الخليجيون “الجدد” .. زمن الخروج على الأسطورة
::cck::2981::/cck::
::introtext::
بين مفردتي (الواقع) و(الطموح) للشباب العربي، وموقفه من القضايا العربية الكلاسيكية والولايات المتحدة الأمريكية فضاء من القلق على مستوى التنظير وتحديد زوايا النظر المركزية، يمتد هذا القلق والاضطراب صوب الأحكام والإطلاقات الكليانية التي قد يتخذها أي باحث مهووس بالأيديولوجيات على اختلاف تبعاتها، والتي تكاد تستلب منه بُعد التأويل، والقدرة على الإمساك بخيوط الإشكالية.
::/introtext::
::fulltext::
(هذا هو منطق الزمن الجديد، منطق بلا معايير، وزمن بلا منطق، فقد انتهى زمن الإجماع وبدأ برج بابل من جديد، فكما تبلبلت الألسن، واختلطت اللغات فها هي المعايير والقيم والهويات والأوهام والمقولات والسرديات الكبرى تتبلبل وتختلط وتتداخل وتتهجن)
د. نادر كاظم
بين مفردتي (الواقع) و(الطموح) للشباب العربي، وموقفه من القضايا العربية الكلاسيكية والولايات المتحدة الأمريكية فضاء من القلق على مستوى التنظير وتحديد زوايا النظر المركزية، يمتد هذا القلق والاضطراب صوب الأحكام والإطلاقات الكليانية التي قد يتخذها أي باحث مهووس بالأيديولوجيات على اختلاف تبعاتها، والتي تكاد تستلب منه بُعد التأويل، والقدرة على الإمساك بخيوط الإشكالية.
إن بحثاً مسحياً سياسياً على فئة (الشباب الخليجي) لما نسمع عنه بعد، وللأمر مسببات عدة، تتعلق بالسياسي، أكثر من تعلقها بالنظري، وفي هذا الظرف التاريخي – الفاقد للمعلومات الأولية من زاوية التحليل الإمبريقي – (جدل) آخر، له جوانبه التي لابد من دراستها وتفكيكها بإسهاب.
أما الأكثر أهمية من ذلك، فهو الخروج على النص الكلاسيكي المحدد لاتجاهات الشباب الخليجي وميوله السياسية والاجتماعية. إذ لا ننكر أن ثمة نصاً أنثربولوجياً فاعلاً في توفير البيئة اللازمة للذهاب بعيداً في تأويل الاتجاهات السياسية للشباب الخليجي، بعض هذه التأويلات يقع رهينة (سيسيولوجيا) الكلاسيكيين الذين يختزلون المشهد في (القبيلة)، والبعض الآخر هو واقع في مطب الأيديولوجيات الإسلامية والقومية وتبعاتها.
ويختزل المشهد – كما ذكرت – في إطلاقات عامة، لا تستند إلى أي دراسة إمبريقية يمكن الاعتماد عليها، أو الوثوق بنتائجها، وعليه فإن شتى النتائج التي قد تنتهي بها أي ورقة مطروحة ليست سوى (تمنيات) مؤدلجة على أبعد تقدير.
على الجانب الآخر من البحر الأحمر نرى أن المجتمع المصري، الذي أجريت عليه العديد من الدراسات، كان قد فاجأ الجميع قبل فترة بسيطة، حين أظهرت آخر الدراسات أن قضايا العالم العربي المركزية – القدس والعراق – أتت في آخر سلم الأولويات للشاب المصري.
وكانت المراكز الأولى حكراً على الموسيقا والرقص وإنهاء الدراسات الجامعية، هذا ما يحيل إلى أنه ثمة ما قد نتفاجأ به في الخليج لو أجريت دراسة مستوفية الشروط من جهة تضمن المصداقية والحياد. إن النتائج اللامتوقعة العديد في هذه القراءة هي بالدرجة الأولى نتائج اعتيادية، ولا تستحق التهويل.
الخليجيون الجدد
الخروج على الحكاية، وتكسير ما تبقى منها، لعلها لعبة السياسة والشباب في الخليج الجديدة.
فعلاً، تستطيع أن تصنع ما هو مغاير على شاشات التلفزة وصفحات الصحف اليومية، وتستطيع أن تصطنع من الشباب الخليجي المنطوي تحت لواء تنظيم (القاعدة) تمثيلاً تلفزياً لمجتمع خليجي شبابي يسعى للموت فداء (الدين)، لكنك عندها ستكون عاجزاً بالفعل عن أن تشرح أو تفسر حركية الطبقات الأخرى من الشباب الخليجي، والذي عليك أن تهمله أو ألا تكترث بتوصيف وجوديته الفاعلة والمركزية سيسيولوجياً.
من جهة أخرى، نستطيع إطلاق هذه الجملة المجازية (الخليجيون الجدد)، لنضعها في مفترق جمل متراصة، ووفق التركيب الدلالي الذي نسعى له. إسلاموياً، قومجياً، وأمريكياً لو أردنا، حيث نستطلع زاوية من المشهد السياسي ونهمل – بإدراك وتعمد – زواياه الباقية.
(كما هو الأمر في حياتنا العربية، لقد تصلبت في حياتنا العربية أنظمة الهوية والقومية والإسلامية وتصلبت معها اللغة التي تعبر عنها ولم تعد تتسع لزمن الإنسان الحديث الذي يعيش تحولات سريعة وغريبة..) علي أحمد الديري.
إن الإهمال المتعمد للتحولات الاجتماعية في الإنسان الخليجي بات السمة الأكثر وضوحاً في القراءات الأنثربولوجية الحديثة لدى الباحثين هنا، وباتت الأساطير الكبرى في المخيال العربي للنخبة (عالة) فكرية يصعب الفكاك منها، والخروج على العلة بات مرهوناً برواج جيل جديد أكثر مقدرة على تجاوز ذلك الإرث المرهق من الأحكام الكبرى، والتي يعتبر الخروج من سطورها (تهمة) لا تغتفر.
ولا تقتصر هذه التغيرات في سماتها على سمة (السرعة)، بل هي معززة بسمة (الغرابة)، فالإنسان الخليجي بات عصياً على الفهم في أكثر من سياق، وعلى أكثر من مستوى، وبات الشباب الخليجي أيضاً عصياً على الدخول إلى خانة المنتهى من تحديد هويته الثقافية والسياسية على حد سواء.
وفي هذا السياق، يكون الزعم بأن مظاهر الإنفاق الاقتصادي على الإعلام الترفيهي بشتى صوره وتعداداته، مضافة إليها تلك المستويات المصنفة الأعلى عالمياً في مستويات الإنفاق على أدوات التجميل والعطور مرتكز يعتد به في الذهاب إلى أن الشباب الخليجي (متأمرك) بامتياز.
على أن مفردة (متأمرك)، تحتوي على العديد من النقاط التي تستوجب الخروج على الأحكام الكليانية أيضاً، ومن هوس الإطلاقات الساذجة.
ويأتي هذا الزعم مناقضاً لزعم آخر يذهب إلى ارتفاع مستوى التدين والاهتمام السياسي بالقضايا العربية، وتدعم هذا (الزعم) في التعلق بالديني نسب التبرعات المرتفعة على المؤسسات الإسلامية الخيرية، أو حتى نسب الدعم المالي لحزب الله في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كما لا نغفل حقيقة أن أعضاء تنظيم القاعدة –جلهم من فئة الشباب- مضافة لهذه العوامل نتائج أحدث الدراسات الأمريكية التي أشارت إلى أن (الدين) بات المنتصر الأيديولوجي الأوحد خلال العشرين سنة الماضية في العالم أجمع. (راجع مجلة forgen affairs – عدد أغسطس 2006). وعليه، يأتي زعمنا المضاد بأمركة الشباب الخليجي أشبه بالمجازفة.
وبناء على ذلك أيضاً، تبقى مجازية (العرب الجدد) مطاطة للمستوى الذي يقبل التكييف الذي يصطنعه كل باحث، عبر اللغة التي يميل إلى توظيفها، والدلالات التي يسعى في مخيلته إلى إثباتها وإقرارها.
ومن منطلق هذا الميل – والذي أقر به – أرى أن الخليجيين (الجدد) باتوا على شفا حفرة من الانقلاب على الأساطير التاريخية العربية، وعلى التملص من قضايا لطالما قرأتها المجتمعات الخليجية بوصفها واجبات تاريخية لابد من الالتزام بها.
نعم، قد يأتي هذا (الفكاك) من الأساطير العربية التاريخية لمصلحة الاتجاه نحو خيار الأمركة – يمثل هامش النتيجة لا مركزيتها – في زاوية ما، ونحو فهم جديد – وهو الأهم والمركزي – للولايات المتحدة الأمريكية بأدوات معرفية مختلفة عما كان سائداً لدى بقية الطبقات الاجتماعية في الخليج.
وتدعم هذه القصاصة الزمنية من (الزعم) بوادر استقبال إيجابي للولايات المتحدة جراء التعرض لبرامج الترويج السياسي التي تبثها الولايات المتحدة عبر وسائلها الاتصالية المباشرة أو غير المباشرة، إلا أنها نتيجة لا يمكن إثباتها بأي حال من الأحوال من دون تدعيمها ببحوث مسحية متخصصة، خاصة في ما يتعلق بالقنوات الاتصالية المقصودة.
وبنيوياً، نستطيع الانشغال بقراءة البعد الثقافي الأمريكي وتأثيراته في المجتمعات الخليجية، بالأخص الفئة موضوع الملف، إلا أن هذا السياق سيجرنا إلى الاعتماد على فهمنا نحن للولايات المتحدة الأمريكية واستثمارنا لمخيالنا الجمعي الطارئ على المخيالات المركزية في النص الثقافي النقدي العربي، ومن بُعد أقل ما يمكن أن يوصف به من قبل المناوئين له بأنه فهم قاصر.
وفي حقيقة الأمر، أنا لا أقرأ الولايات المتحدة إلا بتوابعها الكونية والإمبراطورية، ولا يمكن أن أختزل الولايات المتحدة في جانبها السياسي، فالموضوع أكثر تعقيداً مما يعتقد البعض، لكن، بما يشمل الاعتماد الكامل على فصل أدق بين (العولمة الأمريكية) و(الكونية الأمريكية). وهذا بحث آخر له حساباته المختلفة.
إن مجمل مظاهر هذا العالم السياسية والاقتصادية هو نوع من الأمركة، فـ (الأوربة) أو (الأفرقة) ليست سوى توشيحات مستترة/خفية لعبارة أدق وأشمل، وهي الخروج على كونية (الأمركة) الجديدة خاصة في (الثقافي) و(التاريخي).
وعليه، تأتي شتى انعكاسات خروج الخليجيين الجدد على الأسطورة العربية في مصب رئيسي وهو الاتجاه للأمركة من وجهة نظر (عولمية) قبالة اتجاه أكثر تأصيلية وأيديولوجية ثقافياً وتاريخياً. بمعنى أن الشباب الخليجي يعيش الأمركة في شقيها الاقتصادي والسياسي، لكنه يتمسك بمقاومة الكونية الأمريكية في سياقات أخرى؛ هذا التخالف المتصف باللاحسم، يخلق حالة من اللاتوازن، تنتهي بنموذج الانضمام للقاعدة من جهة، والدخول في الـ system الأمريكي في الوقت نفسه، بحسب ميشيل فوكو في تعريفه للـ system.
مظاهر الخروج على الأسطورة
(سيُعَبُر المتبقي في هذه الحياة العربية عن نفسه بشكل جماعات جديدة تنشط على مستويات عدة، وسيعبث هذا المتبقي في لغتها وقيمها وقضاياها وحكاياتها) (علي أحمد الديري). وليست الحالة الانتقالية بهذه السهولة التي تفترضها التأويلات المجازية للناقد الثقافي علي الديري، لكنها تقترب في بعض (الأطر) من الشك الذي يتطور لـ (التخريب)، فلا يكفي أن نشك إذا لم نلحق الشك بنوع من التخريب لما هو محمول في مختبر التجربة المعرفية والمفاهيمية.
إن مظاهر الخروج على الأسطورة تخضع لمدى التوجيه المفاهيمي الذي نود البحث فيه، وحين نحاول أن نقرأ إحداثيات هذا الخروج الخليجي على الأسطورة لابد أن نضع في أذهاننا أننا بصدد التعامل مع مجتمع لا يعيش حقيقته، مجتمع لا ينقل لنا إعلامه واقعه الذي يعيش فيه. فثمة فارق كبير بين حقيقة الشاب الخليجي وتوجهاته وبين الصورة النمطية التي يصنعها الإعلام الخليجي عنه.
إن أجهزة الإعلام في الخليج العربي دائماً ما تنتصر لأن تصف الشباب الخليجي بالشباب (الديني) و(المتحفظ)، بينما تذهب الصورة النمطية للإعلام الغربي لتخبرنا عن سلوكيات الشباب الخليجي التي أقل ما يمكن أن توصف به بأنها منفلتة، ولا علاقة لها بالإرث الثقافي الكلاسيكي، دينياً كان هذا الإرث أو قومياً. إن هذا التناقض في الصورة النمطية عن الشاب الخليجي هو وليدة (الكاذبة) الإعلامية الخليجية، والتي تفعل فعلتها بنا على أكثر من صعيد.
إن الشاب الخليجي – (المشوه ثقافياً) – يقطن في مرحلة من اللاوعي التاريخي، فهو تارة ذلك (الديني والمتعصب)، المتعلق بقضايا أمته التاريخية. وتارة أخرى هو ذلك الثري المنكب على مظاهر العولمة، المستلب بالأمركة، وما بين الصورتين ثقافة ضحلة ومستويات متواضعة جداً من المعرفة والإدراك، وهي بالضرورة نتيجة طبيعية لنظام تعليم فقير فاقد للصلاحية منذ مدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقف عوامل أخرى لا تقل مركزية عن عقدة التعليم التاريخية لدينا.
إن الواقع الخليجي لفئة الشباب هو خارج الأسطورة العربية حتى وهو يدعي الانغماس بداخلها، هو واقع لا يدرك خياراته المستقبلية. غالبية مهووسة بفلسطين والعراق صباحاً من باب العادة فحسب – بتعبير الفرنسي بيير بورديو – أمريكية يستلبها الصخب مساء. وتستدعي وتروج لأفكار مقاطعة البضائع الأمريكية صباحاً، بينما تسجل معدلات النمو في الاقتصاد الأمريكي ارتفاع الصادرات إلى الخليج كل يوم.
والذي لا نكتبه هو الخوض في حقيقة الشباب الخليجي في (الثقافي)، وهو ما يجعلنا ندرك صعوبة الرهان على (السياسي). ولدينا مؤشرات لا يمكننا إهمالها: ثمة ارتفاع في نسب (مثليي الجنس، والسحاقيات، والبطالة، والسرقات ومعدلات الجرائم) جميع هذه المؤشرات دلالات على أن الثقافي المرتبط ارتباطاً مباشراً بالسياسي لا يلقى السبر الكافي والتحليل الذي يستحقه.
إن الشاب الخليجي يسجل أدنى مستويات التعرض للأخبار السياسية، وإن أي رأي يذهب إلى وصفه بالشاب المنهمك في البحث عن حل للأزمات السياسية العربية هو مجرد (رأي)!، وقد تسجل مستويات النقد والكراهية للولايات المتحدة الأمريكية مستويات مرتفعة، إلا أن واقعاً سلوكياً على الأرض لم نره بعد، فالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج تجد أعلى مستويات الأمن في الخليج.
أصوات المهمشين وكسر الاحتكار
(وحين كُسِر هذا الاحتكار وصار للآخرين المهمشين صوت، تغيّرت معايير السواء البشري، وقُوّض التطابق الذي فُرِض بقوة الخطاب، فإذا بهامشيين جدد يتصدرون المشهد، وتنطلق بتصدرهم حركة تشكيك جذرية في مقولة (الإنسان) وفي معايير السواء البشري الشائعة). (د. نادر كاظم).
إن المهمشين في الخليج صوت جديد وواقع جديد، لا يقتصر على البعد المتعلق بالقضايا العربية المصيرية، بل هو ممتد لشتى المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
والمهمشون القادمون من الهامش الإعلامي والاجتماعي إلى عمق المركز، لابد أن تكون لهم مساحات من القراءات الجديدة للواقع الخليجي ومستقبله، في علاقة مباشرة ووطيدة مع تلك القضايا المصيرية التاريخية – العراق وفلسطين – وهو ما يتصل بالضرورة مع الطارئ الكوني الجديد وهو الولايات المتحدة الأمريكية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2981::/cck::
::introtext::
بين مفردتي (الواقع) و(الطموح) للشباب العربي، وموقفه من القضايا العربية الكلاسيكية والولايات المتحدة الأمريكية فضاء من القلق على مستوى التنظير وتحديد زوايا النظر المركزية، يمتد هذا القلق والاضطراب صوب الأحكام والإطلاقات الكليانية التي قد يتخذها أي باحث مهووس بالأيديولوجيات على اختلاف تبعاتها، والتي تكاد تستلب منه بُعد التأويل، والقدرة على الإمساك بخيوط الإشكالية.
::/introtext::
::fulltext::
(هذا هو منطق الزمن الجديد، منطق بلا معايير، وزمن بلا منطق، فقد انتهى زمن الإجماع وبدأ برج بابل من جديد، فكما تبلبلت الألسن، واختلطت اللغات فها هي المعايير والقيم والهويات والأوهام والمقولات والسرديات الكبرى تتبلبل وتختلط وتتداخل وتتهجن)
د. نادر كاظم
بين مفردتي (الواقع) و(الطموح) للشباب العربي، وموقفه من القضايا العربية الكلاسيكية والولايات المتحدة الأمريكية فضاء من القلق على مستوى التنظير وتحديد زوايا النظر المركزية، يمتد هذا القلق والاضطراب صوب الأحكام والإطلاقات الكليانية التي قد يتخذها أي باحث مهووس بالأيديولوجيات على اختلاف تبعاتها، والتي تكاد تستلب منه بُعد التأويل، والقدرة على الإمساك بخيوط الإشكالية.
إن بحثاً مسحياً سياسياً على فئة (الشباب الخليجي) لما نسمع عنه بعد، وللأمر مسببات عدة، تتعلق بالسياسي، أكثر من تعلقها بالنظري، وفي هذا الظرف التاريخي – الفاقد للمعلومات الأولية من زاوية التحليل الإمبريقي – (جدل) آخر، له جوانبه التي لابد من دراستها وتفكيكها بإسهاب.
أما الأكثر أهمية من ذلك، فهو الخروج على النص الكلاسيكي المحدد لاتجاهات الشباب الخليجي وميوله السياسية والاجتماعية. إذ لا ننكر أن ثمة نصاً أنثربولوجياً فاعلاً في توفير البيئة اللازمة للذهاب بعيداً في تأويل الاتجاهات السياسية للشباب الخليجي، بعض هذه التأويلات يقع رهينة (سيسيولوجيا) الكلاسيكيين الذين يختزلون المشهد في (القبيلة)، والبعض الآخر هو واقع في مطب الأيديولوجيات الإسلامية والقومية وتبعاتها.
ويختزل المشهد – كما ذكرت – في إطلاقات عامة، لا تستند إلى أي دراسة إمبريقية يمكن الاعتماد عليها، أو الوثوق بنتائجها، وعليه فإن شتى النتائج التي قد تنتهي بها أي ورقة مطروحة ليست سوى (تمنيات) مؤدلجة على أبعد تقدير.
على الجانب الآخر من البحر الأحمر نرى أن المجتمع المصري، الذي أجريت عليه العديد من الدراسات، كان قد فاجأ الجميع قبل فترة بسيطة، حين أظهرت آخر الدراسات أن قضايا العالم العربي المركزية – القدس والعراق – أتت في آخر سلم الأولويات للشاب المصري.
وكانت المراكز الأولى حكراً على الموسيقا والرقص وإنهاء الدراسات الجامعية، هذا ما يحيل إلى أنه ثمة ما قد نتفاجأ به في الخليج لو أجريت دراسة مستوفية الشروط من جهة تضمن المصداقية والحياد. إن النتائج اللامتوقعة العديد في هذه القراءة هي بالدرجة الأولى نتائج اعتيادية، ولا تستحق التهويل.
الخليجيون الجدد
الخروج على الحكاية، وتكسير ما تبقى منها، لعلها لعبة السياسة والشباب في الخليج الجديدة.
فعلاً، تستطيع أن تصنع ما هو مغاير على شاشات التلفزة وصفحات الصحف اليومية، وتستطيع أن تصطنع من الشباب الخليجي المنطوي تحت لواء تنظيم (القاعدة) تمثيلاً تلفزياً لمجتمع خليجي شبابي يسعى للموت فداء (الدين)، لكنك عندها ستكون عاجزاً بالفعل عن أن تشرح أو تفسر حركية الطبقات الأخرى من الشباب الخليجي، والذي عليك أن تهمله أو ألا تكترث بتوصيف وجوديته الفاعلة والمركزية سيسيولوجياً.
من جهة أخرى، نستطيع إطلاق هذه الجملة المجازية (الخليجيون الجدد)، لنضعها في مفترق جمل متراصة، ووفق التركيب الدلالي الذي نسعى له. إسلاموياً، قومجياً، وأمريكياً لو أردنا، حيث نستطلع زاوية من المشهد السياسي ونهمل – بإدراك وتعمد – زواياه الباقية.
(كما هو الأمر في حياتنا العربية، لقد تصلبت في حياتنا العربية أنظمة الهوية والقومية والإسلامية وتصلبت معها اللغة التي تعبر عنها ولم تعد تتسع لزمن الإنسان الحديث الذي يعيش تحولات سريعة وغريبة..) علي أحمد الديري.
إن الإهمال المتعمد للتحولات الاجتماعية في الإنسان الخليجي بات السمة الأكثر وضوحاً في القراءات الأنثربولوجية الحديثة لدى الباحثين هنا، وباتت الأساطير الكبرى في المخيال العربي للنخبة (عالة) فكرية يصعب الفكاك منها، والخروج على العلة بات مرهوناً برواج جيل جديد أكثر مقدرة على تجاوز ذلك الإرث المرهق من الأحكام الكبرى، والتي يعتبر الخروج من سطورها (تهمة) لا تغتفر.
ولا تقتصر هذه التغيرات في سماتها على سمة (السرعة)، بل هي معززة بسمة (الغرابة)، فالإنسان الخليجي بات عصياً على الفهم في أكثر من سياق، وعلى أكثر من مستوى، وبات الشباب الخليجي أيضاً عصياً على الدخول إلى خانة المنتهى من تحديد هويته الثقافية والسياسية على حد سواء.
وفي هذا السياق، يكون الزعم بأن مظاهر الإنفاق الاقتصادي على الإعلام الترفيهي بشتى صوره وتعداداته، مضافة إليها تلك المستويات المصنفة الأعلى عالمياً في مستويات الإنفاق على أدوات التجميل والعطور مرتكز يعتد به في الذهاب إلى أن الشباب الخليجي (متأمرك) بامتياز.
على أن مفردة (متأمرك)، تحتوي على العديد من النقاط التي تستوجب الخروج على الأحكام الكليانية أيضاً، ومن هوس الإطلاقات الساذجة.
ويأتي هذا الزعم مناقضاً لزعم آخر يذهب إلى ارتفاع مستوى التدين والاهتمام السياسي بالقضايا العربية، وتدعم هذا (الزعم) في التعلق بالديني نسب التبرعات المرتفعة على المؤسسات الإسلامية الخيرية، أو حتى نسب الدعم المالي لحزب الله في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كما لا نغفل حقيقة أن أعضاء تنظيم القاعدة –جلهم من فئة الشباب- مضافة لهذه العوامل نتائج أحدث الدراسات الأمريكية التي أشارت إلى أن (الدين) بات المنتصر الأيديولوجي الأوحد خلال العشرين سنة الماضية في العالم أجمع. (راجع مجلة forgen affairs – عدد أغسطس 2006). وعليه، يأتي زعمنا المضاد بأمركة الشباب الخليجي أشبه بالمجازفة.
وبناء على ذلك أيضاً، تبقى مجازية (العرب الجدد) مطاطة للمستوى الذي يقبل التكييف الذي يصطنعه كل باحث، عبر اللغة التي يميل إلى توظيفها، والدلالات التي يسعى في مخيلته إلى إثباتها وإقرارها.
ومن منطلق هذا الميل – والذي أقر به – أرى أن الخليجيين (الجدد) باتوا على شفا حفرة من الانقلاب على الأساطير التاريخية العربية، وعلى التملص من قضايا لطالما قرأتها المجتمعات الخليجية بوصفها واجبات تاريخية لابد من الالتزام بها.
نعم، قد يأتي هذا (الفكاك) من الأساطير العربية التاريخية لمصلحة الاتجاه نحو خيار الأمركة – يمثل هامش النتيجة لا مركزيتها – في زاوية ما، ونحو فهم جديد – وهو الأهم والمركزي – للولايات المتحدة الأمريكية بأدوات معرفية مختلفة عما كان سائداً لدى بقية الطبقات الاجتماعية في الخليج.
وتدعم هذه القصاصة الزمنية من (الزعم) بوادر استقبال إيجابي للولايات المتحدة جراء التعرض لبرامج الترويج السياسي التي تبثها الولايات المتحدة عبر وسائلها الاتصالية المباشرة أو غير المباشرة، إلا أنها نتيجة لا يمكن إثباتها بأي حال من الأحوال من دون تدعيمها ببحوث مسحية متخصصة، خاصة في ما يتعلق بالقنوات الاتصالية المقصودة.
وبنيوياً، نستطيع الانشغال بقراءة البعد الثقافي الأمريكي وتأثيراته في المجتمعات الخليجية، بالأخص الفئة موضوع الملف، إلا أن هذا السياق سيجرنا إلى الاعتماد على فهمنا نحن للولايات المتحدة الأمريكية واستثمارنا لمخيالنا الجمعي الطارئ على المخيالات المركزية في النص الثقافي النقدي العربي، ومن بُعد أقل ما يمكن أن يوصف به من قبل المناوئين له بأنه فهم قاصر.
وفي حقيقة الأمر، أنا لا أقرأ الولايات المتحدة إلا بتوابعها الكونية والإمبراطورية، ولا يمكن أن أختزل الولايات المتحدة في جانبها السياسي، فالموضوع أكثر تعقيداً مما يعتقد البعض، لكن، بما يشمل الاعتماد الكامل على فصل أدق بين (العولمة الأمريكية) و(الكونية الأمريكية). وهذا بحث آخر له حساباته المختلفة.
إن مجمل مظاهر هذا العالم السياسية والاقتصادية هو نوع من الأمركة، فـ (الأوربة) أو (الأفرقة) ليست سوى توشيحات مستترة/خفية لعبارة أدق وأشمل، وهي الخروج على كونية (الأمركة) الجديدة خاصة في (الثقافي) و(التاريخي).
وعليه، تأتي شتى انعكاسات خروج الخليجيين الجدد على الأسطورة العربية في مصب رئيسي وهو الاتجاه للأمركة من وجهة نظر (عولمية) قبالة اتجاه أكثر تأصيلية وأيديولوجية ثقافياً وتاريخياً. بمعنى أن الشباب الخليجي يعيش الأمركة في شقيها الاقتصادي والسياسي، لكنه يتمسك بمقاومة الكونية الأمريكية في سياقات أخرى؛ هذا التخالف المتصف باللاحسم، يخلق حالة من اللاتوازن، تنتهي بنموذج الانضمام للقاعدة من جهة، والدخول في الـ system الأمريكي في الوقت نفسه، بحسب ميشيل فوكو في تعريفه للـ system.
مظاهر الخروج على الأسطورة
(سيُعَبُر المتبقي في هذه الحياة العربية عن نفسه بشكل جماعات جديدة تنشط على مستويات عدة، وسيعبث هذا المتبقي في لغتها وقيمها وقضاياها وحكاياتها) (علي أحمد الديري). وليست الحالة الانتقالية بهذه السهولة التي تفترضها التأويلات المجازية للناقد الثقافي علي الديري، لكنها تقترب في بعض (الأطر) من الشك الذي يتطور لـ (التخريب)، فلا يكفي أن نشك إذا لم نلحق الشك بنوع من التخريب لما هو محمول في مختبر التجربة المعرفية والمفاهيمية.
إن مظاهر الخروج على الأسطورة تخضع لمدى التوجيه المفاهيمي الذي نود البحث فيه، وحين نحاول أن نقرأ إحداثيات هذا الخروج الخليجي على الأسطورة لابد أن نضع في أذهاننا أننا بصدد التعامل مع مجتمع لا يعيش حقيقته، مجتمع لا ينقل لنا إعلامه واقعه الذي يعيش فيه. فثمة فارق كبير بين حقيقة الشاب الخليجي وتوجهاته وبين الصورة النمطية التي يصنعها الإعلام الخليجي عنه.
إن أجهزة الإعلام في الخليج العربي دائماً ما تنتصر لأن تصف الشباب الخليجي بالشباب (الديني) و(المتحفظ)، بينما تذهب الصورة النمطية للإعلام الغربي لتخبرنا عن سلوكيات الشباب الخليجي التي أقل ما يمكن أن توصف به بأنها منفلتة، ولا علاقة لها بالإرث الثقافي الكلاسيكي، دينياً كان هذا الإرث أو قومياً. إن هذا التناقض في الصورة النمطية عن الشاب الخليجي هو وليدة (الكاذبة) الإعلامية الخليجية، والتي تفعل فعلتها بنا على أكثر من صعيد.
إن الشاب الخليجي – (المشوه ثقافياً) – يقطن في مرحلة من اللاوعي التاريخي، فهو تارة ذلك (الديني والمتعصب)، المتعلق بقضايا أمته التاريخية. وتارة أخرى هو ذلك الثري المنكب على مظاهر العولمة، المستلب بالأمركة، وما بين الصورتين ثقافة ضحلة ومستويات متواضعة جداً من المعرفة والإدراك، وهي بالضرورة نتيجة طبيعية لنظام تعليم فقير فاقد للصلاحية منذ مدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقف عوامل أخرى لا تقل مركزية عن عقدة التعليم التاريخية لدينا.
إن الواقع الخليجي لفئة الشباب هو خارج الأسطورة العربية حتى وهو يدعي الانغماس بداخلها، هو واقع لا يدرك خياراته المستقبلية. غالبية مهووسة بفلسطين والعراق صباحاً من باب العادة فحسب – بتعبير الفرنسي بيير بورديو – أمريكية يستلبها الصخب مساء. وتستدعي وتروج لأفكار مقاطعة البضائع الأمريكية صباحاً، بينما تسجل معدلات النمو في الاقتصاد الأمريكي ارتفاع الصادرات إلى الخليج كل يوم.
والذي لا نكتبه هو الخوض في حقيقة الشباب الخليجي في (الثقافي)، وهو ما يجعلنا ندرك صعوبة الرهان على (السياسي). ولدينا مؤشرات لا يمكننا إهمالها: ثمة ارتفاع في نسب (مثليي الجنس، والسحاقيات، والبطالة، والسرقات ومعدلات الجرائم) جميع هذه المؤشرات دلالات على أن الثقافي المرتبط ارتباطاً مباشراً بالسياسي لا يلقى السبر الكافي والتحليل الذي يستحقه.
إن الشاب الخليجي يسجل أدنى مستويات التعرض للأخبار السياسية، وإن أي رأي يذهب إلى وصفه بالشاب المنهمك في البحث عن حل للأزمات السياسية العربية هو مجرد (رأي)!، وقد تسجل مستويات النقد والكراهية للولايات المتحدة الأمريكية مستويات مرتفعة، إلا أن واقعاً سلوكياً على الأرض لم نره بعد، فالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج تجد أعلى مستويات الأمن في الخليج.
أصوات المهمشين وكسر الاحتكار
(وحين كُسِر هذا الاحتكار وصار للآخرين المهمشين صوت، تغيّرت معايير السواء البشري، وقُوّض التطابق الذي فُرِض بقوة الخطاب، فإذا بهامشيين جدد يتصدرون المشهد، وتنطلق بتصدرهم حركة تشكيك جذرية في مقولة (الإنسان) وفي معايير السواء البشري الشائعة). (د. نادر كاظم).
إن المهمشين في الخليج صوت جديد وواقع جديد، لا يقتصر على البعد المتعلق بالقضايا العربية المصيرية، بل هو ممتد لشتى المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية.
والمهمشون القادمون من الهامش الإعلامي والاجتماعي إلى عمق المركز، لابد أن تكون لهم مساحات من القراءات الجديدة للواقع الخليجي ومستقبله، في علاقة مباشرة ووطيدة مع تلك القضايا المصيرية التاريخية – العراق وفلسطين – وهو ما يتصل بالضرورة مع الطارئ الكوني الجديد وهو الولايات المتحدة الأمريكية.
::/fulltext::
::cck::2981::/cck::
