قيم العمل لدى الشباب الخليجي

::cck::2980::/cck::
::introtext::

يُعد مبحث القيم من أكثر المباحث ندرة في التناول العلمي السوسيولوجي، لما يرتبط بهذا المبحث من صعوبات منهجية تختص بالأساس بطرق القياس الكمية، وأساليب التحليل الكيفية، للجوانب القيمية المجتمعية، واضعين في الاعتبار أن هذه القيم دائماً ما تكون قيد التشكل والتحول والتطور.  فلا توجد بنية قيمية اجتماعية لا يعتورها التغير من قريب أو بعيد؛ فمعظم، إن لم تكن كل، القيم قابلة للتغير والتحول.

::/introtext::
::fulltext::

يُعد مبحث القيم من أكثر المباحث ندرة في التناول العلمي السوسيولوجي، لما يرتبط بهذا المبحث من صعوبات منهجية تختص بالأساس بطرق القياس الكمية، وأساليب التحليل الكيفية، للجوانب القيمية المجتمعية، واضعين في الاعتبار أن هذه القيم دائماً ما تكون قيد التشكل والتحول والتطور. فلا توجد بنية قيمية اجتماعية لا يعتورها التغير من قريب أو بعيد؛ فمعظم، إن لم تكن كل، القيم قابلة للتغير والتحول. وكيف لا يتم ذلك، وهي قيم تتم في حضانة التفاعلات الاجتماعية بين البشر، وتتأثر بها عبر التطورات الزمانية والمكانية المختلفة التي يمر بها المجتمع.
ولا تنفصل المجتمعات الخليجية عن غيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى من حيث تبدل وتغير وتطور بنية القيم الخاصة بها، إن بالسلب أو الإيجاب. فما شهدته المجتمعات الخليجية طوال ما يزيد على العقود الثلاثة يتجاوز بكثير ما شهدته العديد من الدول العربية الأخرى. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الضخم الذي لعبته الثروات الهائلة المرتبطة باستخراج النفط في سرعة التحولات المجتمعية الخليجية، وما ارتبط بذلك من تبدل هائل وضخم في بنية القيم المجتمعية. وبقدر ما يجب الاحتراز من مخاطر التعميم عند تناول التحولات القيمية على مجمل المجتمعات الخليجية، فإنه يمكن القول بوجود قدر ما مشترك يختص ببنية هذه المجتمعات يساعد على القول بوجود بنية قيمية مشتركة، رغم ما يعتورها من تفاوتات نسبية بين مجتمع خليجي وآخر. فالمرء لا يمكنه تجاهل تباين التطورات التاريخية بين مجتمع خليجي وآخر، كما لا يمكنه تجاهل التفاوتات المادية وحجم الثروات بين مجتمع وآخر، رغم ارتكاز كل هذه المجتمعات على النفظ كمحرك رئيسي للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.
ومن أهم التحولات القيمية التي حدثت في المجتمعات الخليجية بعامة، تحول النظرة نحو العمل، وبشكل خاص بين الشريحة الشبابية في هذه المجتمعات التي نشأت وترعرت بين أحضان التحولات المجتمعية الهائلة المرتبطة بتراكم الثروات النفطية والنهضة التنموية. فالشباب هم أكثر الفئات المجتمعية تعبيراً عن طبيعة التغيرات القيمية في أي مجتمع إنساني؛ فهم سريعوا التأثر بما يحدث في المجتمع، كما أنهم أكثر الفئات الاجتماعية قدرة على التبني السريع للقيم الاجتماعية الجديدة سواء في أشكالها الإيجابية أو في أشكالها السلبية.
ففي ضوء التحولات الخليجية الضخمة التي أدت بدرجة أو بأخرى إلى التحول من شكل العلاقة القائم على الانتماءات القبلية الضيقة إلى شكل العلاقة القائم على المواطن والدولة، استندت الأخيرة إلى المواطن في تنفيذ مشروعاتها التنموية المنشودة. وقامت الدولة بعملية توظيف واسعة النطاق لمواطنيها في ضوء العلاقات الجديدة المجاوزة للحدود القبلية، ضمن مؤسساتها الحديثة، والتي جاء على رأسها جهازا الجيش والشرطة الأكثر أهمية وحساسية. وامتداداً لذلك، تم توظيف المواطنين في العديد من مؤسسات الدول الخليجية الأخرى مثل البلديات والوزارات والجامعات والشركات والمصالح الحكومية المختلفة، إلى الحد الذي أصبح فيه القطاع الحكومي العام هو الموئل والملاذ الرئيسي لتوظيف الأجيال الجديدة المولودة في أحضان الثروات النفطية الهائلة.
لقد منحت الدولة مواطنيها من خلال عمليات التوظيف الواسعة امتيازات مادية وعينية كبيرة، تمثلت في المرتبات الكبيرة، والعلاوات الدورية، مع ما ارتبط بهذه الوظائف من امتيازات أخرى مثل القروض المعفاة من الفوائد والمرتبطة بتسهيلات كبيرة، والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، إضافة إلى التسهيلات الأخرى مثل الإعفاء من رسوم استهلاك المياه والكهرباء للعاملين في بعض المؤسسات الحكومية. ورغم حسن نوايا الدولة، ورغبتها في تعميق العلاقات الوطيدة بينها وبين مواطنيها، إلا أن قيام الدولة بمثل هذه الأعباء المادية الضخمة نيابة عن المواطنين، خلق نوعاً من السيولة القيمية لدى المواطن تمثلت في اعتماده المطلق على الدولة في كل نواحي حياته المختلفة، بدءاً من العمل وإيجاد وظيفة، ومروراً بإيجاد المسكن الملائم، وانتهاءً بالزواج والقروض المختلفة المرتبطة به.
لقد نشأت الأجيال الجديدة في أحضان الدولة ومشروعاتها التنموية المختلفة، لذلك فإن هذه الأجيال الجديدة ألفت العمل في المصالح الحكومية المختلفة، على الكراسي الوثيرة، وخلف المكاتب الفاخرة، وفي أروقة هذه المصالح الرخامية الزاهية. وسواء عمل المواطن في موقعه الحكومي بجد أو عمل بتكاسل، فإنه يعلم تمام العلم بأنه يعمل لدى الدولة في النهاية، حيث الحساب أقل وطأة من العمل لدى القطاع الخاص، وهو ما خلق بمرور الوقت نوعاً ما من تفضيل العمل الحكومي، حيث المحاسبة والضبط والربط أقل، مقارنة بذلك الالتزام الذي تتطلبه قوانين الربح والخسارة في أي مؤسسة تنتمي للقطاع الخاص.
كما أن عمليات التوظيف المختلفة التي وضعت المواطنين العاملين في مصالح الدول الخليجية المختلفة في موضع الرئاسة على غيرهم من الوافدين، بغض النظر عن الكفاءة والجدارة، قد خلقت أيضاً نوعاً من تفضيل العمل الحكومي على غيره من مؤسسات القطاع غير الحكومي. ولعل ذلك هو ما أدى في النهاية إلى عزوف المواطنين عن العمل لدى القطاع الخاص، وعزوف القطاع الخاص عن توظيف المواطنين. فكلاهما قد عزف عن الآخر، الأول بسبب ما يلاقيه من راحة واطمئنان وترؤس في القطاع الحكومي، والثاني لما يحققه من مكاسب عند تعيين الوافدين بمرتبات ومزايا أقل، وخبرات أعلى.
وأصبح العمل المكتبي هو المطلب الرئيس للشباب الجدد، لما يحققه لهم من راحة وعدم عناء. وفيما بعد، انسحب الموقف تجاه العمل على كافة القيم الاجتماعية الأخرى التي يتبناها الشباب الجدد؛ فالموقف من العمل موقف كامل من الحياة ذاتها، ينسحب بدرجة أو بأخرى على كافة مناحي الحياة الاجتماعية الأخرى. ولعل ذلك يظهر من خلال العديد من التحولات القيمية الأخرى التي أصابت بنية القيم لدى الشباب الخليجي الحالي.
فالرغبة في الظهور دائماً بشكل نظيف من خلال الجلباب الزاهي والعطور الخلابة، قد أصبحت من أهم الهواجس لدى معظم الشباب الخليجي الحالي، بحيث يمكن القول إن الكثير من الشباب الآن أصبح المظهر بالنسبة لهم أهم كثيراً من الجوهر، كما أن نظرة الآخرين وأحكامهم أصبحت تؤخذ في الاعتبار، بما يؤدي في النهاية إلى السلوك المظهري الذي يقنع الآخرين، أو يلتمس مدحهم وإطراءهم، حتى لو تعارض ذلك مع قناعات الفرد ذاته ومصالحه الخاصة.
إن الشباب يهتم بشراء السيارات الفارهة، معتمداً في ذلك على القروض، في سبيل أن يظهر أمام الآخرين في وضع اجتماعي ممتاز، حتى لو أصابته هذه القروض بأزمات مادية خانقة، بل حتى لو لم يمكن في حاجة إلى سيارة جديدة، كما أن ما يتحمله الشباب الخليجي في هذه الأيام من تكاليف هائلة خاصة بالأعراس بما ينتهي به إلى دوامة قاهرة من القروض والديون الكثيرة، يكشف عن تحولات قيمية سلبية ضخمة أدت بالكثير من من هذه الزيجات، وتحت وطأة الاختناق المادي الهائل بعد إتمام العرس، إلى الكثير من المشكلات الأسرية، وهو ما ينتهي غالباً إلى الطلاق.
وكما قلت في البداية لا يمكن تعميم هذه التحولات القيمية على الدول الخليجية بنفس المستوى وبنفس الحدة، كما لا يمكن تعميمها على كل الشباب الخليجي، لكن يمكن القول بدرجة كبيرة من الموثوقية إن هذه التحولات القيمية السابقة أصابت نسبة كبيرة من الشباب الخليجي. ورغم خطورة هذه التحولات القيمية، وتأثيراتها المجتمعية السلبية إلا أنه يمكن القول إنه، وتحت وطأة المتغيرات المختلفة المرتبطة بأسعار البترول وتحولاته العالمية، وتحت وطأة التأثيرات المختلفة الخاصة بالتعليم وتغير نظرة الشباب نحو العالم، فإن نظرة الشباب الخليجي سوف تتغير نحو التحول إلى العمل الخاص. إضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن إغفال السياسات الحكومية الخليجية الجديدة الهادفة إلى الحد من التوظيف الحكومي، وحث القطاع الخاص على تعيين المواطنين، كما أن الدولة ذاتها تشجع المواطنين أنفسهم على البدء في الأعمال الخاصة بهم، وتغيير نظرتهم نحو العمل اليدوي غير المكتبي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2980::/cck::
::introtext::

يُعد مبحث القيم من أكثر المباحث ندرة في التناول العلمي السوسيولوجي، لما يرتبط بهذا المبحث من صعوبات منهجية تختص بالأساس بطرق القياس الكمية، وأساليب التحليل الكيفية، للجوانب القيمية المجتمعية، واضعين في الاعتبار أن هذه القيم دائماً ما تكون قيد التشكل والتحول والتطور.  فلا توجد بنية قيمية اجتماعية لا يعتورها التغير من قريب أو بعيد؛ فمعظم، إن لم تكن كل، القيم قابلة للتغير والتحول.

::/introtext::
::fulltext::

يُعد مبحث القيم من أكثر المباحث ندرة في التناول العلمي السوسيولوجي، لما يرتبط بهذا المبحث من صعوبات منهجية تختص بالأساس بطرق القياس الكمية، وأساليب التحليل الكيفية، للجوانب القيمية المجتمعية، واضعين في الاعتبار أن هذه القيم دائماً ما تكون قيد التشكل والتحول والتطور. فلا توجد بنية قيمية اجتماعية لا يعتورها التغير من قريب أو بعيد؛ فمعظم، إن لم تكن كل، القيم قابلة للتغير والتحول. وكيف لا يتم ذلك، وهي قيم تتم في حضانة التفاعلات الاجتماعية بين البشر، وتتأثر بها عبر التطورات الزمانية والمكانية المختلفة التي يمر بها المجتمع.
ولا تنفصل المجتمعات الخليجية عن غيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى من حيث تبدل وتغير وتطور بنية القيم الخاصة بها، إن بالسلب أو الإيجاب. فما شهدته المجتمعات الخليجية طوال ما يزيد على العقود الثلاثة يتجاوز بكثير ما شهدته العديد من الدول العربية الأخرى. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الضخم الذي لعبته الثروات الهائلة المرتبطة باستخراج النفط في سرعة التحولات المجتمعية الخليجية، وما ارتبط بذلك من تبدل هائل وضخم في بنية القيم المجتمعية. وبقدر ما يجب الاحتراز من مخاطر التعميم عند تناول التحولات القيمية على مجمل المجتمعات الخليجية، فإنه يمكن القول بوجود قدر ما مشترك يختص ببنية هذه المجتمعات يساعد على القول بوجود بنية قيمية مشتركة، رغم ما يعتورها من تفاوتات نسبية بين مجتمع خليجي وآخر. فالمرء لا يمكنه تجاهل تباين التطورات التاريخية بين مجتمع خليجي وآخر، كما لا يمكنه تجاهل التفاوتات المادية وحجم الثروات بين مجتمع وآخر، رغم ارتكاز كل هذه المجتمعات على النفظ كمحرك رئيسي للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة.
ومن أهم التحولات القيمية التي حدثت في المجتمعات الخليجية بعامة، تحول النظرة نحو العمل، وبشكل خاص بين الشريحة الشبابية في هذه المجتمعات التي نشأت وترعرت بين أحضان التحولات المجتمعية الهائلة المرتبطة بتراكم الثروات النفطية والنهضة التنموية. فالشباب هم أكثر الفئات المجتمعية تعبيراً عن طبيعة التغيرات القيمية في أي مجتمع إنساني؛ فهم سريعوا التأثر بما يحدث في المجتمع، كما أنهم أكثر الفئات الاجتماعية قدرة على التبني السريع للقيم الاجتماعية الجديدة سواء في أشكالها الإيجابية أو في أشكالها السلبية.
ففي ضوء التحولات الخليجية الضخمة التي أدت بدرجة أو بأخرى إلى التحول من شكل العلاقة القائم على الانتماءات القبلية الضيقة إلى شكل العلاقة القائم على المواطن والدولة، استندت الأخيرة إلى المواطن في تنفيذ مشروعاتها التنموية المنشودة. وقامت الدولة بعملية توظيف واسعة النطاق لمواطنيها في ضوء العلاقات الجديدة المجاوزة للحدود القبلية، ضمن مؤسساتها الحديثة، والتي جاء على رأسها جهازا الجيش والشرطة الأكثر أهمية وحساسية. وامتداداً لذلك، تم توظيف المواطنين في العديد من مؤسسات الدول الخليجية الأخرى مثل البلديات والوزارات والجامعات والشركات والمصالح الحكومية المختلفة، إلى الحد الذي أصبح فيه القطاع الحكومي العام هو الموئل والملاذ الرئيسي لتوظيف الأجيال الجديدة المولودة في أحضان الثروات النفطية الهائلة.
لقد منحت الدولة مواطنيها من خلال عمليات التوظيف الواسعة امتيازات مادية وعينية كبيرة، تمثلت في المرتبات الكبيرة، والعلاوات الدورية، مع ما ارتبط بهذه الوظائف من امتيازات أخرى مثل القروض المعفاة من الفوائد والمرتبطة بتسهيلات كبيرة، والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، إضافة إلى التسهيلات الأخرى مثل الإعفاء من رسوم استهلاك المياه والكهرباء للعاملين في بعض المؤسسات الحكومية. ورغم حسن نوايا الدولة، ورغبتها في تعميق العلاقات الوطيدة بينها وبين مواطنيها، إلا أن قيام الدولة بمثل هذه الأعباء المادية الضخمة نيابة عن المواطنين، خلق نوعاً من السيولة القيمية لدى المواطن تمثلت في اعتماده المطلق على الدولة في كل نواحي حياته المختلفة، بدءاً من العمل وإيجاد وظيفة، ومروراً بإيجاد المسكن الملائم، وانتهاءً بالزواج والقروض المختلفة المرتبطة به.
لقد نشأت الأجيال الجديدة في أحضان الدولة ومشروعاتها التنموية المختلفة، لذلك فإن هذه الأجيال الجديدة ألفت العمل في المصالح الحكومية المختلفة، على الكراسي الوثيرة، وخلف المكاتب الفاخرة، وفي أروقة هذه المصالح الرخامية الزاهية. وسواء عمل المواطن في موقعه الحكومي بجد أو عمل بتكاسل، فإنه يعلم تمام العلم بأنه يعمل لدى الدولة في النهاية، حيث الحساب أقل وطأة من العمل لدى القطاع الخاص، وهو ما خلق بمرور الوقت نوعاً ما من تفضيل العمل الحكومي، حيث المحاسبة والضبط والربط أقل، مقارنة بذلك الالتزام الذي تتطلبه قوانين الربح والخسارة في أي مؤسسة تنتمي للقطاع الخاص.
كما أن عمليات التوظيف المختلفة التي وضعت المواطنين العاملين في مصالح الدول الخليجية المختلفة في موضع الرئاسة على غيرهم من الوافدين، بغض النظر عن الكفاءة والجدارة، قد خلقت أيضاً نوعاً من تفضيل العمل الحكومي على غيره من مؤسسات القطاع غير الحكومي. ولعل ذلك هو ما أدى في النهاية إلى عزوف المواطنين عن العمل لدى القطاع الخاص، وعزوف القطاع الخاص عن توظيف المواطنين. فكلاهما قد عزف عن الآخر، الأول بسبب ما يلاقيه من راحة واطمئنان وترؤس في القطاع الحكومي، والثاني لما يحققه من مكاسب عند تعيين الوافدين بمرتبات ومزايا أقل، وخبرات أعلى.
وأصبح العمل المكتبي هو المطلب الرئيس للشباب الجدد، لما يحققه لهم من راحة وعدم عناء. وفيما بعد، انسحب الموقف تجاه العمل على كافة القيم الاجتماعية الأخرى التي يتبناها الشباب الجدد؛ فالموقف من العمل موقف كامل من الحياة ذاتها، ينسحب بدرجة أو بأخرى على كافة مناحي الحياة الاجتماعية الأخرى. ولعل ذلك يظهر من خلال العديد من التحولات القيمية الأخرى التي أصابت بنية القيم لدى الشباب الخليجي الحالي.
فالرغبة في الظهور دائماً بشكل نظيف من خلال الجلباب الزاهي والعطور الخلابة، قد أصبحت من أهم الهواجس لدى معظم الشباب الخليجي الحالي، بحيث يمكن القول إن الكثير من الشباب الآن أصبح المظهر بالنسبة لهم أهم كثيراً من الجوهر، كما أن نظرة الآخرين وأحكامهم أصبحت تؤخذ في الاعتبار، بما يؤدي في النهاية إلى السلوك المظهري الذي يقنع الآخرين، أو يلتمس مدحهم وإطراءهم، حتى لو تعارض ذلك مع قناعات الفرد ذاته ومصالحه الخاصة.
إن الشباب يهتم بشراء السيارات الفارهة، معتمداً في ذلك على القروض، في سبيل أن يظهر أمام الآخرين في وضع اجتماعي ممتاز، حتى لو أصابته هذه القروض بأزمات مادية خانقة، بل حتى لو لم يمكن في حاجة إلى سيارة جديدة، كما أن ما يتحمله الشباب الخليجي في هذه الأيام من تكاليف هائلة خاصة بالأعراس بما ينتهي به إلى دوامة قاهرة من القروض والديون الكثيرة، يكشف عن تحولات قيمية سلبية ضخمة أدت بالكثير من من هذه الزيجات، وتحت وطأة الاختناق المادي الهائل بعد إتمام العرس، إلى الكثير من المشكلات الأسرية، وهو ما ينتهي غالباً إلى الطلاق.
وكما قلت في البداية لا يمكن تعميم هذه التحولات القيمية على الدول الخليجية بنفس المستوى وبنفس الحدة، كما لا يمكن تعميمها على كل الشباب الخليجي، لكن يمكن القول بدرجة كبيرة من الموثوقية إن هذه التحولات القيمية السابقة أصابت نسبة كبيرة من الشباب الخليجي. ورغم خطورة هذه التحولات القيمية، وتأثيراتها المجتمعية السلبية إلا أنه يمكن القول إنه، وتحت وطأة المتغيرات المختلفة المرتبطة بأسعار البترول وتحولاته العالمية، وتحت وطأة التأثيرات المختلفة الخاصة بالتعليم وتغير نظرة الشباب نحو العالم، فإن نظرة الشباب الخليجي سوف تتغير نحو التحول إلى العمل الخاص. إضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن إغفال السياسات الحكومية الخليجية الجديدة الهادفة إلى الحد من التوظيف الحكومي، وحث القطاع الخاص على تعيين المواطنين، كما أن الدولة ذاتها تشجع المواطنين أنفسهم على البدء في الأعمال الخاصة بهم، وتغيير نظرتهم نحو العمل اليدوي غير المكتبي.

::/fulltext::
::cck::2980::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *