحدا من أعلى النسب في العالم مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان، فمثلا بالنسبة للمملكة العربية السعودية تشير آخر الإحصائيات الوطنية إلى أن مجموع عدد السكان الذين يزيد عمرهم على 14 ويقل عمرهم عن 40 يصل إلى 8.819.069 نسمة (حوالي 9 ملايين نسمة) من أصل 20.846.884 نسمة (حوالي 21 مليون مجموع السكان)، أي بنسبة 42.3 في المائة وهي نسبة مرتفعة جدا، أما نسبة مجموع السكان الذين يقل عددهم عن 40 عاما بما في ذلك الأطفال الذين سيصبحون في المستقبل من فئة الشباب فهي 82.6 في المائة، وهذا يعني أن المجتمع السعودي مجتمع شباب وأطفال بالأغلبية الساحقة.
إذاً جمهور الإعلام في الخليج هم من الشباب، وهم أولى بالاهتمام بهم إذا كانوا يريدون تحقيق الأرباح بدلا من أن يتركوا هذا الجمهور لوسائل الترفيه التي تسعى جاهدا لاجتذابهم بكل الطرق، الأمر الذي يجعلني أردد بأن وسيلة الإعلام التي تهمل جمهور الشباب ترتكب (الخطأ الأكبر) من الناحيتين الصحفية والتسويقية.
* المدارس الصحفية العالمية بالنسبة لتوجيه الإعلام للشباب هي:
الأولى: تقديم كل مواد الوسيلة الإعلامية بروح شبابية من ناحية الشكل والمضمون، مهما تنوعت هذه المواد بين السياسة والاجتماعيات والثقافة وغيرها، وهذه المدرسة تصلح عندما تكون الوسيلة الإعلامية ككل موجهة للشباب فقط دون غيرهم.
الثانية: تخصيص جزء من مواد الوسيلة الإعلامية للشباب، بحيث تتم مناقشة مشكلاتهم وقضاياهم والتركيز على رغباتهم واحتياجاتهم الإعلامية، وهذه المدرسة مناسبة للوسيلة التي تخاطب عدة فئات عمرية منها الشباب، وهو الأسلوب الشائع في الصحافة العربية، ولكن نظراً لأن الصحافة العربية مصابة بالأمراض التي تحدثنا عنها سلفاً، فقد فشلت هذه الصفحات في الوصول إلى جمهورها، وغالبا ما تلغى بعد فترة من الزمن.
الثالثة: تركز هذه المدرسة على فريق الوسيلة الإعلامية بدلاً من المضمون، حيث تطالب بأن يكون فريق الوسيلة الإعلامية نفسه من الشباب، على أساس أنه من الصعب فهم جيل معين لجيل آخر. ولو نظرنا للمؤسسات الإعلامية العربية لوجدنا أن عدداً كبيراً من كوادرها من الشباب فعلا، ولكن القيادات التي تضع السياسات وتقود العمل وتمارس الثواب والعقاب تبقى في الفئات العمرية الأكبر سناً بحكم الإيمان (العربي) بالخبرة (بدلاً من الكفاءة والإبداع)، الأمر الذي يعطي هذه الشخصيات أولويتها في قيادة المؤسسات الإعلامية.
وطبعاً هناك محاولات ناجحة ومتميزة في الإعلام العربي في مجال الوصول للشباب، ولكني أدعي أن الصحافة الإلكترونية ومواقع الإنترنت بشكل عام كانت أقدر على فهم ما يريده الشباب والوصول إليهم بحكم أن مستخدمي الإنترنت هم في الغالب من الشباب، والقادرون على العمل في مواقع الإنترنت وصياغة محتواها هم أيضاً من الشباب، الأمر الذي ساهم في إعطاء الإنترنت اليد العليا في هذا المجال، ولولا مشكلة إيجاد الدخل للمواقع الإلكترونية لاستطاع الإنترنت جذب الشباب العربي وسرقتهم كجمهور -بلا منافس على الإطلاق- من الصحافة التقليدية.
الحل؟
سؤال منطقي: ما هو الحل لكل هذه المشكلات التي تحدثنا عنها؟ الجواب كما أدعي متفائلا هو في يد الشباب أنفسهم، الذين آن لهم أن يستيقظوا من صدمة هجوم المجتمع عليهم، ويقرروا أخذ زمام الأمور بأيديهم، وإعلان (الثورة) على كل من يحاول إقفال الأبواب في وجوههم، وأن يسحبوا الكراسي من تحت (غير الشباب) الذين اضطهدوهم، ويعلنوا أهليتهم ليقودوا بدلا من أن يقادوا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2977::/cck::
::introtext::

لعله غني عن الذكر أن الخطاب العربي المعاصر ينطلق دائماً من أعلى إلى أسفل أو من (ناصح) إلى (منصوح) وذلك بخلاف خطابنا التراثي الذي كان يجري على أرض سهلة متساوية من (صاحب علم) إلى (طالب علم). وإذا كان السلف قد انطلقوا في ذلك من تواضع وشغف بالعلم وإيمان عميق بالاجتهاد وقيمته، فإن الغربيين الذين يجري خطابهم بالطريقة نفسها من (صاحب رأي) إلى (صاحب رأي) قد انطلقوا في ذلك من تقدير شديد للفرد وحريته في آرائه وسلوكياته.

::/introtext::
::fulltext::

لعله غني عن الذكر أن الخطاب العربي المعاصر ينطلق دائماً من أعلى إلى أسفل أو من (ناصح) إلى (منصوح) وذلك بخلاف خطابنا التراثي الذي كان يجري على أرض سهلة متساوية من (صاحب علم) إلى (طالب علم). وإذا كان السلف قد انطلقوا في ذلك من تواضع وشغف بالعلم وإيمان عميق بالاجتهاد وقيمته، فإن الغربيين الذين يجري خطابهم بالطريقة نفسها من (صاحب رأي) إلى (صاحب رأي) قد انطلقوا في ذلك من تقدير شديد للفرد وحريته في آرائه وسلوكياته.
لقد أثر إحساسنا الحاد بالتخلف والفوضى وتعقد المشكلات من حولنا في رؤية كل صاحب كلمة نفسه مسؤولاً عن علاج هذه المشكلات وقادراً على تقديم الرأي المناسب فيها، ومن هنا انتشرت (النصيحة) والصوت العالي في خطابنا الخليجي، وأعطى هذا للنخبة امتيازهم كونهم يملكون مؤهلات (رفع الصوت)، بينما بقي الشباب في الطرف الآخر ملومين على (تقصيرهم) وخاصة أنهم (أمل الأمة وعمادها)، وصار الشباب (رجالا ونساء) الهدف الذي يرمي كل الناصحين – مهما كانت اتجاهاتهم وتياراتهم- إليه سهامهم.
لقد نسي هؤلاء الناصحون أنهم كانوا يوماً شباباً يمارس (التقصير) نفسه، وأن الجيل الجديد يدفع ثمن أخطائهم وأخطاء الأجيال التي قبلهم، ونسي هؤلاء الناصحون أيضاً الضغط المسلط على هؤلاء الشباب الذين يحاولون إدارة حياتهم وسط تراكم الأهداف والطموحات والأحلام والضغوط الاجتماعية، ليضيفوا إلى هذه الضغوط ضغط النصائح التي لا تنتهي وضغط الأيديولوجيات التي لا تبقي ولا تذر.
وهذا في رأيي يشرح الفجوة التي وجدت دائماً بين الإعلام الخليجي وبين الشباب، لأن الإعلام كان دائماً المركبة التي يحمّلها (النخبة) نصائحهم ومثالياتهم، وما لم ينقد الشاب أو الشابة وراء تلك النصائح ويصبح مرآة لما تريده النخبة (وهذا ما يحصل في كثير من الأحيان)، فإنه مرفوض ومستهتر ولا يتحمل المسؤولية ولا يستحق التعاطف ولا حل معه إلا المزيد من النصح أو (آخر الدواء الكي).
إن الشعور الاجتماعي العام بأن الشباب يجب أن (ينقاد) ولا (يقود)، أضعف من وتيرة التجديد الاجتماعي والثقافي والإبداعي، وقلل من عدد الشباب الذين يؤثرون بشكل واضح في مجتمعاتهم، وبينما نتحدث دائما كيف قاد أسامة بن زيد –رضي الله عنه- جيشاً إسلامياً وعمره لا يتجاوز 19 عاماً، فإن مجتمعنا الحالي لا يرضى من شاب في الثلاثين إلا التواضع والتعلم من تجربة الكبار، ويؤمن بشكل غريب بأن صغير السن ضعيف الخبرة قليل الحكمة يملؤه الطيش ولا (يملأ العين).
كل هذا ساهم في أن يكون الإعلام الموجه للشباب الخليجي واحداً من ثلاثة تيارات رئيسية لا تخرج عن النظرية نفسها وإن اختلفت زاوية الانطلاق:
1) إعلام يعامل الشباب بالنصح الدائم في كل شؤون دنياه، حيث يجلس كتاب وصحفيون علا الشيب رؤوسهم يتذكرون أيام شبابهم وينظرون للجيل الجديد بأسف ويكتبون ما شاء الله لهم أن يكتبوا.
2) إعلام يقوده الشباب، ويغلب عليه التيار الديني، والعمل الدؤوب على تغيير الشباب للأفضل دينياً، وهو أمر يستحقون التقدير عليه، ولكنه في الوقت نفسه يتناسى الاهتمامات الدنيوية، كما يصر على معاملة الشباب وكأنهم على شفا جرف من الانحراف والعصيان، ولا بد من حمايتهم من كل ما يمكن أن يؤدي إلى (السقوط الأخير).
3) إعلام تجاري يريد أن يبيع، ولأنه يظن أن الشباب الخليجي يعشق النظرة المحرمة واللحظة الآثمة، ويهوى الطيش وكل ما هو تافه على وجه الأرض، فهو يعامل الشباب بهذا الشكل ويتفنن في تقديم ذلك من دون أي تقدير للشباب وإمكاناته وكرامته وطموحاته ولما يمكن أن يكون عليه، ويزيد بذلك الضغوط على الشباب الذي وجد نفسه محاصراً بمن ينصحه وبمن يريد غوايته.
ما البديل؟
لا أحد يستطيع الادعاء بأن الإجابة سهلة وأنها مجرد صف عبارات، ولكن المؤكد أن الجهود التي بذلت للإجابة عن السؤال محدودة وضعيفة، ولا تستطيع الخروج عن نظرية (تفاهة الشباب وغباؤهم). إن المأساة في كل هذا أن الشباب صدقوا نصائح الآباء والإعلاميين وفقدوا الثقة بأنفسهم وجيلهم وصاروا دائماً في معاناة نفسية مع أنفسهم (الضائعة) باحثين عن (الخط المستقيم) أو عن (اللذة) مع الكثير من عبارات اليأس التي يرددونها من دون وعي.
إن البديل هو إعلام يتمحور حول الإيمان بالشباب كعنصر فاعل يقود المجتمع وينطلق به، يخوض التحديات التي تتكسر على صدره المليء بالحيوية والتفاؤل. البديل إعلام يؤمن بالشباب وأفكارهم ويراها الأصل، بينما تصبح أفكار الجيل السابق جزءاً من المرجعية والتاريخ. إعلام يحلق مع الشباب وطموحاتهم من دون أن يضع عليهم القيود والضغوط والحواجز. إعلام يرى الشباب المنحرف استثناء والشباب الجاد الذكي المنطلق أصلا، له يتجه الخطاب ومن بين أصابعه تنطلق الكلمات. البديل إعلام يؤمن بالشباب ولا يراهم عبئا على المجتمع، شباب يمكنه أن يحفر الصخر ليحصل على لقمة عيشه أو ليحقق أحلامه.
ولعل مما يثير الغضب دائماً هو تلك الصحف التي تكتب عن (البطالة) مصورة الشباب وكأنهم عبارة عن جذوع خاوية تجر أذيالها حاملة أوراقها من شركة إلى أخرى لا تفتأ أن تطردهم وتغلق أبوابها دونهم بحجج واهية. تلك الصحف تنسى أنها هي التي أوهمت الشباب بأن الطرق كلها مغلقة وأنه لا مفر إلا من طرق الأبواب، ولم تعلمهم أن الحياة فيها فرص لا تنتهي وينابيع عديدة جداً يتخير الشاب من أيها يشرب. وتلك الصحف تنسى أن هؤلاء استثناء من بين مئات الآلاف من الشباب الذين اخترقوا كل الأسوار، وأثبتوا مكانتهم وكانوا على مستوى التحدي.
المرأة الشابة
هذا كله ونحن لم نتحدث بعد عن المرأة الشابة، لأن إعلامنا وخطابنا في الخليج لا يكاد يعترف بالشابات، فهن في نظر الإعلام جزء من قطاع (المرأة) اللاتي يبحثن عن الزوج والأولاد، ولا هم لهن إلا اللهاث خلف الموضة وآخر المنتجات، ويتميزن في الغالب بالغباء والإلحاح والسفاهة، وهن في نظر الإعلام إما فتيات ينتظرن الزواج، أو متزوجات مقصرات في حق أزواجهن، أو مطلقات وأرامل ينتظرن لحظة الزواج ويعانين بسبب عدم وجود الزوج.
وأنا هنا لا أتحدث عن قضية محورية الرجل في حياة المرأة كما يصورها الإعلام، فهذه لها حديث آخر، ولكن القضية أن (تربية) المرأة على أنه لا يمكن أن تكون لها طموحات وأحلام ذات هدف سام، وأنها لا يمكن أن تتجاوز الأسوار، بل يفضل ألا تتجاوز الأسوار، لأنها ستجذب الشباب، وهم في الغالب من التافهين، وستنشأ خيوط الفتن، وتفقد الشابة احترامها، ويهرب الشاب بفعلته. هذه الصورة النمطية القاسية تضع المرأة في ركن ضيق، والمأساة أن الشابات الخليجيات صدقن الإعلام أيضاً وبدأن يتشكلن تدريجياً حسب هذه الصورة السطحية والمدمرة في آن واحد.
ولعل الكثيرين قد سمعوا عن نظرية (ترتيب الأولويات) (Agenda Setting) التي تدعمها أكثر من خمسمائة دراسة علمية خلال ثلاثة عقود من الزمن، إذ تؤكد هذه النظرية أن الإعلام يرتب أولويات الجمهور من حيث أولويات القضايا (المستوى الأول) ومن حيث وجهة النظر وجزئيات القضايا (المستوى الثاني). وهذه النظرية تدعمها نظريتا (الإبراز) (Priming) و(التأطير) (Framing)، وهي بمجموعها تؤكد بشكل يصعب التشكيك فيه أن الإعلام يحدد الأولويات، ويرسم الصور الذهنية، ويؤطر وجهات النظر، وأن الناس عبر الزمن تتشرب هذه الرؤى بشكل كبير، ويصبح كثير منهم أسيراً لها في تفكيره وقراراته. إن هذه النظريات تؤكد خطورة هذه الرؤى الإعلامية الخاطئة في بناء مجتمع لا يستفيد من الشباب، وخلق أجيال تتوالى في الإطار نفسه.
مناصرة الشباب
إن أي تأمل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم والتاريخ الإسلامي سيجد أن ما أطالب به كان وضع الشباب، وكان دائماً الحديث عن كونهم من تشتد بسواعدهم الأمة، ولن تجد في الأحاديث النبوية وفقه السلف الكثير من الحديث عن (انحراف الشباب) وإن كانت هناك إشارات لكون الشباب بانطلاقه وحيويته قد يخطئ، بل إن هناك عددا من النصوص التي تجعل (صبوة الشباب) أمراً غير مستغرب كما في الحديث الشريف: (عجب ربك من شاب لم تكن له صبوة) (رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهما، وسنده حسن).
لكن مناصرة الشباب لا تأتي، كما هو معلوم، عبر إلقاء الخطابات فقط، بل بفتح القنوات التي تسمح لهم بالتأثير في المجتمع، وبناء البرامج التي تنتشلهم من واقعنا الأليم، وتضيء لهم طريق النجاح، وأخيرا من خلال صناعة مناخ (حيوي) مليء بالأنشطة المتعددة التي ينطلق من خلالها الشباب وتساعدهم على الابتعاد عن توافه الأمور، وجعل ساعات يومهم مليئة بكل ما يعيد لهم مكانتهم التي يستحقونها ويمنحهم أنفسهم المفقودة. والإعلام دوره بالطبع دعم كل هذه الجهود والوقوف معها و(مكافحة) أولئك الذين لا يعجبهم التغيير، ويخافون من سيطرة الجيل الجديد على مقاليد الأمور.
صحافة الشباب
إذا كان ما سبق يمثل الرؤية الفلسفية للإعلام والشباب، فإن الرؤية المهنية لـ(إعلام الشباب) لا تخرج عن ثلاث مدارس صحفية عالمية، وهذه المدارس نشأت بسبب اهتمام وسائل الإعلام بالشباب، الذين يمثلون عادة قطاعاً مهماً في كل مجتمع، ويصبح جذبهم هدفاً تجارياً لا غنى عنه، وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة للغرب، فإن الشباب في دول الخليج أولى بمثل هذا الاهتمام، لأنهم يمثلون واحدا من أعلى النسب في العالم مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان، فمثلا بالنسبة للمملكة العربية السعودية تشير آخر الإحصائيات الوطنية إلى أن مجموع عدد السكان الذين يزيد عمرهم على 14 ويقل عمرهم عن 40 يصل إلى 8.819.069 نسمة (حوالي 9 ملايين نسمة) من أصل 20.846.884 نسمة (حوالي 21 مليون مجموع السكان)، أي بنسبة 42.3 في المائة وهي نسبة مرتفعة جدا، أما نسبة مجموع السكان الذين يقل عددهم عن 40 عاما بما في ذلك الأطفال الذين سيصبحون في المستقبل من فئة الشباب فهي 82.6 في المائة، وهذا يعني أن المجتمع السعودي مجتمع شباب وأطفال بالأغلبية الساحقة.
إذاً جمهور الإعلام في الخليج هم من الشباب، وهم أولى بالاهتمام بهم إذا كانوا يريدون تحقيق الأرباح بدلا من أن يتركوا هذا الجمهور لوسائل الترفيه التي تسعى جاهدا لاجتذابهم بكل الطرق، الأمر الذي يجعلني أردد بأن وسيلة الإعلام التي تهمل جمهور الشباب ترتكب (الخطأ الأكبر) من الناحيتين الصحفية والتسويقية.
* المدارس الصحفية العالمية بالنسبة لتوجيه الإعلام للشباب هي:
الأولى: تقديم كل مواد الوسيلة الإعلامية بروح شبابية من ناحية الشكل والمضمون، مهما تنوعت هذه المواد بين السياسة والاجتماعيات والثقافة وغيرها، وهذه المدرسة تصلح عندما تكون الوسيلة الإعلامية ككل موجهة للشباب فقط دون غيرهم.
الثانية: تخصيص جزء من مواد الوسيلة الإعلامية للشباب، بحيث تتم مناقشة مشكلاتهم وقضاياهم والتركيز على رغباتهم واحتياجاتهم الإعلامية، وهذه المدرسة مناسبة للوسيلة التي تخاطب عدة فئات عمرية منها الشباب، وهو الأسلوب الشائع في الصحافة العربية، ولكن نظراً لأن الصحافة العربية مصابة بالأمراض التي تحدثنا عنها سلفاً، فقد فشلت هذه الصفحات في الوصول إلى جمهورها، وغالبا ما تلغى بعد فترة من الزمن.
الثالثة: تركز هذه المدرسة على فريق الوسيلة الإعلامية بدلاً من المضمون، حيث تطالب بأن يكون فريق الوسيلة الإعلامية نفسه من الشباب، على أساس أنه من الصعب فهم جيل معين لجيل آخر. ولو نظرنا للمؤسسات الإعلامية العربية لوجدنا أن عدداً كبيراً من كوادرها من الشباب فعلا، ولكن القيادات التي تضع السياسات وتقود العمل وتمارس الثواب والعقاب تبقى في الفئات العمرية الأكبر سناً بحكم الإيمان (العربي) بالخبرة (بدلاً من الكفاءة والإبداع)، الأمر الذي يعطي هذه الشخصيات أولويتها في قيادة المؤسسات الإعلامية.
وطبعاً هناك محاولات ناجحة ومتميزة في الإعلام العربي في مجال الوصول للشباب، ولكني أدعي أن الصحافة الإلكترونية ومواقع الإنترنت بشكل عام كانت أقدر على فهم ما يريده الشباب والوصول إليهم بحكم أن مستخدمي الإنترنت هم في الغالب من الشباب، والقادرون على العمل في مواقع الإنترنت وصياغة محتواها هم أيضاً من الشباب، الأمر الذي ساهم في إعطاء الإنترنت اليد العليا في هذا المجال، ولولا مشكلة إيجاد الدخل للمواقع الإلكترونية لاستطاع الإنترنت جذب الشباب العربي وسرقتهم كجمهور -بلا منافس على الإطلاق- من الصحافة التقليدية.
الحل؟
سؤال منطقي: ما هو الحل لكل هذه المشكلات التي تحدثنا عنها؟ الجواب كما أدعي متفائلا هو في يد الشباب أنفسهم، الذين آن لهم أن يستيقظوا من صدمة هجوم المجتمع عليهم، ويقرروا أخذ زمام الأمور بأيديهم، وإعلان (الثورة) على كل من يحاول إقفال الأبواب في وجوههم، وأن يسحبوا الكراسي من تحت (غير الشباب) الذين اضطهدوهم، ويعلنوا أهليتهم ليقودوا بدلا من أن يقادوا.

::/fulltext::
::cck::2977::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *