جدلية ارتفاع أسعار النفط
::cck::3033::/cck::
::introtext::
نتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية لدراسة أسباب ارتفاع أسعار النفط، لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعة الاستراتيجية لتوليد الطاقة العالمية، والمحاور هي:
::/introtext::
::fulltext::
نتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية لدراسة أسباب ارتفاع أسعار النفط، لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعة الاستراتيجية لتوليد الطاقة العالمية، والمحاور هي:
أولاً: الاحتياطي النفطي في العالم.
ثانياً: التضخم العالمي والمنظمات البيئية.
ثالثاً: دور العملاق الصيني.
المحور الأول: الاحتياطي النفطي في العالم:
توجد دراسة قيمة للجيولوجي ديفيز من خلال تطبيق (المنحنى الجرسي) على التوسع في الاكتشافات النفطية، ومن صفات المنحنى الجرسي أنه في نهاية المطاف يبلغ الذروة، ثم سرعان ما يبدأ بالانحدار، وعندما طبق النظرية الإحصائية عام 1989 على إمدادات النفط العالمية صعق لرؤيته أن نقطة الذروة لم تعد على بعد عدة عقود كما كان يعتقد، بل مجرد سنوات قليلة (في الفترة ما بين عامي 2004 و 2008) الميزة في هذه المعادلة أنها أجريت قبل 15 سنة، وتوقعت أن إمدادات النفط ستصل إلى الذروة في عام 2004 وهذا ما حدث بالفعل، فقد وصلت إمدادات النفط إلى ما يقارب 90 في المائة في أبريل 2004.
وفي المقابل فإن علي النعيمي وزير البترول السعودي له رأي مغاير عما يقوله هذا المنحى، فالنعيمي يطمئن الأمريكان قائلاً: إن مخزون المملكة العربية السعودية من النفط كان يقدر في السبعينات بحوالي 88 مليار برميل، أما الآن فإن المخزون يقدر بحوالي 261 مليار برميل، وإن بلاده يمكنها أن تزيد الإنتاج من دون صعوبة تذكر من5،10 مليون برميل في اليوم إلى 12 و 15 مليون برميل، بل تستطيع أن تحافظ على هذا المستوى من الإنتاج لمدة خمسين عاماً.
ولكن الجيولوجي البريطاني كولن كامبل المتخصص في الشؤون النفطية له رأي علمي مختلف بشكل كلي عما قاله النعيمي، فكامبل يقول إن الاحتياطيات النفطية المؤكدة في دول الخليج أقل من الكميات المؤكدة المعلن عنها، فالاحتياطي السعودي المؤكد 210 مليارات برميل، وليس ما قيل أعلاه، والاحتياطي العراقي 90 مليار برميل، وليس المعلن الآن 112 مليار برميل من النفط، والاحتياطي الكويتي 55 مليار برميل وليس 94 ملياراً كما هو معلن، والاحتياطي الإماراتي 60 مليار برميل وليس 98 مليار برميل من النفط كما هو معلن، ويضيف كامبل قائلاً بأن المستخدم من الطاقة النفطية الآن أكثر من 90 في المائة ومع نمو الطلب 2 في المائة سنوياً، فإنه في عام 2010 ستكون الأسواق امتصت جميع الإمدادات النفطية، وستكون أسعار النفط تشكل أرقاماً فلكية.
وكذلك بول كروجمان يقول إن الاحتياطي النفطي في العالم 5،2 مليون برميل والمتوقع في عام 2004 أن يزيد الطلب على النفط في العالم بمعدل مليوني برميل أكثر من عام 2003، وبالفعل زاد معدل إنتاج النفط في العالم خلال أبريل 2004 بمعدل مليوني برميل وكما ذكرنا أعلاه إذا كانت أقصى طاقة إضافية للإمدادات النفطية 5،2 مليون برميل، كما تؤكد الدراسات العالمية، فذلك يعني لو حدث فعلاً طلب إمدادات نفطية إضافية تعادل 4 ملايين برميل أن الدول النفطية ستنتج أقصى حد لديها من الإمدادات النفطية، وسيبقى هناك عجز في العرض يعادل 5،1 مليون برميل من النفط، مما سيدفع النفط إلى أرقام فلكية أو انهيار النظام الاقتصادي العالمي، أو تغيير جذري في موازين القوى العالمية ربما سيؤدي إلى حرب عالمية لا سمح الله.
والملاحظ أن تحليل الدراسات العالمية أعلاه يتنافى مع ما يقوله وزراء النفط في كل من السعودية والكويت والإمارات من خلال محاولة زيادة الإمدادات النفطية في الربع الثالث من 2004، وذلك كما يبدو لرفع المخزون الاحتياطي الأمريكي من النفط الذي وصل إلى أدنى من 38 في المائة وذلك ربما يمثل أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار النفط، ولكن المشكلة الحقيقية التي سببت ارتفاعاً في أسعار النفط، ليست الزيادة في العرض مع ثبات الطلب، بل هي الزيادة في العرض إلى أن وصلت إلى أقصى حد ممكن في مقابل زيادة في الطلب تفوق زيادة العرض.
وهنا نسجل استغرابنا من الدول النفطية الرئيسية في العالم لماذا تريد تخفيض سعر البرميل من النفط؟ أولاً: سعرالنفط الذي وصل إلى 41 دولاراً في مايو 2004، قيمته الحقيقية تعادل 20 دولاراً، إذا ما عدنا 25 سنة للوراء إلى عام 1979، وقسنا التضخم العالمي ما بين 2 و4 في المائة سنوياً في الفترة 1979 – 2004، علماً بأن سعر النفط وصل إلى 40 دولاراً في عام 1979 والقيمة الفعلية لــ 40 دولاراً آنذاك 80 دولاراً اليوم، وذلك يعني أنه إذا استمر سعر النفط 40 دولاراً للبرميل، فسنتقاضى فقط 50 في المائة من القيمة الحقيقية لأسعار النفط عندما نقارنها مع أسعار عام 1979.
ثانياً: يفترض أن نكون حريصين في التعامل مع السوق الدولي سواء في حالة ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، ولكن يفترض أن نكون واقعيين في عملية تسعير النفط، ففي عام 2003 – 2004 كان وزراء أوبك يقولون إن سعر النفط ما بين 25 إلى 28 دولاراً هو السعر المقبول، وكنا من خلال متابعتنا للتبادل السلعي في العالم نرفض عرض أوبك آنذاك، ونقول إن متوسط سعر البرميل في تلك الفترة يفترض ألا يقل عن 35 دولاراً للبرميل.
وفي عام 2005 ومن خلال مراقبتنا للتبادل السلعي في العالم نجد أن أوبك عدلت متوسط سعرها القديم للنفط، وتقترح أن متوسط الأسعار 35 دولاراً للبرميل وهو السعر القديم الذي افترضناه العام الماضي، ولكن من الناحية العلمية هذا السعر نرفضه هذا العام، لأن التضخم أصاب جميع السلع في عام 2005، لذلك يفترض أن يكون سعر النفط ألا يقل كمتوسط عن 50 دولاراً للبرميل، لأنه لو عرضت أوبك سعر نفطها كما نقترح أعلاه، فإن نصيب الدول النفطية سيرتفع 0,5 في المائة من الدخل العالمي، ويعزز تحليلنا هذا بعض المحللين الاقتصاديين في البنك الدولي بحيث يعتقدون وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل يبقى مقبول عالمياً. أما بالنسبة للاحتياطيات التي تقدرها الشركات العالمية، فآخر دراسة لها تؤكد أن هذه التقديرات قابلة للتلاعب، فهناك عدة فضائح حدثت لشركة شل العالمية، وإحداها مشروع (اورمن لانج) للغاز بين النرويج وبريطانيا تم بتقديراحتياط الغاز فيه بحدود 400 مليار متر مكعب، ثم جرى انقاص الاحتياط بنسبة 20 في المائة.
وكذلك ذكرت (ديلي ستار، مارس – 2004) أن شركة شل بالغت في ذكر الاحتياطي العماني بأكثر من 40 في المائة، وكذلك حدثت صدمة أخرى للاحتياطيات النفطية العالمية عندما اثبتت الدراسات الحديثة عدم جدوى الحفر الأفقي في الآبار النفطية القديمة لاستخراج كميات من النفط أكثر من الحفر الرأسي في الآبار النفطية.
وخلاصة القول إن طريقة حساب الاحتياطيات النفطية يخضع إلى ثلاثة أنواع من المعايير: الأول: الاحتياطي المثبت: وهو نفط يمكن استخراجه بمعدل 95 في المائة ضمن الشروط الاقتصادية الحالية وضمن إمكانات التكنولوجيا الموجودة، والغريب هنا أن كامبل شكك حتى في الاحتياطيات النفطية المثبتة في العالم، بحيث قال علي النعيمي إن الاحتياطي السعودي 261 مليار برميل، في حين أن كامبل أكد أن الاحتياطي السعودي لا يزيد على 210 مليارات برميل كما ذكر سلفاً.
الثاني: الاحتياطي المرجح: ونسبة استخراجه والحصول عليه تصل إلى50 في المائة.
ثالثاً: الاحتياطي الممكن: ونسبة الحصول عليه تصل إلى 5 في المائة.
والنسبتان الأخيرتان الثانية والثالثة نعتقد أنه من الصعب الاعتماد عليهما في أي تصور استراتيجي للاقتصاد العالمي، لأنه كمن يشتري السمك في الماء.
المحور الثاني: التضخم العالمي والمنظمات البيئية:
قال مارتن وولف: إن زيادة الطلب على السلع تعتبر أمراً طبيعياً، لأن الاقتصاد العالمي يمر في مرحلة انتعاش فمؤشر نمو الاقتصاد العالمي في أبريل 2004 وصل إلى 7،3 في المائة وكان في سنة 2003، 6،2 في المائة فقط، فنمو الناتج المحلي في دول المحيط الهادي الآسيوية قفز من 8،3 في المائة عام 2003 إلى 3،4 في المائة في عام 2004، ومن ضمنها الصين والهند التي يصل نمو الناتج المحلي فيها إلى أكثر من 3،8 في المائة، واليابان 3 في المائة، والولايات المتحدة الأمريكية كان نمو الناتج المحلي فيها عام 2002، 1،3 في المائة، وقفز في عام 2004 إلى 6،4 في المائة، وفي دول الاتحاد الأوروبي بعد الركود المزمن في معدل النمو، كان نمو الناتح المحلي فيها في عام 2003 4،0 في المائة قفز إلى 6،1 في المائة عام 2004، وهذا النمو انعكس على رفع مستوى الطلب على السلع الإنتاجية والاستهلاكية، وأدى ارتفاع الطلب إلى التضخم في الأسعار، فمنذ عام 2001 قفزت أسعار السلع بنسبة تصل إلى 59 في المائة، فمثلاً أسعار بعض المواد الخام الصناعية قفزت إلى 73 في المائة، وسعر الغذاء بشكل عام قفز إلى 6،5 في المائة، وبعضها قفز بأرقام فلكية ففول الصويا قفز سعره خلال الثمانية أشهر الأخيرة إلى ما يقارب من 80 في المائة، وأسعار بعض المعادن خلال الأحد عشر شهراً الأخيرة قفزت إلى 50 في المائة.
أما بالنسبة للنفط فيعتبر أقل السلع التي شهدت ارتفاعاً في السعر مقارنةً بالسلع الأخرى، فبرميل النفط كان في ديسمبر 2001 أقل من 20 دولاراً، ووصل سعره في مايو 2004 إلى 41 دولاراً، ويمثل ذلك ارتفاعاً في سعره بنسبة 100 في المائة، ونحن لا نستغرب هذا الأمر لأنه من الطبيعي أن يرتفع سعر سلعة استراتيجية مثل النفط في ظل الارتفاع في أسعار معظم السلع الاستراتيجية في العالم خلال الثلاث سنوات الأخيرة، فقد ارتفعت أسعارها بنسبة تصل إلى أكثر من 100 في المائة، ولم يحتج العالم على ذلك، في حين أنه عندما ارتفع سعر النفط الذي يوجد أكثر من 70 في المائة من احتياطياته في العالم الإسلامي، طالبت أمريكا الدول النفطية الرئيسية في العالم بإعادة النظر في الأسعار، ولن نستغرب إذا ما جاء يوم على العالم الإسلامي يقوم فيه بتخصيص سعرين لنفطه، الأول سعر مخفض لأمريكا، والثاني سعر حسب العرض والطلب في الأسواق الدولية يباع على باقي دول العالم. وهنا يفترض أننا ندرك عنصرين اسراتيجيين:
أولاً: إن التضخم الذي حدث لأسعار النفط يعتبر تضخماً عالمياً أصاب جميع السلع الاستهلاكية والخدمية الأخرى ومن ثم انعكس على أسعار النفط، ومن أكثر المتأثرين بهذا الارتفاع هي الدول النامية غير الصناعية.
ثانياً: في عام 2005 لم يعد هناك نقص في الإمدادات النفطية بالنسبة للدول الرئيسية في استيراد الطاقة في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما المشكلة الحقيقية للمستهلك في أمريكا هي اللوبيات القوية لحماية البيئة.
فالمنظمات البيئية الأمريكية وقفت ضد إنشاء مصافٍ جديدة للبترول مما أدى إلى وجود عجز كبير في الطاقة التكريرية في أمريكا تصل إلى 10 في المائة من حاجة السوق الأمريكي اليومية، والذي يتم تعويضه عن طريق استيراد المنتجات النفطية من الخارج والتي قد لا تكون دائما بالمواصفات المطلوبة.
كما أن هذه المنظمات البيئية تجعل من الصعب أحياناً مواجهة الطلب في بعض الولايات على بعض أنواع البنزين، مما يؤدي إلى عدم وجود مخزون كاف من بعض المنتجات، هذه الاختناقات والمشكلات أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود عجز في بعض أنواع البنزين ببعض الولايات، وهذا بدوره ساهم في ارتفاع أسعار الزيت الخام.
المحور الثالث: دور العملاق الصيني:
رغم أن قيمة الناتج المحلي الصيني لا تصل حتى إلى 15 في المائة من قيمة الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن نمو الناتج المحلي الصيني وصل إلى أكثر من 3،8 في المائة سنوياً انعكس على زيادة الطلب الصيني على كثير من السلع، مثلاً الطلب الصيني على فول الصويا قفز من 11 في المائة من الاستهلاك العالمي عام 1997 إلى 19 في المائة عام 2003، واستهلاك الصين من القطن في العالم قفز من 25 في المائة عام 1999 إلى 32 في المائة في عام 2003، واستهلاك الصين من النحاس قفز من 11 في المائة عام 1999 إلى 20 في المائة في عام 2003، وبعد أن كانت الصين دولة مصدرة للنفط إلى عام 1993، تحولت
إلى دولة مستوردة للنفط، واستهلكت عام 1998 ما يقارب 5،5 في المائة من الإنتاج العالمي، وقفز ذلك إلى 8 في المائة في عام 2004، والأخطر من ذلك كله بالنسبة للولايات المتحدة أن الصين جيوبوليتيكياً اخترقت أماكن كانت تعتبرها أمريكا حكراً عليها وعلى حلفائها من دول الناتو، فنجد الصين في عام 2004 تستورد 17 في المائة من حاجياتها النفطية من المملكة العربية السعودية، و 10 في المائة من وارداتها النفطية من سلطنة عُمان و 6 في المائة من روسيا، والأكثر من ذلك أن الصين بالفعل يمثل نصيبها من النفط العالمي 8 في المائة فقط الآن، ولكنها في الأربع سنوات الأخيرة ساهمت بـ 37 في المائة من نمو الطلب العالمي على النفط، وإذا استمرت الصين في هذا النمو إلى عام 2025 فهذا يعني أن حصتها من النفط العالمي ستتجاوز نسبة الولايات المتحدة الأمريكية من الاستهلاك العالمي من النفط، بل لو كان الناتج المحلي الصيني حافظ على معدل النمو نفسه الذي يوجد عليه الآن فمن المحتمل أن يتوازى هذا الناتج في عام 2020 مع الناتج المحلي الأمريكي، لكن السؤال الذي يطرح هنا: هل الولايات المتحدة ستترك الصين على معدل النمو نفسه من دون أن تفتعل كارثة تعيق النمو العملاق للصين؟
وأخيراً نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين قد وصلا إلى عنق زجاجة في التنافس على النفط، فأمريكا في عام 2001 تستهلك 25 في المائة من النفط العالمي، وكانت تعتمد على استيراد 52 في المائة منه، وكانت قبل ذلك المملكة العربية السعودية تمد الولايات المتحدة بــ 25 في المائة من نفطها المستورد وانخفض ذلك كثيراً بعد أحداث سبتمبر 2001، والآن أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط السعودي، وبدأ النفط السعودي يتجه إلى الصين كما ذكرنا سابقاً، وتعتمد الولايات المتحدة على 48 في المائة من استهلاكها على إنتاجها المحلي، أما في عام 2020 فيتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ما يقارب 66 في المائة من احتياجاتها من النفط، ويوفر لها إنتاجها المحلي 34 في المائة من النفط فقط.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3033::/cck::
::introtext::
نتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية لدراسة أسباب ارتفاع أسعار النفط، لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعة الاستراتيجية لتوليد الطاقة العالمية، والمحاور هي:
::/introtext::
::fulltext::
نتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية لدراسة أسباب ارتفاع أسعار النفط، لكي يسهل علينا تحليل الارتفاع الكبير الذي حدث للسلعة الاستراتيجية لتوليد الطاقة العالمية، والمحاور هي:
أولاً: الاحتياطي النفطي في العالم.
ثانياً: التضخم العالمي والمنظمات البيئية.
ثالثاً: دور العملاق الصيني.
المحور الأول: الاحتياطي النفطي في العالم:
توجد دراسة قيمة للجيولوجي ديفيز من خلال تطبيق (المنحنى الجرسي) على التوسع في الاكتشافات النفطية، ومن صفات المنحنى الجرسي أنه في نهاية المطاف يبلغ الذروة، ثم سرعان ما يبدأ بالانحدار، وعندما طبق النظرية الإحصائية عام 1989 على إمدادات النفط العالمية صعق لرؤيته أن نقطة الذروة لم تعد على بعد عدة عقود كما كان يعتقد، بل مجرد سنوات قليلة (في الفترة ما بين عامي 2004 و 2008) الميزة في هذه المعادلة أنها أجريت قبل 15 سنة، وتوقعت أن إمدادات النفط ستصل إلى الذروة في عام 2004 وهذا ما حدث بالفعل، فقد وصلت إمدادات النفط إلى ما يقارب 90 في المائة في أبريل 2004.
وفي المقابل فإن علي النعيمي وزير البترول السعودي له رأي مغاير عما يقوله هذا المنحى، فالنعيمي يطمئن الأمريكان قائلاً: إن مخزون المملكة العربية السعودية من النفط كان يقدر في السبعينات بحوالي 88 مليار برميل، أما الآن فإن المخزون يقدر بحوالي 261 مليار برميل، وإن بلاده يمكنها أن تزيد الإنتاج من دون صعوبة تذكر من5،10 مليون برميل في اليوم إلى 12 و 15 مليون برميل، بل تستطيع أن تحافظ على هذا المستوى من الإنتاج لمدة خمسين عاماً.
ولكن الجيولوجي البريطاني كولن كامبل المتخصص في الشؤون النفطية له رأي علمي مختلف بشكل كلي عما قاله النعيمي، فكامبل يقول إن الاحتياطيات النفطية المؤكدة في دول الخليج أقل من الكميات المؤكدة المعلن عنها، فالاحتياطي السعودي المؤكد 210 مليارات برميل، وليس ما قيل أعلاه، والاحتياطي العراقي 90 مليار برميل، وليس المعلن الآن 112 مليار برميل من النفط، والاحتياطي الكويتي 55 مليار برميل وليس 94 ملياراً كما هو معلن، والاحتياطي الإماراتي 60 مليار برميل وليس 98 مليار برميل من النفط كما هو معلن، ويضيف كامبل قائلاً بأن المستخدم من الطاقة النفطية الآن أكثر من 90 في المائة ومع نمو الطلب 2 في المائة سنوياً، فإنه في عام 2010 ستكون الأسواق امتصت جميع الإمدادات النفطية، وستكون أسعار النفط تشكل أرقاماً فلكية.
وكذلك بول كروجمان يقول إن الاحتياطي النفطي في العالم 5،2 مليون برميل والمتوقع في عام 2004 أن يزيد الطلب على النفط في العالم بمعدل مليوني برميل أكثر من عام 2003، وبالفعل زاد معدل إنتاج النفط في العالم خلال أبريل 2004 بمعدل مليوني برميل وكما ذكرنا أعلاه إذا كانت أقصى طاقة إضافية للإمدادات النفطية 5،2 مليون برميل، كما تؤكد الدراسات العالمية، فذلك يعني لو حدث فعلاً طلب إمدادات نفطية إضافية تعادل 4 ملايين برميل أن الدول النفطية ستنتج أقصى حد لديها من الإمدادات النفطية، وسيبقى هناك عجز في العرض يعادل 5،1 مليون برميل من النفط، مما سيدفع النفط إلى أرقام فلكية أو انهيار النظام الاقتصادي العالمي، أو تغيير جذري في موازين القوى العالمية ربما سيؤدي إلى حرب عالمية لا سمح الله.
والملاحظ أن تحليل الدراسات العالمية أعلاه يتنافى مع ما يقوله وزراء النفط في كل من السعودية والكويت والإمارات من خلال محاولة زيادة الإمدادات النفطية في الربع الثالث من 2004، وذلك كما يبدو لرفع المخزون الاحتياطي الأمريكي من النفط الذي وصل إلى أدنى من 38 في المائة وذلك ربما يمثل أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار النفط، ولكن المشكلة الحقيقية التي سببت ارتفاعاً في أسعار النفط، ليست الزيادة في العرض مع ثبات الطلب، بل هي الزيادة في العرض إلى أن وصلت إلى أقصى حد ممكن في مقابل زيادة في الطلب تفوق زيادة العرض.
وهنا نسجل استغرابنا من الدول النفطية الرئيسية في العالم لماذا تريد تخفيض سعر البرميل من النفط؟ أولاً: سعرالنفط الذي وصل إلى 41 دولاراً في مايو 2004، قيمته الحقيقية تعادل 20 دولاراً، إذا ما عدنا 25 سنة للوراء إلى عام 1979، وقسنا التضخم العالمي ما بين 2 و4 في المائة سنوياً في الفترة 1979 – 2004، علماً بأن سعر النفط وصل إلى 40 دولاراً في عام 1979 والقيمة الفعلية لــ 40 دولاراً آنذاك 80 دولاراً اليوم، وذلك يعني أنه إذا استمر سعر النفط 40 دولاراً للبرميل، فسنتقاضى فقط 50 في المائة من القيمة الحقيقية لأسعار النفط عندما نقارنها مع أسعار عام 1979.
ثانياً: يفترض أن نكون حريصين في التعامل مع السوق الدولي سواء في حالة ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، ولكن يفترض أن نكون واقعيين في عملية تسعير النفط، ففي عام 2003 – 2004 كان وزراء أوبك يقولون إن سعر النفط ما بين 25 إلى 28 دولاراً هو السعر المقبول، وكنا من خلال متابعتنا للتبادل السلعي في العالم نرفض عرض أوبك آنذاك، ونقول إن متوسط سعر البرميل في تلك الفترة يفترض ألا يقل عن 35 دولاراً للبرميل.
وفي عام 2005 ومن خلال مراقبتنا للتبادل السلعي في العالم نجد أن أوبك عدلت متوسط سعرها القديم للنفط، وتقترح أن متوسط الأسعار 35 دولاراً للبرميل وهو السعر القديم الذي افترضناه العام الماضي، ولكن من الناحية العلمية هذا السعر نرفضه هذا العام، لأن التضخم أصاب جميع السلع في عام 2005، لذلك يفترض أن يكون سعر النفط ألا يقل كمتوسط عن 50 دولاراً للبرميل، لأنه لو عرضت أوبك سعر نفطها كما نقترح أعلاه، فإن نصيب الدول النفطية سيرتفع 0,5 في المائة من الدخل العالمي، ويعزز تحليلنا هذا بعض المحللين الاقتصاديين في البنك الدولي بحيث يعتقدون وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل يبقى مقبول عالمياً. أما بالنسبة للاحتياطيات التي تقدرها الشركات العالمية، فآخر دراسة لها تؤكد أن هذه التقديرات قابلة للتلاعب، فهناك عدة فضائح حدثت لشركة شل العالمية، وإحداها مشروع (اورمن لانج) للغاز بين النرويج وبريطانيا تم بتقديراحتياط الغاز فيه بحدود 400 مليار متر مكعب، ثم جرى انقاص الاحتياط بنسبة 20 في المائة.
وكذلك ذكرت (ديلي ستار، مارس – 2004) أن شركة شل بالغت في ذكر الاحتياطي العماني بأكثر من 40 في المائة، وكذلك حدثت صدمة أخرى للاحتياطيات النفطية العالمية عندما اثبتت الدراسات الحديثة عدم جدوى الحفر الأفقي في الآبار النفطية القديمة لاستخراج كميات من النفط أكثر من الحفر الرأسي في الآبار النفطية.
وخلاصة القول إن طريقة حساب الاحتياطيات النفطية يخضع إلى ثلاثة أنواع من المعايير: الأول: الاحتياطي المثبت: وهو نفط يمكن استخراجه بمعدل 95 في المائة ضمن الشروط الاقتصادية الحالية وضمن إمكانات التكنولوجيا الموجودة، والغريب هنا أن كامبل شكك حتى في الاحتياطيات النفطية المثبتة في العالم، بحيث قال علي النعيمي إن الاحتياطي السعودي 261 مليار برميل، في حين أن كامبل أكد أن الاحتياطي السعودي لا يزيد على 210 مليارات برميل كما ذكر سلفاً.
الثاني: الاحتياطي المرجح: ونسبة استخراجه والحصول عليه تصل إلى50 في المائة.
ثالثاً: الاحتياطي الممكن: ونسبة الحصول عليه تصل إلى 5 في المائة.
والنسبتان الأخيرتان الثانية والثالثة نعتقد أنه من الصعب الاعتماد عليهما في أي تصور استراتيجي للاقتصاد العالمي، لأنه كمن يشتري السمك في الماء.
المحور الثاني: التضخم العالمي والمنظمات البيئية:
قال مارتن وولف: إن زيادة الطلب على السلع تعتبر أمراً طبيعياً، لأن الاقتصاد العالمي يمر في مرحلة انتعاش فمؤشر نمو الاقتصاد العالمي في أبريل 2004 وصل إلى 7،3 في المائة وكان في سنة 2003، 6،2 في المائة فقط، فنمو الناتج المحلي في دول المحيط الهادي الآسيوية قفز من 8،3 في المائة عام 2003 إلى 3،4 في المائة في عام 2004، ومن ضمنها الصين والهند التي يصل نمو الناتج المحلي فيها إلى أكثر من 3،8 في المائة، واليابان 3 في المائة، والولايات المتحدة الأمريكية كان نمو الناتج المحلي فيها عام 2002، 1،3 في المائة، وقفز في عام 2004 إلى 6،4 في المائة، وفي دول الاتحاد الأوروبي بعد الركود المزمن في معدل النمو، كان نمو الناتح المحلي فيها في عام 2003 4،0 في المائة قفز إلى 6،1 في المائة عام 2004، وهذا النمو انعكس على رفع مستوى الطلب على السلع الإنتاجية والاستهلاكية، وأدى ارتفاع الطلب إلى التضخم في الأسعار، فمنذ عام 2001 قفزت أسعار السلع بنسبة تصل إلى 59 في المائة، فمثلاً أسعار بعض المواد الخام الصناعية قفزت إلى 73 في المائة، وسعر الغذاء بشكل عام قفز إلى 6،5 في المائة، وبعضها قفز بأرقام فلكية ففول الصويا قفز سعره خلال الثمانية أشهر الأخيرة إلى ما يقارب من 80 في المائة، وأسعار بعض المعادن خلال الأحد عشر شهراً الأخيرة قفزت إلى 50 في المائة.
أما بالنسبة للنفط فيعتبر أقل السلع التي شهدت ارتفاعاً في السعر مقارنةً بالسلع الأخرى، فبرميل النفط كان في ديسمبر 2001 أقل من 20 دولاراً، ووصل سعره في مايو 2004 إلى 41 دولاراً، ويمثل ذلك ارتفاعاً في سعره بنسبة 100 في المائة، ونحن لا نستغرب هذا الأمر لأنه من الطبيعي أن يرتفع سعر سلعة استراتيجية مثل النفط في ظل الارتفاع في أسعار معظم السلع الاستراتيجية في العالم خلال الثلاث سنوات الأخيرة، فقد ارتفعت أسعارها بنسبة تصل إلى أكثر من 100 في المائة، ولم يحتج العالم على ذلك، في حين أنه عندما ارتفع سعر النفط الذي يوجد أكثر من 70 في المائة من احتياطياته في العالم الإسلامي، طالبت أمريكا الدول النفطية الرئيسية في العالم بإعادة النظر في الأسعار، ولن نستغرب إذا ما جاء يوم على العالم الإسلامي يقوم فيه بتخصيص سعرين لنفطه، الأول سعر مخفض لأمريكا، والثاني سعر حسب العرض والطلب في الأسواق الدولية يباع على باقي دول العالم. وهنا يفترض أننا ندرك عنصرين اسراتيجيين:
أولاً: إن التضخم الذي حدث لأسعار النفط يعتبر تضخماً عالمياً أصاب جميع السلع الاستهلاكية والخدمية الأخرى ومن ثم انعكس على أسعار النفط، ومن أكثر المتأثرين بهذا الارتفاع هي الدول النامية غير الصناعية.
ثانياً: في عام 2005 لم يعد هناك نقص في الإمدادات النفطية بالنسبة للدول الرئيسية في استيراد الطاقة في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما المشكلة الحقيقية للمستهلك في أمريكا هي اللوبيات القوية لحماية البيئة.
فالمنظمات البيئية الأمريكية وقفت ضد إنشاء مصافٍ جديدة للبترول مما أدى إلى وجود عجز كبير في الطاقة التكريرية في أمريكا تصل إلى 10 في المائة من حاجة السوق الأمريكي اليومية، والذي يتم تعويضه عن طريق استيراد المنتجات النفطية من الخارج والتي قد لا تكون دائما بالمواصفات المطلوبة.
كما أن هذه المنظمات البيئية تجعل من الصعب أحياناً مواجهة الطلب في بعض الولايات على بعض أنواع البنزين، مما يؤدي إلى عدم وجود مخزون كاف من بعض المنتجات، هذه الاختناقات والمشكلات أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود عجز في بعض أنواع البنزين ببعض الولايات، وهذا بدوره ساهم في ارتفاع أسعار الزيت الخام.
المحور الثالث: دور العملاق الصيني:
رغم أن قيمة الناتج المحلي الصيني لا تصل حتى إلى 15 في المائة من قيمة الناتج المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية إلا أن نمو الناتج المحلي الصيني وصل إلى أكثر من 3،8 في المائة سنوياً انعكس على زيادة الطلب الصيني على كثير من السلع، مثلاً الطلب الصيني على فول الصويا قفز من 11 في المائة من الاستهلاك العالمي عام 1997 إلى 19 في المائة عام 2003، واستهلاك الصين من القطن في العالم قفز من 25 في المائة عام 1999 إلى 32 في المائة في عام 2003، واستهلاك الصين من النحاس قفز من 11 في المائة عام 1999 إلى 20 في المائة في عام 2003، وبعد أن كانت الصين دولة مصدرة للنفط إلى عام 1993، تحولت
إلى دولة مستوردة للنفط، واستهلكت عام 1998 ما يقارب 5،5 في المائة من الإنتاج العالمي، وقفز ذلك إلى 8 في المائة في عام 2004، والأخطر من ذلك كله بالنسبة للولايات المتحدة أن الصين جيوبوليتيكياً اخترقت أماكن كانت تعتبرها أمريكا حكراً عليها وعلى حلفائها من دول الناتو، فنجد الصين في عام 2004 تستورد 17 في المائة من حاجياتها النفطية من المملكة العربية السعودية، و 10 في المائة من وارداتها النفطية من سلطنة عُمان و 6 في المائة من روسيا، والأكثر من ذلك أن الصين بالفعل يمثل نصيبها من النفط العالمي 8 في المائة فقط الآن، ولكنها في الأربع سنوات الأخيرة ساهمت بـ 37 في المائة من نمو الطلب العالمي على النفط، وإذا استمرت الصين في هذا النمو إلى عام 2025 فهذا يعني أن حصتها من النفط العالمي ستتجاوز نسبة الولايات المتحدة الأمريكية من الاستهلاك العالمي من النفط، بل لو كان الناتج المحلي الصيني حافظ على معدل النمو نفسه الذي يوجد عليه الآن فمن المحتمل أن يتوازى هذا الناتج في عام 2020 مع الناتج المحلي الأمريكي، لكن السؤال الذي يطرح هنا: هل الولايات المتحدة ستترك الصين على معدل النمو نفسه من دون أن تفتعل كارثة تعيق النمو العملاق للصين؟
وأخيراً نلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين قد وصلا إلى عنق زجاجة في التنافس على النفط، فأمريكا في عام 2001 تستهلك 25 في المائة من النفط العالمي، وكانت تعتمد على استيراد 52 في المائة منه، وكانت قبل ذلك المملكة العربية السعودية تمد الولايات المتحدة بــ 25 في المائة من نفطها المستورد وانخفض ذلك كثيراً بعد أحداث سبتمبر 2001، والآن أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط السعودي، وبدأ النفط السعودي يتجه إلى الصين كما ذكرنا سابقاً، وتعتمد الولايات المتحدة على 48 في المائة من استهلاكها على إنتاجها المحلي، أما في عام 2020 فيتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ما يقارب 66 في المائة من احتياجاتها من النفط، ويوفر لها إنتاجها المحلي 34 في المائة من النفط فقط.
::/fulltext::
::cck::3033::/cck::
