حقيقة (تطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية) أزمة أم واقع؟
::cck::3056::/cck::
::introtext::
لعبت دول الخليج العربية دوراً بارزاً في الصراع العربي–الإسرائيلي خلال الفترة (1948-1990م)، وكان لها موقف واضح من قضايا الصراع الرئيسية والمتفرعة عنها، وتباين دورها وموقفها من دعم الجهد العسكري والحربي العربي العام إلى المساهمة المباشرة في الصراع، وفي جهود التسوية السلمية واحتضان الفلسطينيين ومساندتهم في حقوقهم، ودعم منظمة التحرير والمحافظة على قوتها ووحدتها.
::/introtext::
::fulltext::
لعبت دول الخليج العربية دوراً بارزاً في الصراع العربي–الإسرائيلي خلال الفترة (1948-1990م)، وكان لها موقف واضح من قضايا الصراع الرئيسية والمتفرعة عنها، وتباين دورها وموقفها من دعم الجهد العسكري والحربي العربي العام إلى المساهمة المباشرة في الصراع، وفي جهود التسوية السلمية واحتضان الفلسطينيين ومساندتهم في حقوقهم، ودعم منظمة التحرير والمحافظة على قوتها ووحدتها.
بيد أن ذلك لم يقف حائلاً أمام أول اعتراف خليجي مشروط بإسرائيل في حديث للملك السعودي الراحل خالد بن عبدالعزيز، أدلى به في مارس 1978م، حيث قال إنه يعترف بإسرائيل شريطة أن تنسحب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وأن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني.
وفي مايو 1980م صرح الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز -ولي العهد آنذاك- بأن بلاده مستعدة للسلام إذا تعهدت إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وأكد في وقت متزامن أن بلاده مستعدة لإقناع العرب بالتعاون من أجل تسوية سلمية كاملة شرط أن تعلن إسرائيل عن عزمها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وفي أغسطس 1981م تقدم الملك فهد بمبادرة سلمية لحل النزاع العربي–الإسرائيلي، تضمنت تلميحاً باعتراف ضمني بإسرائيل، حيث نص البند السابع فيها على تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
الأهداف الإسرائيلية من التطبيع
لقد طرحت إسرائيل –بالمقابل- مشاريعها الخاصة بالتطبيع مع دول الخليج العربية، وأسهبت في إضفاء (الميزات) الاقتصادية والسياسية عليها من منظورها الخاص لمستقبل المنطقة، وذلك منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، بيد أنها ركزت منذ مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في مؤتمر مدريد عام 1991م على ضرورة تطبيع العلاقات مع دول المجلس، باعتبار أن العائق أمام ذلك قد زال بعد جلوس الدول العربية على طاولة المفاوضات مع إسرائيل وحدوث تقدم ملموس بدت مظاهره في اتفاقيتي السلام الفلسطينية – الإسرائيلية عام 1993م، ثم الأردنية – الإسرائيلية عام 1994م، وأخذت إسرائيل تروج عن المكاسب الاقتصادية التي ستعم كافة دول المنطقة عند حلول السلام وإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، وعن فكرتها حول مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يبنى على أساس التبادل التجاري والاستثمار المشترك في العمل وفق معادلة إسرائيلية –طرحها رئيس الوزراء الأسبق شيمون بيريز- تجمع بين التكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية والتمويل الخليجي والعمالة المصرية والفلسطينية وقطاع الخدمات الأردني-السوري.
ويمكن القول إن اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة كانتا بمثابة الجسر الذي عبرت عليهما إسرائيل لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فما إن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، حتى سارع الإسرائيليون لإعداد المشاريع والمقترحات الخاصة بالتطبيع مع العرب، على الصعد الاقتصادية والتجارية والثقافية، وذلك لإدراكهم بأن هذه الحرب كانت علامة فاصلة في تاريخ المنطقة، وأن ما لم يحققه الإسرائيليون بنصف قرن من الحرب قد يحققونه بالسلم.
وفي سبيل ذلك سعت إسرائيل إلى تطبيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي في ضوء تلك الرؤية الإقليمية لمستقبلها في منطقة الشرق الأوسط، وعمدت إلى طرح التصورات والمشاريع التي ترمي إلى إنشائها مع دول الخليج العربية بعد تطبيع العلاقات معها، ونجحت بالفعل في إقناع بعض الدول بالدخول في بعض المشاريع التجارية الخاصة، وتتناول تلك المشاريع عصب الحياة الصناعية والتجارية في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة برمتها، سواء التجارية أو الصناعية أو المائية والسياحية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر في مجال التبادل التجاري فقط، رأت إسرائيل في مطلع عام 1992، أن دول مجلس التعاون الخليجي تعد الدول الأكثر استعداداً في المنطقة لاستقبال السلع الإسرائيلية، لأن هذه السلع صممت قياساً إلى السوق المحلي والأسواق الغربية، وهي دول ذات مستوى معيشي مرتفع، وجاء في هذه الدراسة أن أسواق الخليج ملائمة بصفة خاصة للأدوية والألبسة، وأنه حتى إن نجحت إسرائيل في احتلال موقع صغير في الأسواق الخليجية، فهذا سيكون إنجازا باهراً، ومن الأمثلة على ذلك أنه في عام 1991 استوردت السعودية والكويت والإمارات سلعاً بقيمة (40) مليار دولار، في حين بلغت كل الصادرات الإسرائيلية في ذلك العام نحو 11 مليار دولار، فإذا استوردت دول الخليج (10 في المائة) فقط من استهلاكها من إسرائيل، فإن هذا الأمر سيوفر للإسرائيلي زيادة توازي ثلث صادراتهم. والنجاح المؤكد لإسرائيل – حسب هذه الدراسة – هو في مجال الأدوية، التي تظهر دول المنطقة اهتماماً كبيراً بها، ومن المشاريع التي طرحتها وزارة الخارجية الإسرائيلية مشروع إقليمي للطب الوقائي (التلقيح).
أهداف التطبيع من وجهة نظر خليجية
تماشياً مع دعاوى السلام التي راجت بعد حرب الخليج الثانية عام 1991م، شاركت دول مجلس التعاون الخليجي في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، بصفة مراقب، كما رحبت بإعلان (أوسلو)، وحثت قمة المنامة في ديسمبر عام 1994م على تكثيف الجهود لتحقيق التقدم في المسارين السوري واللبناني بعد نجاح المسارين الفلسطيني والأردني في توقيع اتفاقيات سلام مع الطرف الإسرائيلي، وكذلك أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بياناً في أول أكتوبر عام 1994م يقضي بإنهاء المقاطعة غير المباشرة لإسرائيل، وهي تلك المقاطعة التي توصف حديثاً بالمقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة المفروضة على الشركات الأجنبية المتعاملة مع إسرائيل، وعلى فروع الشركات التي تتعاون معها، وقدم البيان مبررات ذلك بقناعة المجلس بأن التقدم الملحوظ على مسيرة السلام في الشرق الأوسط وتوقيع اتفاقيات سلام على بعض المسارات العربية (فلسطين والأردن) وعقد جملة اتفاقيات اقتصادية، من شأنه أن يعزز من عملية السلام، ويشجع إسرائيل بعد رفع المقاطعة عنها على الالتزام بوعودها ومراجعة أحكام المقاطعة العربية لها طبقاً للتقدم الذي تم إحرازه.
و خلال عامي (1994-1995) زارت وفود إسرائيلية كلاً من مسقط وقطر والبحرين، وعرضت مسقط استضافة مقر مركز أبحاث شرق أوسطي لتحلية المياه مستعيناً بتكنولوجيا إسرائيلية، فيما طرحت قطر في الفترة نفسها مشروع مد خط أنابيب نفطي للدولة العبرية. وفي عام 1995 شارك رجال أعمال سعوديون وإسرائيليون في مؤتمر رجال أعمال عقد في الولايات المتحدة.
وفي العام نفسه حينما قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين ، شارك وفد قطري رسمي في جنازته. وخلال ذلك كله، نشطت شركات إسرائيلية لاختراق السوق الخليجي عبر إقامة مشاريع مشتركة في عدد من القطاعات.
ويمكن تقسيم موقف دول مجلس التعاون الخليجي من تطبيع وفتح آفاق العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، إلى قسمين:
يشمل القسم الأول كلاً من السعودية والكويت والإمارات التي أيدت ورحبت باتفاق أوسلو ووادي عربة على المسارين الفلسطيني والأردني مع إسرائيل، لكنها لم تقم علاقات دبلوماسية مع الأخيرة، من منطلق رغبتها في الحفاظ على موقفها السابق القاضي ببقاء الوضع على ما هو عليه حتى تتم تسوية نهائية للقضية الفلسطينية ويسترجع الشعب الفلسطيني كامل حقوقه، رغم ما تعرضت له هذه الدول من ضغوط هائلة من جانب الولايات المتحدة لفتح قنوات سياسية مع إسرائيل.
أما القسم الثاني، فيضم كلاً من قطر والبحرين وسلطنة عُمان، التي وجدت في التسوية السلمية في المنطقة فرصة سانحة لإقامة علاقات سياسية وتجارية مع إسرائيل، حيث فتحت أبوابها لزيارة بعض المسؤولين الإسرائيليين ومن ثم فتح مكاتب تجارية إسرائيلية فيها كنوع من الارتباط السياسي تحت ستار المكاتب التجارية أو مكاتب الارتباط، سواء في ما يتعلق بالحدود فيما بينها أو بسبب خوف هذه الدول من هيمنة بعض دول المجلس عليها، لا سيما الخوف من الدور السعودي بسبب الخلافات والحساسيات التي كانت بين كل من قطر وسلطنة عُمان من جهة والسعودية من جهة أخرى، وتطورت علاقات هذه الدول بشكل ملحوظ مع إسرائيل خلال التسعينات، وأثارت ردود فعل عربية.
فقد التقى –على سبيل المثال- وزير الخارجية القطري في عام 1994م بوزير خارجية إسرائيل خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما قطعت قطر وإسرائيل شوطاً كبيراً في مجال التعاون في إمدادات الغاز الطبيعي، وكذلك استضافت عُمان في إبريل 1994م اجتماعات لجنة المياه ضمن اللجان الخمس في المحادثات العربية – الإسرائيلية المتعددة الأطراف، كما زار إسحق رابين العاصمة العمانية، مسقط، وأكد البيان المشترك بينهما أن الزيارة جاءت في إطار دعم مسيرة السلام في الشرق الأوسط.
سباق نحو التطبيع وضبابية الرؤية الخليجية مشتركة
الواقع أن هذا التطور السريع في علاقات بعض الدول الخليجية مع إسرائيل له ما يبرره على قاعدة المصلحة الوطنية لكل دولة منفردة، فبينما لا ترى السعودية والكويت والإمارات نفسها في حاجة تلبيها من وراء هذا التطبيع قبل إقامة السلام الشامل والدائم في المنطقة وحل القضية الفلسطينية بكل أبعادها، فإن الدول الخليجية الأخرى –قطر وعمّان تحديداً- تعتبر أن توقيع صاحبة الشأن -السلطة الفلسطينية- لاتفاقية سلام مع إسرائيل ودخول بقية المسارات في مفاوضات ثنائية، وخاصة بعد توقيع اتفاقية السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994م، لم يبق عذراً لبقاء المقاطعة الخليجية والعربية مع إسرائيل، وأنها تنطلق من فكرتين مكملتين لبعضهما: الأولى على الصعيد القومي، حيث إن تطبيع علاقات الدول الخليجية لعلاقاتها مع إسرائيل يعزز الثقة العربية-الإسرائيلية في رغبة الطرفين في إحلال السلام بالمنطقة وجعل إسرائيل تشعر بالأمن من الأطراف التي كانت تلعب دور المساند إبان مراحل الصراع معها. والثانية على صعيد المصلحة الوطنية لدول الخليج التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وتعتبر أن مصلحتها التجارية والاقتصادية تتطلب إقامة علاقات سياسية وتجارية مع إسرائيل بعد الهيمنة الأمريكية على دول المنطقة، وكذلك لفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من المزايا التي ستحققها هذه الدول على صعيد علاقاتها مع الولايات المتحدة، كونها ستنسجم مع المصلحة الأمريكية في تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، لا سيما أن علاقات بعض دول الخليج–السعودية والكويت والإمارات- أكثر ترابطاً وتأخذ شكل تحالف استراتيجي مقارنة بعلاقات بقية دول الخليج الأخرى.
وتتسق هذه المواقف الخليجية مع الحجة الرئيسية التي كانت هذه الدول تسوقها في مواجهة منتقدي تحركها بخطوات سريعة لتطبيع علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إسرائيل قبل التوصل إلى السلام الشامل والعادل في المنطقة، وتقوم هذه الحجة على افتراض أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل إنما يهدف (إلى تدعيم عملية السلام والمفاوضات الثنائية على مختلف المسارات، فضلاً عن المفاوضات متعددة الأطراف). وأشار المسؤولون في هذه الدول باستمرار إلى ارتباط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بمدى التقدم الذي يتم إحرازه في المفاوضات، وتتعارض هذه الحجة مع وجهة النظر المعارضة للتطبيع، والتي ترى أن من شأن هذه العلاقات إعطاء إسرائيل مزايا مجانية من دون مقابل يتمثل في التزامها بقرارات الأمم المتحدة والانسحاب من الأراضي العربية التي تحتلها، ومن شأنها أيضاً تشجيع إسرائيل على تبني مواقف متشددة في المفاوضات.
وثمة رأي آخر ذهب إلى أن هذه الأطراف الخليجية التي عجلت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل إنما فعلت ذلك مدفوعة بمخاوفها أو مصالحها الذاتية، من ناحية لضمان مكان لها في أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة بعد التوصل إلى التسوية الشاملة على المسارات الأخرى، ومن ناحية أخرى لتحقيق بعض المكاسب التجارية والاقتصادية المباشرة، والاستفادة مما يمكن أن يقدمه التعاون مع إسرائيل من منافع في مختلف المجالات.
وما بين الرؤية الخليجية العامة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتي تميزت بالضبابية وعدم الوضوح بسبب تباين المصالح والتوجهات البينية، رغم البيانات والتصريحات الرسمية التي كانت تعبر – ظاهرياً- عن أُحادية الموقف والسلوك، وبين الرؤية الوطنية الخاصة لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، برزت مظاهر الميل الخليجي للتطبيع مع إسرائيل أكثر من مظاهر الالتزام بالمبادئ التي أعلنها المجلس منذ انطلاق قطار مدريد للسلام عام 1991م، بحيث بدت دول مجلس التعاون كأنها في سباق مع الزمن بين بعضها تارة، وبينها وبين الدول العربية الأخرى تارة ثانية، لتحقيق تقدم ملحوظ في علاقاتها مع إسرائيل، خاصة على الصعيد التجاري والاقتصادي.
توتر وتراجع تطبيع العلاقات الخليجية-الإسرائيلية
مع التعنت الإسرائيلي الذي بدأ يظهر في مواقف إسرائيل إزاء عملية السلام في نهاية التسعينات من القرن الماضي، بدأت بعض الدول الخليجية، مثل السعودية والكويت والإمارات والبحرين، بمساندة عملية السلام ودعم الوضع العربي للقدس، وتعليق أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل إلى أن تنسحب إسرائيل انسحاباً كاملاً من كامل الأراضي العربية وإعادة الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.
ومع انطلاقة انتفاضة الأقصى في سبتمبر من عام 2000م، ازدادت المقاومة الشعبية العربية، والخليجية خصوصاً، للتطبيع مع إسرائيل، وعقد مؤتمر شعبي كبير لمقاومة التطبيع في الكويت، حضرته شخصيات خليجية من مختلف شرائح المجتمع الخليجي والتي عبرت عن رفضها لتطبيع العلاقات الخليجية مع إسرائيل، وازدادت ضراوتها مع استعار الانتفاضة بين عامي (2000-2001م)، وتشكلت كذلك أمانة عامة مكونة من متخصصين كويتيين وبحرينيين للترويج لمقاومة التطبيع والاتصال بالحكومات والشعوب في المنطقة العربية والخليج والمثابرة على ذلك بطرق سلمية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى توتر العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، وظهور ملامح تراجع خليجي–عربي عن تقديم تنازلات جديدة للتطبيع مع إسرائيل في ضوء انفلات الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية وعدم اعتراف حكومة (شارون) اليمينية المتطرفة آنذاك بالحقوق الفلسطينية وبالاتفاقيات التي وقعت بين الجانبين.
وما إن تراجعت إسرائيل عن التزاماتها تجاه الطرف الفلسطيني، وفشلت المفاوضات على المسارين اللبناني والسوري، وتوترت الأوضاع بالمنطقة إثر انتفاضة الأقصى الثانية وأحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من عمليات عسكرية أمريكية-إسرائيلية على المحورين الفلسطيني والعراقي، حتى تراجعت العملية السلمية برمتها، وتأثر تطبيع العلاقات العربية عموماً مع إسرائيل، خاصة دول الخليج العربية، فأعادت تلك المتغيرات المنطقة برمتها إلى المربع الأول حيث العداء والتوتر، وبات تطبيع العلاقات الخليجية مع إسرائيل في مهب الريح، وتراجعت دول الخليج، خاصة السعودية والكويت والإمارات، عن فكرة التطبيع أو الترويج لها، في ظل التعنت والصلف الإسرائيلي الذي أضاع كل فرصة مواتية للسلام، خاصة بعد رفض الحكومة الإسرائيلية اليمينية آنذاك بقيادة حزب الليكود المتطرف (شارون)، مبادرة السلام العربية عام 2002م والتي قدمتها المملكة العربية السعودية كبادرة حسن نية عن الرغبة العربية في العيش بأمن وسلام واستقرار.
وفي عام 2003 شهدت العلاقات الخليجية-الإسرائيلية نقلة نوعية، حينما قام وفد من رجال أعمال إماراتيين برئاسة رئيس مجلس إدارة شركة (إعمار) العقارية محمد العبار بزيارة علنية إلى دولة الاحتلال وتوقيع عدد من الاتفاقيات التجارية المشتركة. وهي الزيارة التي أثارت جدلاً واسعاً آنذاك، خصوصاً حينما عرض رجال الأعمال الإماراتيون خلال مقابلتهم لرئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ارئيل شارون شراء المستوطنات اليهودية التي كان ينوي إخلاءها في غزة ضمن خطة الانسحاب الأحادي الجانب.
وشهدت العلاقات الخليجية-الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تطورات مهمة، واكب بعضها المستجدات الإقليمية والدولية، بينما بدا البعض الآخر غير متسق مع المعطيات والتطورات الحاصلة، خصوصاً في الصراع العربي-الإسرائيلي، فإسرائيل تتخوف من أن تصبح دول الخليج العربية مركز ثقل اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً يسهم بدور إيجابي فاعل في المواجهة العربية معها. والموقف الخليجي العام من التطبيع مع إسرائيل يتسم بالتناقض بين ما هو رسمي وما هو شعبي.
وسعت إسرائيل منذ احتلال العراق والحرب الأمريكية على العراق عام 2003م إلى إحداث اختراق في جدار التطبيع مع دول الخليج العربية، حيت استغلت التطورات والتغيرات التي رافقت الحرب والعدوان لإحداث انفراج كبير في أزمة تطبيع العلاقات مع الدول الخليجية، وقد أطلقت إسرائيل سلسلة تصريحات رسمية وغير رسمية عبر تسريبات صحفية منذ نهاية عام 2005م، كشفت فيها عن خطوات تطبيعية اتخذتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، من بينها زيارات متبادلة بين الجانبين، سواء لمسؤولين رسميين أو لرجال أعمال، بل إن وزير الخارجية الإسرائيلي السابق سلفان شالوم أشار في سبتمبر 2005م إلى أنه اجتمع مع أكثر من عشرة وزراء خارجية لدول عربية وإسلامية (بينها دول خليجية)، معتبراً هذا التطور لم يكن مطروحاً حتى قبل سنوات قليلة.
واقع إقليمي فرض مسار تطبيع العلاقات
تسربت في عام 2008م إشارات إسرائيلية-أمريكية حول إمكانية استعانة دول مجلس التعاون الخليجي بإسرائيل كمظلة نووية ضد القدرات النووية الإيرانية، حيث أعلن سامي الفرج في فبراير 2008، وهو مدير مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية ويعمل مستشاراً للحكومة الكويتية ولمجلس التعاون الخليجي، أن امتلاك طهران قدرات نووية من شأنه إطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة، وأبدى قبولاً صريحاً بمظلة نووية إسرائيلية لحماية دول مجلس التعاون حال امتلاك إيران سلاحاً نووياً.
ويمكن تفسير دوافع هذا التوجه الخليجي صوب إسرائيل في إطار التهديدات التي تتوقعها وتدركها دول مجلس التعاون من القدرات النووية الإيرانية المتزايدة باستمرار، ما يؤكد أن المتغيرات والتطورات التي تطرأ على العلاقات الخليجية –الإسرائيلية، حالياً ومستقبلاً، إنما تأتي انعكاساً لتغير الظروف في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى تخضع أزمة تطبيع هذه العلاقات الحساسة للتوازنات الإقليمية الاستراتيجية ومستويات تطور البرنامج النووي الإيراني تحديداً.
كما قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيفي ليفني بزيارة إلى قطر في إبريل 2008، شاركت خلالها بأعمال منتدى الديمقراطية والتنمية الثامن، والتقت ليفني أثناء الزيارة كبار المسؤولين القطريين وبحثت معهم -بالإضافة إلى جملة قضايا ثنائية سياسية واقتصادية- قضية تزويد قطر لإسرائيل بالغاز الطبيعي في صفقة بلغت قيمتها (11.4) مليار دولار. كما التقت ليفني أيضاً في الدوحة وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، وهو اللقاء الأول من نوعه –علناً- على هذا المستوى بين إسرائيل وسلطنة عمان.
ورغم أن وزير الخارجية العماني استبعد في لقائه مع ليفني إعادة فتح مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في مسقط قبل قيام الدولة الفلسطينية، إلا أن مجرد عقد اللقاء، فضلاً عن الزيارة ذاتها، خطوة لا تتسق والتطورات السلبية المتتالية التي تشهدها عملية التسوية السلمية بين إسرائيل والعرب، خصوصاً على المسار الفلسطيني الذي يتعرض لانتكاسات متلاحقة، مصدرها الأساسي التعنت الإسرائيلي في المفاوضات، واستمرار عمليات الاستيطان، والاجتياح والمذابح المستمرة ضد الفلسطينيين المدنيين.
أزمة تطبيع العلاقات بين المقومات والمحددات
الواقع أن أزمة تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية مؤخراً تتأثر دوماً بالمتغيرات السياسية الإقليمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وأن مسار تطبيع العلاقات الخليجية-الإسرائيلية آخذ بالنمو مع تحسن مستويات العملية السلمية التي انطلقت من مؤتمر مدريد، وسعت دول مجلس التعاون بتشجيع الأطراف العربية ذات الصلة بالتسوية السلمية من خلال فتح مجال تجاري واقتصادي للتطبيع مع إسرائيل بهدف تعزيز ثقة الأخيرة بأن السلام العادل والشامل هو مطلب عربي لكافة أطراف النظام الإقليمي العربي.
والافتراض القائل بأن دخول الأطراف الخليجية في عملية تطبيع نشطة مع إسرائيل من شأنه خدمة عملية السلام يفترض بدوره أن تكون هذه الأطراف قادرة على التحكم في مسار العلاقات مع إسرائيل، غير أن قدرة هذه الأطراف تبدو مقيدة في ضوء اعتبارات عدة تتعلق بعلاقاتها مع إسرائيل، فمن ناحية هناك الاعتبار المتعلق بطبيعة الطموحات الإسرائيلية من وراء هذه العلاقات، ففي ظل طموحات إسرائيل الرامية إلى إقامة نظام إقليمي شرق أوسطي يمكًنها أن تندمج فيه، فإن قدرة الأطراف العربية على التأثير في السلوك التفاوضي لإسرائيل على المسارين السوري واللبناني تكون أكبر، حيث بإمكانها إبطاء معدل تطبيع العلاقات إذا كان ذلك ضرورياً من أجل الضغط على إسرائيل لإبداء مرونة أكبر في تعاملها على المسارين السوري واللبناني.
أما في حالة تراجع الطموحات الإسرائيلية إلى مستوى أكثر تواضعاً يكتفي بما تحقق على صعيد العلاقات من فرص للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي المحدود، فإن قدرة الأطراف العربية على التأثير في المواقف الإسرائيلية تعتمد وبدرجة أكبر على قدرتها على تغيير مسار العلاقات الراهنة وهذا يعتمد على الاعتبار الثاني، الذي يتمثل في قوة الدفع الذاتي المتولدة عن بروز قطاعات اجتماعية مستفيدة من تطبيع العلاقات مع إسرائيل والمتولدة أيضاً عن المصالح الذاتية الخاصة بالدول التي انخرطت بعلاقات مباشرة مع إسرائيل، فمن ناحية، هناك شك في أن تكون الدوافع القومية وراء قرار دول مجلس التعاون الخليجي تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، الأمر الذي يعني عدم تأثر هذه العلاقات كثيراً بما يجري على صعيد العلاقات الإسرائيلية ببقية الأطراف العربية.
ومن ناحية ثانية، لم يكن أي مستوى من مستويات التنسيق يوجه تحركات هذه الدول تجاه إسرائيل، وإنما تحركت كل دولة مدفوعة باعتبارات ودوافع تخصها، بل يشير البعض إلى أن تحركات كل من قطر وعمان، في هذا الصدد، تأتي متسقة مع التوجهات المستقلة التي تتبعها الدولتان في سياق تعاملهما مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بل يرجح البعض أن تكون قطر قد زادت من مستوى تعاونها مع إسرائيل من أجل الاستقواء على بقية دول المجلس التي تزايدت الخلافات معها، حتى في حالة الدول التي يمكن أن يجمعها هدف مشترك وراء تقاربها مع إسرائيل، على الرغم من غياب التنسيق، فإن هذا الهدف لا يتصل بأي مستوى من مستويات تدعيم الموقف العربي التفاوضي أو العمل العربي المشترك.
وتتنوع مقومات ومحددات تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية تبعاً للظروف والأحوال الداخلية، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، والخارجية في إطار التغيرات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة. ويبدو أن محددات ومعوقات تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية حالياً ومستقبلاً أكثر بكثير من مقومات ومحفزات فرص التطبيع، لا سيما في ظل التراكمات المتسارعة التي تشهدها المنطقة منذ أحداث 11 سبتمبر واحتلال العراق في إبريل 2003م، فإذا كان الموقف الخليجي الشعبي الرافض للتطبيع، ومشاريع إسرائيل الاستغلالية لدول مجلس التعاون وأطماعها في ثروات المنطقة، والوضع الإقليمي لتوازن القوى بعد حرب العراق، و(موت) عملية السلام.. إلخ، كلها عوامل دفع سلبية أو محددات لتطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية، فإن عوامل الدفع أو المقومات لا تتمثل سوى في جملة ضغوط أمريكية–إسرائيلية على دول مجلس التعاون لتطبيع العلاقات الثنائية بغض النظر عن الاعتبارات سالفة الذكر.
ويمكن القول إن (مقومات التطبيع) و(محددات الرفض) لا تزال تتصارع في البيئة الخليجية الرسمية، وفي حين تمارس المؤثرات الخارجية، ضمن أمور أخرى، دورها في تفعيل الشطر الأول من هذه المقومات، فإن المناخ الاجتماعي المحلي يمارس دوره – في المقابل – في تفعيل وإذكاء الشطر الثاني منها.
ومن شأن سلسلة التطورات الحالية المؤثرة في العلاقات الخليجية-الإسرائيلية، سواء المتسقة مع مجمل التطورات الإقليمية أو تلك المتعارضة معها، أن تحل شيفرة أزمة تطبيع العلاقات، وأن تدعو إسرائيل ودول الخليج إلى إعادة النظر في مسيرة تطبيع العلاقات بين الجانبين، وسبر غور كيفية نجاح إسرائيل في كسر طوق المقاطعة الخليجية لها، والخروج بالعلاقات -التي كانت تتم في إطار خطوات سرية وعلى استحياء- إلى دائرة العلن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3056::/cck::
::introtext::
لعبت دول الخليج العربية دوراً بارزاً في الصراع العربي–الإسرائيلي خلال الفترة (1948-1990م)، وكان لها موقف واضح من قضايا الصراع الرئيسية والمتفرعة عنها، وتباين دورها وموقفها من دعم الجهد العسكري والحربي العربي العام إلى المساهمة المباشرة في الصراع، وفي جهود التسوية السلمية واحتضان الفلسطينيين ومساندتهم في حقوقهم، ودعم منظمة التحرير والمحافظة على قوتها ووحدتها.
::/introtext::
::fulltext::
لعبت دول الخليج العربية دوراً بارزاً في الصراع العربي–الإسرائيلي خلال الفترة (1948-1990م)، وكان لها موقف واضح من قضايا الصراع الرئيسية والمتفرعة عنها، وتباين دورها وموقفها من دعم الجهد العسكري والحربي العربي العام إلى المساهمة المباشرة في الصراع، وفي جهود التسوية السلمية واحتضان الفلسطينيين ومساندتهم في حقوقهم، ودعم منظمة التحرير والمحافظة على قوتها ووحدتها.
بيد أن ذلك لم يقف حائلاً أمام أول اعتراف خليجي مشروط بإسرائيل في حديث للملك السعودي الراحل خالد بن عبدالعزيز، أدلى به في مارس 1978م، حيث قال إنه يعترف بإسرائيل شريطة أن تنسحب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وأن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني.
وفي مايو 1980م صرح الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز -ولي العهد آنذاك- بأن بلاده مستعدة للسلام إذا تعهدت إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وأكد في وقت متزامن أن بلاده مستعدة لإقناع العرب بالتعاون من أجل تسوية سلمية كاملة شرط أن تعلن إسرائيل عن عزمها على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وفي أغسطس 1981م تقدم الملك فهد بمبادرة سلمية لحل النزاع العربي–الإسرائيلي، تضمنت تلميحاً باعتراف ضمني بإسرائيل، حيث نص البند السابع فيها على تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
الأهداف الإسرائيلية من التطبيع
لقد طرحت إسرائيل –بالمقابل- مشاريعها الخاصة بالتطبيع مع دول الخليج العربية، وأسهبت في إضفاء (الميزات) الاقتصادية والسياسية عليها من منظورها الخاص لمستقبل المنطقة، وذلك منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978م، بيد أنها ركزت منذ مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في مؤتمر مدريد عام 1991م على ضرورة تطبيع العلاقات مع دول المجلس، باعتبار أن العائق أمام ذلك قد زال بعد جلوس الدول العربية على طاولة المفاوضات مع إسرائيل وحدوث تقدم ملموس بدت مظاهره في اتفاقيتي السلام الفلسطينية – الإسرائيلية عام 1993م، ثم الأردنية – الإسرائيلية عام 1994م، وأخذت إسرائيل تروج عن المكاسب الاقتصادية التي ستعم كافة دول المنطقة عند حلول السلام وإقامة المشاريع الاقتصادية المشتركة، وعن فكرتها حول مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يبنى على أساس التبادل التجاري والاستثمار المشترك في العمل وفق معادلة إسرائيلية –طرحها رئيس الوزراء الأسبق شيمون بيريز- تجمع بين التكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية والتمويل الخليجي والعمالة المصرية والفلسطينية وقطاع الخدمات الأردني-السوري.
ويمكن القول إن اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة كانتا بمثابة الجسر الذي عبرت عليهما إسرائيل لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فما إن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، حتى سارع الإسرائيليون لإعداد المشاريع والمقترحات الخاصة بالتطبيع مع العرب، على الصعد الاقتصادية والتجارية والثقافية، وذلك لإدراكهم بأن هذه الحرب كانت علامة فاصلة في تاريخ المنطقة، وأن ما لم يحققه الإسرائيليون بنصف قرن من الحرب قد يحققونه بالسلم.
وفي سبيل ذلك سعت إسرائيل إلى تطبيع علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي في ضوء تلك الرؤية الإقليمية لمستقبلها في منطقة الشرق الأوسط، وعمدت إلى طرح التصورات والمشاريع التي ترمي إلى إنشائها مع دول الخليج العربية بعد تطبيع العلاقات معها، ونجحت بالفعل في إقناع بعض الدول بالدخول في بعض المشاريع التجارية الخاصة، وتتناول تلك المشاريع عصب الحياة الصناعية والتجارية في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة برمتها، سواء التجارية أو الصناعية أو المائية والسياحية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر في مجال التبادل التجاري فقط، رأت إسرائيل في مطلع عام 1992، أن دول مجلس التعاون الخليجي تعد الدول الأكثر استعداداً في المنطقة لاستقبال السلع الإسرائيلية، لأن هذه السلع صممت قياساً إلى السوق المحلي والأسواق الغربية، وهي دول ذات مستوى معيشي مرتفع، وجاء في هذه الدراسة أن أسواق الخليج ملائمة بصفة خاصة للأدوية والألبسة، وأنه حتى إن نجحت إسرائيل في احتلال موقع صغير في الأسواق الخليجية، فهذا سيكون إنجازا باهراً، ومن الأمثلة على ذلك أنه في عام 1991 استوردت السعودية والكويت والإمارات سلعاً بقيمة (40) مليار دولار، في حين بلغت كل الصادرات الإسرائيلية في ذلك العام نحو 11 مليار دولار، فإذا استوردت دول الخليج (10 في المائة) فقط من استهلاكها من إسرائيل، فإن هذا الأمر سيوفر للإسرائيلي زيادة توازي ثلث صادراتهم. والنجاح المؤكد لإسرائيل – حسب هذه الدراسة – هو في مجال الأدوية، التي تظهر دول المنطقة اهتماماً كبيراً بها، ومن المشاريع التي طرحتها وزارة الخارجية الإسرائيلية مشروع إقليمي للطب الوقائي (التلقيح).
أهداف التطبيع من وجهة نظر خليجية
تماشياً مع دعاوى السلام التي راجت بعد حرب الخليج الثانية عام 1991م، شاركت دول مجلس التعاون الخليجي في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م، بصفة مراقب، كما رحبت بإعلان (أوسلو)، وحثت قمة المنامة في ديسمبر عام 1994م على تكثيف الجهود لتحقيق التقدم في المسارين السوري واللبناني بعد نجاح المسارين الفلسطيني والأردني في توقيع اتفاقيات سلام مع الطرف الإسرائيلي، وكذلك أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بياناً في أول أكتوبر عام 1994م يقضي بإنهاء المقاطعة غير المباشرة لإسرائيل، وهي تلك المقاطعة التي توصف حديثاً بالمقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة المفروضة على الشركات الأجنبية المتعاملة مع إسرائيل، وعلى فروع الشركات التي تتعاون معها، وقدم البيان مبررات ذلك بقناعة المجلس بأن التقدم الملحوظ على مسيرة السلام في الشرق الأوسط وتوقيع اتفاقيات سلام على بعض المسارات العربية (فلسطين والأردن) وعقد جملة اتفاقيات اقتصادية، من شأنه أن يعزز من عملية السلام، ويشجع إسرائيل بعد رفع المقاطعة عنها على الالتزام بوعودها ومراجعة أحكام المقاطعة العربية لها طبقاً للتقدم الذي تم إحرازه.
و خلال عامي (1994-1995) زارت وفود إسرائيلية كلاً من مسقط وقطر والبحرين، وعرضت مسقط استضافة مقر مركز أبحاث شرق أوسطي لتحلية المياه مستعيناً بتكنولوجيا إسرائيلية، فيما طرحت قطر في الفترة نفسها مشروع مد خط أنابيب نفطي للدولة العبرية. وفي عام 1995 شارك رجال أعمال سعوديون وإسرائيليون في مؤتمر رجال أعمال عقد في الولايات المتحدة.
وفي العام نفسه حينما قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين ، شارك وفد قطري رسمي في جنازته. وخلال ذلك كله، نشطت شركات إسرائيلية لاختراق السوق الخليجي عبر إقامة مشاريع مشتركة في عدد من القطاعات.
ويمكن تقسيم موقف دول مجلس التعاون الخليجي من تطبيع وفتح آفاق العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، بعد توقيع اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، إلى قسمين:
يشمل القسم الأول كلاً من السعودية والكويت والإمارات التي أيدت ورحبت باتفاق أوسلو ووادي عربة على المسارين الفلسطيني والأردني مع إسرائيل، لكنها لم تقم علاقات دبلوماسية مع الأخيرة، من منطلق رغبتها في الحفاظ على موقفها السابق القاضي ببقاء الوضع على ما هو عليه حتى تتم تسوية نهائية للقضية الفلسطينية ويسترجع الشعب الفلسطيني كامل حقوقه، رغم ما تعرضت له هذه الدول من ضغوط هائلة من جانب الولايات المتحدة لفتح قنوات سياسية مع إسرائيل.
أما القسم الثاني، فيضم كلاً من قطر والبحرين وسلطنة عُمان، التي وجدت في التسوية السلمية في المنطقة فرصة سانحة لإقامة علاقات سياسية وتجارية مع إسرائيل، حيث فتحت أبوابها لزيارة بعض المسؤولين الإسرائيليين ومن ثم فتح مكاتب تجارية إسرائيلية فيها كنوع من الارتباط السياسي تحت ستار المكاتب التجارية أو مكاتب الارتباط، سواء في ما يتعلق بالحدود فيما بينها أو بسبب خوف هذه الدول من هيمنة بعض دول المجلس عليها، لا سيما الخوف من الدور السعودي بسبب الخلافات والحساسيات التي كانت بين كل من قطر وسلطنة عُمان من جهة والسعودية من جهة أخرى، وتطورت علاقات هذه الدول بشكل ملحوظ مع إسرائيل خلال التسعينات، وأثارت ردود فعل عربية.
فقد التقى –على سبيل المثال- وزير الخارجية القطري في عام 1994م بوزير خارجية إسرائيل خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما قطعت قطر وإسرائيل شوطاً كبيراً في مجال التعاون في إمدادات الغاز الطبيعي، وكذلك استضافت عُمان في إبريل 1994م اجتماعات لجنة المياه ضمن اللجان الخمس في المحادثات العربية – الإسرائيلية المتعددة الأطراف، كما زار إسحق رابين العاصمة العمانية، مسقط، وأكد البيان المشترك بينهما أن الزيارة جاءت في إطار دعم مسيرة السلام في الشرق الأوسط.
سباق نحو التطبيع وضبابية الرؤية الخليجية مشتركة
الواقع أن هذا التطور السريع في علاقات بعض الدول الخليجية مع إسرائيل له ما يبرره على قاعدة المصلحة الوطنية لكل دولة منفردة، فبينما لا ترى السعودية والكويت والإمارات نفسها في حاجة تلبيها من وراء هذا التطبيع قبل إقامة السلام الشامل والدائم في المنطقة وحل القضية الفلسطينية بكل أبعادها، فإن الدول الخليجية الأخرى –قطر وعمّان تحديداً- تعتبر أن توقيع صاحبة الشأن -السلطة الفلسطينية- لاتفاقية سلام مع إسرائيل ودخول بقية المسارات في مفاوضات ثنائية، وخاصة بعد توقيع اتفاقية السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994م، لم يبق عذراً لبقاء المقاطعة الخليجية والعربية مع إسرائيل، وأنها تنطلق من فكرتين مكملتين لبعضهما: الأولى على الصعيد القومي، حيث إن تطبيع علاقات الدول الخليجية لعلاقاتها مع إسرائيل يعزز الثقة العربية-الإسرائيلية في رغبة الطرفين في إحلال السلام بالمنطقة وجعل إسرائيل تشعر بالأمن من الأطراف التي كانت تلعب دور المساند إبان مراحل الصراع معها. والثانية على صعيد المصلحة الوطنية لدول الخليج التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، وتعتبر أن مصلحتها التجارية والاقتصادية تتطلب إقامة علاقات سياسية وتجارية مع إسرائيل بعد الهيمنة الأمريكية على دول المنطقة، وكذلك لفتح الباب على مصراعيه للاستفادة من المزايا التي ستحققها هذه الدول على صعيد علاقاتها مع الولايات المتحدة، كونها ستنسجم مع المصلحة الأمريكية في تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، لا سيما أن علاقات بعض دول الخليج–السعودية والكويت والإمارات- أكثر ترابطاً وتأخذ شكل تحالف استراتيجي مقارنة بعلاقات بقية دول الخليج الأخرى.
وتتسق هذه المواقف الخليجية مع الحجة الرئيسية التي كانت هذه الدول تسوقها في مواجهة منتقدي تحركها بخطوات سريعة لتطبيع علاقاتها التجارية والاقتصادية مع إسرائيل قبل التوصل إلى السلام الشامل والعادل في المنطقة، وتقوم هذه الحجة على افتراض أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل إنما يهدف (إلى تدعيم عملية السلام والمفاوضات الثنائية على مختلف المسارات، فضلاً عن المفاوضات متعددة الأطراف). وأشار المسؤولون في هذه الدول باستمرار إلى ارتباط تطبيع العلاقات مع إسرائيل بمدى التقدم الذي يتم إحرازه في المفاوضات، وتتعارض هذه الحجة مع وجهة النظر المعارضة للتطبيع، والتي ترى أن من شأن هذه العلاقات إعطاء إسرائيل مزايا مجانية من دون مقابل يتمثل في التزامها بقرارات الأمم المتحدة والانسحاب من الأراضي العربية التي تحتلها، ومن شأنها أيضاً تشجيع إسرائيل على تبني مواقف متشددة في المفاوضات.
وثمة رأي آخر ذهب إلى أن هذه الأطراف الخليجية التي عجلت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل إنما فعلت ذلك مدفوعة بمخاوفها أو مصالحها الذاتية، من ناحية لضمان مكان لها في أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة بعد التوصل إلى التسوية الشاملة على المسارات الأخرى، ومن ناحية أخرى لتحقيق بعض المكاسب التجارية والاقتصادية المباشرة، والاستفادة مما يمكن أن يقدمه التعاون مع إسرائيل من منافع في مختلف المجالات.
وما بين الرؤية الخليجية العامة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتي تميزت بالضبابية وعدم الوضوح بسبب تباين المصالح والتوجهات البينية، رغم البيانات والتصريحات الرسمية التي كانت تعبر – ظاهرياً- عن أُحادية الموقف والسلوك، وبين الرؤية الوطنية الخاصة لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، برزت مظاهر الميل الخليجي للتطبيع مع إسرائيل أكثر من مظاهر الالتزام بالمبادئ التي أعلنها المجلس منذ انطلاق قطار مدريد للسلام عام 1991م، بحيث بدت دول مجلس التعاون كأنها في سباق مع الزمن بين بعضها تارة، وبينها وبين الدول العربية الأخرى تارة ثانية، لتحقيق تقدم ملحوظ في علاقاتها مع إسرائيل، خاصة على الصعيد التجاري والاقتصادي.
توتر وتراجع تطبيع العلاقات الخليجية-الإسرائيلية
مع التعنت الإسرائيلي الذي بدأ يظهر في مواقف إسرائيل إزاء عملية السلام في نهاية التسعينات من القرن الماضي، بدأت بعض الدول الخليجية، مثل السعودية والكويت والإمارات والبحرين، بمساندة عملية السلام ودعم الوضع العربي للقدس، وتعليق أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل إلى أن تنسحب إسرائيل انسحاباً كاملاً من كامل الأراضي العربية وإعادة الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.
ومع انطلاقة انتفاضة الأقصى في سبتمبر من عام 2000م، ازدادت المقاومة الشعبية العربية، والخليجية خصوصاً، للتطبيع مع إسرائيل، وعقد مؤتمر شعبي كبير لمقاومة التطبيع في الكويت، حضرته شخصيات خليجية من مختلف شرائح المجتمع الخليجي والتي عبرت عن رفضها لتطبيع العلاقات الخليجية مع إسرائيل، وازدادت ضراوتها مع استعار الانتفاضة بين عامي (2000-2001م)، وتشكلت كذلك أمانة عامة مكونة من متخصصين كويتيين وبحرينيين للترويج لمقاومة التطبيع والاتصال بالحكومات والشعوب في المنطقة العربية والخليج والمثابرة على ذلك بطرق سلمية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى توتر العلاقات الخليجية–الإسرائيلية، وظهور ملامح تراجع خليجي–عربي عن تقديم تنازلات جديدة للتطبيع مع إسرائيل في ضوء انفلات الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية وعدم اعتراف حكومة (شارون) اليمينية المتطرفة آنذاك بالحقوق الفلسطينية وبالاتفاقيات التي وقعت بين الجانبين.
وما إن تراجعت إسرائيل عن التزاماتها تجاه الطرف الفلسطيني، وفشلت المفاوضات على المسارين اللبناني والسوري، وتوترت الأوضاع بالمنطقة إثر انتفاضة الأقصى الثانية وأحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من عمليات عسكرية أمريكية-إسرائيلية على المحورين الفلسطيني والعراقي، حتى تراجعت العملية السلمية برمتها، وتأثر تطبيع العلاقات العربية عموماً مع إسرائيل، خاصة دول الخليج العربية، فأعادت تلك المتغيرات المنطقة برمتها إلى المربع الأول حيث العداء والتوتر، وبات تطبيع العلاقات الخليجية مع إسرائيل في مهب الريح، وتراجعت دول الخليج، خاصة السعودية والكويت والإمارات، عن فكرة التطبيع أو الترويج لها، في ظل التعنت والصلف الإسرائيلي الذي أضاع كل فرصة مواتية للسلام، خاصة بعد رفض الحكومة الإسرائيلية اليمينية آنذاك بقيادة حزب الليكود المتطرف (شارون)، مبادرة السلام العربية عام 2002م والتي قدمتها المملكة العربية السعودية كبادرة حسن نية عن الرغبة العربية في العيش بأمن وسلام واستقرار.
وفي عام 2003 شهدت العلاقات الخليجية-الإسرائيلية نقلة نوعية، حينما قام وفد من رجال أعمال إماراتيين برئاسة رئيس مجلس إدارة شركة (إعمار) العقارية محمد العبار بزيارة علنية إلى دولة الاحتلال وتوقيع عدد من الاتفاقيات التجارية المشتركة. وهي الزيارة التي أثارت جدلاً واسعاً آنذاك، خصوصاً حينما عرض رجال الأعمال الإماراتيون خلال مقابلتهم لرئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك ارئيل شارون شراء المستوطنات اليهودية التي كان ينوي إخلاءها في غزة ضمن خطة الانسحاب الأحادي الجانب.
وشهدت العلاقات الخليجية-الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تطورات مهمة، واكب بعضها المستجدات الإقليمية والدولية، بينما بدا البعض الآخر غير متسق مع المعطيات والتطورات الحاصلة، خصوصاً في الصراع العربي-الإسرائيلي، فإسرائيل تتخوف من أن تصبح دول الخليج العربية مركز ثقل اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً يسهم بدور إيجابي فاعل في المواجهة العربية معها. والموقف الخليجي العام من التطبيع مع إسرائيل يتسم بالتناقض بين ما هو رسمي وما هو شعبي.
وسعت إسرائيل منذ احتلال العراق والحرب الأمريكية على العراق عام 2003م إلى إحداث اختراق في جدار التطبيع مع دول الخليج العربية، حيت استغلت التطورات والتغيرات التي رافقت الحرب والعدوان لإحداث انفراج كبير في أزمة تطبيع العلاقات مع الدول الخليجية، وقد أطلقت إسرائيل سلسلة تصريحات رسمية وغير رسمية عبر تسريبات صحفية منذ نهاية عام 2005م، كشفت فيها عن خطوات تطبيعية اتخذتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، من بينها زيارات متبادلة بين الجانبين، سواء لمسؤولين رسميين أو لرجال أعمال، بل إن وزير الخارجية الإسرائيلي السابق سلفان شالوم أشار في سبتمبر 2005م إلى أنه اجتمع مع أكثر من عشرة وزراء خارجية لدول عربية وإسلامية (بينها دول خليجية)، معتبراً هذا التطور لم يكن مطروحاً حتى قبل سنوات قليلة.
واقع إقليمي فرض مسار تطبيع العلاقات
تسربت في عام 2008م إشارات إسرائيلية-أمريكية حول إمكانية استعانة دول مجلس التعاون الخليجي بإسرائيل كمظلة نووية ضد القدرات النووية الإيرانية، حيث أعلن سامي الفرج في فبراير 2008، وهو مدير مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية ويعمل مستشاراً للحكومة الكويتية ولمجلس التعاون الخليجي، أن امتلاك طهران قدرات نووية من شأنه إطلاق سباق تسلح نووي في المنطقة، وأبدى قبولاً صريحاً بمظلة نووية إسرائيلية لحماية دول مجلس التعاون حال امتلاك إيران سلاحاً نووياً.
ويمكن تفسير دوافع هذا التوجه الخليجي صوب إسرائيل في إطار التهديدات التي تتوقعها وتدركها دول مجلس التعاون من القدرات النووية الإيرانية المتزايدة باستمرار، ما يؤكد أن المتغيرات والتطورات التي تطرأ على العلاقات الخليجية –الإسرائيلية، حالياً ومستقبلاً، إنما تأتي انعكاساً لتغير الظروف في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى تخضع أزمة تطبيع هذه العلاقات الحساسة للتوازنات الإقليمية الاستراتيجية ومستويات تطور البرنامج النووي الإيراني تحديداً.
كما قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيفي ليفني بزيارة إلى قطر في إبريل 2008، شاركت خلالها بأعمال منتدى الديمقراطية والتنمية الثامن، والتقت ليفني أثناء الزيارة كبار المسؤولين القطريين وبحثت معهم -بالإضافة إلى جملة قضايا ثنائية سياسية واقتصادية- قضية تزويد قطر لإسرائيل بالغاز الطبيعي في صفقة بلغت قيمتها (11.4) مليار دولار. كما التقت ليفني أيضاً في الدوحة وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي، وهو اللقاء الأول من نوعه –علناً- على هذا المستوى بين إسرائيل وسلطنة عمان.
ورغم أن وزير الخارجية العماني استبعد في لقائه مع ليفني إعادة فتح مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في مسقط قبل قيام الدولة الفلسطينية، إلا أن مجرد عقد اللقاء، فضلاً عن الزيارة ذاتها، خطوة لا تتسق والتطورات السلبية المتتالية التي تشهدها عملية التسوية السلمية بين إسرائيل والعرب، خصوصاً على المسار الفلسطيني الذي يتعرض لانتكاسات متلاحقة، مصدرها الأساسي التعنت الإسرائيلي في المفاوضات، واستمرار عمليات الاستيطان، والاجتياح والمذابح المستمرة ضد الفلسطينيين المدنيين.
أزمة تطبيع العلاقات بين المقومات والمحددات
الواقع أن أزمة تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية مؤخراً تتأثر دوماً بالمتغيرات السياسية الإقليمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وأن مسار تطبيع العلاقات الخليجية-الإسرائيلية آخذ بالنمو مع تحسن مستويات العملية السلمية التي انطلقت من مؤتمر مدريد، وسعت دول مجلس التعاون بتشجيع الأطراف العربية ذات الصلة بالتسوية السلمية من خلال فتح مجال تجاري واقتصادي للتطبيع مع إسرائيل بهدف تعزيز ثقة الأخيرة بأن السلام العادل والشامل هو مطلب عربي لكافة أطراف النظام الإقليمي العربي.
والافتراض القائل بأن دخول الأطراف الخليجية في عملية تطبيع نشطة مع إسرائيل من شأنه خدمة عملية السلام يفترض بدوره أن تكون هذه الأطراف قادرة على التحكم في مسار العلاقات مع إسرائيل، غير أن قدرة هذه الأطراف تبدو مقيدة في ضوء اعتبارات عدة تتعلق بعلاقاتها مع إسرائيل، فمن ناحية هناك الاعتبار المتعلق بطبيعة الطموحات الإسرائيلية من وراء هذه العلاقات، ففي ظل طموحات إسرائيل الرامية إلى إقامة نظام إقليمي شرق أوسطي يمكًنها أن تندمج فيه، فإن قدرة الأطراف العربية على التأثير في السلوك التفاوضي لإسرائيل على المسارين السوري واللبناني تكون أكبر، حيث بإمكانها إبطاء معدل تطبيع العلاقات إذا كان ذلك ضرورياً من أجل الضغط على إسرائيل لإبداء مرونة أكبر في تعاملها على المسارين السوري واللبناني.
أما في حالة تراجع الطموحات الإسرائيلية إلى مستوى أكثر تواضعاً يكتفي بما تحقق على صعيد العلاقات من فرص للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي المحدود، فإن قدرة الأطراف العربية على التأثير في المواقف الإسرائيلية تعتمد وبدرجة أكبر على قدرتها على تغيير مسار العلاقات الراهنة وهذا يعتمد على الاعتبار الثاني، الذي يتمثل في قوة الدفع الذاتي المتولدة عن بروز قطاعات اجتماعية مستفيدة من تطبيع العلاقات مع إسرائيل والمتولدة أيضاً عن المصالح الذاتية الخاصة بالدول التي انخرطت بعلاقات مباشرة مع إسرائيل، فمن ناحية، هناك شك في أن تكون الدوافع القومية وراء قرار دول مجلس التعاون الخليجي تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، الأمر الذي يعني عدم تأثر هذه العلاقات كثيراً بما يجري على صعيد العلاقات الإسرائيلية ببقية الأطراف العربية.
ومن ناحية ثانية، لم يكن أي مستوى من مستويات التنسيق يوجه تحركات هذه الدول تجاه إسرائيل، وإنما تحركت كل دولة مدفوعة باعتبارات ودوافع تخصها، بل يشير البعض إلى أن تحركات كل من قطر وعمان، في هذا الصدد، تأتي متسقة مع التوجهات المستقلة التي تتبعها الدولتان في سياق تعاملهما مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بل يرجح البعض أن تكون قطر قد زادت من مستوى تعاونها مع إسرائيل من أجل الاستقواء على بقية دول المجلس التي تزايدت الخلافات معها، حتى في حالة الدول التي يمكن أن يجمعها هدف مشترك وراء تقاربها مع إسرائيل، على الرغم من غياب التنسيق، فإن هذا الهدف لا يتصل بأي مستوى من مستويات تدعيم الموقف العربي التفاوضي أو العمل العربي المشترك.
وتتنوع مقومات ومحددات تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية تبعاً للظروف والأحوال الداخلية، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، والخارجية في إطار التغيرات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة. ويبدو أن محددات ومعوقات تطبيع العلاقات الخليجية–الإسرائيلية حالياً ومستقبلاً أكثر بكثير من مقومات ومحفزات فرص التطبيع، لا سيما في ظل التراكمات المتسارعة التي تشهدها المنطقة منذ أحداث 11 سبتمبر واحتلال العراق في إبريل 2003م، فإذا كان الموقف الخليجي الشعبي الرافض للتطبيع، ومشاريع إسرائيل الاستغلالية لدول مجلس التعاون وأطماعها في ثروات المنطقة، والوضع الإقليمي لتوازن القوى بعد حرب العراق، و(موت) عملية السلام.. إلخ، كلها عوامل دفع سلبية أو محددات لتطبيع العلاقات الخليجية – الإسرائيلية، فإن عوامل الدفع أو المقومات لا تتمثل سوى في جملة ضغوط أمريكية–إسرائيلية على دول مجلس التعاون لتطبيع العلاقات الثنائية بغض النظر عن الاعتبارات سالفة الذكر.
ويمكن القول إن (مقومات التطبيع) و(محددات الرفض) لا تزال تتصارع في البيئة الخليجية الرسمية، وفي حين تمارس المؤثرات الخارجية، ضمن أمور أخرى، دورها في تفعيل الشطر الأول من هذه المقومات، فإن المناخ الاجتماعي المحلي يمارس دوره – في المقابل – في تفعيل وإذكاء الشطر الثاني منها.
ومن شأن سلسلة التطورات الحالية المؤثرة في العلاقات الخليجية-الإسرائيلية، سواء المتسقة مع مجمل التطورات الإقليمية أو تلك المتعارضة معها، أن تحل شيفرة أزمة تطبيع العلاقات، وأن تدعو إسرائيل ودول الخليج إلى إعادة النظر في مسيرة تطبيع العلاقات بين الجانبين، وسبر غور كيفية نجاح إسرائيل في كسر طوق المقاطعة الخليجية لها، والخروج بالعلاقات -التي كانت تتم في إطار خطوات سرية وعلى استحياء- إلى دائرة العلن.
::/fulltext::
::cck::3056::/cck::
