تأثير ارتفاع أسعار النفط في اقتصادات دول الخليج العربية
::cck::3034::/cck::
::introtext::
إن الارتفاع الجامح لأسعار النفط الخام مؤخرا من الممكن تبريره بالنظر إلى مجالي العرض والطلب لسوق النفط العالمي. ففي مجال العرض، تلعب التوقعات التشاؤمية دوراً كبيراً بسبب الاضطرابات السياسية وما واكبها من انتشار شعور الخوف والقلق من تعثر الإمدادات النفطية خصوصاً أن رحى ما يسمى (الحرب على الإرهاب) تدور في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط. أما في مجال الطلب، فيشير الباحثون إلى أن هناك زيادة كبيرة في الكمية المطلوبة من النفط الخام في الدول الصناعية والدول النامية حديثة التصنيع (الصين) مما دفع تلك الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر آمنة للطاقة. على الرغم من أن هذا الارتفاع يُعتبر كبيراً من الناحية الاسمية، أي القيمة النقدية للبرميل بالدولار، إلا أنه من الناحية الحقيقية لا يُعد كذلك نظراً للموجات التضخمية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي والتي انعكست على الدولار الأمريكي الذي فقد جزء كبيراً من قيمته الشرائية في الآونة الأخيرة.
::/introtext::
::fulltext::
إن الارتفاع الجامح لأسعار النفط الخام مؤخرا من الممكن تبريره بالنظر إلى مجالي العرض والطلب لسوق النفط العالمي. ففي مجال العرض، تلعب التوقعات التشاؤمية دوراً كبيراً بسبب الاضطرابات السياسية وما واكبها من انتشار شعور الخوف والقلق من تعثر الإمدادات النفطية خصوصاً أن رحى ما يسمى (الحرب على الإرهاب) تدور في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط. أما في مجال الطلب، فيشير الباحثون إلى أن هناك زيادة كبيرة في الكمية المطلوبة من النفط الخام في الدول الصناعية والدول النامية حديثة التصنيع (الصين) مما دفع تلك الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر آمنة للطاقة. على الرغم من أن هذا الارتفاع يُعتبر كبيراً من الناحية الاسمية، أي القيمة النقدية للبرميل بالدولار، إلا أنه من الناحية الحقيقية لا يُعد كذلك نظراً للموجات التضخمية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي والتي انعكست على الدولار الأمريكي الذي فقد جزء كبيراً من قيمته الشرائية في الآونة الأخيرة.
في الفترات الماضية دار جدل في أروقة صناعة القرار في الدول الخليجية حول ماذا سيتم حيال الفائض المتوقع في الميزانيات العامة بسبب ارتفاع إيرادات النفط، حتى يتسنى لنا رصد الآثار المحتملة لارتفاع أسعار النفط على الاقتصادات الخليجية فإن ذلك يتطلب الإحاطة بماذا سيكون مصير الإيرادات النفطية التي تحصّلت عليها الدول الخليجية، أي بمعنى آخر كيف سيكون سلوك الإنفاق الحكومي في الفترة المقبلة، وبالتالي يجب تحديد الأطراف الفاعلة التي تؤثر في توجيه الإنفاق الحكومي بشكل مباشر. والإشكالية أن الدول الخليجية لم تتعلم من أخطاء الماضي، فقد نظرت معظم دول الخليج إلى فترات الطفرات النفطية السابقة في مرحلة السبعينات على أنها مستمرة، ووُضعت الخطط والبرامج التنموية على ذلك الأساس، وقد صاحبت تلك القراءة الخاطئة للمعطيات الاقتصادية قرارات قليلة الكفاءة وفشل السياسات المتبعة التي أدت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية. تعاني الاقتصاديات الخليجية عموما من جمود اقتصادي حيث تشير التقارير الاقتصادية الدولية إلى تدني معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة على الرغم من الثروات الهائلة التي جُمعت خلال فترات الطفرات النفطية في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم، فلقد أنفقت أغلب دول المنطقة تلك الأموال الطائلة على أصول ومشاريع غير إنتاجية أدت إلى استنزاف المال العام، وفوتت الفرصة على إقامة مشاريع تعليمية وصناعية كفيلة بإحداث (التنمية المستدامة) التي تُعتبر طوق نجاة في حالة نضوب الموارد النفطية المتوقع قريباً.
أصبحت دول المنطقة تعاني من الأمراض الاقتصادية المتفشية في الدول الأشد تخلفاً مثل البطالة والفقر، وتلك المشكلات ما هي إلا نتيجة لفشل في السياسات الاقتصادية التي تحتذيها دول الخليج لعله ليس من العدل إطلاق أحكام عامة تنطبق على جميع الدول الخليجية، فعلى الرغم من درجة التجانس العالية بينها إلا أن هناك اختلافاً ملحوظاً في التركيبة البيروقراطية للأجهزة الحكومية ومستويات التمثيل الشعبي، لكن القاسم المشترك بين تلك الدول هو تدني كفاءة الأجهزة الحكومية التي من المفترض أن يكون لها دور كبير في توجيه دفة الاقتصاد من خلال السياسات العامة والإنفاق الحكومي على وجه الخصوص، الذي يُعد المحرك الأساسي والدافع للنمو الاقتصادي، مما ترتب عليه فقدان السياسات المالية لأهدافها المتوخاة، فالإنفاق الحكومي يصبح عديم الجدوى في حل المشكلات الاقتصادية المختلفة، كما تفقد الميزانية العامة أهم روافدها بسبب ضعف الرقابة على المال العام، ونتيجة لذلك يتراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين نظراً لانعدام كفاءة الأجهزة الحكومية، حيث ينعكس سلباً على أهم القطاعات التي تمس حياة ومستقبل المجتمعات، ولعل ذلك يبرر انهيار مستويات الصحة والتعليم و (السلع العامة) الأخرى في أغلب البلدان النامية وحتى الغنية منها.
لا غرو إذن أن يُوجه جل الإنفاق الحكومي في الفترة المقبلة إلى نشاطات لا تعود بالفائدة على المنطقة ولا تلبي التطلعات التي يطمح إليها المواطنون كتحسين الأوضاع المتردية وإصلاح الأحوال المعيشية للسكان. أما من هو المستفيد، فهو (الدول الصديقة) التي سوف تستحوذ على نصيب الأسد من المعونات الاقتصادية التي سوف تنعش اقتصاداتها على حساب حظوظ الأقاليم والمناطق الخليجية التي لا تختلف كثيراً في تخلفها الاقتصادي عن الأقاليم الموجودة في أقل الدول تنمية. أما الدول الأخرى التي لديها أيدي عاملة وافدة لدى دول الخليج العربية فسوف تستفيد كذلك من تدفقات التحويلات النقدية التي ستوجه إلى إعمار وإثراء اقتصادات تلك الدول على حساب بطالة وفقر سكان المنطقة الأصليين وكذلك تخلف البنية التحتية وتدهور الأوضاع الاقتصادية للبلدان الخليجية بسبب ضخامة التسربات النقدية إلى دول العالم الخارجي.
سوف يواكب الزيادة في إيرادات النفط ارتفاع في الإنفاق الاستهلاكي على السلع الكمالية المستوردة ذات المرونة الدخلية المرتفعة مما يشكل تسرباً مالياً آخر من دول المنطقة لصالح الدول الصناعية المصدرة، كما أنه من المتوقع أن تكون هناك زيادة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ستخرج من المنطقة بحثاً عن عائد سريع وكبير عن طريق توجيه الاستثمارات لدول العالم الخارجي مما يعني تسرباً كبيراً في المستقبل، حيث تقدر الاستثمارات الأجنبية الخارجة من دول الخليج العربية بحوالي 125 مليار دولار خلال فترة عشر سنوات مضت (2002-1992) في حين أن الاستثمارات البينية قد وصلت فقط إلى 2 في المائة من إجمالي الرقم سالف الذكر، أي قرابة 2.5مليار دولار.
إن التأثير السلبي الحقيقي لارتفاع النفط في دول الخليج العربية هو تسريع نضوب الموارد النفطية دون الاستفادة من المتحصلات النقدية بسبب الهدر المالي، وبالتالي فإن الحل يكمن في تعجيل الإصلاح السياسي والاقتصادي حتى يتم تعزيز الاستفادة والحفاظ على الموارد الناضبة مما يعود بالنفع على المنطقة، ويتطلب الأمر أيضاً وضع السياسات العامة الكفيلة برفع الكفاءة وتوجيه النشاطات الاقتصادية إلى القطاعات الإنتاجية، وبالتالي خلق قنوات استثمارية قادرة على مواجهة الطلب المحلي المتزايد من السلع والخدمات ومن ثم تقليص التسربات المالية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3034::/cck::
::introtext::
إن الارتفاع الجامح لأسعار النفط الخام مؤخرا من الممكن تبريره بالنظر إلى مجالي العرض والطلب لسوق النفط العالمي. ففي مجال العرض، تلعب التوقعات التشاؤمية دوراً كبيراً بسبب الاضطرابات السياسية وما واكبها من انتشار شعور الخوف والقلق من تعثر الإمدادات النفطية خصوصاً أن رحى ما يسمى (الحرب على الإرهاب) تدور في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط. أما في مجال الطلب، فيشير الباحثون إلى أن هناك زيادة كبيرة في الكمية المطلوبة من النفط الخام في الدول الصناعية والدول النامية حديثة التصنيع (الصين) مما دفع تلك الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر آمنة للطاقة. على الرغم من أن هذا الارتفاع يُعتبر كبيراً من الناحية الاسمية، أي القيمة النقدية للبرميل بالدولار، إلا أنه من الناحية الحقيقية لا يُعد كذلك نظراً للموجات التضخمية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي والتي انعكست على الدولار الأمريكي الذي فقد جزء كبيراً من قيمته الشرائية في الآونة الأخيرة.
::/introtext::
::fulltext::
إن الارتفاع الجامح لأسعار النفط الخام مؤخرا من الممكن تبريره بالنظر إلى مجالي العرض والطلب لسوق النفط العالمي. ففي مجال العرض، تلعب التوقعات التشاؤمية دوراً كبيراً بسبب الاضطرابات السياسية وما واكبها من انتشار شعور الخوف والقلق من تعثر الإمدادات النفطية خصوصاً أن رحى ما يسمى (الحرب على الإرهاب) تدور في منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط. أما في مجال الطلب، فيشير الباحثون إلى أن هناك زيادة كبيرة في الكمية المطلوبة من النفط الخام في الدول الصناعية والدول النامية حديثة التصنيع (الصين) مما دفع تلك الدول المستهلكة إلى البحث عن مصادر آمنة للطاقة. على الرغم من أن هذا الارتفاع يُعتبر كبيراً من الناحية الاسمية، أي القيمة النقدية للبرميل بالدولار، إلا أنه من الناحية الحقيقية لا يُعد كذلك نظراً للموجات التضخمية التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي والتي انعكست على الدولار الأمريكي الذي فقد جزء كبيراً من قيمته الشرائية في الآونة الأخيرة.
في الفترات الماضية دار جدل في أروقة صناعة القرار في الدول الخليجية حول ماذا سيتم حيال الفائض المتوقع في الميزانيات العامة بسبب ارتفاع إيرادات النفط، حتى يتسنى لنا رصد الآثار المحتملة لارتفاع أسعار النفط على الاقتصادات الخليجية فإن ذلك يتطلب الإحاطة بماذا سيكون مصير الإيرادات النفطية التي تحصّلت عليها الدول الخليجية، أي بمعنى آخر كيف سيكون سلوك الإنفاق الحكومي في الفترة المقبلة، وبالتالي يجب تحديد الأطراف الفاعلة التي تؤثر في توجيه الإنفاق الحكومي بشكل مباشر. والإشكالية أن الدول الخليجية لم تتعلم من أخطاء الماضي، فقد نظرت معظم دول الخليج إلى فترات الطفرات النفطية السابقة في مرحلة السبعينات على أنها مستمرة، ووُضعت الخطط والبرامج التنموية على ذلك الأساس، وقد صاحبت تلك القراءة الخاطئة للمعطيات الاقتصادية قرارات قليلة الكفاءة وفشل السياسات المتبعة التي أدت إلى تردي الأوضاع الاقتصادية. تعاني الاقتصاديات الخليجية عموما من جمود اقتصادي حيث تشير التقارير الاقتصادية الدولية إلى تدني معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة على الرغم من الثروات الهائلة التي جُمعت خلال فترات الطفرات النفطية في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم، فلقد أنفقت أغلب دول المنطقة تلك الأموال الطائلة على أصول ومشاريع غير إنتاجية أدت إلى استنزاف المال العام، وفوتت الفرصة على إقامة مشاريع تعليمية وصناعية كفيلة بإحداث (التنمية المستدامة) التي تُعتبر طوق نجاة في حالة نضوب الموارد النفطية المتوقع قريباً.
أصبحت دول المنطقة تعاني من الأمراض الاقتصادية المتفشية في الدول الأشد تخلفاً مثل البطالة والفقر، وتلك المشكلات ما هي إلا نتيجة لفشل في السياسات الاقتصادية التي تحتذيها دول الخليج لعله ليس من العدل إطلاق أحكام عامة تنطبق على جميع الدول الخليجية، فعلى الرغم من درجة التجانس العالية بينها إلا أن هناك اختلافاً ملحوظاً في التركيبة البيروقراطية للأجهزة الحكومية ومستويات التمثيل الشعبي، لكن القاسم المشترك بين تلك الدول هو تدني كفاءة الأجهزة الحكومية التي من المفترض أن يكون لها دور كبير في توجيه دفة الاقتصاد من خلال السياسات العامة والإنفاق الحكومي على وجه الخصوص، الذي يُعد المحرك الأساسي والدافع للنمو الاقتصادي، مما ترتب عليه فقدان السياسات المالية لأهدافها المتوخاة، فالإنفاق الحكومي يصبح عديم الجدوى في حل المشكلات الاقتصادية المختلفة، كما تفقد الميزانية العامة أهم روافدها بسبب ضعف الرقابة على المال العام، ونتيجة لذلك يتراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين نظراً لانعدام كفاءة الأجهزة الحكومية، حيث ينعكس سلباً على أهم القطاعات التي تمس حياة ومستقبل المجتمعات، ولعل ذلك يبرر انهيار مستويات الصحة والتعليم و (السلع العامة) الأخرى في أغلب البلدان النامية وحتى الغنية منها.
لا غرو إذن أن يُوجه جل الإنفاق الحكومي في الفترة المقبلة إلى نشاطات لا تعود بالفائدة على المنطقة ولا تلبي التطلعات التي يطمح إليها المواطنون كتحسين الأوضاع المتردية وإصلاح الأحوال المعيشية للسكان. أما من هو المستفيد، فهو (الدول الصديقة) التي سوف تستحوذ على نصيب الأسد من المعونات الاقتصادية التي سوف تنعش اقتصاداتها على حساب حظوظ الأقاليم والمناطق الخليجية التي لا تختلف كثيراً في تخلفها الاقتصادي عن الأقاليم الموجودة في أقل الدول تنمية. أما الدول الأخرى التي لديها أيدي عاملة وافدة لدى دول الخليج العربية فسوف تستفيد كذلك من تدفقات التحويلات النقدية التي ستوجه إلى إعمار وإثراء اقتصادات تلك الدول على حساب بطالة وفقر سكان المنطقة الأصليين وكذلك تخلف البنية التحتية وتدهور الأوضاع الاقتصادية للبلدان الخليجية بسبب ضخامة التسربات النقدية إلى دول العالم الخارجي.
سوف يواكب الزيادة في إيرادات النفط ارتفاع في الإنفاق الاستهلاكي على السلع الكمالية المستوردة ذات المرونة الدخلية المرتفعة مما يشكل تسرباً مالياً آخر من دول المنطقة لصالح الدول الصناعية المصدرة، كما أنه من المتوقع أن تكون هناك زيادة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي ستخرج من المنطقة بحثاً عن عائد سريع وكبير عن طريق توجيه الاستثمارات لدول العالم الخارجي مما يعني تسرباً كبيراً في المستقبل، حيث تقدر الاستثمارات الأجنبية الخارجة من دول الخليج العربية بحوالي 125 مليار دولار خلال فترة عشر سنوات مضت (2002-1992) في حين أن الاستثمارات البينية قد وصلت فقط إلى 2 في المائة من إجمالي الرقم سالف الذكر، أي قرابة 2.5مليار دولار.
إن التأثير السلبي الحقيقي لارتفاع النفط في دول الخليج العربية هو تسريع نضوب الموارد النفطية دون الاستفادة من المتحصلات النقدية بسبب الهدر المالي، وبالتالي فإن الحل يكمن في تعجيل الإصلاح السياسي والاقتصادي حتى يتم تعزيز الاستفادة والحفاظ على الموارد الناضبة مما يعود بالنفع على المنطقة، ويتطلب الأمر أيضاً وضع السياسات العامة الكفيلة برفع الكفاءة وتوجيه النشاطات الاقتصادية إلى القطاعات الإنتاجية، وبالتالي خلق قنوات استثمارية قادرة على مواجهة الطلب المحلي المتزايد من السلع والخدمات ومن ثم تقليص التسربات المالية.
::/fulltext::
::cck::3034::/cck::
